انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الرعد

تفسير الطبريالآيات 34–43

تفسير سورة الرعد آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الرعد

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 43:13

  1. 1 الآيات 19–34في هذه الصفحة 13:50
  2. 2 الآيات 35–43في هذه الصفحة 8:02

التفسير الصوتي لسورة الرعد كاملًا (4 مقاطع)

لَّهُمْ عَذَابٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره: لهؤلاء الكفَّـار الذي وصف صفتهم فـي هذه السورة عذاب فـي الـحياة الدنـيا بـالقتل والإسار والآفـات التـي يصيبهم الله بها. {وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ} يقول: ولَتعذيب الله إياهم فـي الدار الآخرة أشدّ من تعذيبه إياهم فـي الدنـيا وأشقّ، إنـما هو «أفعل» من الـمشقة. وقوله: {وَما لَهُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ وَاقٍ} يقول تعالـى ذكره: وما لهؤلاء الكفَّـار من أحد يقـيهم من عذاب الله إذا عذّبهم، لا حميـم ولا ولـيّ ولا نصير، لأنه جلّ جلاله لا يعادّه أحد فـيقهره فـيخـلصه من عذابه بـالقهر، ولا يشفع عنده أحد إلاَّ بإذنه ولـيس يأذن لأحد فـي الشفـاعة لـمن كفر به فمات علـى كفره قبل التوبة منه.

مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّعُقْبَى ٱلْكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ۝٣٥

اختلف أهل العلم بكلام العرب في رافع «المثل»، فقال بعض نحويّ الكُوفيين الرافع للمثل قوله: {تَجْرِي مِنْ تَحْتها الأنْهارُ} فـي المعنى، وقال: هو كما تقول حِلْـية فلان أسْمَرُ كذا وكذا، فليس الأسمر بمرفوع بالحلية، إنما هو ابتداء أي هو أسمر هو كذا. قال: ولو دخل أنّ في مثل هذا كان صواباً. قال: ومثله في الكلام مثَلك أنك كذا وأنك كذا. وقوله:

{ فَلْـيَنْظُرِ الإنْسانُ إلـى طَعامِهِ أنَّا } مَنْ وجَّهَ: {مَثَلُ الـجَنَّةِ الَّتِـي وُعِدَ الـمُتَّقُونَ فِـيهَا} ومن قال: { أَنَّا صَبَبْنا الـمَاءَ } أظهر الاسم، لأنه مردود علـى الطعام بـالـخفض، ومستأنف، أي: طعامه أنا صببنا ثم فعلنا. وقال: معنى قوله: {مَثَلُ الـجَنَّةِ}: صفـات الـجنة. وقال بعض نـحويّـي البصريـين: معنى ذلك: صفة الـجنة، قال: ومنه قول الله تعالـى: وَلَهُ الـمَثَلُ الأعْلَـى معناه: ولله الصفة العُلـيا. قال: فمعنى الكلام فـي قوله: {مَثَلُ الـجَنَّةِ التـي وُعِدَ الـمُتَّقُونَ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهارُ} أو فـيها أنهار، كأنه قال: وَصْف الـجنة صفة تـجري من تـحتها الأنهار، أو صفة فـيها أنهار والله أعلـم. قال: ووجه آخر كأنه إذا قـيـل: مثل الـجنة قـيـل: الـجنة التـي وعد الـمتقون. قال: وكذلك قوله: { { وَإنَّهُ بسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيـمِ } } كأنه قال: بـالله الرحمن الرحيـم، والله أعلـم. قال: وقوله: { عَلـى ما فَرَّطْتُ فِـي جَنْبِ اللّهِ } فـي ذات الله، كأنه عندنا قـيـل: فـي الله. قال: وكذلك قوله: { { لَـيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } } إنـما الـمعنى: لـيس كشيء، ولـيس مثله شيء، لأنه لا مثل له. قال: ولـيس هذا كقولك للرجل: لـيس كمثلك أحد، لأنه يجوز أن يكون له مِثْل، والله لا يجوز ذلك علـيه. قال: ومثله قول لبـيد:

إلـى الـحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَـيْكُما

قال: وفسِّر لنا أنه أراد: السلام علـيكما قال أوس بن حَجَر:

وَقْتِلـي كِرَامٍ كمِثْلِ الـجُذُوعِتَغَشَّاهُمْ سَبَلٌ مُنْهَمِرْ

قال: والـمعنى عندنا: كالـجذوع، لأنه لـم يزد أن يجعل للـجذوع مثلاً ثم يُشبه القتلـى به. قال: ومثله قول أُميَّة:

زُحَلٌ وثَوْرٌ تَـحْتَ رِجْلِ يَـمِينِهِوالنَّسْرُ للأُخْرَى وَلَـيْثٌ مُرْصَدُ

قال: فقال تـحت رجل يـمينه، كأنه قال: تـحت رجله أو تـحت رجله الـيـمنى قال: وقول لبـيد:

أضَلَّ صِوَارَهُ وتَضَيَّفَتْهُنَطوفٌ أمْرُها بِـيَده الشَّمالِ

كأنه قال: أمرها بـالشَّمال وإلـى الشَّمال وقول لبـيد أيضاً:

حتـى إذا ألْقَتْ يَداً فـي كافِرٍ

فكأنه قال: حتـى وقعت فـي كافر. وقال آخر منهم: هو الـمكفوف عن خبره، قال: والعرب تفعل ذلك. قال: وله معنى آخر: {للذينَ استـجابُوا لِربِّهِمُ الـحُسنَى} مَثَلُ الـجنة موصول صفة لها علـى الكلام الأوّل.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب: أن يقال ذكر الـمثل، فقال مَثَل الـجنة، والـمراد الـجنة، ثم وصفت الـجنة بصفتها، وذلك أن مثلها إنـما هو صفتها ولـيست صفتها شيئاً غيرها. وإذا كان ذلك كذلك، ثم ذكر الـمثل، فقـيـل: مثل الـجنة، ومثلها صفتها وصفة الـجنة، فكان وصفها كوصف الـمثل، وكان كأن الكلام جرى بذكر الـجنة، فقـيـل: الـجنة تـجري من تـحتها الأنهار، كما قال الشاعر:

أرَى مَرَّ السَّنِـينَ أخَذْنَ مِنِّـيكمَا أخَذَ السَّرارُ مِنَ الهِلالِ

فذكر الـمرّ، ورجع فـي الـخبر إلـى السنـين.

وقوله: {أُكُلُها دائمٌ وظِلُّها} يعنـي: ما يؤكل فـيها. يقول: هو دائم لأهلها، لا ينقطع عنهم، ولا يزول ولا يبـيد، ولكنه ثابت إلـى غير نهاية. وظلها: يقول: وظلها أيضاً دائم، لأنه لا شمس فـيها. {تِلكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا} يقول: هذه الـجنة التـي وصف جلّ ثناؤه عاقبة الذين اتقوا الله، فـاجتنبوا معاصيه وأدّوا فرائضه.

وقوله: {وَعُقْبَى الكافِرِينَ النَّارُ} يقول: وعاقبة الكافرين بـالله النار.

وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ ٱلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُۥ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ إِلَيْهِ أَدْعُوا۟ وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره: والذي أنزلنا إلـيهم الكتاب مـمن آمن بك واتبعك يا مـحمد {يَفْرَحُونَ بِـما أُنْزِلَ إلَـيْكَ} منه. {وَمِنَ الأحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} يقول: ومن أهل الـملل الـمتـحزّبـين علـيك، وهم أهل أديان شتـى، من يُنكر بعض ما أنزل إلـيك، فقل لهم: {إنَّـمَا أُمِرْتُ} أيها القوم {أنْ أعْبُدَ اللّهَ} وحده دون ما سواه {وَلا أُشْرِكَ بِهِ} فأجعل له شريكاً فـي عبـادتـي، فأعبد معه الآلهة والأصنام، بل أخـلص له الدين حنـيفـاً مسلـماً. {إلَـيْهِ أدْعُو} يقول: إلـى طاعته، وإخلاص العبـادة له أدعو الناس. {وَإلَـيْهِ مآبِ} يقول: وإلـيه مصيري، وهو مفعل من قول القائل: آب يَئُوب أَوْبـاً وَمآبـاً.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَالَّذِينَ آتَـيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ} أولئك أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم، فرحوا بكتاب الله وبرسوله وصدّقوا به قوله: {وَمِنَ الأحْزَابِ مَنْ يُنُكِرُ بَعْضَهُ} يعنـي الـيهود والنصارى.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكرُ بَعْضَهُ} قال: من أهل الكتاب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {وَالَّذِينَ آتَـيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِـما أُنْزِلَ إلَـيْكَ وَمِنَ الأحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} من أهل الكتاب والأحزاب أهل الكُتب، تفريقهم لـحزبهم. قوله: وَإنْ يَأْتِ الأحْزَابُ قال: لتـحزّبهم علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قال ابن جريج، وقال عن مـجاهد: {يُنْكِرُ بَعضَهُ} قال: بعض القرآن.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَإلَـيْهِ مآبِ}: وإلـيه مصير كلّ عبد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَالَّذِينَ آتَـيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ} قال: هذا من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فـيفرحون بذلك. وقرأ:

{ { وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ } }. وفـي قوله: {وَمنَ الأحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} قال: الأحزاب: الأمـم الـيهود والنصارى والـمـجوس منهم من آمن به، ومنهم من أنكره.

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا وَاقٍ ۝٣٧

يقول تعالـى ذكره: وكما أنزلنا علـيك الكتاب يا مـحمد، فأنكره بعض الأحزاب، كذلك أيضاً أنزلنا الـحكم والدين حكماً عربـياً وجعل ذلك عربـياً، ووصفه به لأنه أنزل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم وهو عربـيّ، فنسب الدين إلـيه إذ كان علـيه أُنزل، فكذّب به الأحزاب. ثم نهاه جلّ ثناؤه عن ترك ما أنزل إلـيه واتبـاع الأحزاب، وتهدده علـى ذلك إن فعله، فقال: ولئن اتبعت يا مـحمد أهواءهم، أهواء هؤلاء الأحزاب ورضاهم ومـحبتهم، وانتقلت من دينك إلـى دينهم، ما لك من يقـيك من عذاب الله إن عذّبك علـى اتبـاعك أهواءهم، وما لك من ناصر ينصرك فـيستنقذك من الله إن هو عاقبك، يقول: فـاحذر أن تتبع أهواءهم.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ۝٣٨

