انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الرعد

تفسير الطبريالآيات 9–13

تفسير سورة الرعد آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الرعد

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 43:13

  1. 1 الآيات 5–18في هذه الصفحة 16:03

التفسير الصوتي لسورة الرعد كاملًا (4 مقاطع)

عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ ۝٩

يقول تعالـى ذكره: والله عالـم ما غاب عنكم وعن أبصاركم فلـم تَرَوْه وما شاهدتـموه، فعاينتـم بأبصاركم، لا يخفـى علـيه شيء، لأنهم خـلقه، وتدبـيره الكبـير الذي كلّ شيء دونه، الـمتعال الـمستعلـي علـى كلّ شيء بقدرته، وهو الـمتفـاعل من العلوّ مثل الـمتقارب من القرب والـمتدانـي من الدنوّ.

سَوَآءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ ۝١٠

يقول تعالـى ذكره: معتدلٌ عند الله منكم أيها الناس الذي أسر القول، والذي جهر به، والذي {هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ} فـي ظلـمته بـمعصية الله {وَسارِبٌ بـالنهارِ} يقول: وظاهر بـالنهار فـي ضوئه، لا يخفـى علـيه شيء من ذلك، سواء عنده سرّ خـلقه وعلانـيتهم، لأنه لا يستسرّ عنده شيء ولا يخفـى يقال منه: سَرَب يَسْرُبُ سُروبـاً إذا ظهر، كما قال قـيس بن الخطيم:

أنَّى سَرَبْتِ وكنتِ غيرَ سَرُوبِوتَقُرُّبُ الأحْلامِ غيرُ قَرِيبِ

يقول: كيف سربت بـاللـيـل علـى بعد هذا الطريق ولـم تكونـي تبرزين وتظهرين. وكان بعضهم يقول: هو السالك فـي سِرْبه: أي فـي مذهبه ومكانه.

واختلف أهل العلـم بكلام العرب فـي السرب، فقال بعضهم: هو آمن فـي سَربه، بفتـح السين، وقال بعضهم: هو آمن فـي سِربه بكسر السين.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أسَر القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ وَسارِبٌ بـالنَّهارِ} يقول: هو صاحب رِيبة مستـخف بـاللـيـل، وإذا خرج بـالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {وَسارِبٌ بـالنَّهارِ}: ظاهر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن عوف، عن أبي رجاء، فـي قوله: {سَوَاءٌ مِنكُمْ مَنْ أسَرَّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ وَسارِبٌ بـالنَّهارِ} قال: إن الله أعلـم بهم، سواء من أسرّ القول ومن جهر به، ومن هو مستـخف بـاللـيـل وسارب بـالنهار.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا علـيّ بن عاصم، عن عوف، عن أبـي رجاء: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أسَرَّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ وَسارِبٌ بـالنَّهارِ} قال: من هو مستـخف فـي بـيته، وساربٌ بـالنهار: ذاهب علـى وجهه علـمُه فـيهم واحد.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أسَرَّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} يقول: السرّ والـجهر عنده سواء. {وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ وَسارِبٌ بـالنَّهارِ} أما الـمستـخفـي ففـي بـيته، وأما السارب: الـخارج بـالنهار حيثما كان الـمستـخفـي غيبه الذي يغيب فـيه والـخارج عنده سواء.

قال: ثنا الـحِمَّانِـيّ، قال: ثنا شريك، عن خَصِيف، فـي قوله: {مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ} قال: راكب رأسه فـي الـمعاصي. {وَسارِبٌ بـالنَّهارِ} قال: ظاهر بـالنهار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أسَرَّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} كلّ ذلك عنده تبـارك وتعالـى سواء السرّ عنده علانـية. قوله: {وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ وَسارِبٌ بـالنَّهارِ}: أي فـي ظلـمه اللـيـل، وسارب: أي ظاهر بـالنهار.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن خَصِيف، عن مـجاهد وعكرمة: {وَسارِبٌ بـالنَّهارِ} قال: ظاهر بـالنهار.

و«من» فـي قوله: {مَنْ أسَرَّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيـلِ} رفع الأولـى منهنّ بقوله سواء، والثانـية معطوفة علـى الأولـى والثالثة علـى الثانـية.

لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٌ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوٓءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ۝١١

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: لله تعالـى ذكره مُعَقبِّـات، قالوا: الهاء فـي قوله «له» من ذكر اسم الله، والـمعقِّبـات التـي تتعقَّب علـى العبد وذلك أن ملائكة اللـيـل إذا صَعِدت بـالنهار أعقبتها ملائكة النهار، فإذا انقضى النهار صعدت ملائكة النهار ثم أعقبتها ملائكة اللـيـل، وقالوا: قـيـل معقبِّـات، والـملائكة: جمع مَلَك مذكر غير مؤنث، وواحد الـملائكة معقب، وجماعتها مُعقِّبة، ثم جمع جمعه، أعنـي جمع معقب بعد ما جمع معقبة. وقـيـل: معقبـات، كما قـيـل: أبناوات سعد، ورجالات بنـي فلان جمع رجال.

