انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الرعد

تفسير الطبريالآيات 14–25

تفسير سورة الرعد آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الرعد

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 43:13

  1. 1 الآيات 5–18في هذه الصفحة 16:03
  2. 2 الآيات 19–34في هذه الصفحة 13:50

التفسير الصوتي لسورة الرعد كاملًا (4 مقاطع)

لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ ۝١٤

يقول تعالـى ذكره: لله من خـلقه الدعوة الـحق، والدعوة هي الـحقّ كما أضيفت الدار إلـى الآخرة فـي قوله: {وَلَدَارُ الآخِرَةِ} وقد بـيَّنا ذلك فـيـما مضى. وإنـما عنى بـالدعوة الـحقّ: توحيد الله، وشهادة أن لا إله إلاَّ الله.

وبنـحو الذي قلنا أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {دَعْوَةُ الـحَقّ} قال: لا إله إلاَّ الله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {لَه دَعْوَةُ الـحَقّ} قال: شهادة لا إله إلاَّ الله.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: ثنا سيف، عن أبـي رَوْق، عن أبـي أيوب، عن علـيّ رضي الله عنه: {لَه دَعْوَةُ الـحَقّ} قال: التوحيد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَهُ دَعْوَةُ الـحَقّ} قال: لا إله إلاَّ الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس، فـي قوله: {لَه دَعْوَةُ الـحَقّ} قال: لا إله إلاَّ الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {لَهُ دَعْوَةُ الـحَقّ}: لا إله إلاَّ الله لـيست تنبغي لأحد غيره، لا ينبغي أن يقال: فلان إله بنـي فلان.

وقوله: {والَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} يقول تعالـى ذكره: والآلهة التـي يدعوها الـمشركون أربـابـاً وآلهة. وقوله {مِنْ دُونِهِ} يقول: من دون الله وإنـما عنى بقوله: {مِنْ دُونِهِ} الآلهة أنها مقصرة عنه، وأنها لا تكون إلهاً، ولا يجوز أن يكون إلها إلاَّ الله الواحد القهار ومنه قول الشاعر:

أتُوعِدُنِـي وَرَاءَ بَنِـي رِياحٍكَذَبْتَ لَتَقُصُرَّنَ يَداكَ دُونِـي

يعنـي: لتقصرن يداك عنـي.

وقوله: {لا يَسْتَـجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} يقول: لا تـجيب هذه الآلهة التـي يدعوها هؤلاء الـمشركون آلهة بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضرّ. {إلاَّ كبـاسطِ كَفَّـيْهِ إلـى الـماءِ} يقول: لا ينفع داعي الآلهة دعاؤه إياها إلاَّ كما ينفع بـاسطَ كفـيه إلـى الـماء، بسطُه إياهما إلـيه من غير أن يرفعه إلـيه فـي إناء، ولكن لـيرتفع إلـيه بدعائه إياه وإشارته إلـيه وقبضه علـيه. والعرب تضرب لـمن سعى فـيـما لا يدركه مثلاً بـالقابض علـى الـماء. قال بعضهم:

فإنّـي وَإيَّاكُمْ وَشَوْقاً إلَـيْكُمُكقابِضِ ماءٍ لَـمْ تَسِقْه أنامِلُهْ

يعنـي بذلك: أنه لـيس فـي يده من ذلك إلاَّ كما فـي يد القابض علـى الـماء، لأن القابض علـى الـماء لا شيء فـي يده. وقال آخر:

فأصْبَحْتُ مـمَّا كانَ بَـيْنِـي وبَيْنَهامِنَ الوُدّ مِثْلَ القابِضِ المَاءَ باليَدِ

وبنحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا سيف، عن أبـي روق، عن أبـي أيوب، عن علـيّ رضي الله عنه، فـي قوله: {إلاَّ كبَـاسِطِ كَفَّـيْهِ إلـى الـمَاءِ لِـيَبْلُغَ فـاهُ وَما هُوَ بِبـالِغِهِ} قال: كالرجل العطشان يـمدّ يده إلـى البئر لـيرتفع الـماء إلـيه وما هو ببـالغه.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {كبَـاسِطِ كَفَّـيْهِ إلـى الـماءِ} يدعو الـماء بلسانه ويشير إلـيه بـيده، ولا يأتـيه أبداً.

قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي الأعرج، عن مـجاهد: {لِـيَبْلُغَ فـاهُ} يدعوه لـيأتـيه وما هو بآتـيه، كذلك لا يستـجيب من هو دونه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {كبَـاسِطِ كَفَّـيْهِ إلـى الـمَاءِ} يدعو الـماء بلسانه ويشير إلـيه بـيده، فلا يأتـيه أبداً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قال: وثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثل حديث الـحسن، عن حجاج، قال ابن جريج: وقال الأعرج عن مـجاهد: {لِـيَبْلُغَ فـاهُ} قال: يدعوه لأن يأتـيه وما هو بآتـيه، فكذلك لا يستـجيب من هو دونه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَالَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِه لا يَسْتَـجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ كبَـاسِطِ كَفَّـيْهِ إلـى الـمَاءِ لِـيَبْلُغَ فـاهُ وَما هُوَ بِبـالِغِهِ} ولـيس ببـالغه حتـى يتـمزّع عنقه ويهلك عطشاً، قال الله تعالـى: {وَما دُعاءُ الكافرِينَ إلاَّ فِـي ضَلالٍ} هذا مَثَلٌ ضربه الله أي هذا الذي يدعو من دون الله هذا الوثن وهذا الـحجر لا يستـجيب له بشيء أبداً ولا يسوق إلـيه خيراً ولا يدفع عنه سوءاً حتـى يأتـيه الـموت، كمثل هذا الذي بسط ذارعيه إلـى الـماء لـيبلغ فـاه ولا يبلغ فـاه ولا يصل إلـيه ذلك حتـى يـموت عطشاً.

