انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة غافر

تفسير الطبريالآيات 27–52

تفسير سورة غافر آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة غافر

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 57:44

  1. 1 الآيات 21–40في هذه الصفحة 14:24
  2. 2 الآيات 41–65في هذه الصفحة 15:47

التفسير الصوتي لسورة غافر كاملًا (4 مقاطع)

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ۝٢٧ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ۝٢٨

يقول تعالى ذكره: وقال موسى لفرعون وملئه: إني استجرت أيها القوم بربي وربكم، من كلّ متكبر عليه، تكبر عن توحيده، والإقرار بألوهيته وطاعته، لا يؤمن بيوم يحاسب الله فيه خلقه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بما أساء وإنما خصّ موسى صلوات الله وسلامه عليه، الاستعاذة بالله ممن لا يؤمن بيوم الحساب، لأن من لم يؤمن بيوم الحساب مصدّقاً، لم يكن للثواب على الإحسان راجياً، ولا للعقاب على الإساءة، وقبيح ما يأتي من الأفعال خائفاً، ولذلك كان استجارته من هذا الصنف من الناس خاصة.

وقوله: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ} اختلف أهل العلم في هذا الرجل المؤمن، فقال بعضهم: كان من قوم فرعون، غير أنه كان قد آمن بموسى، وكان يُسِرّ إيمانه من فرعون وقومه خوفاً على نفسه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وَقَالَ رَجُلٌ مُوءْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} قال: هو ابن عمّ فرعون.

ويقال: هو الذي نجا مع موسى، فمن قال هذا القول، وتأوّل هذا التأويل، كان صواباً الوقف إذا أراد القارىء الوقف على قوله: {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}، لأن ذلك خبر متناه قد تمّ.

وقال آخرون: بل كان الرجل إسرائيلياً، ولكنه كان يكتم إيمانه من آل فرعون.

والصواب على هذا القول لمن أراد الوقف أن يجعل وقفه على قوله: {يَكْتُمُ إيمَانَهُ} لأن قوله: {مِنَ آلِ فِرْعَوْنَ} صلة لقوله: {يَكْتمُ إيمَانَهُ} فتمامه قوله: يكتم إيمانه، وقد ذكر أن اسم هذا الرجل المؤمن من آل فرعون: جبريل، كذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق.

وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي القول الذي قاله السدي من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون، قد أصغى لكلامه، واستمع منه ما قاله، وتوقَّف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله، وقيله ما قال، وقال له: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، ولو كان إسرائيلياً لكان حرياً أن يعاجل هذا القائل له، ولملئه ما قال بالعقوبة على قوله، لأنه لم يكن يستنصح بني إسرائيل، لاعتداده إياهم أعداء له، فكيف بقوله عن قتل موسى لو وجد إليه سبيلاً؟ ولكنه لما كان من ملأ قومه، استمع قوله، وكفّ عما كان همّ به في موسى.

وقوله: {أتَقْتُلُونَ رَجُلاً أنْ يَقُولَ رَبّي اللَّهُ} يقول: أتقتلون أيها القوم موسى لأن يقول ربي الله؟ فأن في موضع نصب لما وصفت. {وَقَدْ جاءَكُمْ بالبَيِّناتِ} يقول: وقد جاءكم بالآيات الواضحات على حقيقة ما يقول من ذلك، وتلك البينات من الآيات يده وعصاه، كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق {وَقَدْ جاءَكُمْ بالبَيِّنات مِنْ رَبِّكُمْ} بعصاه وبيده.

وقوله: {وَإنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} يقول: وإن يك موسى كاذباً في قيله: إن الله أرسله إليكم يأمركم بعبادته، وترك دينكم الذي أنتم عليه، فإنما إثم كذبه عليه دونكم {وَإنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعدُكُمْ} يقول: وإن يك صادقاً في قيله ذلك، أصابكم الذي وعدكم من العقوبة على مقامكم على الدين الذي أنتم عليه مقيمون، فلا حاجة بكم إلى قتله، فتزيدوا ربكم بذلك إلى سخطه عليكم بكفركم سخطاً {إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هو مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} يقول: إن الله لا يوفِّق للحقّ من هو متعدّ إلى فعل ما ليس له فعله، كذّاب عليه يكذب، ويقول عليه الباطل وغير الحقّ.