وقوله: {مِنْ بـينَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ} يعنـي بقوله: {مِنْ بـينَ يَدَيْهِ} من قدّام هذا الـمستـخفـي بـاللـيـل والسارب بـالنهار، {وَمَنْ خَـلْفِهِ}: من وراء ظهره. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، يعنـي ابن زاذان، عن الـحسن فـي هذه الآية: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بَـينَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ} قال: الـملائكة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إبراهيـم بن عبد السلام بن صالـح القُشَيريّ، قال: ثنا علـيّ بن جرير، عن حماد بن سلـمة، عن عبد الـحميد بن جعفر، عن كنانة العدويّ، قال: دخـل عثمان بن عفَّـان علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أخبرنـي عن العبد كم معه من ملَك؟ قال:

مَلَكٌ علـى يَـمِينِكَ علـى حَسَناتِكَ، وَهُوَ أمِيرٌ علـى الَّذِي علـى الشّمالِ، فإذَا عَمِلْتَ حَسَنَةً كُتِبَتْ عَشْراً، وَإذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً قالَ الَّذِي علـى الشّمالِ للَّذِي علـى الـيَـمِينِ: اكْتُبْ قالَ: لا لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللّهَ وَيَتُوبُ، فإذَا قالَ ثَلاثاً، قالَ: نَعَمْ اكْتُبْ أرَاحَنا اللّهُ مِنْهُ، فَبِئْسَ القَرِينُ، ما أقَلَّ مُرَاقَبَتَهُ لِلّهِ، وأقَلَّ اسْتِـحْياءَهُ مِنَّا يَقُولُ اللّهُ: {ما يَـلْفِظَ مِنْ قَوْلٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِـيبٌ عَتِـيدٌ}. وَمَلَكانِ مِنْ بـينِ يَدَيْكِ وَمِنْ خَـلْفكَ، يَقُولُ اللّهُ: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} وَمَلَكٌ قابِضٌ علـى ناصِيَتَكَ، فإذَا تَوَاضَعْتَ لِلّهِ رَفَعَكَ، وإذَا تَـجَبَّرْتَ علـى اللّهِ قَصَمَك. ومَلَكانِ علـى شَفَتَـيْكَ لَـيْس يَحْفَظانِ عَلَـيْكَ إلاَّ الصَّلاةَ علـى مُـحَمَّد وَمَلَكٌ قائمٌ علـى فِـيكَ لا يَدَعُ الـحَيَّةَ تَدْخُـلُ فِـي فِـيكَ وَمَلَكانِ علـى عَيْنَـيْكَ. فَهُؤلاءِ عَشْرَةُ أمْلاكٍ علـى كُلّ آدَميّ، يَنْزِلُونَ مَلائِكَةُ اللَّـيْـلِ علـى مَلاَئِكَةِ النَّهارِ، (لأن ملائكة اللـيـل سوى ملأئكة النهار) فَهَؤُلاءِ عِشْرُونَ مَلَكاً علـى كُلّ آدَمِيّ، وَإبْلِـيسُ بـالنَّهارِ وَوَلَدُهُ بـاللَّـيْـلِ ».

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ} الـملائكة {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ الله}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن عبد الـملك، عن قـيس، عن مـجاهد، فـي قوله: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ} قال: مع كلّ إنسان حفظة يحفظونه من أمر الله.

قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَديْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} فـالـمعقبـات هنّ من أمر الله، وهي الـملائكة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} قال: ملائكة يحفظونه من بـين يديه ومن خـلفه، فإذا جاء قدره خَـلَّوا عنه.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} فإذا جاء القدر خَـلَّوا عنه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم فـي هذه الآية، قال: الـحَفَظة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم: {لَهُ مُعَقبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} قال: ملائكة.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا يَعْلـى، قال: ثنا إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح، فـي قوله: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ} قال: ملائكة اللـيـل يَعقُبون ملائكة النهار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ} هذه ملائكة اللـيـل يتعاقبون فـيكم بـاللـيـل والنهار، وذُكر لنا أنهم يجتـمعون عند صلاة العصر وصلاة الصبح. وفـي قراءة أبـيّ بن كعب: «له معقِّبـات من بـين يديه ورقـيب من خـلفه يحفظونه من أمر الله».

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: {لَهُ مَعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ} قال: ملائكة يتعاقبونه.

حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ} قال: الـملائكة. قال ابن جريج: معقَّبـات: قال: الـملائكة تَعَاقبُ اللـيـل والنهار. وبلغَنَا أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

يجتـمعون فـيكم عند صلاة العصر وصلاة الصبحوقوله: {مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ يَحْفَظُونَه} قال ابن جريج: مثل قوله: {عَنِ الـيَـمينِ وَعَنِ الشّمالِ قَعِيدٌ} قال: الـحسنات من بـين يديه والسيئات من خـلفه، الذي عن يـمينه يكتب الـحسناتِ والذي عن شماله يكتب السيئات.

حدثنا سَوّار بن عبد الله، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت لـيثاً يحدّث عن مـجاهد أنه قال: ما من عبد إلا له ملَك مُوَكَّلٌ يِحفِظه فـي نونه ويقظته من الـجنّ والإنس والهوامّ، فما منها شيء يأتـيه يريده إلا قال: وراءَك، إلا شيئاً يأذن الله فـيه فـيصيبه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بَـيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ} قال: يعنـي الـملائكة.

وقال آخرون: بل عنـي بـالـمعقِّبـات فـي هذا الـموضع: الـحرس الذي يتعاقب علـى الأمير. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام الرفـاعيّ، قال: ثنا ابن يـمان، قال: ثنا سفـيان عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمنْ خَـلْفهِ} قال: ذلك مَلِك من ملوك الدنـيا له حرس من دونه حرس.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ} يعنـي: ولـيّ السلطان يكون علـيه الـحرس.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن شَرْقـيّ أنه سمع عكرمة يقول فـي هذه الآية: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ} قال: هؤلاء الأمراء.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عمرو بن نافع، قال: سمعت عكرمة يقول: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ} قال: الـمواكب من بـين يديه ومن خـلفه.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بَـيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} قال: هو السلطان الـمـحروس من أمر الله، وهم أهل الشرك.

وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: الهاء فـي قوله:{ لَهُ مُعَقِّبـاتٌ} من ذكر «من» التـي فـي قوله:

{ وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ } وأن الـمعقبـات من بـين يديه ومن خـلفه، هي حَرَسه وجَلاَوِزته كما قال ذلك مَن ذكرنا قوله.

وإنـما قلنا: ذلك أولـى التأويـلـين بـالصواب لأن قوله: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ} أقرب إلـى قوله:

{ وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ } منه إلـى عالـم الغيب، فهي لقربها منه أولـى بأن تكون من ذكره، وأن يكون الـمعنىّ بذلك هذا، مع دلالة قول الله: {وَإذَا أرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ} علـى أنهم الـمعِنـيُّون بذلك. وذلك أنه جلّ ثناؤه ذكر قوماً أهل معصية له وأهل ريبة، يستـخفون بـاللـيـل ويظهرون بـالنهار، ويـمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومَنَعَة تـمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بـينهم وبـين ما يأتون من معصية الله، ثم أخبر أن الله تعالـى ذكره إذا أراد بهم سوءاً لـم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم.

وقوله: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل هذا الـحرف علـى نـحو اختلافهم فـي تأويـل قوله: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ} فمن قال: الـمعقبـات هي الـملائكة، قال: الذين يحفظونه من أمر الله هم أيضاً الـملائكة ومن قال: الـمعقبـات هي الـحرس والـجلاوزة من بنـي آدم، قال: الذين يحفظونه من أمر الله هم أولئك الـحرس.

واختلفوا أيضاً فـي معنى قوله: {مِنْ أمْرِ اللّهِ} فقال بعضهم: حِفْظهم إياه من أمره. وقال بعضهم: يحفظونه من أمر الله بأمر الله. ذكر من قال: الذين يحفظونه هم الـملائكة، ووَجَّهَ قوله: {بأمر الله} إلـى معنى أن حفظها إياه من أمر الله:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} يقول: بإذن الله، فـالـمعقبـات: هي من أمر الله، وهي الـملائكة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} قال: الـملائكة: الـحَفَظَة، وحِفْظُهم إياه من أمر الله.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا مـحمد بن عبـيد، قال: ثنـي عبد الـملك، عن ابن عبـيد الله، عن مـجاهد، فـي قوله: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} قال: الـحَفَظَة هم من أمر الله.

قال: ثنا علـيّ، يعنـي ابن عبد الله بن جعفر، قال: ثنا سفـيان، عن عمرو، عن ابن عبـاس: {لَه مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ} رُقبـاء {وَمِنْ خَـلْفِهِ} منْ أمْر اللّهِ {يَحْفَظُونَهُ}.

قال: ثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الـجارود، عن ابن عبـاس: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ} رقـيب {وَمِنْ خَـلْفِهِ}.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن خَصِيف، عن مـجاهد: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} قال: الـملائكة من أمر الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ الله} قال: الـملائكة من أمر الله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} قال: الـحَفَظة. ذكر من قال: عنى بذلك يحفظونه بأمر الله:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ}: أي بأمر الله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ}، وفـي بعض القراءات: «بأمر الله».

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن عبد الـملك، عن قـيس، عن مـجاهد فـي قوله: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَـلْفِهِ} قال: مع كلّ إنسان حفظة يحفظونه من أمر الله. ذكر من قال: تـحفظه الـحرس من بنـي آدم من أمر الله:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنا أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} يعنـي: ولـيّ السلطان يكون علـيه الـحرس، يحفظونه من بـين يديه ومن خـلفه. يقول الله عزّ وجلّ: يحفظونه من أمري، فإنـي إذا أردت بقوم سوءاً فلا مردّ له وما لهم من دونه من والٍ.

حدثنـي أبو هريرة الضبعيّ، قال: ثنا أبو قتـيبة، قال: ثنا سعيد، عن شَرْقـيّ، عن عكرمة: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} قال: الـجلاوزة.

وقال آخرون: معنى ذلك: يحفظونه من أمر الله، وأمر الله الـجنّ، ومن يبغي أذاه ومكروهه قبل مـجيء قضاء الله، فإذا جاء قضاؤه خَـلَّوا بـينه وبـينه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو هريرة الضُّبَعيّ، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا ورقاء، عن منصور، عن طلـحة، عن إبراهيـم: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} قال: من الـجنّ.

حدثنا سَوّار بن عبد الله، قال: ثنا الـمعتـمر، قال: سمعت لـيثا يحدّث عن مـجاهد أنه قال: ما من عبد إلا له ملَك موكل يحفظه فـي نومه ويقظته من الـجنّ والإنس والهوامّ، فما منهم شيء يأتـيه يريده إلا قال: وراءَك، إلا شيئاً يأذن الله فـيصيبه.