وقال آخرون: معنى ذلك: والذين يدعون من دونه لا يستـجيبون لهم بشيء إلاَّ كبـاسط كفـيه إلـى الـماء لـيتناول خياله فـيه، وما هو ببـالغ ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {كبَـاسِطِ كَفَّـيْهِ إلـى الـمَاءِ لـيَبْلُغَ فـاهُ} فقال: هذا مثل الـمشرك مع الله غيره، فمثَله كمثل الرجل العطشان الذي ينظر إلـى خياله فـي الـماء من بعيد، فهو يريد أن يتناوله ولا يقدر علـيه.

وقال آخرون فـي ذلك ما:

حدثنـي به مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَـجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ}... إلـى: {وَما دُعاءُ الكافرِينَ إلاَّ فِـي ضَلالٍ} يقول: مثل الأوثان الذين يُعبدون من دون الله كمثل رجل قد بلغه العطش حتـى كربه الـموت وكفـاه فـي الـماء قد وضعهما لا يبلغان فـاه، يقول الله: لا تستـجيب الآلهة ولا تنفع الذين يعبدونها حتـى يبلغ كَفَّـا هذا فـاه، وما هما ببـالغتـين فـاه أبداً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَـجيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إلاَّ كبَـاسِطِ كَفَّـيْهِ إلـى الـمَاءِ لِـيَبْلُغَ فـاهُ وَما هُوَ بِبـالغهِ} قال: لا ينفعونهم بشيء إلاَّ كما ينفع هذا بكفَّـيه، يعنـي بسطهما إلـى ما لا ينال أبداً.

وقال آخرون فـي ذلك ما:

حدثنا به مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {إلاَّ كبَـاسِطِ كَفَّـيْهِ إلـى الـمَاءِ لِـيَبْلُغَ فـاهُ} ولـيس الـماء ببـالغ فـاه ما قام بـاسطاً كفـيه لا يقبضهما {وَما هُوَ بِبـالِغِهِ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلاَّ فِـي ضَلالٍ} قال: هذا مثل ضربه الله لـمن اتـخذ من دون الله إلها أنه غير نافعه، ولا يدفع عنه سوءًا حتـى يـموت علـى ذلك.

وقوله: {وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلاَّ فِـي ضَلالٍ} يقول: وما دعاء من كفر بـالله ما يدعو من الأوثان والآلهة إلاَّ فـي ضلال: يقول: إلاَّ فـي غير استقامة ولا هُدًى، لأنه يشرك بـالله.

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ۝١٥

يقول تعالى ذكره: فإن امتنع هؤلاء الذين يدعون من دون الله الأوثان والأصنام لله شركاء من إفراد الطاعة والإخلاص بـالعبـادة له، فللّه يسجد من فـي السموات من الـملائكة الكرام ومن فـي الأرض من الـمؤمنـين به طوعاً، فأما الكافرون به فإنهم يسجدون له كَرْهاً حين يكرهون علـى السجود. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً} فأما المؤمن فـيسجد طائعاً، وأما الكافر فيسجد كارهاً.

حدثني الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، قال: كان ربـيع بن خيثم إذا تلا هذه الآية: {ولِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً} قال: بلـى يا ربـاه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {ولِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً} قال: من دخـل طائعاً هذا طوعاً، وكرهاً من لـم ير يدخـل إلاَّ بـالسيف.

وقوله: {وَظِلالُهُمْ بـالغُدُوّ والآصَالِ} يقول: ويسجد أيضاً ظلال كلّ من سجد لله طوعاً وكرهاً بـالغدوات والعشايا، وذلك أن ظل كلّ شخص فإنه يفـىء بـالعشيّ كما قال جلّ ثناؤه:

{ أوَ لـمْ يَرَوْا إلـى ما خَـلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَقَـيَّأ ظِلالُهُ عَنِ الـيَـمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ }

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَظِلالُهُمْ بـالغُدُوّ والآصالِ} يعني: حين يفـىء ظلّ أحدهم عن يمينه أو شماله.

حدثني الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن سفـيان، قال فـي تفسير مـجاهد: {ولِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بـالغُدُوّ والآصَالِ} قال: ظلّ الـمؤمن يسجد طوعاً وهو طائع، وظلّ الكافر يسجد طوعاً وهو كاره.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَظِلالُهُمْ بـالغُدُوّ والآصَالِ} قال: ذكر أن ظلال الأشياء كلها تسجد له، وقرأ: {سُجَّدا لِلّهِ وهم دَاخِرُونَ} قال: تلك الظلال تسجد لله. والآصال: جمع أُصُل، والأصُلُ: جمع أصيـل، والأصيـل: هو العشيّ، وهو ما بـين العصر إلـى مغرب الشمس قال أبو ذؤَيب:

لَعَمْرِيَ لأَنْتَ البَـيْتُ أُكْرِمُ أهْلَهُوأقْعُدُ فـي أفْـيائِهِ بـالأصَائِلِ

قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُ أَمْ جَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا۟ كَخَلْقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّٰرُ ۝١٦

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين بـالله مَنْ ربّ السموات والأرض ومدبرها، فإنهم سيقولون الله. وأمر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يقول الله، فقال له: قل يا مـحمد: رَبُّها الذي خـلقها وأنشأها، هو الذي لا تصلـح العبـادة إلاَّ له، وهو الله. ثم قال: فإذا أجابوك بذلك فقل لهم: أفـاتـخذتـم من دون ربّ السموات والأرض أولـياء لا تـملك لأنفسها نفعاً تـجلبه إلـى نفسها، ولا ضرًّا تدفعه عنها، وهي إذ لـم تـملك ذلك لأنفسها، فمن ملكه لغيرها أبعد فعبدتـموها، وتركتـم عبـادة من بـيده النفع والضرّ والـحياة والـموت وتدبـير الأشياء كلها. ثم ضرب لهم جلّ ثناؤه مثلاً، فقال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوي الأعْمَى والبَصِيرُ}.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُـماتُ والنُّورُ أم جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَـلَقُوا كخَـلْقِهِ فَتَشابَه الـخَـلْقُ عَلَـيْهِمْ قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ}:

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين الذين عبدوا من دون الله الذي بـيده نفعهم وضرّهم ما لا ينفع ولا يضرّ: هل يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئاً ولا يهتدي لِـمَـحَجَّة يسلكها إلاَّ بأن يُهْدَى، والبصير الذي يَهدِي الأعمى لـمـحجة الطريق الذي لا يبصر؟ إنهما لا شكّ لَغَير مستويـين يقول: فكذلك لا يستوي الـمؤمن الذي يبصر الـحقّ فـيتبعه ويعرف الهدى فـيسلكه وأنتـم أيها الـمشركون الذين لا تعرفون حقًّا ولا تبصرون رشداً.

