انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة غافر

تفسير الطبريالآيات 53–85

تفسير سورة غافر آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة غافر

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 57:44

  1. 1 الآيات 41–65في هذه الصفحة 15:47
  2. 2 الآيات 66–85في هذه الصفحة 13:27

التفسير الصوتي لسورة غافر كاملًا (4 مقاطع)

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَٰبَ ۝٥٣ هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٥٤ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ ۝٥٥

يقول تعالى ذكره {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى} البيان للحقّ الذي بعثناه به كما آتينا ذلك محمداً فكذّب به فرعون وقومه، كما كذّبت قريش محمداً {وَأوْرَثْنَا بِني إسْرائِيلَ الكِتابَ} يقول: وأورثنا بني إسرائيل التوراة، فعلَّمناهموها، وأنزلناها إليهم {هُدًى} يعني بياناً لأمر دينهم، وما ألزمناهم من فرائضها، {وَذِكْرَى لأُولي الألْبابِ} يقول: وتذكيراً منا لأهل الحجا والعقول منهم بها.

وقوله: {فاصْبرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاصبر يا محمد لأمر ربك، وانفذ لما أرسلك به من الرسالة، وبلِّغ قومك ومن أُمرت بإبلاغه ما أنزل إليك، وأيقن بحقيقة وعد الله الذي وعدك من نصرتك، ونصرة من صدّقك وآمن بك، على من كذّبك، وأنكر ما جئته به من عند ربك، وإن وعد الله حقّ لا خلف له وهو منجز له {واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} يقول: وسله غفران ذنوبك وعفوه لك عنه {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} يقول: وصلّ بالشكر منك لربك {بِالْعَشِيِّ} وذلك من زوال الشمس إلى الليل {وَالإبْكَارِ} وذلك من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس. وقد وجه قوم الإبكار إلى أنه من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى، وخروج وقت الضحى، والمعروف عند العرب القول الأوّل.

واختلف أهل العربية في وجه عطف الإبكار والباء غير حسن دخولها فيه على العشيّ، والباء تحسن فيه، فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: وسبح بحمد ربك بالعشيّ وفي الإبكار. وقال: قد يقال: بالدار زيد، يراد: في الدار زيد، وقال غيره: إنما قيل ذلك كذلك، لأن معنى الكلام: صل بالحمد بهذين الوقتين وفي هذين الوقتين، فإدخال الباء في واحد فيهما.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَٰنٍ أَتَىٰهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ۝٥٦

يقول تعالى ذكره: إن الذين يخاصمونك يا محمد فيما أتيتهم به من عند ربك من الآيات {بغير سلطان أتاهمْ} يقول: بغير حجة جاءتهم من عند الله بمخاصمتك فيها {إنْ فِي صُدُورهِمْ إلاَّ كِبْرٌ} يقول: ما في صدورهم إلا كبر يتكبرون من أجله عن اتباعك، وقبول الحقّ الذي أتيتهم به حسداً منهم على الفضل الذي آتاك الله، والكرامة التي أكرمك بها من النبوّة {ما هُمْ بِبالِغِيهِ} يقول: الذي حسدوك عليه أمر ليسوا بمُدركيه ولا نائليه، لأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس بالأمر الذي يدرك بالأمانيّ وقد قيل: إن معناه: إن في صدورهم إلا عظمة ما هم ببالغي تلك العظمة لأن الله مذلُّهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إنَّ فِي صُدُورِهِمْ إلاَّ كِبْرٌ} قال: عظمة.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: {إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ} قال: أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ} لم يأتهم بذاك سلطان.

وقوله: {فاسْتَعِذْ باللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} يقول تعالى ذكره: فاستجر بالله يا محمد من شرّ هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان، ومن الكبر أن يعرض في قلبك منه شيء {إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} يقول: إن الله هو السميع لما يقول هؤلاء المجادلون في آيات الله وغيرهم من قول البصير بما تعمله جوارحهم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.

لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٥٧

يقول تعالى ذكره: لابتداعُ السموات والأرض وإنشاؤها من غير شيء أعظم أيها الناس عندكم إن كنتم مستعظمي خلق الناس، وإنشائهم من غير شيء من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن خلق جميع ذلك هين على الله.