حدثنا الـحسن بن عرفة، قال: ثنا إسماعيـل بن عياش، عن مـحمد بن زياد الألهانـيّ، عن يزيد بن شُرَيح عن كعب الأحبـار، قال: لو تـجَّلـى لابن آدم كلُّ سهل وحَزْن، لرأى علـى كلّ شيء من ذلك شياطين، لولا أن الله وَكل بكم ملائكة يذُبُّون عنكم فـي مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذنْ لتُـخُطِّفتـم.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا عمارة بن أبـي حفصة، عن أبـي مُـجَلِّز، قال: جاء رجل من مُراد إلـى علـيّ رضي الله عنه، وهو يصِّلـي، فقال: احترس، فإن ناساً من مُراد يريدون قتلك فقال: إن مع كل رجل مَلَكين يحفظانه مـما لـم يقدّر، فإذا جاء القدر خَـلـيَّا بـينه وبـينه، وإن الأجل جنة حصينة.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن الـحسن بن ذَكوان، عن أبـي غالب، عن أبـي أُمامة قال: ما من آدميّ إلا ومعه مَلَك موكَّل يذود عنه حتـى يُسْلِـمه للذي قُدِّر له.

وقال آخرون: معنى ذلك: يحفظونه علـيه من الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْر الله} قال: يحفظون علـيه من الله.

قال أبو جعفر: يعنـي ابن جريج بقوله: يحفظون علـيه الـملائكة الـموكَّلة بـابن آدم، بحفظ حسناته وسيئاته، وهي الـمعَّقبـات عندنا، تـحفظ علـى ابن آدم حسناته وسيئاته من أمر الله. وعلـى هذا القول يجب أن يكون معنى قوله: {مِنْ أمْر الله} أن الـحفظة من أمر الله، أو تـحفظ بأمر الله، ويجب أن تكون الهاء التـي فـي قوله: {يَحْفَظُونَهُ} وحدت وذكرت، وهي مراد بها الـحسنات والسيئات، لأنها كناية عن ذكر من الذي هو مستـخف بـاللـيـل وسارب بـالنهار، وأن يكون الـمستـخفـي بـاللـيـل أقـيـم ذكره مقام الـخبر عن سيئاته وحسناته، كما قـيـل:

{ { وَاسْئَل القَرْيَة التـي كُنَّا فِـيها والعِيرَ التـي أقْبَلْنا فِـيها } }

وكان عبد الرحمن بن زيد يقول فـي ذلك خلاف هذه الأقوال كلها:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:

{ وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ وَسارِبٌ بـالنَّهارِ } قال: أتـى عامرُ بن الطفـيـل، وأربد بن ربـيعة إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عامر: ما تـجعل لـي إن أنا اتبعتك؟ قال:أنْتَ فـارِسٌ أُعْطِيكَ أعِنَّة الـخَيْـلِقال: لا. قال:فَمَا تَبِغِي؟قال: لـي الشرقُ ولك الغرب. قال:لا ». قال: فلـي الوَبَر ولك الـمدَر. قال:لاقال: لأملأنها علـيك إذا خيلاً ورجالاً، قال:يَـمْنَعُكَ اللّهُ ذَاكَ وَأبْناء قِـيْـلةيريد الأوس والـخزرج. قال: فخرجا، فقال عامر لأربد: إنْ كان الرجل لنا لـمـمكناً لو قتلناه ما انتطحت فـيه عنزان ولرضُوا بأن نعقله لهم وأحبوا السلـم وكرهوا الـحرب إذا رأوا أمراً قد وقع. فقال الآخر: إن شئت فتشاورا، وقال: ارجع وأنا أشغله عنك بـالـمـجادلة، وكن وراءه فـاضربه بـالسيف ضربة واحدة فكانا كذلك، واحد وراء النبـي صلى الله عليه وسلم، والآخر قال: اقصص علـينا قصصك، قال: ما يقول قرآنك؟ فجعل يجادله ويستبطئه حتـى قال: مالك أحْشمت؟ قال: وضعت يدي علـى قائم سيفـي فـيبست، فما قدرت علـى أن أُحْلـي وَلا أُمِرّ ولا أحرّكها. قال: فخرجا فلـما كانا بـالـحرّة سمع بذلك سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، فخرجا إلـيهما، علـى كل واحد منهما لأمته وَرُمـحه بـيده وهو متقلد سيفه، فقالا لعامر بن الطفـيـل: يا أعور يا خبـيث يا أملـخ، أنت الذي تشترط علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لولا أنك فـي أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رُمت الـمنزل حتـى ضربت عنقك، ولكن لا تستبقـينّ وكان أشدّ الرجلـين علـيه أسيد بن الـحُضَير، فقال: من هذا؟ فقالوا: أسيد بن حضير)، فقال: لو كان أبوه حيًّا لـم يفعل بـي هذا. ثم قال لأربد: اخرج أنت يا أربد إلـى ناحية عَذبة، وأخرج أنا إلـى نـجد، فنـجمع الرجال فنلتقـي علـيه. فخرج أربد حتـى إذا كان بـالرقم بعث الله سحابة من الصيف فـيها صاعقة فأحرقته. قال: وخرج عامر، حتـى إذا كان بواد يقال له الـجرير، أرسل الله علـيه الطاعون، فجعل يصيح: يا آل عامر، أغدة كغدة البكر تقتلنـي، يا آل عامر أغدة كغدة البكر تقتلنـي، وموتٌ أيضاً فـي بـيت سَلُولـية وهي امرأة من قـيس، فذلك قول الله: { { سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أسَرَّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ } } فقرأ حتـى بلغ: {يَحْفَظُونَهُ} تلك الـمعقبـات من أمر الله، هذا مقدّم ومؤخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبـات يحفظونه من بـين يديه ومن خـلفه تلك الـمعقبـات من أمر الله. وقال لهذين: { { إنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حتـى يُغَيِّروا ما بأنْفُسِهِمْ } } فقرأ حتـى بلغ: { { وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِق فَـيُصيبُ بها مَنْ يَشاءُ } } ... الآية، فقرأ حتـى بلغ: { وَما دُعاءُ الكافرينَ إلاَّ فِـي ضَلالٍ }. قال وقال لبـيد فـي أخيه أربد، وهو يبكيه:

أخْشَى علـى أرْبَدَ الـحُتُوفَ ولاأرْهَبُ نَوْءَ السِّماك والأسَدِ فَجِّعَنـي الرَّعْدُ والصَّوَاعقُ بـالـفـارسِ يومَ الكَرِيَهةِ النَّـجُدِ

قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد فـي تأويـل هذه الآية قول بعيد من تأويـل الآية مع خلافه أقوال من ذكرنا قوله من أهل التأويـل، وذلك أنه جعل الهاء فـي قوله: {لَهُ مُعَقِّبـاتٌ} من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولـم يجر له فـي الآية التـي قبلها ولا فـي التـي قبل الأخرى ذكر، إلا أن يكون أراد أن يردّها علـى قوله: { { إنَّـمَا أنْتَ مُنْذِرٌ وَلكُلّ قَوْمٍ هادٍ لَهُ مُعَقِّبـاتٌ } } فإن كان أراد ذلك، فذلك بعيد لـما بـينهما من الآيات بغير ذكر الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان كذلك، فكونها عائدة علـى «مَن» التـي فـي قوله: { وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ } أقرب، لأنه قبلها والـخبر بعدها عنه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: سواء منكم أيها الناس من أسرّ القول ومن جهر به عند ربكم، ومن هو مستـخف بفسقه وريبته فـي ظلـمة اللـيـل، وسارب: يذهب ويجيء فـي ضوء النهار مـمتنعاً بجنده وحرسه الذين يتعقبونه من أهل طاعة الله أن يحولوا بـينه وبـين ما يأتـي من ذلك، وأن يقـيـموا حدّ الله علـيه، وذلك قوله: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ}. وقوله: {إنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حتـى يُغَيِّرُوا ما بأنْفُسِهِمْ} يقول تعالـى ذكره: إن الله لا يغير ما بقوم من عافـية ونعمة فـيزيـل ذلك عنهم ويهلكهم حتـى يغيروا ما بأنفسهم من ذلك بظلـم بعضهم بعضاً واعتداء بعضهم علـى بعض، فتـحلّ بهم حينئذٍ عقوبته وتغيـيره. وقوله: {وَإذَا أرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ} يقول: وإذا أراد الله بهؤلاء الذين يستـخفون بـاللـيـل ويسربون بـالنهار، لهم جند ومنعة من بـين أيديهم ومن خـلفهم، يحفظونهم من أمر الله هلاكاً وخزياً فـي عاجل الدنـيا {فلا مَرَدَّ لَهُ} يقول: فلا يقدر علـى ردّ ذلك عنهم أحد غير الله. يقول تعالـى ذكره: {وَما لَهُمْ مِنْ دُونِه مِنْ وَالٍ} يقول: وما لهؤلاء القوم، والهاء والـميـم فـي «لهم» من ذكر القوم الذين فـي قوله: {وَإذَا أرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً}. {مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ وَالٍ} يعنـي: من وال يـلـيهم ويـلـي أمرهم وعقوبهم. وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب يقول: السوء: الهلكة، ويقول: كلّ جذام وبرص وعمى وبلاء عظيـم فهو سُوء مضموم الأوّل، وإذا فتـح أوله فهو مصدر سؤت، ومنه قولهم: رجل سوء.

واختلف أهل العربـية فـي معنى قوله:

{ وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـل وَساربٌ بالنَّهار } فقال بعض نـحويـي أهل البصرة: معنى قوله: { وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بالليْل } ومن هو ظاهر بالليل، من قولهم: أخَفَـيْت الشيء: إذا أظهرته، وكما قال امرؤ القـيس:

فإنْ تَكْتُـمُوا الدَّاءَ لا نَـخْفِهِوإنْ تَبْعَثُوا الـحَرْبَ لا نَقْعُدِ

وقال: وقد قرىء { { أكادُ أخْفِـيها } } بـمعنى: أظهرها. وقال فـي قوله: {وَساربٌ بـالنهار} السارب: هو الـمتواري، كأنه وجَّهه إلـى أنه صار فـي السَّرَب بـالنهار مستـخفـياً. وقال بعض نـحويـي البصرة والكوفة: إنـما معنى ذلك: ومن هو مستـخف: أي مستتر بـاللـيـل من الاستـخفـاء، وسارب بـالنهار: وذاهب بـالنهار، من قولهم: سربت الإبل إلـى الـمراعي، وذلك ذهابها إلـى الـمراعي وخروجها إلـيها. وقـيـل: إن السروب بـالعشيّ والسروح بـالغداة.

