انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الرعد

تفسير الطبريالآيات 26–33

تفسير سورة الرعد آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الرعد

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 43:13

  1. 1 الآيات 19–34في هذه الصفحة 13:50

التفسير الصوتي لسورة الرعد كاملًا (4 مقاطع)

ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٌ ۝٢٦

يقول تعالـى ذكره: الله يوسع علـى من يشاء من خـلقه فـي رزقه، فـيبسط له منه، لأن منهم من لا يصلـحه إلا ذلك. {وَيَقْدِرُ} يقول: ويقتر علـى من يشاء منهم فـي رزقه وعيشه، فـيضيقه علـيه، لأنه لا يصلـحه إلا الإقتار. {وَفَرِحُوا بـالـحَياةِ الدُّنـيْا} يقول تعالـى ذكره: وفرح هؤلاء الذين بسط لهم فـي الدنـيا من الرزق علـى كفرهم بـالله ومعصيتهم إياه بـما بسط لهم فـيها، وجهلوا ما عند الله لأهل طاعته والإيـمان به فـي الآخرة من الكرامة والنعيـم. ثم أخبر جلّ ثناؤه عن قدر ذلك فـي الدنـيا فـيـما لأهل الإيـمان به عنده فـي الآخرة وأعلـم عبـاده قلته، فقال: {وَما الـحَياةُ الدُّنـيْا فِـي الآخِرَةِ إلاَّ مَتاعٌ} يقول: وما جميع ما أعطى هؤلاء فـي الدنـيا من السعة وبسط لهم فـيها من الرزق ورغد العيش فـيـما عند الله لأهل طاعته فـي الآخرة إلا متاع قلـيـل وشيء حقـير ذاهب. كما:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيج، عن مـجاهد، قوله: {إلاَّ مَتاعٌ} قال: قلـيـل ذاهب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد. قال: وثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَما الـحَياةُ الدُّنـيْا فِـي الآخِرَةِ إلاَّ مَتاعٌ} قال: قلـيـل ذاهب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن عبد الرحمن بن سابط فـي قوله: {وَفَرِحُوا بـالـحَياةِ الدُّنـيْا وَما الـحَياةُ الدُّنـيْا فِـي الآخِرَة إلاَّ مَتاعٌ} قال: كزاد الراعي يزوّده أهله الكفّ من التـمر، أو الشيء من الدقـيق، أو الشيء يشرب علـيه اللبن.

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره: ويقول لك يا مـحمد مشركو قومك: هلا أنزل علـيك آية من ربك، إما ملَك يكون معك نذيراً، أو يـلقـى إلـيك كنز، فقل: إن الله يضلّ منكم من يشاء أيها القوم فـيخذله عن تصديقـي والإيـمان بـما جئته به من عند ربـي ويهدي إليه من أناب، فرجع إلى التوبة من كفره والإيمان بما جئته به من عند ربه ولـيس ضلال من يضلّ منكم بأن لـم ينزل علـى آية من ربـي ولا هداية من يهتدى منكم بأنها أنزلت علـيّ، وإنـما ذلك بـيد الله، يوفِّق من يشاء منكم للإيـمان ويخذل من يشاء منكم فلا يؤمن. وقد بـيَّنت معنى الإنابة فـي غير موضع من كتابنا هذا بشواهده بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَيهْدِي إلَـيهِ مَنْ أنابَ}: أي من تاب وأقبل.

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ۝٢٨ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍ ۝٢٩

يقول تعالـى ذكره: {وَيهْدِي إلَـيْهِ مَنْ أنَابَ} بـالتوبة الذين آمنوا. والذين آمنوا فـي موضع نصب ردّ علـى مَن، لأن الذين آمنوا هم من أناب ترجم بها عنها.

وقوله: {وَتَطْمَئِنُّ قَلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّهِ} يقول: وتسكن قلوبهم وتستأنس بذكر الله. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّهِ} يقول: سكنت إلـى ذكر الله واستأنست به.

وقوله: {ألا بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} يقول: ألا بذكر الله تسكن وتستأنس قلوب الـمؤمنـين. وقـيـل: إنه عنى بذلك قلوب الـمؤمنـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {ألاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} لـمـحمد وأصحابه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنا الـمثنى قال: ثنا إسحاق، قال: ثناعبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {ألا بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} قال: لـمـحمد وأصحابه.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أحمد بن يونس قال: ثنا سفـيان بن عيـينة فـي قوله: {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّهِ} قال: هم أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ} الصالـحات من الأعمال، وذلك العمل بـما أمرهم ربهم. {طُوَبى لَهُمْ} وطُوَبى فـي موضع رفع بلهم. وكان بعض أهل البصرة والكوفة يقول ذلك رفع، كما يقال فـي الكلام: وَيْـلٌ لعمرو، وإنـما أوثر الرفع فـي طُوبَى لـحسن الإضافة فـيه بغير لام، وذلك أنه يقال فـيه طوبـاك، كما يقال: ويْـلَك ووَيْبك، ولولا حسن الإضافة فـيه بغير لام لكان النصب فـيه أحسن وأفصح، كما النصب فـي قولهم: تَعْسا لزيد وبُعداً له وسحقاً أحسن، إذ كانت الإضافة فـيها بغير لام لا تـحسن.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله {طُوبَى لَهُمْ} فقال بعضّهم: معناه: نِعْمَ ما لَهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي جعفر بن مـحمد البروريّ من أهل الكوفة، قال: ثنا أبو زكريا الكلبـيّ، عن عمر بن نافع، قال: سئل عكرمة عن «طوبى لهم»، قال: نِعْمَ ما لَهم.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عمرو بن نافع، عن عكرمة، فـي قوله: {طُوَبى لَهُمْ} قال: نِعْم ما لَهم.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنـي عمرو بن نافع، قال: سمعت عكرمة، فـي قوله: {طُوَبى لَهُمْ} قال: نِعْم ما لَهم.