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَلَا ٱلْمُسِىٓءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ۝٥٨

وما يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئاً، وهو مثل الكافر الذي لا يتأمل حجج الله بعينيه، فيتدبرها ويعتبر بها، فيعلم وحدانيته وقُدرته على خلق ما شاء من شيء، ويؤمن به ويصدّق. والبصير الذي يرى بعينيه ما شخص لهما ويبصره، وذلك مَثل للمؤمن الذي يرى بعينيه حجج الله، فيتفكَّر فيها ويتعظ، ويعلم ما دلت عليه من توحيد صانعه، وعظيم سلطانه وقُدرته على خلق ما يشاء يقول جلّ ثناؤه: كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن.{ والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلوا الصَالحاتِ} يقول جلّ ثناؤه: ولا يستوي أيضا كذلك المؤمنون بالله ورسوله، المطيعون لربهم، ولا المسيء، وهو الكافر بربه، العاصي له، المخالف أمره {قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ} يقول جلّ ثناؤه: قليلاً ما تتذكرون أيها الناس حجج الله، فتعتبرون وتتعظون يقول: لو تذكرتم آياته واعتبرتم، لعرفتم خطأ ما أنتم عليه مقيمون من إنكاركم قدرة الله على إحيائه من فني من خلقه من بعد الفناء، وإعادتهم لحياتهم من بعد وفاتهم، وعلمتم قبح شرككم من تشركون في عبادة ربكم.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {تَتَذَكَّرُونَ} فقرأت ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة: «يَتَذَكَّرُونَ» بالياء على وجه الخبر، وقرأته عامة قرّاء الكوفة: {تَتَذَّكُرُونَ} بالتاء على وجه الخطاب، والقول في ذلك أن القراءة بهما صواب.

إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٥٩ وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ۝٦٠

يقول تعالى ذكره: إن الساعة التي يحيي الله فيها الموتى للثواب والعقاب لجائية أيها الناس لا شكّ في مجيئها يقول: فأيقنوا بمجيئها، وأنكم مبعوثون من بعد مماتكم، ومجازون بأعمالكم، فتوبوا إلى ربكم {وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ} يقول: ولكن أكثر قريش لا يصدّقون بمجيئها.

وقوله: {وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِيبْ لَكُمْ} يقول تعالى ذكره: ويقول ربكم أيها الناس لكم ادعوني: يقول: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني من الأوثان والأصنام وغير ذلك {أسْتَجِبْ لَكُمْ} يقول: أُجِبْ دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} يقول: وحِّدوني أغفر لكم.

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن زرّ، عن يُسَيْع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ». وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَقَالَ رَبّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي}.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، والأعمش عن زرّ، عن يُسَيْع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:

الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ، {وقال رَبّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ...} الآية».

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن زرّ، عن يُسَيْع قال أبو موسى: هكذا قال غُندَر، عن سعيد، عن منصور، عن زرّ، عن يُسَيْع، عن النعمان بن بشير قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

إنَّ الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ{وَقال رَبُّكُمُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن زرّ، عن يُسَيْع عن النعمان بن بشير، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثله.

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا يوسف بن العرف الباهلي، عن الحسن بن أبي جعفر، عن محمد بن جحادة، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ عِبادَتِي دُعائيثُم تلا هذه الآية: {وَقال رَبُّكُمُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبادَتِي} قال: عَنْ دُعائي».

حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا عمارة، عن ثابت، قال: قالت لأنس: يا أبا حمزة أبلغك أن الدعاء نصف العبادة؟ قال: لا، بل هو العبادة كلها.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: أخبرنا منصور، عن زر، عن يسيع الحضرمي، عن النعمان ابن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الدُّعاءُ هُوَ العبادَةُ، ثم قرأ هذه الآية {وَقال رَبُّكُمُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبادَتِي}».

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن الأشجعي، قال: قيل لسفيان: ادع الله، قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء.