وقوله: {أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُـماتُ والنُّورُ} يقول تعالـى ذكره: وهل تستوي الظلـمات التـي لا تُرَى فـيها الـمَـحَجَّة فتُسْلك ولا يُرى فـيها السبـيـلُ فـيركب، والنور الذي يُبصَرُ به الأشياء ويجلو ضوءُه الظلام؟ يقول: إن هذين لا شكّ لَغير مستويـين، فكذلك الكفر بـالله، إنـما صاحبه منه فـي حَيْرة يضرب أبداً فـي غمْرة لا يرجع منه إلـى حقـيقة، والإيـمان بـالله صاحبه منه فـي ضياء يعمل علـى علـم بربه ومعرفة منه بأن له مثـيبـاً يثـيبه علـى إحسانه ومعاقبـاً يعاقبه علـى إساءته ورازقاً يرزقه ونافعاً ينفعه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُـماتُ والنُّورُ} أما الأعمى والبصير فـالكافر والـمؤمن وأما الظلـمات والنور فـالهُدى والضلالة.

وقوله: {أمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَـلَقُوا كَخَـلْقِهِ فَتَشابَهَ الـخَـلْقُ عَلَـيْهِمْ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء المشركين: أخلق أوثانكم التـي اتخذتموها أولياء من دون الله كخـلق الله فـاشتبه عليكم أمرها فـيـما خـلَقت وخـلق الله فجعلتموها له شركاء من أجل ذلك، أم إنما بكم الـجهل والذهاب عن الصواب؟ فإنه لا يشكل علـى ذي عقل أن عبـادة ما لا يضرّ ولا ينفع من الفعل جهل، وأن العبـادة إنـما تصلـح للذي يُرجَى نفعه ويخشى ضُرّه، كما أن ذلك غير مُشكل خطؤه وجهل فـاعله، كذلك لا يُشكل جهل من أشرك فـي عبـادة من يرزقه ويكفله ويَـمونُه من لا يقدر له علـى ضرر ولا نفع.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {أمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَـلَقُوا كخَـلْقِهِ} حملهم ذلك علـى أن شكوا فـي الأوثان.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {أمْ جَعَلُوا لِلّه شُرَكاءَ خَـلَقُوا كَخَـلْقِهِ فَتَشابَهَ الـخَـلْقُ عَلَـيْهِمْ} خَـلَقوا كخـلقه، فحملهم ذلك علـى أَن شكوا فـي الأوثان.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن كثـير: سمعت مـجاهداً يقول: {أمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَـلَقُوا كخَـلْقِهِ فَتَشابَهَ الـخَـلْقُ عَلَـيْهِمْ} ضربت مثلاً.

وقوله: {قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الـمشركين إذا أقرّوا لك أن أوثانهم التـي أشركوها فـي عبـادة الله لا تـخـلق شيئاً، فـالله خالقكم وخالق أوثانكم وخـلق كلّ شيء، فما وجه إشراككم ما لا تـخـلق ولا تضرّ.

وقوله: {وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ} يقول: وهو الفرد الذي لا ثانـي له، القهار الذي يستـحقّ الألوهة والعبـادة، لا الأصنام والأوثان التـي لا تضرّ ولا تنفع.

أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَٰعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُۥ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَٰطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ ۝١٧