يقول تعالـى ذكره: {وَلَقَدْ أرْسَلْنا} يا مـحمد {رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ} إلـى أمـم قد خـلَت من قبل أمتك فجعلناهم بشراً مثلك، لهم أزواج ينكحون، وذرّية أنسلوهم، ولـم نـجعلهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، فنـجعل الرسول إلـى قومك من الـملائكة مثلهم، ولكن أرسلنا إلـيهم بشراً مثلهم، كما أرسلنا إلـى مَن قبلهم من سائر الأمـم بشراً مثلهم. {وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِـيَ بآيَةٍ إلاَّ بإذْنِ اللّهِ}: يقول تعالـى ذكره: وما يقدر رسول أرسله الله إلـى خـلقه أن يأتـي أمته بآية وعلامة من تسيـير الـجبـال ونقل بلدة من مكان إلـى مكان آخر وإحياء الـموتـى ونـحوها من الآيات إلاَّ بإذن الله، يقول: إلاَّ بأمر الله الـجبـال بـالسير والأرض بـالانتقال، والـميتَ بأن يحيا. {لِكُلّ أجَلٍ كِتابٌ} يقول: لكلّ أجَل أَمْرٍ قضاه الله كتاب قد كتبه، فهو عنده. وقد قـيـل: معناه: لكل كتاب أنزله الله من السماء أجل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {لِكُلّ أجَلٍ كِتابٌ} يقول: لكلّ كتاب ينزل من السماء أجل، فـيـمـحو الله من ذلك ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب.

قال أبو جعفر: وهذا علـى هذا القول نظير قول الله:

{ { وجاءَتْ سَكْرَةُ الـمَوْتِ بـالـحَقّ } }، وكان أبو بكر رضي الله عنه يقرأها: «وجاءت سكرة الـحقّ بـالـموت»، وذلك أن سكرة الـموت تأتـي بـالـحقّ والـحقّ يأتـي بها، فكذلك الأجل به كتاب وللكتاب أجل.

يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ ۝٣٩

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: يـمـحو الله ما يشاء من أمور عبـاده، فـيغيرّه، إلاَّ الشقاء والسعادة فإنهما لا يغيران. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا بحر بن عيسى، عن ابن أبـي لـيـلـى، عن الـمنهال، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} قال: يدبر الله أمر العبـاد فـيـمـحو ما يشاء، إلاَّ الشقاءَ والسعادة والـموت.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي لـيـلـى، عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} قال: كلّ شيء غير السعادة والشقاء، فإنهما قد فُرِغ منهما.

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا يزيد، وحدثنا أحمد، قال ثنا أبو أحمد، عن سفـيان، عن ابن أبـي لـيـلـى عن الـمنهال، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس يقول: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} قال: إلاَّ الشقاء والسعادة، والـموت والـحياة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم الفضل بن دكين وقبـيصة قالا: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي لـيـلـى، عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا ابن أبـي لـيـلـى، عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قوله: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} قال: قال ابن عبـاس: إلاَّ الـحياة والـموت، والشقاء والسعادة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن ابن أبـي لـيـلـى، عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} قال: يقدر الله أمر السنة فـي لـيـلة القدر، إلاَّ الشقاء والسعادة والـموت والـحياة.

حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، فـي قوله: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ} قال: إلاَّ الـحياة والـموت والسعادة والشقاوة فإنهما لا يتغيران.

حدثنا عمرو قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا معاذ بن عقبة، عن منصور، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، مثله.

قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، قال: قلت لـمـجاهد: إن كنتَ كتبتنـي سعيداً فأثبتنـي، وإن كنتَ كتبتنـي شقـيًّا فـامـحنـي قال: الشقاء والسعادة قد فُرغ منهما.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد قال: ثنا سعيد بن سلمان، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مـجاهد: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ} قال: ينزل الله كلّ شيء فـي السنة فـي لـيـلة القدر، فـيـمـحو ما يشاء من الآجال والأرزاق والـمقادير، إلاَّ الشقاء والسعادة، فإنهما ثابتان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: سألت مـجاهداً فقلت أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهمّ إن كان اسمي فـي السعداء فأثبته فـيهم، وإن كان فـي الأشقـياء فـامـحُه واجعله فـي السعداء؟ فقال: حسن. ثم أتـيته بعد ذلك بحول أو أكثر من ذلك، فسألته عن ذلك، فقال:

{ إنَّا أنْزَلْناهُ فِـي لَـيْـلَةٍ مُبـارَكَةٍ إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِـيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيـمٍ } قال: يُقْضَى فـي لـيـلة القدر ما يكون فـي السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدّم ما يشاء ويؤخِّر ما يشاء. فأما كتاب الشقاء والسعادة فهو ثابت لا يغير.

وقال آخرون: معنى ذلك: أن الله يـمـحو ما يشاء ويُثبت من كتاب سوى أمّ الكتاب الذي لا يغير منه شيء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا حماد، عن سلـيـمان التـيـمي، عن عكرمة، عن ابن عبـاس أنه قال فـي هذه الآية: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} قال: كتابـان: كتاب يـمـحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب.

حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا سهل بن يوسف، قال: ثنا سلـيـمان التـيـمي، عن عكرمة، فـي قوله: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} قال: الكتاب كتابـان، كتاب يـمـحو الله منه ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب.

قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن سلـيـمان التـيـميّ، عن عكرمة، عن ابن عبـاس بـمثله.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، عن عكرمة، قال: الكتاب كتابـان {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ}.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يـمـحو كلّ ما يشاء، ويثبت كلّ ما أراد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثّام، عن الأعمش، عن شقـيق أنه كان يقول: اللهمّ إن كنت كتبتنا أشقـياء، فـامـحنا واكتبنا سعداء، وإن كنتَ كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تـمـحو ما تشاء وتثبت وعندك أمّ الكتاب.