وقوله: {إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبادَتِي} يقول: إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة، وإفراد الألوهة لي {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ} بمعنى: صاغرين. وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى الدخر بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقد قيل: إن معنى قوله {إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبادَتِي}: إن الذين يستكبرون عن دعائي. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبادَتِي} قال: عن دعائي.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {داخِرِينَ} قال: صاغرين.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ۝٦١

يقول تعالى ذكره: الله الذي لا تصلح الألوهية إلا له، ولا تنبغي العبادة لغيره، الذي صفته أنه جعل لكم أيها الناس الليل سكناً لتسكنوا فيه، فتهدؤا من التصرفّ والاضطراب للمعاش، والأسباب التي كنتم تتصرفون فيها في نهاركم {والنَّهارَ مُبْصِراً} يقول: وجعل النهار مبصراً من اضطرب فيه لمعاشه، وطلب حاجاته، نعمة منه بذلك عليكم {إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلِ على النَّاسِ} يقول: إن الله لمتفضل عليكم أيها الناس بما لا كفء له من الفضل {وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} يقول: ولكن أكثرهم لا يشكرونه بالطاعة له، وإخلاص الألوهية والعبادة له، ولا يد تقدمت له عنده استوجب بها منه الشكر عليها.

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ۝٦٢ كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ۝٦٣

يقول تعالى ذكره: الذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم هذه النعم أيها الناس، الله مالككم ومصلح أموركم، وهو خالقكم وخالق كلّ شيء {لا إلَهَ إلاَّ هُوَ} يقول: لا معبود تصلح له العبادة غيره، {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} يقول: فأيّ وجه تأخذون، وإلى أين تذهبون عنه، فتعبدون سواه؟.

وقوله: {كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} يقول: كذهابكم عنه أيها القوم، وانصرافكم عن الحقّ إلى الباطل، والرشد إلى الضلال، ذهب عنه الذين كانوا من قبلكم من الأمم بآيات الله، يعني: بحجج الله وأدلته يكذّبون فلا يؤمنون يقول: فسلكتم أنتم معشر قريش مسلكهم، وركبتم محجتهم في الضلال.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦٤ هُوَ ٱلْحَىُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦٥

يقول تعالى ذكره: {اللَّهُ} الذي له الألوهية خالصة أيها الناس {الَّذي جَعَلَ لَكُمْ الأرْضَ} التي أنتم على ظهرها سكان {قَرَاراً} تستقرون عليها، وتسكنون فوقها، {والسَّماءَ بِناءً}: بناها فرفعها فوقكم بغير عمد ترونها لمصالحكم، وقوام دنياكم إلى بلوغ آجالكم {وَصَوَّرَكمْ فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ} يقول: وخلقكم فأحسن خلقكم {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ} يقول: ورزقكم من حلال الرزق، ولذيذات المطاعم والمشارب. وقوله: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبّكُمْ} يقول تعالى ذكره: فالذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، هو الله الذي لا تنبغي الألوهية إلا له، وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره، لا الذي لا ينفع ولا يضرّ، ولا يخلق ولا يرزق {فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالمِينَ} يقول: فتبارك الله مالك جميع الخلق جنهم وإنسهم، وسائر أجناس الخلق غيرهم {هُوَ الحَيّ} يقول: هو الحيّ الذي لا يموت، الدائم الحياة، وكل شيء سواه فمنقطع الحياة غير دائمها {لا إلَهَ إلاَّ هُوَ} يقول: لا معبود بحقّ تجوز عبادته، وتصلح الألوهية له إلا الله الذي هذه الصفات صفاته، فادعوه أيها الناس مخلصين له الدين، مخلصين له الطاعة، مفردين له الألوهية، لا تشركوا في عبادته شيئاً سواه، من وثن وصنم، ولا تجعلوا له نداً ولا عِدلاً {الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالمِينَ} يقول: الشكر لله الذي هو مالك جميع أجناس الخلق، من مَلك وجنّ وإنس وغيرهم، لا للآلهة والأوثان التي لا تملك شيئاً، ولا تقدر على ضر ولا نفع، بل هو مملوك، إن ناله نائل بسوء لم يقدر له عن نفسه دفعاً.