قال أبو جعفر: وهذا مثل ضربه الله للـحقّ والبـاطل والإيـمان به والكفر، يقول تعالـى ذكره: مثل الـحقّ فـي ثبـاته والبـاطل فـي اضمـحلاله مثل ماء أنزله الله من السماء إلـى الأرض {فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بقَدَرِها} يقول: فـاحتـملته الأودية بـملئها الكبـير بكبره والصغير بصغره، {فـاحْتَـمَلَ السَّيْـلُ زَبَدًا رَابـياً} يقول: فـاحتـمل السيـل الذي حدث عن ذلك الـماء الذي أنزله الله من السماء زَبداً عالـياً فوق السيـل. فهذا أحد مَثَلـى الـحقّ والبـاطل، فـالـحقّ هو الـماء البـاقـي الذي أنزله الله من السماء، والزَّبَد الذي لا ينتفع به هو البـاطل. والـمثل الآخر: {وَمِـمَّا يُوقدُونَ عَلَـيْهِ فِـي النَّارِ ابْتغاءَ حلْـيَةٍ} يقول جلّ ثناؤه: ومثل آخر للـحقّ والبـاطل، مثل فضة أو ذهب يُوقد علـيها الناس فـي النار طلب حلـية يتـخذونها أو متاع، وذلك من النـحاس والرصاص والـحديد، يوقَد علـيه لـيتـخذ منه متاع ينتفع به {زَبَدٌ مِثْلُهُ} يقول تعالـى ذكره: ومـما يوقدون علـيه من هذه الأشياء زَبَد مثله، بـمعنى: مثل زَبَد السيـل لا ينتفع به ويذهب بـاطلاً، كما لا ينتفع بزبد السيـل ويذهب بـاطلاً. ورفع «الزبد» بقوله: {ومِـمَّا يُوقِدُونَ عَلَـيْهِ فِـي النَّارِ} ومعنى الكلام: ومـما يوقدون علـيه فـي النار زبد مثل زبد السيـل فـي بطول زبده، وبقاء خالص الذهب والفضة. يقول الله تعالـى: {كذلكَ يَضْرِبُ اللّهُ الـحَقَّ والبـاطلَ} يقول: كما مثل الله الإيـمان والكفر فـي بطول الكفر وخيبة صاحبه عند مـجازاة الله بـالبـاقـي النافع من ماء السيـل وخالص الذهب والفضة، كذلك يـمثل الله الـحقّ والبـاطل. {فأمَّا الزَّبَدُ فَـيَذْهَبُ جُفـاءً} يقول: فأما الزبد الذي علا السيـل، والذهب والفضة والنـحاس والرصاص عند الوقود علـيها، فـيذهب بدفع الرياح وقدف الـماء به وتعلقه بـالأشجار وجوانب الوادي. {وأمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ} من الـماء والذهب والفضة والرصاص والنـحاس، فـالـماء يـمكث فـي الأرض فتشربه، والذهب والفضة تـمكث للناس. {كذلكَ يَضْرِبُ اللّهَ الأمْثالَ} يقول: كما مثل هذا الـمثل للإيـمان والكفر، كذلك يـمثل الأمثال.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بقَدَرِها} فهذا مثل ضربه الله احتـملت منه القلوب علـى قدر يقـينها وشكها، فأما الشكّ فلا ينفع معه العمل، وأما الـيقـين فـينفع الله به أهله، وهو قوله: {فأمَّا الزَّبَدُ فَـيَذهَبُ جُفـاءً} وهو الشكّ، {وأمَّا ما ينفعُ النَّاسَ فَـيَـمْكُثُ فِـي الأرْضِ} وهو الـيقـين، كما يجعل الـحلـيّ فـي النار، فـيؤخذ خالصه ويترك خبثه فـي النار، فكذلك يقبل الله الـيقـين ويترك الشكّ.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أودية بِقَدَرِها فـاحْتَـمَلَ السَّيْـلُ زَبَداً رَابِـياً} يقول: احتـمل السيـل ما فـي الوادي من عود ودمنة {ومِـمَّا يُوقِدُونَ عَلَـيْهِ فِـي النَّارِ} فهو الذهب والفضة والـحلـية والـمتاع والنـحاس والـحديد، وللنـحاس والـحديد خبث، فجعل الله مثل خبثه كزبد الـماء {فأمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسُ} فـالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الـماء فأنبتت. فجعل ذلك مثل العمل الصالـح يبقـى لأهله، والعمل السيىء يضمـحلّ عن أهله، كما يذهب هذا الزبد، فكذلك الهدى والـحقّ جاءا من عند الله، فمن عمل بـالـحقّ كان له وبقـي كما يبقـى ما ينفع الناس فـي الأرض، وكذلك الـحديد لا يستطاع أن يجعل منه سكين ولا سيف حتـى يدخـل فـي النار فتؤكل خبثه، فـيخرج جيده فـينتفع به، فكذلك يضمـحلّ البـاطل إذا كان يوم القـيامة وأقـيـم الناس، وعرضت الأعمال، فـيريغ البـاطل ويهلك، وينتفع أهل الـحقّ بـالـحقّ، ثم قال: {ومِـمَّا يُوقِدُونَ عَلَـيْهِ فِـي النارِ ابْتِغاءَ حِلْـيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثله}.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، فـي قوله: {أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ}... إلـى: {أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} فقال: ابتغاء حلـية الذهب والفضة، أو متاع الصُّفر والـحديد. قال: كما أوقد علـى الذهب والفضة والصفر والـحديد فخـلص خالصه، قال: {كذلكَ يَضْرِبُ اللّهُ الـحَقَّ والبـاطِلَ فأمَّا الزَّبَدُ فَـيَذْهَبُ جُفـاء وأمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَـيَـمْكُثُ فِـي الأرْضِ} كذلك بقاء الـحقّ لأهله فـانتفعوا.