واختلفوا أيضاً فـي تأنـيث معقبـات، وهي صفة لغير الإناث، فقال بعض نـحويـي البصرة: إنـما أنثت لكثرة ذلك منها، نـحو: نسابة وعلامة، ثم ذكِّر لأن الـمعنى مذكر، فقال: يحفظونه. وقال بعض نـحويـي الكوفة: إنـما هي ملائكة معقبة، ثم جمعت معقبـات، فهو جمع جمع، ثم قـيـل: يحفظونه، لأنه للـملائكة. وقد تقدّم قولنا فـي معنى الـمستـخفـي بـاللـيـل والسارب بـالنهار. وأما الذي ذكرناه عن نـحويـي البصريـين فـي ذلك فقول وإن كان له فـي كلام العرب وجه خلافٌ لقول أهل التأويـل، وحسبه من الدلالة علـى فساده خروجه عن قول جميعهم. وأما الـمعقبـات، فإن التعقـيب فـي كلام العرب العود بعد البدء والرجوع إلـى الشيء بعد الانصراف عنه، من قول الله تعالـى:

{ { وَلَّـى مُدْبِراً ولَـمْ يُعَقِّبْ } }: أي لـم يرجع، وكما قال سلامة بن جندل:

وكَرُّنا الـخَيْـلَ فـي آثارهم رُجُعاًكُسَّ السَّنابِك مِنْ بدْءٍ وتَعقِـيب

يعني: فـي غزو ثان عقبوا وكما قال طرفة:

وَلَقَدْ كُنْتُ عَلَـيْكَمْ عاتِبـاًفَعَقَبْتُـمْ بِذَنُوبٍ غَيْر مُرّ

يعنـي بقوله: عقبتـم: رجعتـم، وأتاها التأنـيث عندنا، وهي من صفة الـحرس الذي يحرسون الـمستـخفـي بـاللـيـل والسارب بـالنهار، لأنه عُنـي بها حرس معقبة، ثم جمعت الـمعقبة، فقـيـل: معقبـات، فذلك جمع جمع الـمعقب، والـمعقب: واحد الـمعقبة، كما قال لبـيد:

حتـى تهَجَّرَ فـي الرَّواح وَهاجَهاطَلَبَ المُعَقِّبِ حَقَّهُ الـمَظْلُومُ

والمعقبات جمعها، ثم قال: يحفظونه، فردّ الـخبر إلـى تذكير الحرس والجند.

وأما قوله: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} فإن أهل العربـية اختلفوا فـي معناه، فقال بعض نـحويـي الكوفة معناه: له معقبـات من أمر الله يحفظونه، ولـيس من أمره إنـما هو تقديـم وتأخير. قال: ويكون يحفظونه ذلك الـحفظ من أمر الله وبإذنه، كما تقول للرجل: أجبتك من دعائك إياي، وبدعائك إياي. وقال بعض نـحويـي البصريـين: معنى ذلك: يحفظونه عن أمر الله، كما قالوا: أطعمنـي من جوع وعن جوع، وكسانـي عن عُرْي ومن عُرْي.

وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن أولـى القول بتأويـل ذلك أن يكون قوله: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ} من صفة حرس هذا الـمستـخفـي بـاللـيـل وهي تـحرسه ظنًّا منها أنها تدفع عنه أمر الله، فأخبر تعالـى ذكره أن حرسه ذلك لا يغنـي عنه شيئاً إذا جاء أمره، فقال: {وَإذَا أرَادَ اللّهُ بَقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ}.

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ۝١٢ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِۦ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ۝١٣

يقول تعالـى ذكره: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ} يعنـي أن الربّ هو الذي يرى عبـاده البرق. وقوله: {هُوَ} كناية اسمه جلّ ثناؤه، وقد بـيَّنا معنى البرق فـيـما مضى وذكرنا اختلاف أهل التأويـل فـيه بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وقوله {خَوْفـاً} يقول: خوفـاً للـمسافر من أذاه. وذلك أن البرق الـماء فـي هذا الـموضع، كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أخبرنا موسى بن سالـم أبو جهضم، مولـى ابن عبـاس، قال: كتب ابن عبـاس إلـى أبـي الـجلد يسأله عن البرق، فقال: البرق: الـماء.

وقوله {وَطَمَعاً} يقول: وطمعاً للـمقـيـم أن يـمطر فـينتفع. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفـاً وَطَمَعاً} يقول: خوفـاً للـمسافر فـي أسفـاره، يخاف أذاه ومشقته، وطمعاً للـمقـيـم يرجو بركته ومنفعته ويطمع فـي رزق الله.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {خَوْفـاً وطَمَعاً} خوفـاً للـمسافر، وطمعاً للـمقـيـم.

وقوله: {وَيُنْشِىءُ السَّحابَ الثِّقالَ}: ويثـير السحاب الثقال بـالـمطر، ويبدئه، يقال منه: أنشأ الله السحاب: إذا أبدأه، ونشأ السحاب: إذا بدأ ينشأ نشأً. والسحاب فـي هذا الـموضع وإن كان فـي لفظ واحد فإنها جمع واحدتها سحابة، ولذلك قال: «الثقال»، فنعتها بنعت الـجمع، ولو كان جاء: السحاب الثقـيـل كان جائزاً، وكان توحيداً للفظ السحاب، كما قـيـل:

{ { جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ ناراً } }

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَيُنْشِىءُ السَّحابَ الثِّقالَ} قال: الذي فـيه الـماء.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَيُنْشِىءُ السَّحابَ الثِّقالَ} قال: الذي فـيه الـماء.

وقوله: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} قال أبو جعفر: وقد بـيِّنا معنى الرعد فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته في هذا الـموضع. وذُكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد، قال كما:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا كثـير بن هشام، قال: ثنا جعفر، قال: بلغنا أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد الشديد، قال:

اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضَبكَ، وَلا تُهْلِكْنا بِعَذَابِكَ، وَعافِنا قَبْلَ ذلكَ

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـيه، عن رجل، عن أبـي هريرة رفع الـحديث: أنه كان إذا سمع الرعد قال:

سُبْحانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ».

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا مسعدة بن الـيسع البـاهلـي، عن جعفر بن مـحمد، عن أبـيه، عن علـيّ رضي الله عنه، كان إذا سمع صوت الرعد، قال: « سبحان من سبحتَ له ».