وقال آخرون: معناه: غبْطةٌ لهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: {طُوَبى لَهُمْ} قال: غِبْطة لهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَغْراء، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.

قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن جُوَيبر، عن الضحاك، مثله.

وقال آخرون: معناه: فَرَح وقرّة عين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود الـمثنى بن إبراهيـم، قالا: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {طُوَبَى لَهُمْ} يقول: فَرَح وقرّة عين.

وقال آخرون: معناه: حُسْنَى لهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {طُوَبى لَهُمْ} يقول: حُسْنَى لهم، وهي كلـمة من كلام العرب.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {طُوَبى لَهُمْ} هذه كلـمة عربـية، يقول الرجل: طُوَبى لك: أي أصبتَ خيراً.

وقال آخرون: معناه: خير لهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن يـمان، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم، قال: خير لهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم، فـي قوله: {طُوَبى لَهُمْ} قال: الـخير والكرامة التـي أعطاهم الله.

وقال آخرون: {طُوَبى لَهُمْ} اسم من أسماء الـجنة، ومعنى الكلام: الـجنة لهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {طُوبَى لَهُمْ} قال: اسم الـجنة بـالـحبشية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن مشجوع فـي قوله: {طُوَبى لَهُمْ} قال: «طوبى»: اسم الـجنة بـالهِندية.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا داود بن مهران، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر بن أبـي الـمُغيرة، عن سعيد بن مشجوع، قال: اسم الـجنة بـالهندية: طُوبَى.

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا ابن يـمان، قال: ثنا سفـيان، عن السديّ، عن عكرمة: {طُوبَى لَهُمْ} قال: الـجنة.

قال: ثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {طُوبَى لَهُمْ} قال: الـجنة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنـي عمي، قال: ثني أبي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مآبٍ} قال: لـما خـلق الله الـجنة وفرغ منها قال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مآبٍ} وذلك حين أعجبته.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن لـيث، عن مـجاهد: {طُوبَى لَهُمْ} قال الـجنة.

وقال آخرون: {طُوَبى لَهُمْ}: شجرة فـي الـجنة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا قرة بن خالد، عن موسى بن سالـم، قال: قال ابن عبـاس: {طُوبَى لَهُمْ} شجرة فـي الـجنة.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الأشعث بن عبد الله، عن شَهْر بن حَوْشب، عن أبـي هريرة: {طُوبَى لَهُمْ}: شجرة فـي الـجنة يقول لها: تفتقـي لعبدي عما شاء فتتفتق له عن الـخيـل بسروجها ولُـجُمها، وعن الإبل بأزمَّتها، وعم شاء من الكسوة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن شهر بن حوشب، قال: طوبى: شجرة فـي الـجنة، كلّ شجر الـجنة منها، أغصانها من وراء سُور الـجنة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن معمر، عن الأشعث، بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبـي هريرة قال: فـي الـجنة شجرة يقال لها طُوَبى، يقول الله لها: تفتقـي فذكر نـحو حديث ابن عبد الأعلـى، عن ابن ثور.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الـجبـار، قال: ثنا مروان، قال: أخبرنا العلاء، عن شمَّر بن عطية، فـي قوله: {طُوبَى لَهُمْ} قال: هي شجرة فـي الـجنة يقال لها طوبى.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن سفـيان، عن منصور، عن حسان أبـي الأشرس، عن مُغيث بن سُمَيّ، قال: طُوَبى: شجرة فـي الـجنة، لـيس فـي الـجنة دار إلا فـيها غصن منها، فـيجيء الطائر فـيقع فـيدعوه، فـيأكل من أحد جنبـيه قَدِيداً ومن الآخر شِواء، ثم يقول: طِرْ فـيطير.

قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن بعض أهل الشام، قال: إن ربك أخذ لؤلؤة فوضعها علـى راحتـيه، ثم دَمْلـجها بـين كفـيَّه، ثم غرسها وسط أهل الـجنة، ثم قال لها: امتدّي حتـى تبلغي مرضاتـي ففعلت، فلـما استوت تفجَّرت من أصولها أنهار الـجنة، وهي طُوَبى.