حدثنا الـحسن بن مـحمد الزعفرانـي، قال: ثنا حجاج بن مـحمد، قال: قال ابن جريج: أخبرنـي عبد الله بن كثـير أنه سمع مـجاهداً يقول: {أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها} قال: ما أطاقت ملأها {فـاحْتَـمَلَ السَّيْـلُ زَبَداً رَابِـياً} قال: انقضَى الكلام، ثم استقبل فقال: «وَمِـمَّا تُوقِدُونَ عَلَـيْه فِـي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْـيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ» قال: الـمتاع: الـحديد والنـحاس والرصاص وأشبـاهه، زبد مثله، قال: خبث ذلك مثل زبد السيـل. قال: {وأمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَـيَـمْكُثُ فِـي الأرْضِ فَأمَّا الزبَدُ فَـيَذْهَبُ جُفـاءً} قال: فذلك مثل الـحقّ والبـاطل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد، أنه سمعه يقول: فذكر نـحوه. وزاد فـيه: قال: قال ابن جريج: قال مجاهد قوله: {فأمَّا الزَّبَدُ فَـيَذْهَبُ جُفـاءً} قال: جُموداً فـي الأرض، {وأمَّا ما يَنْفَعُ النَّاس فَـيَـمْكُثُ فِـي الأرْضِ} يعنـي الـماء وهما مَثَلان: مثل الـحقّ والبـاطل.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {زَبَدًا رَابِـياً} السيـل مثل خَبَث الـحديد والـحلـية، {فَـيَذْهَبُ جُفـاءً} جموداً فـي الأرض، {ومِـمَّا يُوقِدُونَ عَلَـيْهِ فِـي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْـيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} الـحديد والنـحاس والرَّصاص وأشبـاهه. وقوله: {وأمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَـيَـمْكُثُ فِـي الأرْضِ} إنـما هما مثلان للـحقّ والبـاطل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قال: وثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، يزيد أحدهما علـى صاحبه فـي قوله: {فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها} قال: بـملئها، {فـاحْتَـمَلَ السَّيْـلُ زَبَداً رابـياً} قال: الزبد: السيـل {ابْتِغاءَ حلْـيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مثْلُهُ} قال: خبث الـحديد والـحلـية، {فأَمَّا الزَّبَدُ فَـيَذْهُبُ جُفـاءً} قال: جموداً فـي الأرض، {وأمَّا ما ينفع الناسُ فَـيَـمْكُثُ فِـي الأرْضِ} قال: الـماء وهما مثلان للـحقّ والبـاطل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها} الصغير بصغره والكبـير بكبره، {فـاحْتَـمَلَ السَّيْـلُ زَبَداً رابِـياً} أي عالـياً، {ومِـمَّا يُوقدُونَ عَلَـيْهِ فِـي النَّارِ ابْتغاءَ حِلْـيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مثْلُهُ كذلكَ يَضْرِبُ اللّهُ الـحَقَّ والبـاطلَ فأمَّا الزَّبَدُ فَـيَذْهُب جُفـاءً} والـجفـاء: ما يتعلق بـالشجر، {وأمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فـيَـمْكُثُ فِـي الأرْضِ}. هذه ثلاثة أمثال ضربها الله فـي مثل واحد، يقول: كما اضمـحلّ هذا الزبد فصار جفـاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته، كذلك يضمـحلّ البـاطل عن أهله كما اضمـحلّ هذا الزبد، وكما مكث هذا الـماء فـي الأرض، فأمرعت هذه الأرض، وأخرجت نبـاتها، كذلك يبقـى الـحقّ لأهله كما بقـي هذا الـماء فـي الأرض، فأخرج الله به ما أخرج من النبـات. قوله: {ومِـمَّا يُوقِدُونَ عَلَـيْهِ فِـي النَّارِ...} الآية، كما يبقـى خالص الذهب والفضة، حين أدخـل النار وذهب خَبَثه، كذلك يبقـى الـحقّ لأهله. قوله: {أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} يقول: هذا الـحديد والصفر الذي ينتفع به، فـيه منافع: يقول: كما يبقـى خالص هذا الـحديد وهذا الصفر حين أدخـل النار وذهب خبثه، كذلك يبقـى الـحقّ لأهله كما بقـي خالصهما.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فَسالَتْ أوْدِيَة بقَدَرِها} الكبـير بقدره والصغير بقدره. {زَبَدًا رَابـياً} قال: ربـا فوق الـماء الزبد. {ومِـمَّا يُوقِدُونَ عَلَـيْهِ فِـي النَّارِ} قال: هو الذهب إذا أدخـل النار بقـي صفوه ونفـى ما كان كدره وهذا مثل ضربه اللّهُ. للـحقّ والبـاطل، {فأمَّا الزَّبَدُ فَـيَذْهَبُ جُفـاءً} يتعلق بـالشجر فلا يكون شيئاً مثل البـاطل، {وأمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَـيَـمْكُثُ فِـي الأرْضِ} وهذا يخرج النبـات، وهو مثل الـحقّ {أوْ مَتاعٍ زَبَدُ مِثْلُهُ} قال: الـمتاع: الصُّفْر والـحديد.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا هَوْذة بن خـلـيفة، قال: ثنا عوف، قال: بلغنـي فـي قوله: {أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها} قال: إنـما هو مثل ضربه الله للـحقّ والبـاطل، {فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها} الصغير علـى قدره، والكبـير علـى قدره، وما بـينهما علـى قدره. {فـاحْتَـمَلَ السَّيْـلُ زَبَدًا رَابـياً} يقول: عظيـماً، وحيث استقرّ الـماء يذهب الزبد جُفـاء فتطير به الريح، فلا يكون شيئاً، ويبقـى صريح الـماء الذي ينفع الناس منه شرابهم ونبـاتهم ومنفعتهم. {أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} ومثل الزبد كل شيء يوقد علـيه فـي النار الذهب والفضة والنـحاس والـحديد، فـيذهب خبثه ويبقـى ما ينفع فـي أيديهم، والـخَبَث والزَّبَد مثل البـاطل، والذي ينفع الناس مـما تـحصّل فـي أيديهم مـما ينفعهم الـمال الذي فـي أيديهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {ومِـمَّا يُوقِدُونَ عَلَـيْهِ فِـي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْـيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} قال: هذا مثل ضربه الله للـحقّ والبـاطل. فقرأ: {أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فـاحْتَـمَلَ السَّيْـلُ زَبَدًا رابِـياً} هذا الزبد لا ينفع، {أو متاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} هذا لا ينفع أيضاً، قال: وبقـي الـماء فـي الأرض فنفع الناس، وبقـي الـحلـيُ الذي صلـح من هذا، فـانتفع الناس به. {فأمَّا الزَّبَدُ فَـيَذْهَبُ جُفـاءً وأمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَـيَـمْكُثُ فـي الأرْضِ كذلكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأمْثالَ} وقال: هذا مثل ضربه الله للـحقّ والبـاطل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها} قال: الصغير بصغره، والكبـير بكبره.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلـحة بن عمرو، عن عطاء: ضرب الله مثلاً للـحقّ والبـاطل، فضرب مثل الـحقّ كمثل السيـل الذي يـمكث فـي الأرض، وضرب مثل البـاطل كمثل الزَّبَد الذي لا ينفع الناس.

وعنى بقوله {رَابِـياً}: عالـياً منتفخاً، من قولهم: ربـا الشيء يرْبُو رُبُوًّا فهو راب، ومنه قـيـل للنشَز من الأرض كهيئة الأكمة: رابـية ومنه قول الله تعالـى: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ. وقـيـل للنـحاس والرصاص والـحديد فـي هذا الـموضع: الـمتاع، لأنه يُستـمتع به، وكلّ ما يتـمتع به الناس فهو متاع كما قال الشاعر:

تَـمَتَّعْ يا مُشَعَّثُ إنَّ شَيْئاسَبَقْتَ بهِ الـمَـماتَ هُوَ الـمَتاعُ

وأما الـجُفـاء فإنـي:

حُدثت عن أبـي عبـيدة مَعْمَرِ بن الـمُثَنَّى، قال: قال أبو عمرو بن العلاء، يقال: قد أجفأتِ القِدرُ، وذلك إذا غَلَتْ فـانصبّ زَبَدُها، أو سكنت فلا يبقـى منه شيء.

