انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الرعد

تفسير القرطبيالآيات 14–31

تفسير سورة الرعد آية آية، من تفسير القرطبي.

لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ ۝١٤

قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ} أي لله دعوة الصدق. قال ابن عباس وقَتَادة وغيرهما: لا إله إلا الله. وقال الحسن: إن الله هو الحق، فدعاؤه دعوة الحق. وقيل: إن الإخلاص في الدعاء هو دعوة الحق؛ قاله بعض المتأخرين. وقيل: دعوة الحق دعاؤه عند الخوف؛ فإنه لا يدعى فيه إلا إياه، كما قال:

{ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ }[الإسراء: 67]؛ قال الْمَاوَرْدِيّ: وهو أشبه بسياق الآية؛ لأنه قال: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعني الأصنام والأوثان. {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ} أي لا يستجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء. {إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} ضرب الله عز وجل الماء مثلاً ليأسهم من الإجابة لدعائهم؛ لأن العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مَثَلا بالقابض الماء باليد؛ قال:

فأصبحتُ فيما كان بَيْني وبينهامن الودّ مثلَ القابِض الماء باليدِ

وفي معنى هذا المثل ثلاثة أوجه: أحدها: أن الذي يدعو إلهاً من دون الله كالظمآن الذي يدعو الماء إلى فِيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبداً، لأن الماء لا يستجيب، وما الماء ببالغ إليه؛ قاله مجاهد. الثاني: أنه كالظمآن الذي يرى خياله في الماء وقد بسط كفّه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه، لكذب ظنه، وفساد توهمه؛ قاله ابن عباس. الثالث: أنه كباسط كفه إلى الماء ليقبض عليه فلا يجمد في كفه شيء منه. وزعم الفراء أن المراد بالماء هاهنا البئر؛ لأنها معدن للماء، وأن المثل كمن مدّ يده إلى البئر بغير رِشاء؛ وشاهده قول الشاعر:

فإن الماءَ ماءُ أَبِي وجَدّيوبِئري ذُو حَفَرْتُ وذُو طَوَيْتُ

قال علي رضي الله عنه: هو كالعطشان على شفة البئر، فلا يبلغ قعر البئر، ولا الماء يرتفع إليه؛ ومعنى «إِلاَّ كَبَاسِطِ» إلا كاستجابة باسط كفيه «إِلَى الْمَاءِ» فالمصدر مضاف إلى الباسط، ثم حذف المضاف؛ وفاعل المصدر المضاف مراد في المعنى وهو الماء؛ والمعنى: إلا كإجابة باسط كفيه إلى الماء؛ واللام في قوله: «لِيَبْلُغَ فَاهُ» متعلقة بالبسط؛ وقوله: «وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ» كناية عن الماء؛ أي وما الماء ببالغ فاه. ويجوز أن يكون «هو» كناية عن الفم؛ أي ما الفم ببالغ الماء. {وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} أي ليست عبادة الكافرين الأصنام إلا في ضلال، لأنها شرك. وقيل: إلا في ضلال أي يضلّ عنهم ذلك الدعاء، فلا يجدون منه سبيلاً؛ كما قال: { أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا }[الأعراف: 37] وقال ابن عباس: أي أصوات الكافرين محجوبة عن الله فلا يسمع دعاءهم.

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ۝١٥

قوله تعالى: {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} قال الحسن وقَتَادة وغيرهما: المؤمن يسجد طوعاً، والكافر يسجد كَرهاً بالسيف. وعن قَتَادة أيضاً: يسجد الكافر كارهاً حين لا ينفعه الإيمان. وقال الزجاج: سجود الكافر كَرها ما فيه من الخضوع وأثر الصّنعة. وقال ابن زيد: {طَوْعاً} من دخل في الإسلام رغبة، و{كَرها} من دخل فيه رهبة بالسيف. وقيل: {طوعاً} من طالت مدة إسلامه فألف السجود، و{كَرها} من يكره نفسه لله تعالى؛ فالآية في المؤمنين، وعلى هذا يكون معنى {وَالأَرْضِ} وبعض من في الأرض. قال القُشَيْرِي: وفي الآية مسلكان: أحدهما: أنها عامة والمراد بها التخصيص؛ فالمؤمن يسجد طوعاً، وبعض الكفار يسجدون إكراهاً وخوفاً كالمنافقين؛ فالآية محمولة على هؤلاء، ذكره الفرّاء. وقيل على هذا القول: الآية في المؤمنين؛ منهم من يسجد طوعاً لا يثقل عليه السجود، ومنهم من يثقل عليه؛ لأن التزام التكليف مشقّة، ولكنهم يتحملون المشقّة إخلاصاً وإيماناً، إلى أن يألفوا الحق ويَمْرُنوا عليه. والمسلك الثاني: ـ وهو الصحيح ـ إجراء الآية على التعميم؛ وعلى هذا طريقان: أحدهما: أن المؤمن يسجد طوعاً، وأما الكافر فمأمور بالسجود مؤاخذ به. والثاني: ـ وهو الحق ـ أن المؤمن يسجد ببدنه طوعاً، وكل مخلوق من المؤمن والكافر يسجد من حيث إنه مخلوق، يسجد دلالة وحاجة إلى الصانع؛ وهذا كقوله:

{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ }[الإسراء: 44] وهو تسبيح دلالة لا تسبيح عبادة. {وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} أي ظلال الخلق ساجدة لله تعالى بالغدوّ والآصال؛ لأنها تبين في هذين الوقتين، وتميل من ناحية إلى ناحية؛ وذلك تصريف الله إياها على ما يشاء؛ وهو كقوله تعالى: { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ }[النحل: 48] قاله ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: ظِل المؤمن يسجد طوعاً وهو طائع؛ وظل الكافر يسجد كرهاً وهو كاره. وقال ٱبن الأنباريّ: يجعل للظلال عقول تسجد بها، كما جُعِل للجبال أفهامُ حتى خاطبت وخوطبت. قال القُشَيري: في هذا نظر؛ لأن الجبل عين، فيمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة، وأما الظلال فآثار وأعراض، ولا يتصور تقدير حياة لها، والسجود بمعنى الميل؛ فسجود الظلال ميلها من جانب إلى جانب؛ يقال: سجدت النخلة أي مالت. و{الآصال} جمع أُصُل، واْلأُصُل جمع أَصِيل؛ وهو ما بين العصر إلى الغروب، ثم أصائِل جمع الجمع؛ قال أبو ذؤيب الهذلي:

لَعَمْرِي لأَنْتَ البيتُ أُكرِمُ أَهلَهُوأَقعدُ في أَفْيَائِهِ بِالأَصَائِل

و«ظِلاَلُهُمْ» يجوز أن يكون معطوفاً على {منْ} ويجوز أن يكون ٱرتفع بالابتداء والخبر محذوف؛ التقدير: وظلالُهم سُجدٌ بالغدوّ والآصال و{بالغدوّ} يجوز أن يكون مصدراً، ويجوز أن يكون جمع غداة؛ يقوّي كونه جمعاً مقابلة الجمع الذي هو الآصال به.

قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُ أَمْ جَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا۟ كَخَلْقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّٰرُ ۝١٦

قوله تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: «قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» ثم أمره أن يقول (لهم): هو الله إلزاماً للحجة إن لم يقولوا ذلك، وجهلوا مَن هو. {قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} هذا يدلّ على ٱعترافهم بأن الله هو الخالق (وإلا) لم يكن للاحتجاج بقوله: {قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} معنى؛ دليله قوله:

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }[لقمان: 25] أي فإذا ٱعترفتم فَلِمَ تعبدون غيره؟ٰ وذلك الغير لا ينفع ولا يضرّ؛ وهو إلزام صحيح. ثم ضرب لهم مثلاً فقال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} فكذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق، والمشرك الذي لا يبصر الحق. وقيل: الأعمى مَثَلٌ لما عبدوه من دون الله، والبصير مَثَلُ الله تعالى: {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ} أي الشرك والإيمان. وقرأ ٱبن محيصِن وأبو بكر والأعمش وحمزة والكسائي «يستوِي» بالياء لتقدم الفعل؛ ولأن تأنيث «الظلمات» ليس بحقيقي. الباقون بالتاء؛ واختاره أبو عبيد، قال: لأنه لم يحل بين المؤنث والفعل حائل. و«الظلمات والنور» مثل الإيمان والكفر؛ ونحن لا نقف على كيفية ذلك. {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} هذا من تمام الاحتجاج؛ أي خَلَق غير الله مثل خلقه فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون خلق الله من خلق آلهتهم. {قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} أي قل لهم يا محمد: «اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ»، فلزم لذلك أن يعبده كل شيء. والآية ردّ على المشركين والقَدَرية الذين زعموا أنهم خلقوا كما خلق الله. {وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ} قبل كل شيء. {ٱلْقَهَّارُ} الغالب لكل شيء، الذي يغلب في مراده كل مريد. قال القُشَيريّ أبو نصر: ولا يبعد أن تكون الآية واردة فيمن لا يعترف بالصانع؛ أي سَلْهُم عن خالق السموات والأرض، فإنه يسهل تقرير الحجة فيه عليهم، ويقرب الأمر من الضرورة؛ فإن عَجْز الجماد وعَجْز كل مخلوق عن خلق السموات والأرض معلوم؛ وإذا تقرّر هذا وبَانَ أن الصانع هو الله فكيف يجوز إعتداد الشريك له؟ٰ وبيّن في أثناء الكلام أنه لو كان للعالم صانعان لاشتبه الخلق، ولم يتميز فعل هذا عن فعل ذلك، فبم يعلم أن الفعل من اثنين؟ٰ

أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَٰعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُۥ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَٰطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ ۝١٧ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُۥ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ۝١٨ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝١٩