وقد اختلف أهل التأويل في معنى الإسراف الذي ذكره المؤمن في هذا الموضع، فقال بعضهم: عُني به الشرك، وأراد: إن الله لا يهدي من هو مشرك به مفتر عليه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هو مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}: مشرك أسرف على نفسه بالشرك.

وقال آخرون: عنى به من هو قتال سفَّاك للدماء بغير حقّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هو مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} قال: المسرف: هو صاحب الدم، ويقال: هم المشركون.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن هذا المؤمن أنه عمّ بقوله: {إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هو مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} والشرك من الإسراف، وسفك الدم بغير حقّ من الإسراف، وقد كان مجتمعاً في فرعون الأمران كلاهما، فالحقّ أن يعمّ ذلك كما أخبر جلّ ثناؤه عن قائله، أنه عمّ القول بذلك.

يَٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ۝٢٩

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: {يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ} يعني: أرض مصر، يقول: لكم السلطان اليوم والملك ظاهرين أنتم على بني إسرائيل في أرض مصر {فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ} يقول: فمن يدفع عنا بأس الله وسطوته إن حلّ بنا، وعقوبته إن جاءتنا، قال فرعون {أُرِيكُمْ إلاَّ ما أرَى} يقول: قال فرعون مجيباً لهذا المؤمن الناهي عن قتل موسى: ما رأيكم أيها الناس من الرأي والنصيحة إلا ما أرى لنفسي ولكم صلاحاً وصواباً، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. يقول: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحقّ والصواب في أمر موسى وقتله، فإنكم إن لم تقتلوه بدّل دينكم، وأظهر في أرضكم الفساد.

وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ ۝٣٠ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ۝٣١

يقول تعالى ذكره: وقال المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: يا قوم إني أخاف عليكم بقتلكم موسى إن قتلتموه مثل يوم الأحزاب الذين تحزّبوا على رسل الله نوح وهود وصالح، فأهلكهم الله بتجرئهم عليه، فيهلككم كما أهلكهم.

وقوله: {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ} يقول: يفعل ذلك بكم فيهلككم مثل سنته في قوم نوح وعاد وثمود وفعله بهم. وقد بيَّنا معنى الدأب فيما مضى بشواهده، المغنية عن إعادته، مع ذكر أقوال أهل التأويل فيه. وقد:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ} يقول: مثل حال.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ} قال: مثل ما أصابهم.

وقوله: {وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} يعني قوم إبراهيم، وقوم لوط، وهم أيضا من الأحزاب، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سيعد، عن قتادة {وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} قال: هم الأحزاب.

وقوله: {وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً للْعِبادِ} يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: وما أهلك الله هذه الأحزاب من هذه الأمم ظلماً منه لهم بغير جرم اجترموه بينهم وبينه، لأنه لا يريد ظلم عباده، ولا يشاؤه، ولكنه أهلكهم بإجرامهم وكفرهم به، وخلافهم أمره.

وَيَٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ ۝٣٢ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ۝٣٣

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل هذا المؤمن لفرعون وقومه: {وَيا قَوْمِ إنّي أخافُ عَلَيْكُمْ} بقتلكم موسى إن قتلتموه عقاب الله {يَوْمَ التَّنادِ}.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {يَوْمَ التَّنَادِ} فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: {يَوْمَ التَّنادِ} بتخفيف الدال، وترك إثبات الياء، بمعنى التفاعل، من تنادي القوم تنادياً، كما قال جلّ ثناؤه:

{ وَنادَى أصحَابُ الجَنَّةِ أصحَابَ النَّارِ أنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ }وقال: { وَنَادَى أصحَابُ النَّارِ أصْحَابَ الجَنَّةِ أنَّ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ }فلذلك تأوّله قارؤ ذلك كذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاريّ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة أنه قال في هذه الآية {يَوْمَ التَّنادِ} قال: يوم ينادي أهل النار أهل الجنة: أن أفيضوا علينا من الماء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويَا قَوْمِ إنّي أخافُ عَلَيْكُم يَوْمَ التَّنادِ} يوم ينادي أهل الجنة أهل النار

{ أنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا }وينادي أهل النار أهل الجنة { أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ المَاءِ أوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ }}.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يَوْمَ التَّنادِ} قال: يوم القيامة ينادي أهل الجنة أهل النار.

وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى ذلك على هذه القراءة تأويل آخر على غير هذا الوجه وهو ما:

حدثنا به أبو كُرَيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ، عن إسماعيل بن رافع المدنّي، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظيّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

يَأْمُرُ اللَّهُ إسْرَافِيلَ بالنَّفْخَةِ الأُولى، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَفَزِعَ أهْلُ السَّمَوَاتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ويَأْمُرُهُ اللَّهُ أنْ يُدِيمَها وَيُطَوّلَهَا فَلا يَفْتَرُ، وَهِيَ التي يَقُولُ اللَّهُ: {وَما يَنْظُرُ هَولاءِ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةٍ ما لَهَا مِنْ فَوَاقٍ}، فَيُسَيِّرُ اللَّهُ الجِبالَ فَتَكُونُ سَرَاباً، فَتُرَجُّ الأرْضُ بأهْلِها رَجًّا، وَهِيَ التي يَقُولُ اللَّهُ: {يَوْمَ تُرْجَفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُها الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} فَتَكُونُ كالسَّفِينَةِ المُرْتَعَةِ فِي البَحْرِ تَضَرِبُها الأمْوَاجُ تَكْفأُ بأهْلِها، أوْ كالقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ بالعَرْشِ تَرُجُّهُ الأرْوَاحُ، فَتَمِيدُ النَّاسَ عَلى ظَهْرِها، فَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الوِلْدانُ، وَتَطِيرُ الشَّياطِينُ هارِبَةً حتى تأتي الأقْطارَ، فَتَلَقَّاها المَلائِكَةُ، فَتَضْرِبُ وُجُوهَها، فَترْجِعَ وَيُوَلي النَّاسُ مُدْبِرينَ، يُنادِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ: {يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمِ}».

فعلى هذا التأويل معنى الكلام: ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ينادي الناس بعضهم بعضاً من فزع نفخة الفزع.

وقرأ ذلك آخرون: «يَوْمَ التَّنادِّ» بتشديد الدال، بمعنى: التفاعل من النَّدّ، وذلك إذا هربوا فنَدّوا في الأرض، كما تَنِدّ الإبل: إذا شَرَدَت على أربابها. ذكر من قال ذلك كذلك، وذكر المعنى الذي قَصَد بقراءته ذلك كذلك:

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأجلح، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، قال: إذا كان يوم القيامة، أمر الله السماء الدنيا فتشقَّقت بأهلها، ونزل من فيها من الملائكة، فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فصفوا صفاً دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدّوا فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا السبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قول الله: {إنّي أخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ توَلَّونَ مُدْبِرِين} وذلك قوله:

{ وَجاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفَّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ }}، وقوله: { يا مَعْشَرَ الجِنّ والإنْس إن اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِنْ أقْطارِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلاَّ بِسُلْطانٍ }}، وذلك قوله: { وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِي يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالمَلَكُ على أرْجائِها }}.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله {يَوْمَ التَّنادِ} قال: تَنِدُّون.