وقد زعم بعض أهل العربـية من أهل البصرة أن معنى قوله: {فَـيَذْهَبُ جُفـاءً} تَنْشَفُه الأرض، وقال: يقال: جفـا الوادي وأجفـى فـي معنى نَشِف، وانـجفـى الوادي: إذا جاء بذلك الغثاء، وغثى الوادي فهو يَغْثَى غَثْـياً وغَثَـياناً. وذَكَر عن العرب أنها تقول: جَفَأْتُ القدَر أجْفَؤها: إذا أخرجت جُفـاءَها، وهو الزَّبَد الذي يعلوها، وأجْفَأْتُها إجْفَـاءً لغة. قال: وقالوا: جَفَأتُ الرجل جَفْـاً: صرعته.

وقـيـل: {فَـيَذْهَبُ جُفـاءً} بـمعنى جَفْئاً، لأنه مصدر من قول القائل: جَفَأَ الوادي غُثاءه، فخَرَجَ مَخرَج الاسم وهو مصدر، كذلك تفعل العرب فـي مصدر كلّ ما كان من فعل شيء اجتـمع بعضه إلـى بعض كالقُماش والدُّقاق والـحُطام والغُثاء، تـخرجه علـى مذهب الاسم، كما فعلت ذلك فـي قولهم: أعطيته عطاء، بـمعنى الإعْطَاء، ولو أريد من القُماش الـمصدر علـى الصحة لقـيـل: قد قَمَشْته قَمْشاً.

لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُۥ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ۝١٨

يقول تعالـى ذكره: أما الذين استـجابوا لله فآمنوا به حين دعاهم إلـى الإيـمان به وأطاعوه فـاتبعوا رسوله وصدّقوه فـيـما جاءهم به من عند الله، فإن لهم الـحسنى، وهي الـجنة. كذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لِلَّذِينَ اسْتَـجابُوا لِرَبِّهمُ الـحُسْنَى} وهي الـجنة.

وقوله: {وَالَّذِينَ لَـمْ يَسْتَـجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهُمْ ما فِـي الأرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ} يقول تعالـى ذكره: وأما الذين لـم يستـجيبوا له حين دعاهم إلـى توحيده والإقرار بربوبـيته، ولـم يطيعوه فـيـما أمرهم به، ولـم يتبعوا رسوله فـيصدّقوه فـيـما جاءهم به من عند ربهم، فلو أنّ لهم ما فِـي الأرض جميعاً من شيء ومثله معه ملكاً لهم ثم مثل ذلك وقُبِل ذلك منهم بدلاً من العذاب الذي أعدّه الله لهم فـي نار جهنـم وعوضاً لافتدوا به أنفسهم منه، يقول الله: {أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الـحِسابِ} يقول: هؤلاء الذين لـم يستـجيبوا لله لهم سوء الـحساب: يقول: لهم عند الله أن يأخذهم بذنوبهم كلها، فلا يغفر لهم منها شيئاً، ولكن يعذّبهم علـى جميعها. كما:

حدثنا الـحسن بن عرفة، قال: ثنا يونس بن مـحمد، قال: ثنا عون، عن فَرقدٍ السَّبَخِيّ، قال: قال لنا شهر بن حَوُشب: {سُوءُ الـحِسابِ} أن لا يتـجاوز لهم عن شيء.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنـي الـحجاج بن أبـي عثمان، قال: ثنـي فَرْقَدٍ السبَخِيّ، قال: قال إبراهيـم النـخعيّ: يا فرقد أتدري ما سوء الـحساب؟ قلت: لا، قال: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يُغفر له منه شيء.

وقوله: {ومَأْوَاهُمْ جَهَنَّـمُ} يقول: ومسكنهم الذي يسكنونه يوم القـيامة جهنـم. {وَبِئْسَ الـمِهادُ} يقول: وبئس الفِراش والوِطاء جهنـم، التـي هي مأواهم يوم القـيامة.

أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝١٩

يقول تعالـى ذكره: أهذا الذي يعلـم أن الذي أنزله الله علـيك يا مـحمد حقّ فيؤمن به، ويصدّق ويعمل بـما فـيه، كالذي هو أعمى فلا يعرف مَوْقع حجة الله علـيه به ولا يعلـم ما ألزمه الله من فرائضه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة فـي قوله: {أفَمَنْ يَعْلَـمُ أنَّـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ منْ رَبِّكَ الـحَقُّ} قال: هؤلاء قوم انتفعوا بـما سمعوا من كتاب الله وعقلوه ووَعَوه، قال الله: {كمَنْ هُوَ أعْمَى} قال: عن الـخير فلا يبصره.

وقوله: {إنَّـمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الألْبـابِ} يقول: إنـما يتعظ بآيات الله، ويعتبر بها ذوو العقول، وهي الألبـاب، واحدها: لُبّ.

ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَٰقَ ۝٢٠ وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ ۝٢١

يقول تعالـى ذكره: إنـما يتعظ ويعتبر بآيات الله أولو الألبـاب الذين يوفون بوصية الله التـي أوصاهم. {ولا ينقضُونَ الـميثاقَ} ولا يخالفون العهد الذي عاهدوا الله علـيه إلـى خلافه، فـيعملوا بغير ما أمرهم به ويخالفوا إلـى ما نهى عنه. وقد بـيَّنا معنى العهد والـميثاق فـيـما مضى بشواهده، فأغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، قال:

{ إنَّـمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الألْبـابِ } فبـين من هم، فقال: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الـمِيثاقَ} فعلـيكم بوفـاء العهد، ولا تنقضوا هذا الـميثاق، فإن الله تعالـى قد نهى وقدّم فـيه أشدّ التقدمة، فذكره فـي بضع وعشرين موضعاً، نصيحة لكم وتقدمة إلـيكم وحُجَّة علـيكم، وإنـما يعظم الأمر بـما عظَّمه الله به عند أهل الفهم والعقل، فعظَّموا ما عظم الله قال قتادة: وذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول فـي خطبته:لا إيـمَانَ لِـمَنْ لا أمانَةَ لَهُ، وَلا دِينَ لِـمَنْ لا عَهْدَ لَهُ ».