حدثنا عمرو، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن أبـي وائل، قال: كان مـما يكثر أن يدعو بهؤلاء الكلـمات: اللهمّ إن كنت كتبتنا أشقـياء فـامـحنا واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تـمـحو ما تشاء وتثبت وعندك أمّ الكتاب.

قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبـي، عن أبـي حكيـمة، عن أبـي عثمان النهديّ، أن عمر بن الـخطاب قال وهو يطوف بـالبـيت ويبكي: اللهمّ إن كنتَ كتبتَ علـيّ شِقوة أو ذنبـاً فـامـحه، فإنك تـمـحو ما تشاء وتثبت. وعندك أمّ الكتاب، فـاجعله سعادة ومغفرة.

قال: ثنا معتـمر، عن أبـيه، عن أبـي حكيـمة، عن أبـي عثمان، قال: وأحسبنـي قد سمعته من أبـي عثمان، مثله.

قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة بن خالد، عن عِصْمة أبـي حكيـمة، عن أبـي عثمان النهديّ، عن عمر رضي الله عنه، مثله.

حدثني الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا أبو حكيـمة، قال: سمعت أبـا عثمان النهدي، قال: سمعت عمر بن الـخطَّاب رضي الله عنه يقول وهو يطوف بـالكعبة: اللهمّ إن كنتَ كتبتنـي فـي أهل السعادة فأثبتنـي فـيها، وإن كنت كتبت علـيّ الذنب والشقوة فـامـحنـي وأثبتنـي فـي أهل السعادة، فإنك تـمـحو ما تشاء وتثبت، وعندك أمّ الكتاب.

قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد، عن خالد الـحذّاء، عن أبـي قِلابة، عن ابن مسعود، أنه كان يقول: اللهمّ إن كنت كتبتنـي فـي أهل الشقاء فـامـحنـي وأثبتنـي فـي أهل السعادة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} يقول: وهو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لـمعصية الله فـيـموت علـى ضلاله، فهو الذي يـمـحو. والذي يثبت: الرجل يعمل بـمعصية الله، وقد كان سبق له خير حتـى يـموت، وهو فـي طاعة الله، فهو الذي يثبت.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن حكيـم، عن عبد الله، أنه كان يقول: اللهمّ إن كنتَ كتبتنـي فـي السعداء فأثبتنـي فـي السعداء، فإنك تـمـحو ما تشاء وتثبت، وعندك أُم الكِتابِ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا حماد، عن أبـي حمزة، عن إبراهيـم، أن كعبـاً قال لعمر رضي الله عنه: يا أمير الـمؤمنـين، لولا آية فـي كتاب الله لأنبأتك ما هو كائن إلـى يوم القـيامة، قال: وما هي؟ قال: قول الله: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُم الكِتابِ}.

حُدثت من الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:

{ لِكُلّ أجَلِ كِتاب }... الآية، يقول: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ} يقول: أنسخ ما شئتُ، وأصنع من الأفعال ما شئت، إن شئت زدت فـيها، وإن شئتُ نقصتُ.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عفـان، قال: ثنا همام، قال: ثنا الكلبـي، قال: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ} قال: يـمـحو من الرزق ويزيد فـيه، ويـمـحي من الأجل ويزيد فـيه. قلت: من حدّثك؟ قال: أبو صالـح، عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم. فقدم الكلبـيّ بعد، فسئُل عن هذه الآية: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ} قال: يكتب القول كله، حتـى إذا كان يوم الـخميس طرح منه كلّ شيء لـيس فـيه ثواب ولا علـيه عقاب، مثل قولك: أكلت، شربت، دخـلت، خرجت، ونـحو ذلك من الكلام، وهو صادق، ويُثبت ما كان فـيه الثواب وعلـيه العقاب.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: سمعت الكلبـي، عن أبـي صالـح نـحوه، ولـم يجاوز أبـا صالـح. وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل معنى ذلك: أن الله ينسخ ما يشاء من أحكام كتابه، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ} قال: من القرآن. يقول: يبدّل الله ما يشاء فـينسخه، ويُثبت ما يشاء فلا يبدّله. {وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} يقول: وجملة ذلك عنده فـي أمّ الكتاب: الناسخ والـمنسوخ، وما يُبدل، وما يثبت، كل ذلك فـي كتاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ} هي مثل قوله:

{ { ما نَنْسَخْ منْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أوْ مِثْلِها } } ، وقوله: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ}: أي جملة الكتاب وأصله.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ما يشاء}، وهو الـحكيـم. {وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} وأصله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ} بـما ينزل علـى الأنبـياء، {وَيُثْبِتُ} ما يشاء مـما ينزل علـى الأنبـياء. قال: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} لا يغير ولا يبدّل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ} قال: ينسخ. قال: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} قال: الذكر.

وقال آخرون: معنى ذلك أنه يـمـحو من قد حان أجله، ويثبت من لـم يجىءْ أجله إلـى أجله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبِـي عديّ، عن عوف، عن الـحسن، فـي قوله: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} يقول: يـمـحو من جاء أجله فذهب، والـمثبت الذي هو حيّ يجري إلـى أجله.

حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا عوف، قال: سمعت الـحسن: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ} قال: من جاء أجله. {وَيُثْبتُ} قال: من لـم يجىء أجله إلـى أجله.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الـحسن، نـحو حديث ابن بشَّار.

قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن، فـي قوله:

{ { لِكُلّ أجَلٍ كِتابٌ } } قال: آجال بنـي آدم فـي كتاب. {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ} من أجله {وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ}.

قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قول الله: {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ} قالت قريش حين أُنزل:

{ { وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأتِـيَ بآيَةٍ إلاَّ بإذْنِ اللّهِ } } ما نراك يا مـحمد تـملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر. فأنزلت هذه الآية تـخويفـاً ووعيداً لهم: إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونـحدث فـي كلّ رمضان، فنـمـحو ونُثبت ما نشاء من أرزاق الناس ومصائبهم، وما نعطيهم، وما نقسم لهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد نـحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، نـحوه.

وقال آخرون: معنى ذلك: ويغفر ما يشاء من ذنوب عبـاده، ويترك ما يشاء فلا يغفر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، فـي قوله {يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ} قال: يثبت فـي البطن الشقاء والسعادة وكلّ شيء، فـيغفر منه ما يشاء ويؤخر ما يشاء.

وأولـى الأقوال التـي ذكرت فـي ذلك بتأويـل الآية، وأشبهها بـالصواب، القول الذي ذكرناه عن الـحسن ومـجاهد وذلك أن الله تعالـى ذكره توعد الـمشركين الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات بـالعقوبة وتهدّدهم بها وقال لهم:

{ { وَما كانَ لرَسُولٍ أنْ يَأْتِـيَ بآيَةٍ إلاَّ بإذْنِ اللّهِ لكُلّ أجَلٍ كتابٌ } } يعلـمهم بذلك أن لقضائه فـيهم أجلاً مثبتاً فـي كتاب هم مؤخرون إلـى وقت مـجيء ذلك الأجل، ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجل يجيء الله بـما شاء مـمن قد دنا أجله وانقطع رزقه أو حان هلاكه أو اتضاعه، من رفعة أو هلاك مال، فـيقضي ذلك فـي خـلقه، فذلك مـحوه. ويُثبت ما شاء مـمن بقـي أجله ورزقه وأُكْله، فـيتركه علـى ما هو علـيه فلا يـمـحوه. وبهذا الـمعنى جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما:

حدثنـي مـحمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا ابن أبـي مريـم، قال: ثنا اللـيث بن سعد، عن زيادة بن مـحمد، عن مـحمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبـيد، عن أبـي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ اللّهَ يَفْتَـحُ الذّكْرَ فِـي ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقـينَ منَ اللَّـيْـلِ، فِـي السَّاعَةِ الأُولـى منْهُنَّ يَنْظُرُ فِـي الكتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فـيهِ أحَدٌ غيرُهُ، فَـيَـمْـحُو ما يَشاءُ ويُثْبتُثم ذكر ما فـي الساعتـين الآخرتـين.

حدثنا موسى بن سهل الرملـي، قال: ثنا آدم، قال: ثنا اللـيث، قال: ثنا زيادة بن مـحمد، عن مـحمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبـيد، عن أبـي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ اللّهَ يَنْزِلُ فِـي ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقـيْنَ منَ اللَّـيْـلِ، يَفْتَـحُ الذّكْرَ فِـي السَّاعَةِ الأُولـى الَّذِي لَـمْ يَرَهُ أحَدٌ غيرُهُ، يَـمْـحُو ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ما يَشاءُ ».

حدثنـي مـحمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبـاس، قال: إن لله لوحاً مـحفوظاً مسيرة خمس مئة عام، من دُرّة بـيضاء لها دفتان من ياقوت، والدفتان لوحان لله، كل يوم ثلاث مئة وستون لـحظة، يـمـحو ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، قال: ثنـي رجل، عن أبـيه، عن قـيس بن عبـاد، أنه قال: العاشر من رجب هو يوم يـمـحو الله فـيه ما يشاء.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ }.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} فقال بعضهم: معناه: وعنده الـحلال والـحرام. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مسلـم بن إبراهيـم، قال: ثنا مـحمد بن عقبة، قال: ثنا مالك بن دينار، قال: سألت الـحسن: قلت: {أُمُّ الكِتابِ}؟ قال: الـحلال والـحرام، قال: قلت: فما الـحمد لله رب العالـمين؟ قال: هذه أمّ القرآن.

وقال آخرون: معناه: وعنده جملة الكتاب وأصله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} قال: جملة الكتاب وأصله.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} قال: كتاب عند ربّ العالـمين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، عن جويبر، عن الضحاك: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} قال: جملة الكتاب وعلـمه يعنـي بذلك ما ينسخ منه وما يثبت.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} يقول: وجملة ذلك عنده فـي أمّ الكتاب: الناسخ والـمنسوخ، وما يبدل، وما يثبت، كلّ ذلك فـي كتاب.

وقال آخرون فـي ذلك، ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا معتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، عن شيبـان، عن ابن عبـاس، أنه سأل كعبـاً عن أمّ الكتاب، قال: علـم الله ما هو خالق وما خـلقه عاملون، فقال لعلـمه: كن كتابـاً فكان كتابـاً.