ورُوِي عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: «يَوْمَ التَّنادِي» بإثبات الياء وتخفيف الدال.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو تخفيف الدال وبغير إثبات الياء، وذلك أن ذلك هو القراءة التي عليها الحجة مجمعة من قرّاء الأمصار، وغير جائز خلافها فيما جاءت به نقلاً. فإذا كان ذلك هو الصواب، فمعنى الكلام: ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ينادي الناس بعضُهم بعضاً، إما من هول ما قد عاينوا من عظيم سلطان الله، وفظاعة ما غشيهم من كرب ذلك اليوم، وإما لتذكير بعضهم بعضاً إنجاز الله إياهم الوعد الذي وعدهم في الدنيا، واستغاثة من بعضهم ببعض، مما لقي من عظيم البلاء فيه.

وقوله: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} فتأويله على التأويل الذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يَوْمَ يُوَلّونَ هارِبِينَ فِي الأرْضِ حِذَارَ عَذَابِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ جَهَنَّمَ

وتأويله على التأويل الذي قاله قتادة في معنى {يَوْمَ التَّنادِ}: يوم تولُّون مُنْصَرِفِينَ عن موقف الحساب إلى جهنم. وبنحو ذلك رُوي الخبر عنه، وعمن قال نحو مقالته في معنى {يَوْمَ التَّنادِ}. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ}: أي منطلقاً بكم إلى النار.

وأولى القولين في ذلك بالصواب، القول الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان الذي قاله قتادة في ذلك غير بعيد من الحقّ، وبه قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله {يوم تولون مدبرين} قال فارّين غير معجزين وقوله مالكم من الله من عاصم يقول مالكم من الله من مانع يمنعكم وناصر ينصركم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ}: أي من ناصر.

وقوله: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هادِ} يقول: ومن يخذله الله فلم يوفَقه لرشده، فما له من موفِّق يوفقه له.

وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ۝٣٤

يقول تعالى ذكره: ولقد جاءكم يوسف بن يعقوب يا قوم من قبل موسى بالواضحات من حجج الله، كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ} قال: قبل موسى.

وقوله: {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكِّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ} يقول: فلم تزالوا مرتابين فيما أتاكم به يوسف من عند ربكم غير موقني القلوب بحقيقته {حتى إذَا هَلَكَ} يقول: حتى إذا مات يوسف قلتم أيها القوم: لن يبعث الله من بعد يوسف إليكم رسولاً بالدعاء إلى الحقّ {وكَذَلكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرفٌ مُرْتابٌ} يقول: هكذا يصدّ الله عن إصابة الحق وقصد السبيل من هو كافر به مرتاب، شاك في حقيقة أخبار رسله.

ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَٰنٍ أَتَىٰهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ۝٣٥

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل المؤمن من آل فرعون: {الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ} فقوله «الذين» مردود على «من» في قوله

{ منْ هُوَ مُسْرِفٌ }}. وتأويل الكلام: كذلك يضلّ الله أهل الإسراف والغلوّ في ضلالهم بكفرهم بالله، واجترائهم على معاصيه، المرتابين في أخبار رسله، الذين يخاصمون في حججه التي أتتهم بها رسله ليدحضوها بالباطل من الحُجَج {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أتَاهُمْ} يقول: بغير حجة أتتهم من عند ربهم يدفعون بها حقيقة الحُجَج التي أتتهم بها الرسل و «الذين» إذا كان معنى الكلام ما ذكرنا في موضع نصب ردّاً على «مَن».

وقوله: {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ} يقول: كبر ذلك الجدال الذي يجادلونه في آيات الله مقتاً عند الله، {وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا} باللَّه وإنما نصب قوله: {مَقْتاً} لما في قوله {كَبُرَ} من ضمير الجدال، وهو نظير قوله:

{ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ }فنصب كلمة من نصبها، لأنه جعل في قوله: {كَبُرَتْ} ضمير قولهم: { اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً }}، وأما من لم يضمر ذلك فإنه رفع الكلمة.

وقوله: {كَذَلكَ يَطْبَعُ اللَّهُ على كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} يقول: كما طبع الله على قلوب المسرفين الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر على الله أن يوحده، ويصدّق رسله. جبار: يعني متعظم عن اتباع الحقّ.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار، خلا أبي عمرو بن العلاء، على: {كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ} بإضافة القلب إلى المتكبر، بمعنى الخبر عن أن الله طبع على قلوب المتكبرين كلها ومن كان ذلك قراءته، كان قوله «جبار». من نعت «متكبر». وقد رُوي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك «كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ على قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ».