وكان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: لا إله إلا الله، أن يتبع ذلك: {الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالمِينَ} تأولاً منهم هذه الآية، بأنها أمر من الله بقيل ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي، قال: أخبرنا الحسين بن واقد، قال: ثنا الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: من قال لا إله إلا الله، فليقل على إثرها: الحمد لله رب العالمين، فذلك قوله: {فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العَالَمِينَ}.

حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، قال: «إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فليقل: الحمد لله ربّ العالمين، ثم قال: {فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العَالَمِينَ}.

حدثني محمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جُبير أنه كان يستجب إذا قال: لا إله إلا الله، يتبعها الحمد لله، ثم قرأ هذه الآية: {هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العَالَمِينَ}.

حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن سعيد بن جبير، قال: إذ قال أحدكم لا إله إلا الله وحده، فليقل بأثرها: الحمد لله رب العالمين، ثم قرأ {فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العَالَمِينَ}.

قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِىَ ٱلْبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦٦

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمشركي قومك من قريش {إنّي نُهِيتُ} أيها القوم {أنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} من الآلهة والأوثان {لَمَّا جاءَنِي البَيِّناتُ مِنْ رَبّي} يقول: لما جاءني الآيات الواضحات من عند ربي، وذلك آيات كتاب الله الذي أنزله {وأمِرْت أنْ أُسْلِمَ لِرَب العَالَمِينَ} يقول: وأمرني ربي أن أذلّ لربّ كلّ شيء، ومالك كلّ خلق بالخضوع، وأخضع له بالطاعة دون غيره من الأشياء.

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۝٦٧

يقول تعالى ذكره آمراً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بتنبيه مشركي قومه على حججه عليهم في وحدانيته: قل يا محمد لقومك: أُمرت أن أسلم لربّ العالمين الذي صفته هذه الصفات، وهي أنه خلق أباكم آدم {منْ تُرَابٍ، ثُمَّ} خلقكم {مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} بعد أن كنتم نطفاً {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} من بطون أمهاتكم صغاراً، {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ}، فتتكامل قواكم، ويتناهى شبابكم، وتمام خلقكم شيوخاً {وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفِّى مِنْ قَبْلُ} أن يبلغ الشيخوخة {وَلِتَبْلُغُوا أجَلاً مُسَمًى} يقول: ولتبلغوا ميقاتاً مؤقتاً لحياتكم، وأجلاً محدوداً لا تجاوزونه، ولا تتقدمون قبله {وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} يقول: وكي تعقلوا حجج الله عليكم بذلك، وتتدبروا آياته فتعرفوا بها أنه لا إله غيره فعل ذلك.

هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٦٨ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ ۝٦٩

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد: {هوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ} يقول قل لهم: ومن صفته جل ثناؤه أنه هو الذي يحيي من يشاء بعد مماته، ويميت من يشاء من الأحياء بعد حياته و {إذَا قَضَى أمْراً} يقول: وإذا قضى كون أمر من الأمور التي يريد تكوينها {فإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ} يعني للذي يريد تكوينه كن، فيكون ما أراد تكوينه موجوداً بغير معاناة، ولا كلفة مؤنة.

وقوله: {ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أنَّى يُصْرَفُونَ} يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تر يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، الذين يخاصمونك في حجج الله وآياته {أنَّى يُصْرَفُونَ} يقول: أيّ وجه يصرفون عن الحق، ويعدلون عن الرشد، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أنَّى يُصْرَفُونَ}: أنى يكذبون ويعدلون.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أنَّى يُصْرَفُونَ} قال: يُصْرَفُونَ عن الحقّ.

واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها أهل القدر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن داود بن أبي هند، عن محمد بن سيرين، قال: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية، فإني لا أدري فيمن نزلت: {ألَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أنى يُصْرَفُونَ} إلى قوله:

{ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كذَلكَ يُضِلّ اللَّهُ الكافِرِينَ }}.

حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن ابن سيرين، قال: إن لم يكن أهل القدر الذين يخوضون في آيات الله فلا علم لنا به.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أبي الخير الزيادي، عن أبي قبيل، قال: أخبرني عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

سَيَهْلِكُ مِنْ أُمَّتِي أهْلُ الكِتابِ، وأهْلُ اللِّينِفقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل الكتاب؟ قال:قَوْمٌ يَتَعَلَّمُونَ كِتابَ اللَّهِ يُجادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا»، فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل اللِّين؟ قال:قَوْمٌ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، ويُضَيِّعُونَ الصَّلَوَاتِ». قال أبو قبيل: لا أحسب المكذّبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا، وأما أهل اللِّين، فلا أحسبهم إلا أهل العمود ليس عليهم إمام جماعة، ولا يعرفون شهر رمضان.

وقال آخرون: بل عنى به أهل الشرك. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ألَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أنى يُصْرَفُونَ} قال: هؤلاء المشركون.

والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن زيد وقد بين الله حقيقة ذلك بقوله:

{ الَّذِينَ كَذَّبُوا بالْكِتَابِ وبِمَا أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا }}.

ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِٱلْكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِۦ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ۝٧٠ إِذِ ٱلْأَغْلَٰلُ فِىٓ أَعْنَٰقِهِمْ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسْحَبُونَ ۝٧١ فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ ۝٧٢ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ ۝٧٣ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا۟ مِن قَبْلُ شَيْـًٔا كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٧٤

يقول تعالى ذكره: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون الذين كذّبوا بكتاب الله، وهو هذا القرآن و«الذين» الثانية في موضع خفض رداً لها على «الذين» الأولى على وجه النعت {وبِمَا أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا} يقول: وكذّبوا أيضاً مع تكذيبهم بكتاب الله بما أرسلنا به رسلنا من إخلاص العبادة لله، والبراءة مما يعبد دونه من الآلهة والأنداد، والإقرار بالبعث بعد الممات للثواب والعقاب.

وقوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إذِ الأغْلالِ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ}، وهذا تهديد من الله المشركين به يقول جلّ ثناؤه: فسوف يعلم هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله، المكذّبون بالكتاب حقيقة ما تخبرهم به يا محمد، وصحة ما هم به اليوم مكذبون من هذا الكتاب، حين تجعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم في جهنم. وقرأت قراء الأمصار: والسلاسلُ، برفعها عطفاً بها على الأغلال على المعنى الذي بيَّنت. وذُكر عن ابن عباس أنه كان يقرؤه «والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ» بنصب السلاسل في الحميم. وقد حُكي أيضاً عنه أنه كان يقول: إنما هو وهم في السلاسل يسحبون، ولا يجيز أهل العلم بالعربية خفض الاسم والخافض مضمر. وكان بعضهم يقول في ذلك: لو أن متوهِّماً قال: إنما المعنى: إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل يسحبون، جاز الخفض في السلاسل على هذا المذهب، وقال: مثله، مما ردّ إلى المعنى، قول الشاعر:

قَدْ سَالمَ الحَيَّاتُ مِنْهُ القَدَماالأُفْعُوَانَ والشُّجاعَ الأَرْقَما

فنصب الشُّجاع والحيات قبل ذلك مرفوعة، لأن المعنى: قد سالمت رجله الحيات وسالمتها، فلما احتاج إلى نصب القافية، جعل الفعل من القدم واقعاً على الحيات.

والصواب من القراءة عندنا في ذلك ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة عليه، وهو رفع السلاسل عطفاً بها على ما في قوله: {فِي أعْناقِهِمْ} من ذكر الأغلال.

وقوله: {يُسْحَبُونَ} يقول: يسحب هؤلاء الذين كذّبوا في الدنيا بالكتاب زبانيةُ العذاب يوم القيامة في الحميم، وهو ما قد انتهى حرّه، وبلغ غايته.

وقوله: {ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} يقول: ثم في نار جهنم يحرقون، يقول: تسجر بها جهنم: أي توقد بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {يُسْجَرُونَ} قال: يوقد بهم النار.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} قال: يحرقون في النار.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} قال: يسجرون في النار: يوقد عليهم فيها.