حدثنا الفضل بن الصبـاح، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم الصنعانـي، قال: ثنـي عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبـاً يقول: إن فـي الـجنة شجرة يقال لها: طُوَبى، يسير الراكب فـي ظلها مئة عام لا يقطعها زهرها رياط، وورقها برود، وقضبـانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الـخمر واللبن والعسل، وهي مـجلس لأهل الـجنة. فبـينا هم فـي مـجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربهم، يقودون نُـجبُـاً مزمومة بسلاسل من ذهب، وجوهها كالـمصابـيح من حسنها، وبرها كخزّ الـمِرْعِزَّي من لـينه، علـيها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثـيابها من سندس وإستبرق، فـينـيخونها ويقولون: إن ربنا أرسلنا إلـيكم لتزوروه وتسلـموا علـيه. قال: فـيركبونها. قال: فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفِراش نُـجُبـاً من غير مَهَنة، يسير الرجل إلـى جنب أخيه وهو يكلـمه ويناجيه، لا تصيب أذن راحلة منها أذن صاحبتها، ولا بَرْك راحلة بَرْك صاحبتها، حتـى إن الشجرة لتتنـحَّى عن طرقهم لئلا تفرّق بـين الرجل وأخيه. قال: فـيأتون إلـى الرحمن الرحيـم، فـيسفر لهم عن وجهه الكريـم حتـى ينظروا إلـيه، فإذا رأوه قالوا: اللهمّ أنت السلام ومنك السلام، وحقّ لك الـجلال والإكرام قال: فـيقول تبـارك وتعالـى عند ذلك: أنا السلام، ومنى السلام، وعلـيكم حَقَّت رحمتـي ومـحبتـي، مرحبـاً بعبـادي الذين خَشُونـي بغيب أطاعوا أمري قال: فـيقولون: ربنا إنا لـم نعبدك حقّ عبـادتك ولـم نقدّرك حقّ قدرك، فأذن لنا بـالسجود قدامك قال: فـيقول الله: إنها لـيست بدار نصَب ولا عبـادة، ولكنها دار مُلك ونعيـم، وإنـي قد رَفَعت عنكم نَصَب العبـادة، فسلونـي ما شئتـم، فإن لكلّ رجل منكم أمنـيته فـيسألونه حتـى إن أقصرهم أمنـية لـيقول: ربّ تنافس أهل الدنـيا فـي دنـياهم فتضايقوا فـيها، ربّ فآتنـي كلّ شيء كانوا فـيه من يوم خـلقتها إلـى أن انتهت الدنـيا فـيقول الله: لقد قَصَّرت بك الـيوم أمنـيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك منـي، وسأتـحفك بـمنزلتـي، لأنه لـيس فـي عطائي نَكَد ولا تَصْرِيد. قال: ثم يقول: اعرضوا علـى عبـادي ما لـم تبلغ أمانـيُّهم ولـم يخطر لهم علـى بـال قال: فـيَعرضون علـيهم حتـى يقضوهم أمانـيهم التـي فـي أنفسهم، فـيكون فـيـما يعرضون علـيهم براذينُ مقرنة، علـى كلّ أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، علـى كلّ سرير منها قُبة من ذهب، مُفْرَغة، فـي كل قبة منها فرش من فُرُش الـجنة مظاهرة، فـي كل قبة منها جاريتان من الـحور العين، علـى كلّ جارية منهنّ ثوبـان من ثـياب الـجنة، لـيس فـي الـجنة لون إلا وهو فـيهما، ولا ريح طيّبة إلا قد عَبقتا به، ينَفُذ ضوء وجوههما غلَظَ القبة، حتـى يظن من يراهما أنهما من دون القبة، يرى مخهما من فوق سُوقهما كالسلك الأبـيض من ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل علـى صحابته كفضل الشمس علـى الـحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك. ثم يدخـل إلـيهما فـيحيـيانه ويقبلانه ويعانقانه، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخـلق مثلك ثم يأمر الله الـملائكة فـيسيرون بهم صفـا فـي الـجنة حتـى ينتهي كلّ رجل منهم إلـى منزلته التـي أُعدت له.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا علـي بن جرير، عن حماد، قال: شجرة فـي الـجنة فـي دار كل مؤمن غصن منها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن حسَّان بن أبـي الأشرس، عن مُغيث بن سُمَيّ قال: طوبى: شجرة فـي الـجنة لو أن رجلاً ركب قلوصاً جذعاً أو جذعة، ثم دار بها لـم يبلغ الـمكان الذي ارتـحل منه حتـى يـموت هرماً. وما من أهل الـجنة منزل إلا فـيه غصن من أغصان تلك الشجرة متدلّ علـيهم، فإذا أرادوا أن يأكلوا من الثمرة تدلـى إلـيهم فـيأكلون منه ما شاءوا، ويجيء الطير فـيأكلون منه قديداً وشواء ما شاءوا، ثم يطير.

وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بنـحو ما قال من قال هي شجرة. ذكر الرواية بذلك:

حدثنـي سلـيـمان بن داود القُومسي، قال: ثنا أبو توبة الربـيع بن نافع، قال: ثنا معاوية بن سلام، عن زيد، أنه سمع أبـا سلام، قال: ثنا عامر بن زيد البكالـي، أنه سمع عتبة بن عبد السلام يقول: جاء أعرابـيّ إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن فـي الـجنة فـاكهة؟ قال:

نَعَمْ، فِـيها شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى، هِيَ تُطَابِقُ الفِرْدَوْسَ ». قال: أيّ شجر أرضنا تُشْبه؟ قال:لَـيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئاً مِنْ شَجَرِ أرْضِكَ، وَلَكِنْ أتَـيْتَ الشَّامَ؟فقال: لا يا رسول الله، فقال:فإنَّها تُشْبِهُ شَجَرَةً تُدْعَى الـجُوزَةَ، تَنْبُتُ علـى ساقٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَنْتَشِرُ أعْلاهاقال: ما عظم أصلها؟ قال:لَوِ ارْتَـحَلتْ جَذَعَةٌ مِنْ إبلِ أهْلِكَ ما أحاطَتْ بأصلها حتـى تَنْكَسِرَ تَرْقوَتاها هَرَماً ».

حدثنا الـحسن بن شبـيب، قال: ثنا مـحمد بن زياد الـجريري، عن فرات بن أبـي الفرات، عن معاوية بن قُرة، عن أبـيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مآبٍ: شَجَرَةٌ غَرَسَها اللّهُ بـيَدِهِ، وَنَفَخَ فِـيها مِنْ رَوْحِهِ بـالـحُلِـيّ والـحُلَلِ، وَإنَّ أغْصَانَها لَتُرَى مِنْ وَرَاءِ سُورِ الـجَنَةِ ».

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عمرو بن الـحارث، أن دراجا حدثه أن أبـا الهيثم حدثه، عن أبـي سعيد الـخدريّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رجلا قال له: يا رسول الله ما طوبى؟ قال:شَجَرَةٌ فِـي الـجَنَّةِ مَسِيَرةُ مِئَةٍ سَنَةٍ، ثِـيابُ أهْلِ الـجَنَّةِ تَـخْرُجُ مِنْ أكمامِها ».