قال: ثنا إسماعيـل بن علـية، عن الـحكم بن أبـان، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، أنه كان إذا سمع الرعد، قال: « سبحان الذي سبحت له ».

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا يعلـى بن الـحارث، قال: سمعت أبـا صخرة يحدّث عن الأسود بن يزيد، أنه كان إذا سمع الرعد، قال: « سبحان من سبحت له»، أو« سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والـملائكة من خيفته ».

قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن علـية، عن ابن طاوس، عن أبـيه، وعبد الكريـم، عن طاوس أنه كان إذا سمع الرعد، قال: « سبحان من سبحت له ».

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ميسرة، عن الأوزاعي، قال: كان ابن أبـي زكريا يقول: من قال حين يسمع الرعد: « سبحان الله وبحمده »، لـم تصبه صاعقة.

ومعنى قوله: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} ويعظم الله الرعدُ ويـمـجده، فـيثنى علـيه بصفـاته، وينزّهه مـما أضاف إلـيه أهل الشرك به ومـما وصفوه به من اتـخاذ الصاحبة والولد، تعالـى ربنا وتقدّس.

وقوله: {مِنْ خِيفَتِهِ} يقول: وتسبح الـملائكة من خيفة الله ورهبته.

وأما قوله: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَـيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ} فقد بـيَّنا معنى الصاعقة فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته بـما فـيه الكفـاية من الشواهد، وذكرنا ما فـيها من الرواية.

وقد اختلف فـيـمن أنزلت هذه الآية، فقال بعضهم: نزلت فـي كافر من الكفـار ذَكَرَ الله تعالـى وتقدس بغير ما ينبغي ذكره، فأرسل علـيه صاعقة أهلكته. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عفـانُ، قال: ثنا أبـانُ بن يزيد، قال: ثنا أبو عمران الـجونـيّ، عن عبد الرحمن بن صحُار العبديّ، أنه بلغه أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم بعث إلـى جبَّـار يدعوه، فقال:

أرأيتـم ربكم، أذهبٌ هو أم فضة هو أم لؤلؤ هو؟قال: فبـينـما هو يجادلهم، إذ بعث الله سحابة فرعدت، فأرسل الله علـيه صاعقة فذهبت بقَحْف رأسه فأنزل الله هذه الآية: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَـيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِـي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ المِحالِ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق بن سلـيـمان، عن أبـي بكر بن عياش، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: جاء يهودي إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أخبرنـي عن ربك من أيّ شيء هو، من لؤلؤ أو من ياقوت؟ فجاءت صاعقة فأخذته، فأنزل الله: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَـيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِـي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ المِحالِ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمَّانـي، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن لـيث، عن مـجاهد، مثله.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: ثنا سيف، عن أبـي رَوق، عن أبـي أيوب، عن علـيّ، قال: جاء رجل إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا مـحمد حدثنـي مَنْ هذا الذي تدعو إلـيه، أياقوت هو، أذهب هو، أم ما هو؟ قال: فنزلت علـى السائل الصاعقة فأحرقته، فأنزل الله: {وَيُرسِلُ الصَّوَاعِقَ}... الآية.

حدثنا مـحمد بن مرزوق، قال: ثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: ثنـي علـيّ بن أبـي سارة الشيبـانـيّ، قال: ثنا ثابت البُنَانـي، عن أنس بن مالك، قال: بَعَث النبـيّ صلى الله عليه وسلم مرّة رجلاً إلـى رجل من فراعنة العرب، أن ادعه لـي، فقال: يا رسول الله، إنه أعتـى من ذلك، قال:

اذْهَبْ إلـيه فـادْعُهُقال: فأتاه، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فقال: من رسول الله، وما الله؟ أمن ذهب هو، أم من فضة، أم من نـحاس؟ قال: فأتـى الرجل النبـيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال:ارْجِعْ إلَـيْهِ فـادْعُهُقال: فأتاه فأعاد علـيه وردّ علـيه مثل الـجواب الأوّل، فأتـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال:ارْجِعْ إلَـيْهِ فـادْعُهُقال: فرجع إلـيه. فبـينـما هما يتراجعان الكلام بـينهما، إذ بعث الله سحابة بحِيال رأسه فرعدت، فوقعت منها صاعقة فذهبت بقحْف رأسه، فأنزل الله: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَـيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِـي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الـمِـحالِ}.

وقال آخرون: نزلت فـي رجل من الكفـار أنكر القرآن وكذّب النبـيَّ صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن رجلاً أنكر القرآن وكذّب النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فأرسل الله علـيه صاعقة فأهلكته، فأنزل الله عزّ وجلّ فـيه: {وَهُمْ يُجادِلُونَ فِـي اللّهِ، وَهُوَ شَدِيدُ الـمِـحالِ}.