حدثني بذلك ابن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن هارون أنه كذلك في حرف ابن مسعود.

وهذا الذي ذُكر عن ابن مسعود من قراءته يحقق قراءة من قرأ ذلك بإضافة قلب إلى المتكبر، لأن تقديم «كل» قبل القلب وتأخيرها بعده لا يغير المعنى، بل معنى ذلك في الحالتين واحد. وقد حُكي عن بعض العرب سماعاً: هو يرجِّل شعره يوم كلّ جمعة، يعني: كلّ يوم جمعة. وأما أبو عمرو فقرأ ذلك بتنوين القلب وترك إضافته إلى متكبر، وجعل المتكبر والجبار من صفة القلب.

وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بإضافة القلب إلى المتكبر، لأن التكبر فعل الفاعل بقلبه، كما أن القاتل إذا قتل قتيلاً وإن كان قتله بيده، فإن الفعل مضاف إليه، وإنما القلب جارحة من جوارح المتكبر. وإن كان بها التكبر، فإن الفعل إلى فاعله مضاف، نظير الذي قلنا في القتل، وذلك وإن كان كما قلنا، فإن الأخرى غير مدفوعة، لأن العرب لا تمنع أن تقول: بطشت يد فلان، ورأت عيناه كذا، وفهم قلبه، فتضيف الأفعال إلى الجوارح، وإن كانت في الحقيقة لأصحابها.

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَٰبَ ۝٣٦ أَسْبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبًا وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ ۝٣٧

يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لما وعظه المؤمن من آله بما وعظه به وزجره عن قتل موسى نبيّ الله وحذره من بأس الله على قيله أقتله ما حذره لوزيره وزير السوء هامان: {يا هامانُ ابْنِ لي صَرْحاً لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ} يعني بناءً. وقد بيَّنا معنى الصرح فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

{لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ} اختلف أهل التأويل في معنى الأسباب في هذا الموضع، فقال بعضهم: أسباب السموات: طرقها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا عبد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السديّ، عن أبي صالح {أسْبابَ السَّمَوَاتِ} قال: طُرُق السموات.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّمَوَاتِ} قال: طُرُق السموات.

وقال آخرون: عُني بأسباب السموات: أبواب السموات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لي صَرْحاً} وكان أوّل من بنى بهذا الآجر وطبخه {لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّمَوَاتِ}: أي أبواب السموات.

وقال آخرون: بل عُني به مَنْزِل السماء. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّمَوَاتِ} قال: منزل السماء.

وقد بيَّنا فيما مضى قبل، أن السبب: هو كلّ ما تُسَبِّبَ به إلى الوصول إلى ما يطلب من حبل وسلم وطريق وغير ذلك.

فأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: معناه لعلي أبلغ من أسباب السموات أسباباً أتسبب بها إلى رؤية إله موسى، طرقاً كانت تلك الأسباب منها، أو أبواباً، أو منازل، أو غير ذلك.

وقوله: {فأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسَى} اختلف القرّاء في قراءة قوله: {فأطَّلِعَ} فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار: «فأطَّلِعُ» بضم العين: ردّا على قوله: {أبْلُغُ الأسْبابَ} وعطفاً به عليه. وذُكر عن حميد الأعرج أنه قرأ {فأطِّلِعَ} نصباً جواباً للعَلِّي، وقد ذكر الفرّاء أن بعض العرب أنشده:

عَلِّ صُرُوفِ الدَّهْرِ أَوْ دُولاتِها يُدِيلْنَنا اللَّمَّةَ مِنْ لَمَّاتِها فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِها

فنصب فتستريحَ على أنها جواب للعلّ.

والقراءة التي لا أستجيز غيرها الرفع في ذلك، لإجماع الحجة من القراء عليه.