فعلى هذا التأويل الذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرواية به، يجب أن يكون القول فـي رفع قوله: {طُوبَى لَهُمْ} خلاف القول الذي حكيناه عن أهل العربـية فـيه. وذلك أن الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طُوبى اسم شجرة فـي الـجنة، فإذا كان كذلك فهو اسم لـمعرفة كزيد وعمرو. وإذا كان ذلك كذلك، لـم يكن فـي قوله: {وَحُسْنُ مآبٍ} إلا الرفع عطفـاً به علـى «طوبى».

وأما قوله: {وَحُسْنُ مآبٍ} فإنه يقول: وحُسن منقلب كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك: {وَحُسْنُ مآبٍ} قال: حسن منقلب.

كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَٰكَ فِىٓ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِّتَتْلُوَا۟ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ۝٣٠

يقول تعالـى ذكره: هكذا أرسلناك يا مـحمد فـي جماعة من الناس، يعنـي إلـى جماعة قد خـلت من قبلها جماعات علـى مثل الذي هم علـيه، فمضت {لِتَتْلُوَ عَلَـيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَـيْكَ} يقول: لتبلغهم ما أرسلتك به إلـيهم من وحيـي الذي أوحيته إلـيك. {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بـالرَّحْمَنِ} يقول: وهم يجحدون وحدانـية الله، ويكذّبون بها. {قُلْ هُوَ رَبّـي} يقول: إن كفر هؤلاء الذين أرسلتك إلـيهم يا مـحمد بـالرحمن، فقل: أنت الله ربـي {لا إلَهَ إلاَّ هُوَ عَلَـيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَـيْهِ مَتابِ} يقول: وإلـيه مرجعي وأوبتـي. وهو مصدر من قول القائل: تبت متابـاً وتوبة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَهُمْ يَكُفُرُونَ بـالرَّحْمَنِ} ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم زمن الـحديبـية حين صالـح قريشاً كتب:

هذا ما صالـح علـيه مـحمد رسول الله ». فقال مشركو قريش: لئن كنتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قاتلناك لقد ظلـمناك، ولكن اكتب: هذا ما صالـح علـيه مـحمد بن عبد الله. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعنا يا رسول الله نقاتلهم فقال:لا، ولكنْ اكْتُبُوا كما يُرِيدُونَ إنـيّ مـحَمَّد بْنُ عَبْدِ اللّهِفلـما كتب الكاتب: «بسم الله الرحمن الرحيـم»، قالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه وكان أهل الـجاهلـية يكتبون: «بـاسمك اللهمّ»، فقال أصحابه: يا رسول الله دعنا نقاتلهم قال:لا ولكِنْ اكْتُبُوا كمَا يُرِيدُونَ ».

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: قوله: {كذلكَ أرْسَلْناكَ فِـي أُمَّةٍ قَدْ خَـلَتْ}... الآية، قال: هذا لـما كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فـي الـحديبـية كتب: «بسم الله الرحمن الرحيـم»، قالوا: لا تكتب الرحمن، وما ندري ما الرحمن، ولا نكتب إلا بـاسمك اللهمّ قال الله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بـالرَّحمَنِ قُلْ هُوَ رَبـي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ}... الآية.

وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ۝٣١

اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: وهم يكفرون بـالرحمن {وَلَوْ أنَّ قُرآنا سُيِّرَتْ بِهِ الـجبـالُ}: أي يكفرون بـالله ولو سير لهم الـجبـال بهذا القرآن. وقالوا: هو من الـمؤخر الذي معناه التقديـم. وجعلوا جواب «لو» مقدّماً قبلها، وذلك أن الكلام علـى معنى قـيـلهم: ولو أن هذا القرآن سيرت به الـجبـال أو قُطِّعت به الأرض، لكفروا بالرحمن. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلَوْ أنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرضُ أوْ كُلِّـمَ بِهِ الـمَوْتَـى} قال: هم الـمشركون من قريش، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وسعت لنا أودية مكة، وسيرت جبـالها، فـاحترثناها، وأحيـيت من مات منا، أو قطِّع به الأرض، أو كلـم به الـموتـى فقال الله تعالـى: {وَلَوْ أنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ بِهِ الـجبـالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّـمَ بِهِ الـمَوْتَـى بَلْ لِلّهِ الأمْرُ جَميعاً}.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَلَوْ أنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الـجِبـالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّـمَ بِهِ الـمَوْتَـى} قول كفـار قريش لـمـحمد: سير جبـالنا تتسع لنا أرضنا فإنها ضيقة، أو قرّب لنا الشأم فإنا نتـجر إلـيها، أو أخرج لنا آبـاءنا من القبور نكلـمهم فقال الله تعالـى: {وَلَوْ أنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الـجِبـالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّـمَ بِهِ الـمَوْتَـى}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، بنـحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، نـحوه.

قال: ابن جريج، وقال عبد الله بن كثـير، قالوا: لو فسحت عنا الـجبـال، أو كلـمت به الـموتـى، فنزل ذلك. قال ابن جريج، وقال ابن عبـاس: قالوا: سير بـالقرآن الـجبـال، قطع بـالقرآن الأرض، أخرج به موتانا.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن كثـير: قالوا: لو فسحت عنا الـجبـال، أو أجريت لنا الأنهار، أو كلـمت به الـموتـى، فنزل: {أفَلَـمْ يَـيْأسِ الَذِينَ آمَنُوا}.