وقوله: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ} يقول تعالـى ذكره: والذين يصلون الرحم التـي أمرهم الله بوصلها فلا يقطعونها، {ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} يقول: ويخافون الله فـي قطعها أن يقطعوها، فـيعاقبهم علـى قطعها وعلـى خلافهم أمره فـيها. وقوله: {ويَخافُونَ سُوءَ الـحِسابِ} يقول: ويحذرون مناقشة الله إياهم فـي الـحساب، ثم لا يصفح لهم عن ذنب، فهم لرهبتهم ذلك جادّون فـي طاعته مـحافظون علـى حدوده. كما:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عفـان، قال: ثنا جعفر بن سلـيـمان، عن عمرو بن مالك، عن أبـي الجوزاء، فـي قوله: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ويَخافُونَ سُوءَ الـحِسابِ} قال: الـمناقشة بـالأعمال.

قال: ثنا عفـان، قال: ثنا حماد، عن فرقد، عن إبراهيـم، قال: سوء الـحساب أن يحاسب من لا يغفر له.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ويَخافُونَ سُوءَ الـحِسابِ} قال: فقال: وما سوء الـحساب؟ قال: الذي لا جواز فـيه.

حدثنـي ابن سنان القزّاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن الـحجاج، عن فرقد، قال: قال لـي إبراهيم: تدري ما سوء الـحساب؟ قلت لا أدري، قال: يحاسب العبد بذنبه كله لا يغفر له منه شيء.

وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ۝٢٢

يقول تعالـى ذكره: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا} علـى الوفـاء بعهد الله وترك نقض الـميثاق وصلة الرحم، {ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} ويعنـي بقوله: {ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} طلب تعظيـم الله، وتنزيهاً له أن يخالف فـي أمره أو يأتـي أمراً كره إتـيانه فـيعصيَه به. {وأقامُوا الصَّلاةَ} يقول: وأدّوا الصلاة الـمفروضة بحدودها فـي أوقاتها. {وأنْفقُوا مِـمَّا رَزَقْناهُمْ سِرّاً وَعَلانِـيَةً} يقول: وأدّوا من أموالهم زكاتها الـمفروضة، وأنفقوا منها فـي السبل التـي أمرهم الله بـالنفقة فـيها، سرًّا فـي خفـاء وعلانـية فـي الظاهر. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وأقامُوا الصَّلاةَ} يعنـي الصلوات الـخمس، {وأنْفَقُوا مِـمَّا رَزَقْناهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِـيَةً} يقول الزكاة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد الصبر: الإقامة، قال: وقال الصبر فـي هاتـين، فصبر لله علـى ما أحبّ وإن ثقل علـى الأنفس والأبدان، وصبر عما يكره وإن نازعت إلـيه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين. وقرأ: {سَلامٌ عَلَـيْكُمْ بِـمَا صَبَرْتُـمْ فَنعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}.

وقوله: {وَيَدْرَءُونَ بـالـحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} يقول: ويدفعون إساءة من أساء إلـيهم من الناس، بـالإحسان إلـيهم. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَيَدْرَءُونَ بـالـحَسَنَةً السَّيِّئَةَ} قال: يدفعون الشرّ بـالـخير، لا يكافئون الشرّ بـالشرّ ولكن يدفعونه بـالـخير.

وقوله: {أُولَئِكَ لَهُم عُقْبَى الدَّارِ} يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا صفتهم هم الذين لهم عُقبى الدار، يقول: هم الذين أعقبهم الله دار الـجنان من دارهم التـي لو لـم يكونوا مؤمنـين كانت لهم فـي النار، فأعقبهم الله من تلك هذه. وقد قـيـل: معنى ذلك: أولئك الذين لهم عَقِـيب طاعتهم ربهم فـي الدنـيا دار الـجنان.

جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ ۝٢٣ سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ۝٢٤

يقول تعالـى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} ترجمة عن عقبى الدار، كما يقال: نعم الرجل عبد الله، فعبد الله هو الرجل الـمقول له: نعم الرجل، وتأويـل الكلام: أولئك لهم عقـيب طاعتهم ربهم الدار التـي هي جنات عدن. وقد بـيَّنا معنى قوله: «عدن»، وأنه بـمعنى الإقامة التـي لا ظَعْن معها.

وقوله: {وَمَنْ صَلَـحَ مِنْ آبـائهِمْ وأزْوَاجِهِمْ وَذُرّيَّاتِهِمْ} يقول تعالـى ذكره: جنات عدن يدخـلها هؤلاء الذين وَصَفْتُ صفتهم، وهم الذين يوفون بعهد الله، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم، وأقاموا الصلاة، وفعلوا الأفعال التـي ذكرها جلّ ثناؤه فـي هذه الآيات الثلاث. {وَمَنْ صَلَـحَ مِنْ آبـائِهم وأزْوَاجِهِمْ} وَهِيَ نِساؤُهُمْ وأهلوهم وذرّياتهم. وصلاحهم إيـمانهم بـالله واتبـاعهم أمره وأمر رسوله علـيه الصلاة والسلام. كما:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَمَنْ صَلَـحَ مِنْ آبـائهِمْ} قال: من آمن فـي الدنـيا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد وثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {وَمَنْ صَلَـحَ مِنْ آبـائهِمْ} قال: من آمن من آبـائهم وأزواجهم وذرّياتهم.