وقال آخرون: هو الذِّكْرُ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج قال أبو جعفر: لا أدري فـيه ابن جريج أم لا قال: قال ابن عبـاس: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} قال: الذكر.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: وعنده أصل الكتاب وجملته وذلك أنه تعالـى ذكره أخبر أنه يـمـحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم عقب ذلك بقوله: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ} فكان بـيِّناً أن معناه: وعنده أصل الـمثبَت منه والـمـمـحو، وجملته فـي كتاب لديه.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَيُثْبِتُ} فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والكوفة: «ويُثَبِّتُ» بتشديد البـاء بـمعنى: ويتركه ويقره علـى حاله، فلا يـمـحوه. وقرأه بعض الـمكيـين وبعض البصريـين وبعض الكوفـيـين: {ويُثْبِتُ} بـالتـخفـيف، بـمعنى: يكتب، وقد بـيَّنا قبل أن معنى ذلك عندنا: إقراره مكتوبـاً وترك مـحوه علـى ما قد بـيَّنا، فإذا كان ذلك كذلك فـالتثبـيت به أولـى، والتشديد أصوب من التـخفـيف، وإن كان التـخفـيف قد يحتـمل توجيهه فـي الـمعنى إلـى التشديد والتشديد إلـى التـخفـيف، لتقارب معنـيـيهما.

وأما الـمـحْو، فإن للعرب فـيه لغتـين: فأما مضر فإنها تقول: مـحوت الكتاب أمـحوه مـحواً، وبه التنزيـل، ومـحوته أمـحاه مـحواً. وذُكر عن بعض قبـائل ربـيعة: أنها تقول: مـحيت أَمْـحَى.

وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ۝٤٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وإما نرينك يا مـحمد فـي حياتك بعض الذي نعد هؤلاء الـمشركين بـالله من العقاب علـى كفرهم، أو نتوفـيَّنك قبل أن نريك ذلك، فإنـما علـيك أن تنتهي إلـى طاعة ربك فـيـما أمرك به من تبلـيغهم رسالته، لا طلب صلاحهم ولا فسادهم، وعلـينا مـحاسبتهم فمـجازاتهم بأعمالهم، إن خيراً فخير وإن شرًّا فشرّ.

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝٤١

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: أو لـم ير هؤلاء الـمشركون من أهل مكة الذين يسألون مـحمداً الآيات، أنا نأتـي الأرض فنفتـحها له أرضاً بعد أرض حوالـي أرضهم، أفلا يخافون أن نفتـح له أرضهم كما فتـحنا له غيرها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا مـحمد بن الصبـاح، قال: ثنا هشيـم، عن حصين، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها منْ أطْرَافها} قال: أو لـم يروا أنا نفتـح لـمـحمد الأرض بعد الأرض.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {أو لَـمْ يَرَوْا أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها} يعنـي بذلك: ما فتـح الله علـى مـحمد، يقول: فذلك نقصانها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك، قال: ما تغلبت علـيه من أرض العدوّ.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، قال: كان الـحسن يقول فـي قوله: {أو لـمْ يَرَوْا أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها} فهو ظهور الـمسلـمين علـى الـمشركين.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {أو لَـمْ يَرَوْا أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها} يعنـي أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان ينتقص له ما حوله من الأرضين، ينظرون إلـى ذلك فلا يعتبرون، قال الله فـي سورة الأنبـياء:

{ نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ } بل نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم الغالبون.

وقال آخرون: بل معناه: أو لـم يروا أنا نأتـي الأرض فنـخرّبها، أو لا يخافون أن نفعل بهم وبأرضهم مثل ذلك فنهلكهم ونـخرب أرضهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا علـيّ بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها} قال: أو لَـمْ يَرَوْا إلـى القرية تـخرب حتـى يكون العمران فـي ناحية.

قال: ثنا حجاج بن مـحمد، عن ابن جريج، عن الأعرج، أنه سمع مـجاهداً يقول: {نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها} قال: خرابها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن الأعرج، عن مـجاهد، مثله. قال: وقال ابن جريج: خرابها وهلاك الناس.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي جعفر الفراء، عن عكرمة، قوله: {أو لَـمْ يَرَوْا أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها} قال: نـخرّب من أطرافها.

وقال آخرون: بل معناه: ننقص من بركتها وثمرتها وأهلها بـالـموت. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {ننْقُصُها منْ أطْرَافها} يقول: نقصان أهلها وبركتها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن مـجاهد، فـي قوله: {نَنْقُصها منْ أطْرَافها} قال: فـي الأنفس وفـي الثمرات، وفـي خراب الأرض.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن طلـحة القناد، عمن سمع الشعبـي، قال: لو كانت الأرض تنقص لضاق علـيك حُشُّك، ولكن تنقص الأنفس والثمرات.

وقال آخرون: معناه: أنا نأتـي الأرض ننقصها من أهلها، فنتطرّفهم بأخذهم بـالـموت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {نَنْقُصُها منْ أطْرافها} قال: موت أهلها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد: {ألَـمْ يَرَوْا أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها} قال: الـموت.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيـم، قال: ثنا هارون النحوي، قال: ثنا الزبـير بن الـحرث عن عكرمة، فـي قوله: {نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها} قال: هو الـموت. ثم قال: لو كانت الأرض تنقص لـم نـجد مكاناً نـجلس فـيه.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها} قال: كان عكرمة يقول: هو قبض الناس.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: سئل عكرمة عن نقص الأرض، قال: قبض الناس.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا جرير بن حازم، عن يعلـى بن حكيـم، عن عكرمة، فـي قوله: {أو لَـمْ يَرَوْا أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها} قال: لو كان كما يقولون لـما وجد أحدكم جبًّـا يخرأ فـيه.