وقال آخرون: بل معناه: {وَلَوْ أنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ بِهِ الـجِبـالُ} كلام مبتدأ منقطع عن قوله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بـالرَّحْمَنِ}. قال: وجواب «لو» مـحذوف استغنـي بـمعرفة السامعين الـمرادَ من الكلام عن ذكر جوابها. قالوا: والعرب تفعل ذلك كثـيراً، ومنه قول امرىء القـيس:

فَلَوْ أنَّها نَفْسٌ تَـمُوتُ سَرِيحَةًولكِنَّها نَفْسٌ تَقَطَّعُ أنْفُسَا

وهو آخر بيت في القصيدة، فترك الـجواب اكتفـاء بـمعرفة سامعه مراده، وكما قال الآخر:

فَأُقُسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُسِوَاكَ وَلكِنْ لَـمْ نَـجِدْ لكَ مَدْفَعا

ذكر من قال نـحو معنى ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَوْ أنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ بِهِ الـجِبـالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّـمَ بِهِ الـمَوْتَـى} ذكر لنا أن قُريشاً قالوا: إن سرّك يا مـحمد اتبـاعك، أو أن نتبعك، فسير لنا جبـال تهامة، أو زد لنا فـي حرمنا، حتـى نتـخذ قطائع نـخترف فـيها، أو أَحْي لنا فلاناً وفلاناً ناساً ماتوا فـي الـجاهلـية. فأنزل الله تعالـى: {وَلَوْ أنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ بِهِ الـجِبـالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّـمَ بِهِ الـمَوْتَـى} يقول: لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: أن كفَّـار قريش قالوا للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: أذهب عنا جبـال تهامة حتـى نتـخذها زرعاً فتكون لنا أرضين، أو أحي لنا فلاناً وفلاناً يخبروننا حقّ ما تقول فقال الله: {وَلَوْ أنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ بِهِ الـجِبـالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّـمَ بِهِ الـمَوْتَـى بَلِ لِلّهِ الأمْرُ جَمِيعاً} يقول: لو كان فعل ذلك بشيء من الكتب فـيـما مضى كان ذلك.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَلَوْ أنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ بِهِ الـجبـالُ} الآية... قال: قال كفـار قريش لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: سير لنا الـجبـال كما سُخرت لداود، أو قطِّع لنا الأرض كما قطِّعت لسلـيـمان فـاغتدى بها شهراً وراح بها شهراً، أو كلـم لنا الـموتـى كما كان عيسى يكلـمهم يقول: لـم أُنزل بهذا كتابـاً، ولكن كان شيئاً أعطيته أنبـيائي ورسلـي.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَوْ أنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ بِهِ الـجِبـالُ}... الآية. قال: قالوا للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقاً فسير عنا هذه الـجبـال واجعلها حروثاً كهيئة أرض الشام ومصر والبُلْدان، أو ابعث موتانا فأخبرهم فإنهم قد ماتوا علـى الذي نـحن علـيه فقال الله تعالـى: {وَلَوْ أنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ بِهِ الـجِبـالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّـمَ بِهِ الـمَوْتَـى}: لـم يصنع ذلك بقرآن قَطُّ ولا كتاب، فـيصنع ذلك بهذا القرآن.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: « أفَلَـمْ يَـيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ».

اختلف أهل الـمعرفة بكلام العرب فـي معنى قوله: {أفَلَـمْ يَـيْأَسِ} فكان بعض أهل البصرة يزعم أن معناه: ألـم يعلـم ويتبـيَّن ويستشهد لقـيـله ذلك ببـيت سحيـم بن وَثِـيـل الرياحيّ:

أقُولُ لَهُمْ بـالشِّعْبِ إذْ يأمِرُونَنِـيألَـمْ تَـيْأَسُوا أنّـي ابنُ فـارِسِ زَهْدِم

ويُروى: «يـيسروننـي»، فمن رواه: «يـيسروننـي» فإنه أراد: يقسموننـي من الـميسر، كما يقسم الـجَزور. ومن رواه: «يأسروننـي»، فإنه أراد: الأسر. وقال: عنى بقوله: ألـم تـيأسوا: ألـم تعلـموا. وأنشدوا أيضاً فـي ذلك:

ألَـمْ يَـيْأسِ الأقْوَامُ أنّـي أنا ابْنُهُوإنْ كُنتُ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةِ نائِيا

وفسروا قوله: «ألـم يـيأس»: ألـم يعلـم ويتبـين. وذُكر عن ابن الكلبـيّ أن ذلك لغة لـحيّ من النـخَع، يقال لهم: وَهْبـيـل، تقول: ألـم تـيأس، كذا بـمعنى: ألـم تعلـمه. وذُكر عن القاسم بن معن أنها لغة هوزان، وأنهم يقولون: يَئِست كذا: علـمت.

وأما بعض الكوفـيـين فكان ينكر ذلك، ويزعم أنه لـم يسمع أحداً من العرب يقول: «يئست» بـمعنى: «علـمت»، ويقول هو فـي الـمعنى وإن لـم يكن مسموعاً: «يئست» بـمعنى: «علـمت»، يتوجه إلـى ذلك أن الله قد أوقع إلـى الـمؤمنـين، أنه لو شاء لهدَى الناس جميعاً، فقال: أفلـم يـيأسوا علـماً، يقول: يؤيسهم العلـم، فكان فـيه العلـم مضمراً، كما يقال: قد يئست منك أن لا تفلـح علـماً، كأنه قـيـل: علـمته علـماً، قال: وقول الشاعر:

حتى إذَا يَئِسَ الرُّماةُ وأرْسَلُواغُضْفـاً دَوَاجِنَ قافلاً أَعْصَامها

معناه: حتـى إذا يئسوا من كلّ شيء مـما يـمكن إلا الذي ظهر لهم أرسلوا، فهو فـي معنى: حتـى إذا علـموا أن لـيس وجه إلا الذي رأوا وانتهى علـمهم، فكان ما سواه يأساً.

وأما أهل التأويـل فإنهم تأوّلوا ذلك بـمعنى: أفلـم يعلـم ويتبـين. ذكر من قال ذلك منهم:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن أبـي إسحاق الكوفـي، عن مولـى يخبر أن علـيًّا رضي الله عنه كان يقرأ: «أفلـم يَتَبـيَّن الذين آمَنُوا».