وقوله: {وَإني لأَظُنُّهُ كاذِباً} يقول: وإني لأظنّ موسى كاذباً فيما يقول ويدّعي من أن له في السماء رباً أرسله إلينا.

وقوله: {وكَذَلكَ زُيِّنَ لِفَرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ} يقول الله تعالى ذكره: وهكذا زين الله لفرعون حين عتا عليه وتمردّ، قبيح عمله، حتى سوّلت له نفسه بلوغ أسباب السموات، ليطلع إلى إله موسى.

وقوله: {وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ} اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة: {وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ} بضمّ الصاد، على وجه ما لم يُسَمّ فاعله، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ} قال: فُعِل ذلك به، زين له سوء عمله، {وصُدَّ عن السبيل}.

وقرأ ذلك حميد وأبو عمرو وعامة قرّاء البصرة «وَصَدَّ» بفتح الصاد، بمعنى: وأعرض فرعون عن سبيل الله التي ابتُعِث بها موسى استكباراً.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وقوله: {وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلاَّ في تَبابٍ} يقول تعالى ذكره: وما احتيال فرعون الذي يحتال للاطلاع إلى إله موسى، إلا في خسار وذهاب مال وغبن، لأنه ذهبت نفقته التي أنفقها على الصرح باطلاً، ولم ينل بما أنفق شيئاً مما أراده، فذلك هو الخسار والتباب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلاَّ فِي تَبابٍ} يقول: في خُسران.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فِي تَبابٍ} قال: خَسار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلاَّ فِي تَبابٍ}: أي في ضلال وخسار.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلاَّ فِي تَبابٍ} قال: التَّباب والضَّلال واحد.

وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ۝٣٨ يَٰقَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَٰعٌ وَإِنَّ ٱلْـَٔاخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَرَارِ ۝٣٩

يقول تعالى ذكره مخبراً عن المؤمن بالله من آل فرعون {وَقالَ الَّذي آمَنَ} من قوم فرعون لقومه: {يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكُمْ سَبِيلَ الرِّشادِ} يقول: إن اتبعتموني فقبلتم مني ما أقول لكم، بيَّنت لكم طريق الصواب الذي تَرشدُون إذا أخذتم فيه وسلكتموه وذلك هو دين الله الذي ابتعث به موسى. يقول: {إنَّمَا هَذِهِ الحيَاةُ الدُّنْيا مَتاعٌ} يقول لقومه: ما هذه الحياة الدنيا العاجلة التي عجلت لكم في هذه الدار إلا متاع تستمعون بها إلى أجل أنتم بالغوه، ثم تموتون وتزول عنكم {وَإنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرارِ} يقول: وإن الدار الآخرة، وهي دار القرار التي تستقرّون فيها فلا تموتون ولا تزول عنكم، يقول: فلها فاعملوا، وإياها فاطلبوا. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {وَإنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرارِ} قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرارِ} استقرّت الجنة بأهلها، واستقرّت النار بأهلها.

مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٤٠

يقول: من عمل بمعصية الله في هذه الحياة الدنيا، فلا يجزيه الله في الآخرة إلا سيئة مثلها، وذلك أن يعاقبه بها {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى} يقول: ومن عمل بطاعة الله في الدنيا، وأتمر لأمره، وانتهى فيها عما نهاه عنه من رجل أو امرأة، وهو مؤمن بالله {فأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ} يقول: فالذين يعملون ذلك من عباد الله يدخلون في الآخرة الجنة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَها} أي شركاً، «السيئة عند قتادة شرك» {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً}، أي خيراً {مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤمِنٌ}.

وقوله: {يُرْزَقُونَ فِيها بغَيْرِ حِسابٍ} يقول: يرزقهم الله في الجنة من ثمارها، وما فيها من نعيمها ولذّاتها بغير حساب، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يُرْزَقُونَ فِيها بغَيْرِ حِسابٍ} قال: لا والله ما هناكم مكيال ولا ميزان.

وَيَٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ ۝٤١ تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّٰرِ ۝٤٢

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل هذا المؤمن لقومه من الكفرة: {مَالِي أدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاة} من عذاب الله وعقوبته بالإيمان به، واتباع رسوله موسى، وتصديقه فيما جاءكم به من عند ربه {وَتَدْعُونَنِي إلى النَّارِ} يقول: وتدعونني إلى عمل أهل النار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {مالِي أدْعُوكُمْ إلى النَّجاةِ} قال: الإيمان بالله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {مَالِي أدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاة وَتَدْعُونَنِي إلى النَّارِ} قال هذا مؤمن آل فرعون، قال: يدعونه إلى دينهم والإقامة معهم.

وقوله: {تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بالله وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} يقول: وأشرك بالله في عبادته أوثاناً، لست أعلم أنه يصلح لي عبادتها وإشراكها في عبادة الله، لأن الله لم يأذن لي في ذلك بخبر ولا عقل.

وقوله: {وأنا أدْعُوكُمْ إلى العَزِيزِ الغَفَّارِ} يقول: وأنا أدعوكم إلى عبادة العزيز في انتقامه ممن كفر به، الذي لا يمنعه إذا انتقم من عدوّ له شيء، الغفار لمن تابه إليه بعد معصيته إياه، لعفوه عنه، فلا يضرّه شيء مع عفوه عنه، يقول: فهذا الذي هذه الصفة صفته فاعبدوا، لا ما لا ضرّ عنده ولا نفع.

لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۝٤٣

يقول: حقاً أن الذي تدعونني إليه من الأوثان، ليس له دعاء في الدنيا ولا في الآخرة، لأنه جماد لا ينطق، ولا يفهم شيئاً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا} قال: الوثن ليس بشيء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الآخِرَةِ}: أي لا ينفع ولا يضرّ.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الآخِرَةِ}.

وقوله: {وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ} يقول: وأن مرجعنا ومنقلبنا بعد مماتنا إلى الله {وأنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أصحَابُ النَّارِ} يقول: وإن المشركين بالله المتعدّين حدوده، القتلة النفوس التي حرّم الله قتلها، هم أصحاب نار جهنم عند مرجعنا إلى الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في معنى المسرفين في هذا الموضع، فقال بعضهم: هم سفاكو الدماء بغير حقها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: {وإن الُمْسرفين هُمُ أصحابُ النارِ} قال: هم السفاكون الدماء بغير حقها.

حدثناعليّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قول الله {وأنَّ المُسْرِفينَ هْمُ أصحابُ النارِ} قال: هم السفاكون الدماء بغير حقها.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وأنَّ المُسْرِفينَ} قال: السفاكون الدماء بغير حقها، هم أصحاب النار.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أصحابُ النارِ} قال: سماهم الله مسرفين، فرعون ومن معه.

وقال آخرون: هم المشركون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وأنَّ المُسْرِفينَ هُمْ أصحَابُ النَّارِ}: أي المشركون.

وقد بيَّنا معنى الإسراف فيما مضى قَبْلُ بما فيه الكفاية من إعادته في هذا الموضع.

وإنما اخترنا في تأويل ذلك في هذا الموضع ما اخترنا، لأن قائل هذا القول لفرعون وقومه، إنما قصد فرعون به لكفره، وما كان همّ به من قتل موسى، وكان فرعون عالياً عاتياً في كفره بالله سفاكاً للدماء التي كان محرّماً عليه سفكها، وكلّ ذلك من الإسراف، فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل في ذلك.

فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ۝٤٤ فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ ۝٤٥

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وقومه: فستذكرون أيها القوم إذا عاينتم عقاب الله قد حلّ بكم، ولقيتم ما لقيتموه صدق ما أقول، وحقيقة ما أخبركم به من أن المسرفين هم أصحاب النار، كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ}، فقلت له: أَوَذَلك في الآخرة؟ قال: نعم.

وقوله: {وأُفَوّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ} يقول: وأسلم أمري إلى الله، وأجعله إليه وأتوكل عليه، فإنه الكافي مَنْ تَوَكَّل عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وأُفَوّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ} قال: أجعل أمري إلى الله.