وقوله: {وَالـمَلائِكَةُ يَدْخُـلُونَ عَلَـيْهم مِنْ كُلّ بـابٍ سَلامٌ عَلَـيْكُمْ بِـمَا صَبَرْتُـمْ} يقول: تعالـى ذكره: وتدخـل الـملائكة علـى هؤلاء الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم فـي هذه الآيات الثلاث فـي جنات عَدْن، من كلّ بـاب منها، يقولون لهم: {سَلاَمٌ عَلَـيْكُمْ بِـمَا صَبَرْتُـمْ} علـى طاعة ربكم فـي الدنـيا، {فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}. وذكر أن لـجنات عدن خمسة آلاف بـاب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا علـيّ بن جرير، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن يعلـى بن عطاء، عن نافع بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن فـي الـجنة قصراً يقال له عدن، حوله البروج والـمروج، فـيه خمسة آلاف بـاب، علـى كلّ بـاب خمسة آلاف حِبَرة، لا يدخـله إلاَّ نبـيّ أو صدّيق أو شهيد.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَغْراء، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} قال: مدينة الـجنة، فـيها الرسل والأنبـياء والشهداء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعدد الـجنات حولها.

وحذف من قوله: {وَالـمَلائِكَةُ يَدْخُـلُونَ عَلَـيْهمْ مِنْ كُلّ بـابٍ سَلامٌ عَلَـيْكُمْ} «يقولون» اكتفـاء بدلالة الكلام علـيه، كما حذف ذلك من قوله:

{ وَلَوْ تَرَى إذِ الـمُـجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا }

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن بقـية بن الولـيد، قال: ثنـي أرطأة بن الـمنذر، قال: سمعت رجلاً من مشيخة الـجند يقال له أبو الـحجاج، يقول: جلست إلـى أبـي أُمامة فقال: إن الـمؤمن لـيكون متكئاً علـى أريكته إذا دخـل الـجنة، وعنده سِماطان من خدم، وعند طرف السِّماطين سور، فـيُقبِل الـمَلَك يستأذن، فـيقول للذي يـلـيه: ملك يستأذن، ويقول الذي يـلـيه: ملك يستأذن، ويقول الذي يـلـيه للذي يـلـيه: ملك يستأذن، حتـى يبلغ الـمؤمن فـيقول: ائذنوا فـيقول: أقربهم إلـى الـمؤمن ائذنوا، ويقول الذي يـلـيه للذي يـلـيه: ائذنوا، فكذلك حتـى يبلغ أقصاهم الذي عند البـاب، فـيفتـح له، فـيدخـل فـيسلـم ثم ينصرف.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن إبراهيـم بن مـحمد، عن سهل بن أبـي صالـح، عن مـحمد بن إبراهيـم، قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يأتـي قبور الشهداء علـى رأس كلّ حول فـيقول:

السَّلامٌ عَلَـيكُمْ بِـمَا صَبَرْتُـمْ فنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ »، وأبو بكر وعمر وعثمان.

وأما قوله: {سَلامٌ عَلَـيكُمْ بِـمَا صَبَرْتُـمْ} فإن أهل التأويـل قالوا فـي ذلك نـحو قولنا فـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزّاق، عن جفعر بن سلـيـمان، عن أبـي عمران الـجُوْنِـيّ أنه تلا هذه الآية: {سَلامٌ عَلَـيْكُمْ بِـمَا صَبَرْتُـمْ} قال: علـى دينكم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {سَلامٌ عَلَـيْكُمْ بِـمَا صَبَرْتُـمْ} قال: حين صبروا لله بـما يحبه الله فقدّموه. وقرأ:

{ وَجَزَاهُمْ بِـمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً } حتـى بلغ: { وكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا } وصبروا عما كره الله وحرّم علـيهم، وصبروا علـى ما ثقل علـيهم وأحبه الله، فسلـم علـيهم بذلك. وقرأ: {وَالـمَلائِكَةُ يَدْخُـلُونَ عَلَـيْهِمْ مِنْ كُلّ بـابٍ سَلامٌ عَلَـيْكُمْ بِـمَا صَبَرْتُـمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}.

وأما قوله: {فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} فإن معناه إن شاء الله كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال ثنا عبد الرزاق، عن جعفر، عن أبـي عمران الـجوْنِـي فـي قولهم {فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} قال: الـجنة من النار.

وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ۝٢٥

يقول تعالـى ذكره: {وَ} أما {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ}، ونقضهم ذلك: خلافُهم أمر الله، وعملهم بـمعصيته، {مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ} يقول: من بعد ما وثقوا علـى أنفسهم لله أن يعملوا بـما عهد إلـيهم، {وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ} يقول: ويقطعون الرحم التـي أمرهم الله بوصلها، {وَيُفْسِدُونَ فِـي الأرْضِ} فسادهم فـيها: عملهم بـمعاصي الله {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} يقول: فهؤلاء لهم اللعنة، وهي البُعد من رحمته والإقصاء من جنانه، {وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} يقول: ولهم ما يسوءهم فـي الدار الآخرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: أكبر الكبـائر: الإشراك بـالله، لأن الله يقول:

{ وَمَنْ يُشْرِكْ بـاللّهِ فَكأَنـمَا خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَـخْطَفُهُ الطَّيْرُ }، ونقض العهد وقطيعة الرحم، لأن الله تعالـى يقول: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} يعنـي: سوء العاقبة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، فـي قوله: {وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ} قال: بلغنا أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

إذَا لَـمْ تَـمْشِ إلـى ذِي رَحِمِك بِرِجْلِكَ وَلَـمْ تُعْطِهِ مِنْ مالِكَ فَقَدْ قَطَعْتَهُ ».

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبـي عن هذه الآية: { { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بـالأَخْسَرِينَ أعْمالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِـي الـحَياةِ الدُّنْـيا } } أهم الـحرورية؟ قال: لا، ولكن الـحرورية {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِـي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}. فكان سعد يسميهم الفـاسقـين.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: سمعت مصعب بن سعد، قال: كنت أمسك علـى سعد الـمصحف، فأتـى علـى هذه الآية، ثم ذكر نـحو حديث مـحمد بن جعفر.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