حدثنا الفضل بن الصبـاح، قال: ثنا إسماعيـل بن علـية، عن أبـي رجاء، قال: سئل عكرمة وأنا أسمع عن هذه الآية: {أو لَـمْ يَرَوْا أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها} قال: الـموت.

وقال آخرون: ننقصها من أطرافها بذهاب فقهائها وخيارها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلـحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عبـاس، قال: ذهاب علـماؤها وفقهاؤها وخيار أهلها.

قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن مـجاهد، قال: موت العلـماء.

وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب، قول من قال: {أو لَـمْ يَرَوْا أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها} بظهور الـمسلـمين من أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم علـيها وقهرهم أهلها، أفلا يعتبرون بذلك فـيخافون ظهورهم علـى أرضهم وقهرهم إياهم؟ وذلك أن الله توعد الذين سألوا رسوله الآيات من مُشركي قومه بقوله:

{ { وإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِيَ نَعِدُهُمْ أوْ نَتَوَفَّـيَنَّكَ فإنَّـما عَلَـيْكَ البَلاغُ وَعَلَـيْنا الـحسابُ } }. ثم وبخهم تعالـى ذكره بسوء اعتبـارهم ما يعاينون من فعل الله بضربـائهم من الكفـار، وهم مع ذلك يسألون الآيات، فقال: {أو لَـمْ يَرَوْا أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها} بقهر أهلها، والغلبة علـيها من أطرافها وجوانبها، وهم لا يعتبرون بـما يرون من ذلك.

وأما قوله: {واللّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِـحُكْمِهِ} يقول: والله هو الذي يحكم فـينفذ حكمه، ويقضي فـيـمضي قضاؤه، وإذا جاء هؤلاء الـمشركين بـالله من أهل مكة حكم الله وقضاؤه لـم يستطيعوا ردّه. ويعنـي بقوله: {لا مُعَقِّبَ لِـحُكْمِهِ}: لا رادّ لـحكمه، والـمعقِّب فـي كلام العرب: هو الذي يَكُرّ علـى الشيء، وقوله: {وَهُوَ سَرِيعُ الـحِسابِ} يقول: والله سريع الـحساب يحصي أعمال هؤلاء الـمشركين لا يخفـى علـيه شيء ومن وراء جزائهم علـيها.

وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ۝٤٢

يقول تعالـى ذكره: قد مكر الذين من قبل هؤلاء الـمشركين من قريش من الأمـم التـي سلفت بأنبـياء الله ورسله {فللّه الـمَكْرُ جَمِيعاً} يقول: فللَّه أسبـاب الـمكر جميعاً، وبـيده وإلـيه، لا يضرّ مكر من مكر منهم أحداً إلاَّ من أراد ضرّه به، يقول: فلـم يضرّ الـماكرون بـمكرهم إلاَّ من شاء الله أن يضرّه ذلك، وإنـما ضرّوا به أنفسهم لأنهم أسخطوا ربهم بذلك علـى أنفسهم حتـى أهلكهم، ونـجى رسله: يقول: فكذلك هؤلاء الـمشركون من قريش يـمكرون بك يا مـحمد، والله منـجيك من مكرهم، ومُلـحق ضرّ مكرهم بهم دونك. وقوله: {يَعْلَـمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} يقول: يعلـم ربك يا مـحمد ما يعمل هؤلاء الـمشركون من قومك وما يَسْعون فـيه من الـمكر بك، ويعلـم جميع أعمال الـخـلق كلهم، لا يخفـى علـيه شيء منها. {وَسَيَعْلَـمُ الكُفَّـارُ لـمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} يقول: وسيعلـمون إذا قدموا علـى ربهم يوم القـيامة لـمن عاقبة الدار الآخرة حين يدخـلون النار، ويدخـل الـمؤمنون بـالله ورسوله الـجنة.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته قرّاء الـمدينة وبعض أهل البصرة: «وَسَيَعْلَـمُ الكافِرُ» علـى التوحيد. وأما قرّاء الكوفة فإنهم قرءوه: {وَسَيَعْلَـمُ الكُفَّـارُ} علـى الـجمع.

والصواب من القراءة فـي ذلك القراءة علـى الـجمع: {وسَيَعْلَـمُ الكُفَّـارُ} لأن الـخبر جرى قبل ذلك عن جماعتهم، وأتبع بعده الـخبر عنهم، وذلك قوله: {وإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أوْ نَتَوَفَّـيَنَّكَ} وبعده قوله:

{ { وَيَقولُ الَّذِينَ كَفَروا لَسْتَ مُرْسَلاً } }. وقد ذكر أنها فـي قراءة ابن مسعود: «وَسَيَعْلَـمَ الكافِرُون»، وفـي قراءة أبـيّ: «وَسَيَعْلَـمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» وذلك كله دلـيـل علـى صحة ما اخترنا من القراءة فـي ذلك.

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَٰبِ ۝٤٣

يقول تعالـى ذكره {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا} بـالله من قومك يا مـحمد {لَسْتَ مُرْسَلاً} تكذيبـاً منهم لك، وجحوداً لنبوّتك. {فَقُلْ} لهم إذا قالوا ذلك: {كَفَـى بـاللّهِ} يقول: قل حسبـي الله {شَهِيدًا}، يعنـي شاهداً، {بَـيْنِـي وَبَـيْنَكُمْ} علـيّ وعلـيكم بصدقـي وكذبكم، {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْـم الكِتابِ} فمن إذا قرىء به كذلك فـي موضع خفض عطفـاً به علـى اسم الله، وكذلك قرأ قرأة الأمصار بـمعنى: والذين عندهم علـم الكتاب الكتب التـي نزلت قبل القرآن كالتوراة والإنـجيـل. وعلـى هذه القراءة فسَّر ذلك الـمفسرون. ذكر الرواية بذلك:

حدثنـي علـي بن سعيد الكندي، قال: ثنا أبو محياة يحيى بن يعلـى، عن عبد الـملك بن عمير، عن ابن أخي عبد الله بن سلام، قال: قال عبد الله بن سلام: نزلت فـيّ: {كَفَـى بـاللّهِ شَهِيدًا بَـيْنِـي وَبَـيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْـمُ الكِتابِ}.