قوله تعالى: {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} ضرب مثلاً للحق والباطل؛ فشبَّه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء، فإنه يضمحلّ ويعلق بجنبات الأودية، وتدفعه الرياح؛ فكذلك يذهب الكفر ويضمحلّ، على ما نبيّنه. قال مجاهد: «فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا» قال: بقدر ملئها. وقال ابن جُرَيج: بقدر صغرها وكبرها. وقرأ الأَشْهَبْ العُقَيْلي والحسن «بِقَدْرِهَا» بسكون الدال، والمعنى واحد. وقيل: معناها بما قدّر لها. والأودية جمع الوادي؛ وسمّي وادياً لخروجه وسيلانه؛ فالوادي على هذا ٱسم للماء السائل. وقال أبو علي: «فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ» توسع؛ أي سال ماؤها فحذف؛ قال ومعنى «بِقَدَرِهَا» بقدر مياهها؛ لأن الأودية ما سالت بقدر أنفسها. «فَٱحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً» أي طالعاً عالياً مرتفعاً فوق الماء، وتمّ الكلام؛ قاله مجاهد. ثم قال: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ} وهو المثل الثاني. {ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ} أي حلية الذهب والفضة. {أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ} قال مجاهد: الحديد والنحاس والرصاص. وقوله: «زَبَدٌ مِثْلُهُ» أي يعلو هذه الأشياء زبد كما يعلو السيل؛ وإنما احتمل السيل الزبد لأن الماء خالطه تراب الأرض فصار ذلك زبداً، كذلك ما يوقد عليه في النار من الجوهر ومن الذهب والفضة مما يَنبثّ فِي الأرض من المعادن فقد خالطه التراب؛ فإنما يوقد عليه ليذوب فيزايله تراب الأرض. وقوله: {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً} قال مجاهد: جموداً. وقال أبو عبيدة قال أبو عمرو بن العلاء: أَجْفَأَتِ الْقِدْرُ إذا غَلَت حتى ينصبّ زَبَدُها، وإذا جَمَد في أسفلها. والجُفاء ما أجفاه الوادي أي رمَى به. وحكى أبو عبيدة أنه سمع رُؤْبة يقرأ «جُفَالاً» قال أبو عبيدة: يقال أَجْفَلَت القِدْرُ إذا قدفت بزبدها، وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته. {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ} قال مجاهد: هو الماء الخالص الصّافي. وقيل: الماء وما خلص من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص؛ وهو أن المثَلين ضربهما الله للحقّ في ثباته، والباطل في اضمحلاله، فالباطل وإن علا في بعض الأحوال فإنه يضمحلّ كاضمحلال الزّبد والخَبَث. وقيل: المراد مَثَلٌ ضربه الله للقرآن وما يدخل منه القلوب؛ فَشبَّه القرآن بالمطر لعموم خيره وبقاء نفعه، وشَبَّه القلوب بالأودية، يدخل فيها من القرآن مثل ما يدخل في الأودية بحسب سعتها وضيقها. قال ابن عباس: «أَنْزَلَ مِن السَّمَاءِ مَاءً» قال: قرآناً؛ «فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا» قال: الأودية قلوب العباد. قال صاحب «سوق العروس» إن صحّ هذا التفسير فالمعنى فيه أن الله سبحانه مَثّل القرآن بالماء. ومَثّل القلوب بالأودية، ومثل المُحْكَم بالصّافي، ومثل المتشابه بالزّبد. وقيل: الزبد مخايل النفس وغوائل الشك ترتفع من حيث ما فيها فتضطرب من سلطان تِلَعها، كما أن ماء السّيل يجري صافياً فيرفع ما يجد في الوادي باقياً، وأما حلية الذهب والفضة فمثل الأحوال السَّنية. والأخلاق الزّكية؛ التي بها جمال الرجال، وقوام صالح الأعمال، كما أن من الذّهب والفضّة زينة النّساء، وبهما قيمة الأشياء. وقرأ حميد وابن محيصن ويحيـى والأعمش وحمزة والكسائي وحفص «يُوقِدُونَ» بالياء واختاره أبو عبيد؛ لقوله: «يَنْفَعُ النَّاس» فأخبر، ولا مخاطبة هاهنا. الباقون بالتاء لقوله في أول الكلام: «أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ» الآية. وقوله: «فِي النَّارِ» متعلق بمحذوف، وهو في موضع الحال، وذو الحال الهاء التي في «عَلَيْهِ» التقدير: ومما توقدون عليه ثابتاً في النار أو كائناً. وفي قوله: «فِي النَّارِ» ضمير مرفوع يعود إلى الهاء التي هي ٱسم ذي الحال ولا يستقيم أن يتعلق «فِي النَّارِ» بـ«ـيوقدون» من حيث لا يستقيم أوقدتُ عليه في النار؛ لأن الموقَد عليه يكون في النَّار، فيصير قوله: «فِي النَّارِ» غير مفيد. وقوله: «ٱبْتِغَاءَ حِلْيَةٍ» مفعول له. «زَبَدٌ مِثْلُهُ» ابتداء وخبر؛ أي زبد مثل زبد السّيل. وقيل: إن خبر «زبد» قوله: «فِي النَّارِ» الكسائي: «زَبَدٌ» ابتداء، و«مِثْلُهُ» نعت له، والخبر في الجملة التي قبله، وهو «مِمَّا يُوقِدُونَ». {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} أي كما بيّن لكم هذه الأمثال فكذلك يضربها بيّنات. تم الكلام، ثم قال: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ} أي أجابوا؛ واستجاب بمعنى أجاب؛ قال:

فلَـمْ يَسْتجِبْه عند ذاكَ مُجِيـب

وقد تقدم؛ أي أجاب إلى ما دعاه الله من التوحيد والنبوات. {ٱلْحُسْنَىٰ} لأنها في نهاية الحسن. وقيل: من الحسنى النصر في الدنيا، والنعيم المقيم غداً. {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ} أي لم يجيبوا إلى الإيمان به. {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي من الأموال. {وَمِثْلَهُ مَعَهُ} ملك لهم. {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} من عذاب يوم القيامة؛ نظيره في «آل عمران» { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً }}، [آل عمران: 10]، { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ }[آل عمران: 91] حسب ما تقدم بيانه هناك. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ} أي لا يقبل لهم حسنة، ولا يتجاوز لهم عن سيئة. وقال فَرْقَدْ السَّبَخِيّ قال (لي) إبراهيم النَّخعيّ: يا فَرْقَد! أتدري ما سوء الحساب؟ قلت لاٰ قال أن يحاسَب الرجل بذنبه كلّه لا يفقد منه شيء. {وَمَأْوَاهُمْ} أي مسكنهم ومقامهم. {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} أي الفراش الذي مهدوا لأنفسهم.

قوله تعالى: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} هذا مَثَلٌ ضربه الله للمؤمن والكافر، ورُوي أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وأبي جهل لعنه الله. والمراد بالعَمَى عَمَى القلب، والجاهل بالدين أعمى القلب. {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}.

ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَٰقَ ۝٢٠

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} هذا من صفة ذوي الألباب، أي إنما يتذكر أولو الألباب الموفون بعهد الله. والعهد ٱسم للجنس؛ أي بجميع عهود الله، وهي أوامره ونواهيه التي وصّى بها عَبيده؛ ويدخل في هذه الألفاظ التزامُ جميع الفروض، وتجنبُ جميع المعاصي. وقوله: {وَلاَ يِنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ} يحتمل أن يريد به جنس المواثيق، أي إذا عقدوا في طاعة الله عهداً لم ينقضوه. قال قَتَادة: تقدم الله إلى عباده في نقض الميثاق ونهى عنه في بضع وعشرين آية؛ ويحتمل أن يشير إلى ميثاق بعينه، وهو الذي أخذه الله على عباده حين أخرجهم من صلب أبيهم آدم. وقال القَفّال: هو ما ركب في عقولهم من دلائل التوحيد والنبوات.