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن هارون، عن حنظلة، عن شهر بن حوشب، عن ابن عبـاس: {أفَلَـمْ يَـيْأَسِ} يقول: أفلم يتبين.

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير، بن حازم، عن الزبـير بن الحارث، أو يعلى بن حكيـم، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، أنه كان يقرؤها: «أفَلَـمْ يَتَبَـيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا» قال: كتب الكاتب الأخرى هو ناعس.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا حجاج بن مـحمد، عن ابن جريج، قال فـي القراءة الأولـى: زعم ابن كثـير وغيره: «أفلـم يتبـين».

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {أفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} يقول: ألـم يتبـين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ، عن ابن عبـاس قوله: {أفَلَـمْ يَـيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} يقول: يعلـم.

حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا لـيث، عن مـجاهد، فـي قوله: {أفَلَـمْ يَـيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} قال: أفلـم يتبـين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {أفَلَـمْ يَـيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} قال: ألـم يتبـين الذين آمنوا.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {أفَلَـمْ يَـيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} قال: ألـم يعلـم الذين آمنوا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أفَلَـمْ يَـيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} قال: ألـم يعلـم الذين آمنوا.

والصواب من القول فـي ذلك ما قاله أهل التأويـل: إن تأويـل ذلك: أفلـم يتبـين ويعلـم لإجماع أهل التأويـل علـى ذلك والأبـيات التـي أنشدناها فـيه.

فتأويل الكلام إذن: ولو أن قرآناً سوى هذا القرآن كان سيرت به الـجبـال لسير بهذا القرآن، أو قطِّعت به الأرض لقطِّعت بهذا، أو كلِّـم به الـموتـى لكلِّـم بهذا، ولو يفعل بقرآن قبل هذا القرآن لفُعل بهذا. {بَلْ لِلّهِ الأمْرُ جَمِيعاً} يقول: ذلك كله إلـيه وبـيده، يهدى من يشاء إلـى الإيـمان فـيوفقه له ويضلّ من يشاء فـيخذله، أفلـم يتبـين الذين آمنوا بـالله ورسوله إذ طمعوا فـي إجابتـي من سأل نبـيهم من تسيـير الـجبـال عنهم وتقريب أرض الشام علـيهم وإحياء موتاهم، أن لو يشاء الله لهدَى الناس جميعاً إلـى الإيـمان به من غير إيجاد آية ولا إحداث شيء مـما سألوا إحداثه. يقول تعالـى ذكره: فما معنى مـحبتهم ذلك مع علـمهم بأن الهداية والإهلاك إلـيّ وبـيدي أنزلت آية أو لـم أنزلها أهدي من أشاء بغير إنزال آية، وأضلّ من أردت مع إنزالها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لا يُخْلِفُ الميعادَ}.

يقول تعالـى ذكره: ولا يزال يا مـحمد الذين كفروا من قومك تُصيبهم بـما صنعوا من كفرهم بـالله وتكذيبهم إياك وإخراجهم لك من بـين أظهرهم قارعة، وهي ما يقرعهم من البلاء والعذاب والنقم، بـالقتل أحياناً، وبـالـحروب أحياناً، والقحط أحياناً. أو تـحلّ أنت يا مـحمد، يقول: أو تنزل أنت قريبـاً من دارهم بجيشك وأصحابك حتـى يأتـي وعد الله الذي وعدك فـيهم، وذلك ظهورك علـيهم وفتـحك أرضهم وقهرك إياهم بـالسيف. {إنَّ اللّهَ لا يُخْـلِفُ الـمِيعادَ} يقول: إن الله منـجزك يا مـحمد ما وعدك من الظهور علـيهم، لأنه لا يخـلف وعده.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو داود، قال: ثنا الـمسعودي، عن قتادة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِـمَا صَنَعُوا قارِعَةٌ} قال: سرية. {أوْ تَـحُلُّ قَرِيبـاً مِنْ دَارِهِمْ} قال مـحمد: حتـى يأتـي وعد الله، قال: فتـح مكة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن الـمسعودي، عن قتادة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس بنـحوه، غير أنه لـم يذكر سرية.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا أبو قطن، قال: ثنا الـمسعودي، عن قتادة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، أنه تلا هذه الآية: {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِـمَا صَنَعُوا قارِعَةٌ} قال: القارعة: السرية. {أوْ تَـحُلُّ قَرِيبـاً مِنْ دَارِهِمْ} قال: هو مـحمد صلى الله عليه وسلم. حتـى {يأتَـي وَعْدُ اللّهِ} قال: فتـح مكة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير، أن خصيفـاً حدثهم، عن عكرمة، فـي قوله: {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِـمَا صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَـحُلُّ قَرِيبـاً مِنْ دَارِهِمْ} قال: نزلت بـالـمدينة فـي سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تـحلّ أنت يا مـحمد قريبـاً من دارهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن النضر بن عربـي، عن عكرمة: {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِـمَا صَنَعُوا قارِعَةٌ} قال: سرية. {أوْ تَـحُلُّ قَرِيبـاً منْ دَارِهِمْ} قال: أنت يا مـحمد.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِـمَا صَنَعُوا قارِعَةٌ} يقول: عذاب من السماء ينزل علـيهم. {أوْ تَـحُلُّ قَرِيبـاً مِنْ دَارِهِمْ} يعنـي: نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وقتاله إياهم.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {تُصِيبُهُمْ بِـمَا صَنَعُوا قارِعَةٌ}: تصاب منهم سرية، أو تصاب منهم مصيبة، أو يحلّ مـحمد قريبـاً من دارهم. وقوله: {حتـى يَأْتِـيَ وَعْدُ اللّهِ} قال: الفتـح.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عبد الله بن أبـي نـجيح: {أوْ تَـحُلُّ قَرِيبـاً مِنْ دَارِهِمْ} يعنـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، نـحو حديث الـحسن، عن شبـابة.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قـيس، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: قال: قارعة، قال: السرايا.

قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عبد الغفـار، عن منصور، عن مـجاهد: {قارِعَةٌ}: مصيبة من مـحمد. {أوْ تَـحُلُّ قَرِيبـاً مِنْ دَارِهِمْ} قال: أنت يا مـحمد. {حتـى يأْتِـيَ وَعْدُ اللّهِ} قال: الفتـح.

قال: ثنا إسرائيـل، عن خصيف، عن مـجاهد: {قارِعَةٌ} قال: كتـيبة.

قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عمرو بن ثابت، عن أبـيه، عن سعيد بن جبـير: {تُصِيبُهُمْ بِـمَا صَنَعُوا قارِعَةٌ} قال: سرية. {أوْ تَـحُلُّ قَرِيبـاً مِنْ دَارِهِمْ} قال: أنت يا مـحمد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِـمَا صَنعُوا قارِعَةٌ}: أي بأعمالهم أعمال السوء. وقوله: {أوْ تَـحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ} أنت يا مـحمد. {حتـى يَأْتِـيَ وَعْدُ اللّهِ} ووعد الله: فتـح مكة.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {قارِعَةٌ} قال: وقـيعة. {أوْ تَـحُلُّ قَرِيبـاً مِنْ دَارِهِمْ} قال: يعنـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم، يقول: أو تـحلّ أنت قريبـاً من دارهم.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مـحمد بن طلـحة، عن طلـحة، عن مـجاهد: {تُصِيبُهُمْ بِـمَا صَنَعُوا قارِعَةٌ} قال: سرية.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن ليث، عن مـجاهد: {تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قارِعَةٌ} قال: السرايا: كان يبعثهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم. {أوْ تَـحُلُّ قَرِيبـاً مِنْ دارِهِمْ} أنت يا محمد. {حتى يَأْتِـيَ وَعْدُ اللّهِ} قال: فتح مكة.

قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيـل، عن بعض أصحابه، عن مـجاهد: {تُصِيبُهُمْ بِـمَا صَنَعُوا قارِعَةٌ} قال: كتـيبة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِـمَا صَنَعُوا قارِعَةٌ} قال: قارعة من العذاب.

وقال آخرون: معنى قوله: {أوْ تَـحُلُّ قَرِيبـاً مِنْ دَارِهِمْ} تـحلّ القارعة قريبـاً من دارهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الـحسن: {أوْ تَحُلُّ قَرِيبـاً مِنْ دَارِهِمْ} قال: أو تحلّ القارعة قريبـاً من دارهم.

حدثنابشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن، قال: {أوْ تَـحُلُّ قَرِيبـاً مِنْ دَارِهِمْ} قال: أو تحلّ القارعة.

وقال آخرون فـي قوله: {حتـى يَأْتِـيَ وَعْدُ اللّهِ} قال: يوم القـيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا معلـى بن أسد، قال: ثنا إسماعيـل بن حكيـم، عن رجل قد سماه عن الـحسن، فـي قوله: {حتـى يَأْتِـيَ وَعْدُ اللّهِ} قال: يوم القـيامة.

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ۝٣٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: يا مـحمد إن يستهزىء هؤلاء الـمشركون من قومك ويطلبوا منك الآيات تكذيبـاً منهم ما جئتهم به، فـاصبر علـى أذاهم لك وامض لأمر ربك فـي إعذارهم والإعذار إلـيهم، فلقد استهزأت أمـم من قبلك قد خـلَت فمضت برُسُلـي، فأطلت لهم فـي الـمَهَل ومددت لهم فـي الأجَل، ثم أحللت بهم عذابـي ونقمتـي حين تـمادوا فـي غيهم وضلالهم، فـانظر كيف كان عقابـي إياهم حين عاقبتهم، ألـم أذقهم ألـيـم العذاب وأجعلهم عبرة لأولـي الألبـاب. والإملاء فـي كلام العرب: الإطالة، يقال منه: أملـيت لفلان: إذا أطلت له فـي الـمهل، ومنه الـمُلاوة من الدهر، ومنه قولهم: تـملَّـيت حيناً، ولذلك قـيـل للـيـل والنهار: «الـملوان» لطولهما، كما قال ابن مقبل:

ألا يا دِيارَ الـحَيّ بـالسَّبُعانِألَـحَّ عَلَـيْها بـالبِلَـى الـمَلَوَانِ

وقـيـل للـخرق الواسع من الأرض: «ملاً»، كما قال الشاعر:

فـاخْضَلَّ منها كُلُّ بالٍ وعَيِّنٍوجَفَّ الرَّوَايا بالمَلا المُتَباطِنِ

لطول ما بين طرفـيه وامتداده.

أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَٰهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ۝٣٣

يقول تعالـى ذكره: أفـالربّ الذي هو دائم لا يبـيد ولا يهلك قائم بحفظ أرزاق جميع الـخـلق، متضمن لها، عالـم بهم وبـما يكسبونه من الأعمال، رقـيبٌ علـيهم، لا يعزُب عنه شيء أينـما كانوا كمن هو هالك بـائد لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم شيئاً، ولا يَدْفع عن نفسه ولا عمن يعبده ضرّاً، ولا يجلب إلـيهما نفعاً؟ كلاهما سواء. وحُذِف الـجواب فـي ذلك فلـم يَقُل وقد قـيـل {أفَمَنْ هُوَ قائمٌ علـى كُلّ نَفْسٍ بِـمَا كَسَبَتْ} ككذا وكذا، اكتفـاء بعلـم السامع بـما ذُكِر عما تُرِك ذكره. وذلك أنه لـمَّا قال جلّ ثناؤه: {وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاءَ} عُلـم أن معنى الكلام كشركائهم التـي اتـخذوها آلهة، كما قال الشاعر:

تَـخَيِّرِي خُيّرْتِ أُمَّ عالِبـينَ قَصِيرٍ شَبْرُهُ تِنْبـالِ أذَاكِ أمْ مُنْـخَرِقُ السِّرْبَـالِوَلا يَزالُ آخِرَ اللَّـيالـي مُتْلِفَ مالٍ ومُفِـيدَ مالِ

ولـم يقل: وقد قال: «شَبْرُه تنبـال»، وبـين كذا وكذا، اكتفـاء منه بقول: أَذَاكَ أمْ مُنْـخَرِق السِّرْبـالِ، ودلالة الـخبر عن الـمنـخرق السربـال علـى مراده فـي ذلك.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قائمٌ علـى كُلّ نَفْسٍ بِـمَا كَسَبَتْ} ذلكم ربكم تبـارك وتعالـى، قائم علـى بنـي آدم بأرزاقهم وآجالهم، وحفظ علـيهم والله أعمالهم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {أَفَمَنْ هُوَ قائمٌ علـى كُلّ نَفْسٍ بِـمَا كَسَبَتْ}.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قائمٌ علـى كُلّ نَفْسٍ بِـمَا كَسَبَتْ} يعنـي بذلك نفسه، يقول: هو معكم أينـما كنتـم، فلا يعمل عامل إلا وهو حاضر. ويقال: هم الـملائكة الذين وكلوا ببنـي آدم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {أَفَمَنْ هُوَ قائمٌ علـى كُلِّ نَفْسٍ بِـمَا كَسَبْتْ} علـى رزقهم وعلـى طعامهم، فأنا علـى ذلك قائم وهم عبـيدي ثم جعلوا لـي شركاء.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قائمٌ علـى كُلّ نَفْسٍ بِـمَا كَسَبَتْ} فهو الله قائم علـى كل نفس بَرّ وفـاجر، يرزقهم ويكلؤهم، ثم يُشرك به منهم من أشرك.

وقوله: {وَجَعَلَوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِـمَا لا يَعْلَـمُ فِـي الأرْضِ أمْ بظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ} يقول تعالـى ذكره: أنا القائم بأرزاق هؤلاء الـمشركين، والـمدبر أمورهم، والـحافظ علـيهم أعمالهم، وجعلوا لـي شركاء من خـلقـي يعبدونها دونـي، قل لهم يا مـحمد: سَمُّوا هؤلاء الذين أشركتـموهم فـي عبـادة الله، فإنهم إن قالوا آلهة فقد كذبوا، لأنه لا إله إلا الواحد القهَّار لا شريك له. {أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِـمَا لا يَعْلَـمُ فِـي الأرْضِ} يقول: أتـخبرونه بأن فـي الأرض إلهاً، ولا إله غيره فـي الأرض ولا فـي السماء.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ} ولو سموهم آلهة لكذبوا وقالوا فـي ذلك غير الـحق لأن الله واحد لـيس له شريك، قال الله: {أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِـمَا لا يَعْلَـمُ فِـي الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ} يقول: لا يعلـم الله فـي الأرض إلهاً غيره.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ} والله خـلقهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ} ولو سَمَّوْهم كذبوا، وقالوا فـي ذلك ما لا يعلـم الله من إله غير الله فذلك قوله: {أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِـمَا لا يَعْلَـمُ فِـي الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ} مسموع، وهو فـي الـحقـيقة بـاطل لا صحة له.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. غير أنهم قالوا: أم بظاهر، معناه: أم ببـاطل، فأتوا بـالـمعنى تدلّ علـيه الكلـمة دون البـيان عن حقـيقة تأويـلها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ} بظنّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن قتادة، قوله: {أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ} والظاهر من القول: هو البـاطل.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك فـي قوله: {أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ} يقول: أم ببـاطل من القول وكذب، ولو قالوا، قالوا البـاطل والكذب.

وقوله: {بَلْ زُيِّنَ للَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ} يقول تعالـى ذكره: ما لله من شريك فـي السموات ولا فـي الأرض، ولك زُين للـمشركين الذي يدعون من دون إلهاً مكرُهم، وذلك افتراؤهم وكذبهم علـى الله. وكان مـجاهد يقول: معنى الـمكر ههنا: القولُ، كأنه قال: قولهم بـالشرك بـالله.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {بَلْ زُيِّنَ للَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ} قال: قولهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

وأما قوله: {وَصَدُّوا عَنِ السَّبِـيـلِ} فإن القرّاء اختلفت فـي قراءته، فقرأته عامَّة قرّاء الكوفـيـين: {وَصَدُّوا عَنِ السَّبِـيـلِ} بضمّ الصاد، بـمعنى: وصدّهم الله عن سبـيـله لكفرهم به، ثم جعلت الصاد مضمومة، إذ لـم يسمّ فـاعله. وأما عامَّة قرّاء الـحجاز والبصرة، فقرؤوه بفتـح الصاد، علـى معنى أن الـمشركين هي الذين صَدُّوا الناس عن سبيل الله.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يُقال: إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، متقاربتا الـمعنى وذلك أن الـمشركين بـالله كانوا مصدودين عن الإيـمان به، وهم مع ذلك كانوا يَصُدّون غيرهم، كما وصفهم الله به بقوله: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ لِـيَصُدُّوا عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ}.

وقوله: {وَمَنْ يُضْلِل اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هادٍ} يقول تعالـى ذكره: ومن أضله الله عن إصابة الـحقّ والهدى بخذلانه إياه، فما له أحد يَهْديه لإصابتهما لأن ذلك لا يُنال إلاَّ بتوفـيق الله ومعونته، وذلك بـيد الله وإلـيه دون كلّ أحد سواه.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