وقوله: {ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أيْنَما كُنْتُمْ تُشرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} يقول: ثم قيل: أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياها من دون الله من آلهتكم وأوثانكم حتى يغيثوكم فينقذوكم مما أنتم فيه من البلاء والعذاب، فإن المعبود يغيث من عبده وخدمه وإنما يقال هذا لهم توبيخاً وتقريعاً على ما كان منهم في الدنيا من الكفر بالله وطاعة الشيطان، فأجاب المساكين عند ذلك فقالوا: ضلوا عنا: يقول: عدلوا عنا، فأخذوا غير طريقنا، وتركونا في هذا البلاء، بل ما ضلوا عنا، ولكنا لم نكن ندعو من قبل في الدنيا شيئاً: أي لم نكن نعبد شيئاً يقول الله تعالى ذكره: {كذَلكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكَافِرِينَ} يقول: كما أضلّ هؤلاء الذين ضلّ عنهم في جهنم ما كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله من الآلهة والأوثان آلهتهم وأوثانهم، كذلك يضلّ الله أهل الكفر به عنه، وعن رحمته وعبادته، فلا يرحمهم فينجيهم من النار، ولا يغيثهم فيخفف عنهم ما هم فيه من البلاء.

ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ۝٧٥ ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ۝٧٦

يعني تعالى ذكره بقوله: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بغَيرِ الحَقّ} هذا الذي فعلنا اليوم بكم أيها القوم من تعذيبنا كم العذاب الذي أنتم فيه، بفرحكم الذي كنتم تفرحونه في الدنيا، بغير ما أذن لكم به من الباطل والمعاصي، وبمرحكم فيها، والمرح: هو الأشر والبطر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بغَيرِ الحَقّ} إلى {فَبئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرينَ} قال: الفرح والمرح: الفخر والخُيَلاء، والعمل في الأرض بالخطيئة، وكان ذلك في الشرك، وهو مثل قوله لقارون:

{ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبّ الفَرِحِينَ }وذلك في الشرك.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بغَيرِ الحَقّ وبما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ} قال: تَبْطرون وتأشَرُون.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: {تَمْرَحُونَ} قال: تبطرون.

وقوله: {ادْخُلُوا أبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيها} يقول تعالى ذكره لهم: ادخلوا أبواب جهنم السبعة من كلْ باب منها جزء مقسوم منكم {فَبِئْسَ مَثْوَى المُتُكَبِّرِينَ} يقول: فبئس منزل المتكبرين في الدنيا على الله أن يوحدوه، ويؤمنوا برسله اليوم جهنم.

فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ۝٧٧

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاصبر يا محمد على ما يجادلك به هؤلاء المشركون في آيات الله التي أنزلناها عليك، وعلى تكذيبهم إياك، فإن الله منجز لك فيهم ما وعدك من الظفر عليهم، والعلو عليهم، وإحلال العقاب بهم، كسنتنا في موسى بن عمران ومن كذّبه {فإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} يقول جلّ ثناؤه: فإما نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين من العذاب والنقمة أن يحلّ بهم {أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل أن يحلّ ذلك بهم {فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ} يقول: فإلينا مصيرك ومصيرهم، فنحكم عند ذلك بينك وبينهم بالحقّ بتخليدنا هم في النار، وإكرامناك بجوارنا في جنات النعيم.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ ۝٧٨

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ أرْسَلْنا} يامحمد {رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ} إلى أممها {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ} يقول: من أولئك الذين أرسلنا إلى أممهم من قصصنا عليك نبأهم {وَمِنْهُمْ مِنْ لَمْ نَقْصُصّ عَلَيْكَ} نبأهم. وذُكر عن أنس أنهم ثمانية آلاف. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا عليّ بن شعيب السمسار، قال: ثنا معن بن عيسى، قال: ثنا إبراهيم بن المهاجر بن مسمار، عن محمد بن المنكدر، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك، قال: بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ثمانية آلاف من الأنبياء، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل.

حدثنا أبو كُرَيْب قال: ثنا يونس، عن عتبة بن عتيبة البصريّ العبديّ، عن أبي سهل عن وهب بن عبد الله بن كعب بن سور الأزدي، عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

بعث الله أربعة آلاف نبي».