حدثنا الـحسين بن علـيّ الصدائي، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا شعيب بن صفوان، قال: ثنا عبد الـملك بن عمير، أن مـحمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: قال عبد الله بن سلام: أنزل فـيّ: {قُلْ كَفَـى بـاللّهِ شَهِيدًا بَـيْنِـي وَبَـيْنَكُمْ وَمِنْ عِنْدَهُ عِلْـمُ الكِتابِ}.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {قُلْ كَفَـى بـاللّهِ شَهِيدًا بَـيْنِـي وَبَـيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْـمُ الكِتابِ} فـالذين عندهم علـم الكتاب: هم أهل الكتاب من الـيهود والنصارى.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا الأشجعي، عن سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْـمُ الكِتابِ} قال: هو عبد الله بن سلام.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: حدثنا هشيـم، قال: أخبرنا إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح، فـي قوله: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْـمُ الكِتابِ} قال: رجل من الإنس، ولـم يسمه.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْـمُ الكِتابِ} عبد الله بن سلام.

قال: ثنا يحيى بن عبـاد، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْـمُ الكِتابِ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً} قال: قول مشركي قريش: {قُلْ كَفَـى بـاللّهِ شَهِيدًا بَـيْنِـي وَبَـيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْـمُ الكِتابِ} أناس من أهل الكتاب كانوا يشهدون بـالـحقّ ويقرّون به، ويعلـمون أن مـحمداً رسول الله، كما يحدَّث أن منهم عبد الله بن سلام.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن قتادة: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْـمُ الكِتابِ} قال: كان منهم عبد الله بن سلام، وسلـمان الفـارسيّ، وتـميـم الداريّ.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْـمُ الكِتابِ} قال هو عبد الله بن سلام.

وقد ذُكر عن جماعة من الـمتقدمين أنهم كانوا يقرءونه: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» بـمعنى: من عند الله علـم الكتاب. ذكر من ذُكر ذلك عنه:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن هارون، عن جعفر بن أبـي وحشية، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» يقول: من عند الله عُلِـم الكتاب.

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، عن شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» قال: من عند الله.

قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» قال: من عند الله علـم الكتاب.

وقد حدثنا هذا الـحديث الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» قال: هو الله، هكذا قرأ الـحسن: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ».

قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الـحسن، مثله.

قال: ثنا علـيّ، يعنـي ابن الـجعد، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الـحسن: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» قال: الله، قال شعبة: فذكرت ذلك للـحكم، فقال: قال مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت منصور بن زاذان يحدّث عن الـحسن، أنه قال فـي هذه الآية: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» قال: من عند الله.

قال: ثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الـحسن: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» قال: من عند الله علـم الكتاب.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الـحسن: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» قال: من عند الله علـم الكتاب، هكذا قال ابن عبد الأعلـى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الـحسن يقرؤها: «قُلْ كَفَـى بـاللّهِ شَهِيدًا بَـيْنِـي وَبَـيْنَكُمْ وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكتابُ» يقول: من عند الله علـم الكتاب، وجملته.

هكذا حدثنا به بشر: علـم الكتاب، وأنا أحسبه وَهَم فـيه، وأنه: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» لأن قوله وجملته اسم لا يعطف بـاسم علـى فعل ماض.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا عبد الوهاب، عن هارُون: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» يقول: من عند الله علـم الكتاب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبـي بشر، قال: قلت لسعيد بن جبـير: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» أهو عبد الله بن سلام؟ قال: هذه السورة مكية، فكيف يكون عبدَ الله بن سلام؟ قال: وكان يقرؤها: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» يقول: من عند الله.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبـي بشر، قال: سألت سعيد بن جبـير، عن قول الله: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» أهو عبد الله بن سلام؟ قال: فكيف وهذه السورة مكية. وكان سعيد يقرؤها: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ».

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي عبـاد، عن عوف، عن الـحسن وجويبر، عن الضحاك بن مزاحم، قالا: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» قال: من عند الله.

وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بتصحيح هذه القراءة وهذا التأويـل، غير أن فـي إسناده نظراً، وذلك ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي عبـاد بن العوّام، عن هارون الأعور، عن الزهريّ، عن سالـم بن عبد الله، عن أبـيه، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» عند الله علـم الكتاب.

وهذا خبر لـيس له أصل عند الثقات من أصحاب الزهريّ.

فإذا كان ذلك كذلك وكانت قرّاء الأمصار من أهل الـحجاز والشام والعراق علـى القراءة الأخرى، وهي: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْـمُ الكِتابِ} كان التأويـل الذي علـى الـمعنى الذي علـيه قرّاء الأمصار أولـى بـالصواب مـمن خالفه، إذ كانت القراءة بـما هم علـيه مـجمعون أحقّ بـالصواب.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