الثانية: روى أبو داود وغيره

عن عوف بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أو ثمانية أو تسعة فقال: «ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم» وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا: قد بايعناك (حتى قالها ثلاثاً؛ فبسطنا أيدينا فبايعناه، فقال قائل: يا رسول الله! إنا قد بايعناك) فعلى ماذا نبايعك؟ قال: «أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وتُصلّوا الصلوات الخمس وتسمعوا وتُطيعوا ـ وأسرّ كلمةً خَفِيَّةً ـ قال لا تسألوا الناس شيئاً». قال: ولقد كان بعض أولئك النفر يسقط سَوْطه فما يسأل أحداً أن يناوله إيّاه. قال ابن العربي: من أعظم المواثيق في الذكر ألاّ يُسأل سواه؛ فقد كان أبو حمزة الخراساني من كبار العبّاد سمع أن أناساً بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاّ يسألوا أحداً شيئاً، الحديث؛ فقال أبو حمزة: رب إن هؤلاء عاهدوا نبيّك إذ رأوه، وأنا أعاهدك ألاّ أسأل أحداً شيئاً؛ قال: فخرج حَاجًّا من الشام يريد مكة فبينما هو يمشي في الطريق من الليل إذ بقي عن أصحابه لعذر ثم أتبعهم، فبينما هو يمشي إليهم إذ سقط في بئر على حاشية الطريق؛ فلما حلّ في قعره قال: أستغيث لعل أحداً يسمعني. ثم قال: إن الذي عاهدته يراني ويسمعني، والله! لا تكلمت بحرف للبشر، ثم لم يلبث إلا يسيراً إذ مرّ بذلك البئر نفر، فلما رأوه على حاشية الطريق قالوا: إنه لينبغي سدّ هذا البئر؛ ثم قطعوا خشباً ونصبوها على فم البئر وغطّوها بالتراب؛ فلما رأى ذلك أبو حمزة قال: هذه مهلكة، ثم أراد أن يستغيث بهم، ثم قال: والله! لا أخرج منها أبداً؛ ثم رجع إلى نفسه فقال: أليس قد عاهدت مَن يراك؟ فسكَتَ وتوكّل، ثم ٱستند في قعر البئر مفكراً في أمره فإذا بالتراب يقع عليه؛ والخشب يرفع عنه، وسمع في أثناء ذلك من يقول: هات يدك! قال: فأعطيته يدي فأقلّني في مرة واحدة إلى فم البئر، فخرجت فلم أر أحداً؛ فسمعت هاتفاً يقول: كيف رأيت ثمرة التوكل؛ وأنشد:

نَهانِي حَيائِي منكَ أن أكشفَ الهوىفأغنيتني بالعِلْمِ منكَ عن الكَشْف تَلَطَّفْتَ في أمري فأبديت شاهديإلى غائبي واللّطفُ يُدرَكُ باللُّطْف تَراءيتَ لي بالعلم حتى كأنماتُخَبِّرُني بالغيب أنّكَ في كفِّ أَرانِي وبي من هَيْبَتي لَكَ وَحْشَةٌفتؤنِسُني باللُّطف مِنكَ وبالعطف وتُحيِـي مُحِبًّا أنت في الحبِّ حَتْفُهُوذا عَجبٌ كيف الحياةُ مَعَ الْحَتْفِ

قال ٱبن العربي: هذا رجل عاهد الله فوجد الوفاء على التمام والكمال، فاقتدوا به إن شاء الله تهتدوا. قال أبو الفرج الجوزيّ: سكوت هذا الرجل في هذا المقام على التوكل بزعمه إعانة على نفسه، وذلك لا يحلّ؛ ولو فهم معنى التوكل لعلم أنه لا ينافي ٱستغاثته في تلك الحالة؛ كما لم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوكل بإخفائه الخروجَ من مكة، وٱستئجاره دليلاً، وٱستكتامه ذلك الأمر، وٱستتاره في الغار، وقوله لسُرَاقة:اخْفِ عَنّا. فالتوكل الممدوح لا يُنال بفعل محظور؛ وسكوت هذا الواقع في البئر محظور عليه، وبيان ذلك أن الله تعالى قد خلق للآدمي آلة يدفع عنه بها الضرر، وآلة يجتلب بها النفع، فإذا عطلها مدّعياً للتوكل كان ذلك جهلاً بالتوكل، وردّاً لحكمة التواضع؛ لأن التوكل إنما هو اعتماد القلب على الله تعالى، وليس من ضرورته قطع الأسباب؛ ولو أن إنساناً جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار؛ قاله سفيان الثّوري وغيره، لأنه قد دلّ على طريق السلامة، فإذا تقاعد عنها أعان على نفسه. وقال أبو الفرج: ولا التفات إلى قول أبي حمزة: «فجاء أسد فأخرجني» فإنه إن صح ذلك فقد يقع مثله ٱتفاقاً، وقد يكون لطفاً من الله تعالى بالعبد الجاهل، ولا ينكر أن يكون الله تعالى لطف به، إنما ينكر فعله الذي هو كَسْبه، وهو إعانته على نفسه التي هي وديعة لله تعالى عنده، وقد أمره بحفظها.

وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ ۝٢١ وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ۝٢٢ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ ۝٢٣ سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ۝٢٤

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} ظاهر في صلة الأرحام، وهو قول قَتَادة وأكثر المفسرين، وهو مع ذلك يتناول جميع الطاعات. {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} قيل: في قطع الرَّحم. وقيل: في جميع المعاصي. {وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ}. سوء الحساب الاستقصاء فيه والمناقشة؛ ومن نوقش الحساب عُذّب. وقال ابن عباس وسعيد بن جُبَير: معنى. «يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ» الإيمان بجميع الكتب والرسل كلهم. الحسن: هو صلة محمد صلى الله عليه وسلم. ويحتمل رابعاً: أن يصلوا الإيمان بالعمل الصالح؛ «وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ» فيما أمرهم بوصله، «وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ» في تركه؛ والقول الأول يتناول هذه الأقوال كما ذكرنا، وبالله توفيقنا.

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} قيل: «الَّذِينَ» مستأنف؛ لأن «صَبَرُوا» ماض فلا ينعطف على «يُوفونَ». وقيل: هو من وصف مَن تقدّم، ويجوز الوصف تارة بلفظ الماضي، وتارة بلفظ المستقبل؛ لأن المعنى من يفعل كذا فله كذا؛ ولما كان «الَّذِينَ» يتضمن الشرط (و) الماضي في الشرط كالمستقبل جاز ذلك؛ ولهذا قال: «الَّذِينَ يُوفُونَ» ثم قال: «وَالَّذِينَ صَبَرُوا» ثم عطف عليه فقال: «وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةِ» قال ٱبن زيد: صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصية الله. وقال عطاء: صبروا على الرزايا والمصائب، والحوادث والنوائب. وقال أبو عِمْران الْجَوْني: صبروا على دينهم ابتغاء وجه الله. {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أدّوها بفروضها وخشوعها في مواقيتها. {وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} يعني الزكاة المفروضة؛ عن ابن عباس، وقد مضى القول في هذا في «البقرة» وغيرها. {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} أي يدفعون بالعمل الصالح السَّيىء من الأعمال، قاله ابن عباس. ٱبن زيد: يدفعون الشر بالخير. سعيد بن جُبير: يدفعون المنكر بالمعروف. الضّحاك: يدفعون الفحش بالسلام. جُوَيبِر: يدفعون الظلم بالعفو. ٱبن شجرة: يدفعون الذنب بالتوبة. القُتَبي: يدفعون سفه الجاهل بالحلم؛ فالسّفه السّيئة، والحلم الحسنة. وقيل: إذا هموا بسيئة رجعوا عنها واستغفروا. وقيل: يدفعون الشرك بشهادة أن لا إلٰه إلا الله؛ فهذه تسعة أقوال، معناها كلها متقارب، والأول يتناولها بالعموم؛ ونظيره:

{ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ }[هود: 114] ومنه قوله عليه السلام لمعاذ:وَأَتْبِعْ السّيئة الحَسَنَة تَمْحُهَا وخَالِق الناسَ بِخُلُق حَسَن. قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} أي عاقبة الآخرة، وهي الجنة بدل النار، والدار غداً داران: الجنة للمطيع، والنار للعاصي؛ فلما ذكر وصف المطيعين فدارهم الجنة لا محالة. وقيل: عنى بالدار دار الدنيا؛ أي لهم جزاء ما عملوا من الطاعات في دار الدنيا.

قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} أي لهم جنات عدن؛ فـ«ـجَنَّاتُ عَدْنٍ» بدل من «عُقْبَى» ويجوز أن تكون تفسيراً لـ«ـعُقْبَى الدَّارِ» أي لهم دخول جنات عدن؛ لأن «عُقْبَى الدَّارِ» حَدَث و«جَنَّاتُ عَدْنٍ» عين، والحدث إنما يفسر بحدَث مثله؛ فالمصدر المحذوف مضاف إلى المفعول. ويجوز أن يكون «جَنَّاتُ عَدْنٍ» خبر ابتداء محذوف. و«جَنَّاتُ عَدْنٍ» وسط الجنة وقَصَبتها، وسقفها عرش الرحمن؛ قاله القُشَيري أبو نصر عبد الملك. وفي صحيح البخاري:

إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمٰن ومنه تُفَجّر أنهار الجنةفيحتمل أن يكون «جنات» كذلك إن صحّ فذلك خبر. وقال عبد الله بن عمرو: إن في الجنة قصراً يقال له عَدْن، حوله البُرُوج والمروج؛ فيه ألف باب، على كل باب خمسة آلاف حِبَرَة لا يدخله إلا نبي أو صدّيق أو شهيد. و«عدن» مأخوذ من عَدَن بالمكان إذا أقام فيه؛ على ما يأتي بيانه في سورة «الكهف» إن شاء الله تعالى. {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} يجوز أن يكون معطوفاً على «أُولَئِكَ» المعنى: أولئك ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم لهم عقبى الدار. ويجوز أن يكون معطوفاً على الضمير المرفوع في: «يَدْخُلُونَهَا» وحسن العطف لما حال الضمير المنصوب بينهما. ويجوز أن يكون المعنى: يدخلونها ويدخلها من صلح من آبائهم؛ أي من كان صالحاً، لا يدخلونها بالأنساب. ويجوز أن يكون موضع «مَنْ» نصباً على تقدير: يدخلونها مع من صلح من آبائهم، وإن لم يعمل مثل أعمالهم يُلحقه الله بهم كرامة لهم. وقال ٱبن عباس: هذا الصلاح الإيمان بالله والرسول، ولو كان لهم مع الإيمان طاعات أخرى لدخلوها بطاعتهم لا على وجه التبعيّة. قال القُشَيريّ: وفي هذا نظر؛ لأنه لا بد من الإيمان، فالقول في ٱشتراط العمل الصالح كالقول في ٱشتراط الإيمان. فالأظهر أن هذا الصلاح في جملة الأعمال، والمعنى: أن النعمة غَداً تَتمّ عليهم بأن جعلهم مجتمعين مع قراباتهم في الجنة، وإن دخلها كل إنسان بعمل نفسه؛ بل برحمة الله تعالى

قوله تعالى: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} أي بالتحف والهدايا من عند الله تكرمة لهم. {سَلاَمٌ عَلَيْكُم} أي يقولون: سلام عليكم؛ فأضمر القول، أي قد سلمتم من الآفات والمحن. وقيل: هو دعاء لهم بدوام السلامة، وإن كانوا سالمين، أي سلمكم الله، فهو خبر معناه الدعاء؛ ويتضمن الاعتراف بالعبودية. {بِمَا صَبَرْتُمْ} أي بصبركم؛ فـ«ـما» مع الفعل بمعنى المصدر، والباء في «بما» متعلقة بمعنى. «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ» ويجوز أن تتعلق بمحذوف؛ أي هذه الكرامة بصبركم، أي على أمر الله تعالى ونهيه؛ قاله سعيد بن جُبَير. وقيل: على الفقر في الدنيا؛ قاله أبو عِمران الجونيّ. وقيل: على الجهاد في سبيل الله؛ كما روي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هل تدرون من يدخل الجنة من خلق الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: «المجاهدون الذين تُسدّ بهم الثغور وتُتّقى بهم المكاره فيموت أحدهم وحاجته في نفسه لا يستطيع لها قضاء فتأتيهم الملائكة فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وقال محمد بن إبراهيم: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان؛ وذكره الْبَيْهَقِيّ عن أبي هُريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي الشهداء، فَإِذَا أَتَى فُرْضَة الشِّعْب يقول: «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار». ثم كان أبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، وكان عمر بعد أبي بكر يفعله، وكان عثمان بعد عمر يفعله. وقال الحسن البصري رحمه الله: «بِمَا صَبَرْتُمْ» عن فضول الدنيا. وقيل: «بِمَا صَبَرْتُمْ» على ملازمة الطاعة، ومفارقة المعصية؛ قال معناه الفُضَيْل بن عِيَاض. ابن زيد: «بِمَا صَبَرْتُمْ» عما تحبونه إذا فقدتموه. ويحتمل سابعاً: «بِمَا صَبَرْتُمْ» عن اتباع الشهوات. وعن عبد الله بن سَلاَم وعلي بن الحسين رضي الله عنهم (أنهما قالا): إذا كان يوم القيامة ينادي مناد ليقم أهل الصبر؛ فيقوم ناس من الناس فيقال لهم: ٱنطلقوا إلى الجنة فتتلقّاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة؛ قالوا: قبل الحساب؟ قالوا نعم! فيقولون: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبّرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبّرناها عن معاصي الله وصبّرناها على البلاء والمحن في الدنيا. قال علي بن الحسين: فتقول لهم الملائكة: ٱدخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. وقال ٱبن سَلاَم: فتقول لهم الملائكة: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ». «فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» أي نعم عاقبة الدار التي كنتم فيها؛ عملتم فيها ما أعقبكم هذا الذي أنتم فيه؛ فالعقبى على هذا ٱسم، و«الدار» هي الدنيا. وقال أبو عِمران الْجَوْني: «فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» الجنة عن النار. وعنه: «فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» الجنة عن الدنيا.

وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ۝٢٥ ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٌ ۝٢٦

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} لما ذكر الموفين بعهده، والمواصلين لأمره، وذكر مالهم ذكر عكسهم. نقض الميثاق: ترك أمره. وقيل: إهمال عقولهم، فلا يتدبرون بها ليعرفوا الله تعالى. {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} أي من الأرحام. والإيمان بجميع الأنبياء. {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} أي بالكفر وٱرتكاب المعاصي {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ} أي الطّرد والإبعاد من الرحمة. {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} أي سوء المنقلَب، وهو جهنم. وقال سعد بن أبي وقّاص: والله الذي لا إله إلا هوٰ إنهم الْحَرُورِية. قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} لما ذكر عاقبة المؤمن وعاقبة المشرك بيّن أنه تعالى الذي يبسط الرزق ويقدر في الدنيا، لأنها دار ٱمتحان؛ فبَسْط الرزق على الكافر لا يدلّ على كرامته، والتّقتير على بعض المؤمنين لا يدلّ على إهانتهم. «وَيَقْدِرُ» أي يضيق؛ ومنه.

{ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ }[الطلاق: 7] أي ضيّق. وقيل: «يقدر» يعطي بقدر الكفاية. {وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعني مشركي مكة؛ فرحوا بالدنيا ولم يعرفوا غيرها، وجهلوا ما عند الله؛ وهو معطوف على «وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ». وفي الآية تقديم وتأخير؛ التقدير: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وفرحوا بالحياة الدنيا. {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ} أي في جنبها. {إِلاَّ مَتَاعٌ} أي متاع من الأمتعة، كالقَصْعة والسُّكُرُّجَة. وقال مجاهد: شيء قليل ذاهب؛ من مَتَعَ النهارُ إذا ارتفع، فلا بدّ له من زوال. ٱبن عباس: زَادٌ كزاد الراعي. وقيل: متاع الحياة الدنيا ما يُستمتع بها منها. وقيل: ما يتزود منها إلى الآخرة، من التقوى والعمل الصالح، «وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ» ثم ٱبتدأ. «اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ» أي يوسّع ويضيّق.

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ۝٢٧ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ۝٢٨

قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} بين في مواضع أن ٱقتراح الآيات على الرسل جهل، بعد أن رأوا آية واحدة تدلّ على الصدق، والقائل عبد الله بن أبي أمية وأصحابه حين طالبوا النبي صلى الله عليه وسلم بالآيات. {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ} عزّ وجلّ {يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} أي كما أضلكم بعد ما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها يضلّكم عند نزول غيرها. {وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} أي من رجع. والهاء في «إليه» للحق، أو للإسلام، أو لله عزّ وجلّ؛ على تقدير: ويهدي إلى دينه وطاعته من رجع إليه بقلبه. وقيل: هي للنبي صلى الله عليه وسلم.

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} «الذين» في موضع نصب، لأنه مفعول؛ أي يهدي الله الذين آمنوا. وقيل بدل من قوله: «مَنْ أَنَابَ» فهو في محل نصب أيضاً. {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ} أي تسكن وتستأنس بتوحيد الله فتطمئن؛ قال: أي وهم تطمئن قلوبهم على الدوام بذكر الله بألسنتهم؛ قاله قَتَادة. وقال مجاهد وقَتَادة وغيرهما: بالقرآن. وقال سفيان بن عيينة: بأمره. مقاتل: بوعده. ٱبن عباس: بالحلف باسمه، أو تطمئن بذكر فضله وإنعامه؛ كما تَوْجل بذكر عدله وٱنتقامه وقضائه. وقيل: «بِذِكْرِ اللَّهِ» أي يذكرون الله ويتأملون آياته فيعرفون كمال قدرته عن بصيرة. {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} أي قلوب المؤمنين. قال ٱبن عباس: هذا في الحلف؛ فإذا حلف خصمه بالله سكن قلبه. وقيل: «بِذِكْرِ اللَّهِ» أي بطاعة الله. وقيل: بثواب الله. وقيل: بوعد الله. وقال مجاهد: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍ ۝٢٩

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ} ٱبتداء وخبره. وقيل: معناه لهم طُوبَى، فـ«ـطُوبَى» رفع بالابتداء، ويجوز أن يكون موضعه نصباً على تقدير: جعل لهم طُوبى، ويعطف عليه «وَحُسْنُ مَآبٍ» على الوجهين المذكورين، فترفع أو تنصب. وذكر عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر عن يحيـى بن أبي كَثير عن عمرو بن أبي يزيد البِكَالِي عن عُتْبة بن عَبْد السُّلَمي قال:

جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الجنة وذكر الحوض فقال: فيها فاكهة؟ قال: «نعم شجرة تدعى طوبى» قال: يا رسول اللهٰ أي شجرة أرضنا تشبه؟ قال: «لا تشبه شيئاً من شجر أرضك أأتيت الشام هناك شجرة تدعى الجوزة تنبت على ساق ويفترش أعلاها». قال: يا رسول الله! فما عِظم أصلهاٰ قال: لو ٱرْتَحَلْتَ جَذَعة من إبل أهلك ما أَحَطْتَ بأصلها حتى تنكسر تَرْقُوتها هَرَماً. وذكر الحديث، وقد كَتَبْنَاه بكماله في أبواب الجنة من كتاب «التذكرة»، والحمد لله. وذكر ٱبن المبارك قال: أخبرنا مَعْمَر عن الأشعث عن عبد الله عن شَهْر بن حَوْشَب عن أبي هريرة قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى؛ يقول الله تعالى لها: تفتّقي لعبدي عما شاء؛ فَتَفَتَّق له عن فرس بسرجه ولجامه وهيئته كما شاء، وتَفَتّق عن الراحلة برِحلها وزمامها وهيئتها كما شاء، وعن النّجائب والثّياب. وذكر ٱبن وهب من حديث شهر بن حوشب عن أبي أُمامة الباهليّ قال: «طُوبَى» شجرة في الجنة ليس منها دار إلا وفيها غصن منها، ولا طير حسن إلا هو فيها، ولا ثمرة إلا هي منها؛ وقد قيل: إن أصلها في قصر النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، ثم تنقسم فروعها على منازل أهل الجنة، كما ٱنتشر منه العلم والإيمان على جميع أهل الدنيا. وقال ٱبن عباس: «طُوبَى لَهُمْ» فرح لهم وقرة عين؛ وعنه أيضاً أن «طوبى» ٱسم الجنة بالحبشية؛ وقاله سعيد بن جُبَير. الربيع بن أنس: هو البستان بلغة الهند؛ قال القُشَيري: إن صح هذا فهو وفاق بين اللغتين. وقال قَتَادة: «طُوبَى لَهُمْ» حسنى لهم. عِكْرمة: نعمى لهم. إبراهيم النَّخَعيّ: خير لهم؛ وعنه أيضاً كرامة من الله لهم. الضّحاك: غبطة لهم. النحاس: وهذه الأقوال متقاربة؛ لأن طُوبَى فُعْلَى من الطّيب؛ أي العيش الطّيب لهم؛ وهذه الأشياء ترجع إلى الشيء الطّيب. وقال الزّجاج: طُوبَى فُعْلَى من الطِّيب، وهي الحالة المستطابة لهم؛ والأصل طُيْبَى، فصارت الياء واواً لسكونها وضم ما قبلها، كما قالوا: موسِر وموقِن. قلت: والصحيح أنها شجرة؛ للحديث المرفوع الذي ذكرناه، وهو صحيح على ما ذكره السُّهَيْلِي؛ ذكره أبو عمر في التمهيد، ومنه نقلناه؛ وذكره أيضاً الثعلبي في تفسيره؛ وذكر أيضاً المهدوي والقُشَيري عن معاوية بن قُرَّة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: طوبى شجرة في الجنة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تُنبت الحليّ والحُلَل وإن أغصانها لَتُرى من وراء سور الجنةومن أراد زيادة على هذه الأخبار فليطالع الثعلبيّ. وقال ٱبن عباس: «طُوبَى» شجرة في الجنة أصلها في دار عليّ، وفي دار كل مؤمن منها غُصْن. وقال أبو جعفر محمد بن علي: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: «طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ» قال: «شجرة أصلها في داري وفروعها في الجنة» ثم سئل عنها مرة أخرى فقال: «شجرة أصلها في دار عليّ وفروعها في الجنة». فقيل له: يا رسول اللهٰ سئلت عنها فقلت: «أصلها في داري وفروعها في الجنة» ثم سئلت عنها فقلت: «أصلها في دار علي وفروعها في الجنة» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن داري ودار عليّ غداً في الجنة واحدة في مكان واحد» وعنه صلى الله عليه وسلم: «هي شجرة أصلها في داري وما من دار من دوركم إلا مُدَلّى فيها غُصن منها» {وَحُسْنُ مَآبٍ} آب إذا رجع. وقيل: تقدير الكلام الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وعملوا الصالحات طوبى لهم.

كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَٰكَ فِىٓ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِّتَتْلُوَا۟ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ۝٣٠

قوله تعالى: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِيۤ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ} أي أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء من قبلك؛ قاله الحسن. وقيل: شبّه الإنعام على من أُرسل إليه محمد عليه السلام بالإنعام على من أرسل إليه الأنبياء قبله. {لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} يعني القرآن. {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} قال مقاتل وٱبن جُريج: نزلت في صُلح الحُدَيْبِيَة حين أرادوا أن يكتبوا كتاب الصُّلْح،

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ: «ٱكتب بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سُهَيْل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمٰن إلا صاحب اليمامة، يعنون مُسَيْلِمَة الكذاب؛ ٱكتب باسمك اللهم، وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ: «ٱكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» فقال مشركو قريش: لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك وصددناك لقد ظلمناك؛ ولكن ٱكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله؛ فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: دعنا نقاتلهم؛ فقال: «لا ولكن ٱكتب ما يريدون» فنزلت . وقال ٱبن عباس: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ٱسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ» قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ؟ فنزلت. {قُلْ} لهم يا محمد: الذي أنكرتم. {هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} ولا معبود سواه؛ هو واحد بذاته، وإن اختلفت أسماء صفاته. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} وٱعتمدت ووثقت. {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} أي مرجعي غداً، واليوم أيضاً عليه توكلت ووثقت، رِضاً بقضائه، وتسليماً لأمره. وقيل: سمع أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في الحِجْر ويقول: «يا الله يا رحمن» فقال: كان محمد ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين؛ فنزلت هذه الآية، ونزل: «قُلِ ٱدْعُوا اللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا الرَّحْمَنَ».

وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ۝٣١

قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ} هذا متصل بقوله:

{ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ }[الرعد: 27]. وذلك أن نفراً من مشركي مكة فيهم أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية المخزوميّان جلسوا خلف الكعبة، ثم أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم؛ فقال له عبد الله: إن سرّك أن نتبعك فسَيِّر لنا جبال مكة بالقرآن، فأَذْهبها عنّا حتى تنفسح؛ فإنها أرض ضيّقة، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً، حتى نغرس ونزرع؛ فلستَ كما زعمتَ بأهون على ربك من داود حين سخّر له الجبال تسير معه، وسَخِّر لنا الريح فنركبها إلى الشام نقضي عليها مِيرتنا وحوائجنا، ثم نرجع من يومنا؛ فقد كان سليمان سخّرت له الريح كما زعمتَ؛ فلستَ بأهون على ربك من سليمان بن داود، وأَحْيِ لنا قُصَيّا جدّك، أو من شئتَ أنت من موتانا نسأله؛ أحقُّ ما تقول أنت أم باطل؟ فإن عيسى كان يحيـي الموتى، ولست بأهون على الله منه؛ فأنزل الله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ» الآية؛ قال معناه الزّبير بن العوام ومجاهد وقَتَادة والضّحاك؛ والجواب محذوف تقديره: لكان هذا القرآن، لكن حذف إيجازاً، لما في ظاهر الكلام من الدلالة عليه؛ كما قال ٱمرؤ القيس:

فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَموتُ جَمِيعةًولكِنَّها نفسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا

يعني لهان عليّ؛ هذا معنى قول قَتَادة؛ قال: لو فَعَل هذا قرآن قبل قرآنكم لفعله قرآنكم. وقيل: الجواب متقدم، وفي الكلام تقديم وتأخير؛ أي وهم يكفرون بالرحمن لو أنزلنا القرآن وفعلنا بهم ما اقترحوا. الفراء: يجوز أن يكون الجواب لو فعل بهم هذا لكفروا بالرحمن. الزّجاج: «وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً» إلى قوله: «الْمَوْتَى» لما آمنوا، والجواب المضمر هنا ما أظهر في قوله: { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ }[الأنعام: 111] إلى قوله: { مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ }[الأنعام: 111]. {بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً} أي هو المالك لجميع الأمور، الفاعل لما يشاء منها، فليس ما تلتمسونه مما يكون بالقرآن، إنما يكون بأمر الله.

قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} قال الفراء قال الْكَلْبي: «ييئس» بمعنى يعلم، لغة النَّخَع؛ وحكاه القُشَيْري عن ابن عباس؛ أي أفلم يعلموا؛ وقاله الجوهري في الصحاح.

وقيل: هو لغة هَوَازِن؛ أي أفلم يعلم؛ عن ابن عباس ومجاهد والحسن. وقال أبو عبيدة: أفلم يعلموا ويتبيّنوا، وأنشد في ذلك أبو عبيدة لمالك بن عوف النَّصْرِي:

أَقُولُ لَهُمْ بالشَّعْب إذْ يَيْسِرُونَنِيأَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي ٱبْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ

يَيْسرونني من المَيْسر، وقد تقدم في «البقرة» ويروى يأسرونني من الأَسْر. وقال رَبَاح بن عديّ:

أَلَمْ يَيْئَسِ الأقوامُ أَنِّي (أنا) ٱبْنُهُوإنْ كنتُ عن أرضِ الْعَشِيرةِ نائيَا

في كتاب الرّد «أني أنا ٱبنه» وكذا ذكره الغزنوي: ألم يعلم؛ والمعنى على هذا: أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً من غير أن يشاهدوا الآيات. وقيل: هو من اليأس المعروف؛ أي أفلم ييئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الكفار، لعلمهم أن الله تعالى لو أراد هدايتهم لهداهم؛ لأن المؤمنين تَمنَّوا نزول الآيات طمعاً في إيمان الكفار. وقرأ عليّ وابن عباس: «أَفَلَمْ يَتَبَيَّنَ الَّذِينَ آمَنُوا» من البيان. قال القُشَيْرِي: وقيل لابن عباس المكتوب «أَفَلَمْ يَيْئَسِ» قال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس؛ أي زاد بعض الحروف حتى صار «ييئس». قال أبو بكر الأنباريّ: روي عن عِكرمة عن ٱبن أبي نَجيح أنه قرأ ـ «أفلم يتبين الذين آمنوا» وبها ٱحتجّ من زعم أنه الصواب في التلاوة؛ وهو باطل عن ٱبن عباس، لأن مجاهداً وسعيد بن جُبَير حكيا الحرف عن ابن عباس، على ما هو في المصحف بقراءة أبي عمرو وروايته عن مجاهد وسعيد بن جُبَير عن ابن عباس؛ ثم إن معناه: أفلم يتبين؛ فإن كان مراد الله تحت اللفظة التي خالفوا بها الإجماع فقراءتنا تقع عليها، وتأتي بتأويلها، وإن أراد الله المعنى الآخر الذي اليأس فيه ليس من طريق العلم فقد سقط مما أوردوا؛ وأَمَّا سقوطه يبطل القرآن، ولزوم أصحابه البهتان. {أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ} «أَنْ» مخففة من الثقيلة، أي أنه لو يشاء الله {لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} وهو يردّ على القَدَرية وغيرهم.

قوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} أي داهية تفجؤهم بكفرهم وعتوّهم، ويقال: قرعه أمر إذا أصابه، والجمع قَوارِع؛ والأصل في القرع الضرب؛ قال:

أَفْنَى تِلاَدِي وَمَا جَمَّعْتُ مِن نَشَبٍقَرْعُ الْقَوَاقِيزِ أَفْوَاهَ الأَبَارِيقِ

أي لا يزال الكافرون تصيبهم داهية مهلكة من صاعقة كما أصاب أَرْبَدَ أو من قتل أو من أسر أو جدب، أو غير ذلك من العذاب والبلاء؛ كما نزل بالمستهزئين، وهم رؤساء المشركين. وقال عِكرِمة عن ابن عباس: القارعة النكبة. وقال ٱبن عباس أيضاً وعكْرمة: القارعة الطلائع والسرايا التي كان يُنفِذها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم. {أَوْ تَحُلُّ} أي القارعة. {قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ} قاله قتادة والحسن. وقال ابن عباس: أو تَحُلّ أنت قريباً من دارهم. وقيل: نزلت الآية بالمدينة؛ أي لا تزال تصيبهم القوارع فتنزل بساحتهم أو بالقرب منهم كَقُرى المدينة ومكة. {حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ} في فتح مكة؛ قاله مجاهد وقتادة. وقيل: نزلت بمكة؛ أي تصيبهم القوارع، وتخرج عنهم إلى المدينة يا محمد، فتحلّ قريباً من دارهم، أو تحلّ بهم محاصراً لهم؛ وهذه المحاصرة لأهل الطائف، ولِقلاع خَيْبَر، ويأتِي وعد الله بالإذن لك في قتالهم وقهرهم. وقال الحسن: وعد الله يوم القيامة.
الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