حدثني أحمد بن الحسين الترمذي، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن ابن عبد الله بن يحيى، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، في قوله: {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مِنْ لَمْ نَقْصُصّ عَلَيْكَ} قال: بعث الله عبداً حبشياً نبياً، فهو الذي لم نقصص عليك.

وقوله: {وَما كانَ لِرَسُولِ أنْ يَأْتِيَ بآيَةٍ إلاَّ بإذْنِ اللَّهِ} يقول تعالى ذكره: وما جعلنا لرسول ممن أرسلناه من قبلك الذين قصصناهم عليك، والذين لم نقصصهم عليك إلى أممها أن يأتي قومه بآية فاصلة بينه وبينهم، إلا بإذن الله له بذلك، فيأتيهم بها يقول جلّ ثناؤه لنبيه: فلذلك لم يجعل لك أن تأتي قومك بما يسألونك من الآيات دون إذننا لك بذلك، كما لم نجعل لمن قبلك من رسلنا إلا أن نأذن له به {فإذَا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بالحَقّ} يعني بالعدل، وهو أن ينجي رسله والذين آمنوا معهم {وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ} يقول: وهلك هنالك الذين أبطلوا في قيلهم الكذب، وافترائهم على الله وادعائهم له شريكاً.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَنْعَٰمَ لِتَرْكَبُوا۟ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ۝٧٩ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَلِتَبْلُغُوا۟ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ۝٨٠ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ فَأَىَّ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ ۝٨١

يقول تعالى ذكره: {اللَّهُ} الذي لا تصلح الألوهية إلا له أيها المشركون به من قريش {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ} من الإبل والبقر والغنم والخيل، وغير ذلك من البهائم التي يقتنيها أهل الإسلام لمركب أو لمطعم {لِتَرْكَبُوا مِنْها} يعني: الخيل والحمير {وَمِنْها تَأكُلُونَ} يعني الإبل والبقر والغنم. وقال: {لِتَرْكَبُوا مِنْها} ومعناه: لتركبوا منها بعضاً ومنها بعضاً تأكلون، فحذف استغناء بدلالة الكلام على ما حذف.

وقوله: {وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ} وذلك أن جعل لكم من جلودها بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم، ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين.

وقوله: {وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةَ في صُدُورِكُمْ} يقول: ولتبلغوا بالحمولة على بعضها، وذلك الإبل حاجة في صدروكم لم تكونوا بالغيها لولا هي، إلا بشقّ أنفسكم، كما قال جلّ ثناؤه:

{ وَتحْمِلُ أثْقالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلاَّ بِشِقّ الأنْفُسِ }}. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ} يعني الإبل تحمل أثقالكم إلى بلد.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةَ في صُدُورِكُمْ} لحاجتكم ما كانت.

وقوله: {وَعَلَيْها} يعني: وعلى هذه الإبل، وما جانسها من الأنعام المركوبة {وَعَلى الفُلْكِ} يعني: وعلى السفن {تُحْمَلُونَ} يقول نحملكم على هذه في البرّ، وعلى هذه في البحر {ويُرِيكُمْ آياتِهِ} يقول: ويريكم حججه، {فأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكَرونَ} يقول: فأي حجج الله التي يريكم أيها الناس. في السماء والأرض تنكرون صحتها، فتكذّبون من أجل فسادها بتوحيد الله، وتدعون من دونه إلهاً.

أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٨٢

يقول تعالى ذكره: أفلم يسر يا محمد هؤلاء المجادلون في آيات الله من مشركي قومك في البلاد، فإنهم أهل سفر إلى الشأم واليمن، رحلتهم في الشتاء والصيف، فينظروا فيما وطئوا من البلاد إلى وقائعنا بمن أوقعنا به من الأمم قبلهم، ويروا ما أحللنا بهم من بأسنا بتكذيبهم رسلنا، وجحودهم آياتنا، كيف كان عقبى تكذيبهم. {كانوا أكثر منهم} يقول: كان أولئك الذين من قبل هؤلاء المكذّبيك من قريش أكثر عدداً من هؤلاء وأشدّ بطشاً، وأقوى قوّة، وأبقى في الأرض آثاراً، لأنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتا ويتخذون مصانع. وكان مجاهد يقول في ذلك ما:

حدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وآثاراً فِي الأرْضِ} المشي بأرجلهم.