وقال آخرون: نزلت فـي أربَدَ أخي لَبـيد بن ربـيعة، وكان همّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وعامر بن الطفـيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: نزلت، يعنـي قوله: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَـيُصِيبُ بها مَنْ يَشاءُ} فـي أربدَ أخي لبـيد بن ربـيعة، لأنه قَدم أربد وعامر بن الطفـيـل بن مالك بن جعفر علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال عامر: يا مـحمد أأُسِلـم وأكون الـخـلـيفة من بعدك؟ قال: «لا» قال: فأكون علـى أهل الوبَر وأنت علـى أهل الـمدر؟ قال: «لا»، قال: فما ذاك؟ قال:

أُعْطِيكَ أعِنَّةَ الـخَيْـلِ تُقَاتِلُ عَلَـيْها، فإنَّكَ رَجُلٌ فَـارِسٌقال: أو لـيست أعنة الـخَيـلِ بـيدي؟ أما والله لأملأنها علـيك خيلاً ورجالاً من بنـي عامر وقال لأربد: إما أن تكفـينـيه وأضربه بـالسيف، وإما أن أكفـيكه وتضربه بـالسيف. قال أربد: أكَفـيكه واضربه فقال عامر بن الطفـيـل: يا مـحمد إن لـي إلـيك حاجة، قال: «ادْنُ»، فلـم يزل يدنو، ويقول النبـي صلى الله عليه وسلم، «ادْنُ» حتـى وضع يديه علـى ركبتـيه وحنى علـيه، واستلّ أربد السيف، فـاستلّ منه قلـيلاً فلـما رأى النبـيّ صلى الله عليه وسلم بريقه، تعوّذ بآية كان يتعوّذ بها، فـيبست يد أربد علـى السيف، فبعث الله علـيه صاعقة فأحرقته، فذلك قول أخيه:

أخْشَى علـى أرْبَدَ الـحُتُوفَ ولاأرْهَبُ نَوْءَ السِّماك والأسَدِ فَجَّعَنِـي البَرْقُ والصَّوَاعقُ بـالْــفـارِسِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ النَّـجُدِ

وقد ذكرت قبلُ خبر عبد الرحمن بن زيد بنـحو هذه القصة.

وقوله: {وَهُمْ يُجادِلُونَ فِـي اللّهِ} يقول: وهؤلاء الذين أصابهم الله بـالصواعق أصابهم فـي حال خصومتهم فـي الله عزّ وجلّ لرسوله صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {وَهُوَ شَدِيدُ الـمِـحالِ} يقول تعالـى ذكره والله شديدة مـما حلته فـي عقوبة من طغى علـيه وعَتَا وتـمادى فـي كفره. والـمِـحال: مصدر من قول القائل: ما حَلتُ فلاناً فأنا أما حله مـما حلة ومـحالاً، وفَعَلْتُ منه: مَـحَلت أَمْـحَل مَـحْلاً: إذا عَرَّض رجل رجلاً لـما يهلكه ومنه قوله: «وما حِلٌ مُصَدَّق» ومنه قول أعشى بنـي ثعلبة:

فَرْعُ نَبْعٍ يَهْتَزُّ فِـي غُصُنِ الـمَـجْدِ غزيرُ النَّدَى شَدِيدُ الـمِـحالِ

هكذا كان يُنشده معمر بن الـمثنى فـيـما حُدثت عن علـيّ بن الـمغيرة عنه. وأما الرواة بعدُ فإنهم ينشدونه:

فَرْعُ فَرْعٍ يَهْتَزُّ فِـي غُصُنِ الـمَـجْدِ كثـيرُ النَّدَى عَظِيـمُ الـمِـحالِ

وفسَّر ذلك معمر بن الـمثنى، وزعم أنه عنى به العقوبة والـمكر والنكال ومنه قول الآخر:

وَلَبَّسَ بـينَ أقْوَامٍ فُكُلُّأعدّ له الشَّغازِبَ والـمِـحالا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: ثنا سيف، عن أبـي رَوْق، عن أبـي أيوب، عن علـيّ رضي الله عنه: {وَهُوَ شَدِيدُ الـمِـحالِ} قال: شديد الأخذ.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى، عن مـجاهد: {وَهُوَ شَدِيدُ الـمِـحالِ} قال: شديد القوّة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَهُوَ شَدِيدُ الـمِـحالِ} أي القوّة والـحيـلة.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الـحسن: {شَدِيدُ الـمِـحالِ} يعنـي: الهلاك، قال: إذا مـحل فهو شديد. وقال قتادة: شديد الـحِيـلة.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا رجل، عن عكرمة: {وَهُمْ يُجادِلُونَ فِـي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الـمِـحالِ} قال: الـمـحال: جدال أربَدَ، {وهو شَدِيدُ الـمِـحَالِ} قال: ما أصاب أربدَ من الصاعقة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَهُوَ شَدِيدُ الـمِـحال} قال: قال ابن عبـاس: شديد الـحَوْل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَهُوَ شَدِيدُ الـمِـحالِ} قال: شديد القوّة. الـمـحال: القوّة.

والقول الذي ذكرناه عن قتادة فـي تأويـل الـمـحال أنه الـحيـلة، والقول الذي ذكره ابن جريج عن ابن عبـاس يدلان علـى أنهما كانا يقرآن: «وَهُوَ شَدِيدُ الـمَـحَال» بفتـح الـميـم، لأن الـحيـلة لا يأتـي مصدرها مِـحَالاً بكسر الـميـم، ولكن قد يأتـي علـى تقدير الـمَفْعلة منها، فـيكون مَـحَالة، ومن ذلك قولهم: «الـمرء يعجز لا مَـحالة»، والـمـحالة فـي هذا الـموضع: الـمفعلة من الـحيـلة. فأما بكسر الـميـم، فلا تكون إلا مصدراً، من ما حلت فلاناً أما حلهِ مـحالاً، والـمـماحلة بعيدة الـمعنى من الـحيـلة، ولا أعلـم أحداً قرأه بفتـح الـميـم. فإذا كان ذلك كذلك، فـالذي هو أولـى بتأويـل ذلك ما قلنا من القول.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