{فَمَا أغْنَى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ} يقول: فلما جاءهم بأسنا وسطوتنا، لم يغن عنهم ما كانوا يعملون من البيوت في الجبال، ولم يدفع عنهم ذلك شيئاً، ولكنهم بادوا جميعا فهلكوا. وقد قيل: إن معنى قوله: {فَمَا أغْنَى عَنْهُمْ} فأيّ شيء أغنى عنهم وعلى هذا التأويل يجب أن يكون «ما» الأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع. يقول: فلهؤلاء المجادليك من قومك يا محمد في أولئك معتبر إن اعتبروا، ومتعظ إن اتعظوا، وإن بأسنا إذا حلّ بالقوم المجرمين لم يدفعه دافع، ولم يمنعه مانع، وهو بهم إن لم ينيبوا إلى تصديقك واقع.

فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٨٣

يقول تعالى ذكره: فلما جاءت هؤلاء الأمم الذين من قبل قريش المكذّبة رسلها رسلهم الذين أرسلهم الله إليهم بالبينات، يعني: بالواضحات من حجج الله عزّ وجلّ {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ} يقول: فرحوا جهلاً منهم بما عندهم من العلم وقالوا: لن نبعث، ولن يعذّبنا الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ} قال: قولهم: نحن أعلم منهم، لن نعذّب، ولن نبعث.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ} بجهالتهم.

وقوله: {وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئونَ} يقول: وحاق بهم من عذاب الله ما كانوا يستعجلون رسلهم به استهزاء وسخرية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} ما جاءتهم به رسلهم من الحقّ.

فَلَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشْرِكِينَ ۝٨٤

يقول تعالى ذكره: فلما رأت هذه الأمم المكذّبة رسلها بأسنا، يعني عقاب الله الذي وعدتهم به رسُلهم قد حلّ بهم، كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {فَلَمَّارأَوْا بأسَنا} قال: النقمات التي نزلت بهم.

وقوله: {قَالُوا آمَنَّا باللَّهِ وَحْدَهُ} يقول: قالوا: أقررنا بتوحيد الله، وصدّقنا أنه لا آله غيره {وَكَفَرْنا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} يقول: وجحدنا الآلهة التي كنا قبل وقتنا هذا نشركها في عبادتنا الله ونعبدها معه، ونتخذها آلهة، فبرئنا منها.

فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِۦ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝٨٥

يقول تعالى ذكره: فلم يك ينفعهم تصديقهم في الدنيا بتوحيد الله عند معاينة عقابه قد نزل، وعذابه قد حلّ، لأنهم صدّقوا حين لا ينفع التصديق مصدّقاً، إذ كان قد مضى حكم الله في السابق من علمه، أن من تاب بعد نزول العذاب من الله على تكذيبه لم تنفعه توبته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَما رأَوْا بأْسَنا}: لما رأوا عذاب الله في الدنيا لم ينفعهم الإيمان عند ذلك.

وقوله: {سُنَّةَ اللَّهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ} يقول: ترك الله تبارك وتعالى إقالتهم، وقبول التوبة منهم، ومراجعتهم الإيمان بالله، وتصديق رسلهم بعد معاينتهم بأسه، قد نزل بهم سنته التي قد مضت في خلقه، فلذلك لم يُقلهم ولم يقبل توبتهم في تلك الحال، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادهِ} يقول: كذلك كانت سنة الله في الذين خلوا من قبل إذا عاينوا عذاب الله لم ينفعهم إيمانهم عند ذلك.

وقوله: {وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ} يقول: وهلك عند مجيء بأس الله، فغبنت صفقته ووضُع في بيعه الآخرة بالدنيا، والمغفرة بالعذاب، والإيمان بالكفر، الكافرون بربهم، الجاحدون توحيد خالقهم، المتخذون من دونه آلهة يعبدونهم من دون بارئهم.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