وقوله: {إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بالعِبادِ} يقول: إن الله عالم بأمور عباده، ومن المطيع منهم، والعاصي له، والمستحق جميل الثواب، والمستوجب سَيِّىء العقاب.

وقوله: {فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا} يقول تعالى ذكره: فدفع الله عن هذا المؤمن من آل فرعون بإيمانه وتصديق رسوله موسى، مكروه ما كان فرعون ينال به أهل الخلاف عليه من العذاب والبلاء، فنجاه منه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {سَيِّئات ما مَكَرُوا} قال: وكان قبطياً من قوم فرعون، فنجا مع موسى، قال: وذكر لنا أنه بين يدي موسى يومئذ يسير ويقول: أين أمرت يا نبيّ الله؟ فيقول: أمامك، فيقول له المؤمن: وهل أمامي إلا البحر؟ فيقول موسى: لا والله ما كَذَبتُ ولا كُذبتُ، ثم يسير ساعة ويقول: أين أمرت يا نبيّ الله؟ فيقول: أمامك، فيقول: وهل أمامي إلا البحر، فيقول: لا والله ما كذبت، ولا كذبت، حتى أتى على البحر فضربه بعصاه، فانفلق اثني عشر طريقاً، لكل سبط طريق.

وقوله: {وَحاقَ بآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ} يقول: وحل بآل فرعون ووجب عليهم وعُني بآل فرعون في هذا الموضع تبّاعه وأهل طاعته من قومه، كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قول الله: {وَحاقَ بآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ} قال: قوم فرعون.

وعُني بقوله: {سُوءُ العَذَابِ}: ما ساءهم من عذاب الله، وذلك نار جهنم.

ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ۝٤٦

يقول تعالى ذكره مبيناً عن سوء العذاب الذي حلّ بهؤلاء الأشقياء من قوم فرعون ذلك الذي حاق بهم من سوء عذاب الله {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها} إنهم لها هلكوا وغرّقهم الله، جُعلت أرواحهم في أجواف طير سود، فهي تعرض على النار كلّ يوم مرتين {غُدُوّا وَعَشِيًّا} إلى أن تقوم الساعة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي قيس، عن الهذيل بن شرحبيل، قال: أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار، وذلك عرضها.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: بلغني أن أرواح قوم فرعون في أجواف طير سود تعرض على النار غدوّا وعشيًّا، حتى تقوم الساعة.

حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي، قال: سمعت الأوزاعيّ وسأله رجل فقال: رحمك الله، رأينا طيوراً تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب بيضاً، فوجاً فوجاً، لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان العشيّ رجع مثلُها سُوْداً، قال: وفَطَنتم إلى ذلك؟ قالوا: نعم، قال: إن تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار غدوّا وعشيًّا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها، وصارت سوداء، فتنبت عليها من الليل رياش بيض، وتتناثر السود، ثم تغدو، ويُعرضون على النار غدوّا وعشيًّا، ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دَأْبُها في الدنيا فإذا كان يوم القيامة، قال الله: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذَابِ} قالوا: وكانوا يقولون: إنهم ستّ مئة ألف مقاتل.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني حرملة، عن سليمان بن حميد، قال: سمعت محمد بن كعب القرظى يقول: ليس في الآخرة ليل ولا نصف نهار، وإنما هو بُكْرة وعشيّ، وذلك في القرآن في آل فرعون {يُعْرَضُونَ عَلَيْها غَدُوّا وَعَشِيًّا} وكذلك قال لأهل الجنة

{ لَهمْ رزْقُهُمْ فيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا }}.

وقيل: عني بذلك: أنهم يعرضون على منازلهم في النار تعذيباً لهم غدوّاً وعشيًّا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشَيًّا} قال: يُعرضون عليها صباحاً ومساء، يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم، توبيخاً ونقمة وصغاراً لهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {غُدُوّاً وَعَشِيًّا} قال: ما كانت الدنيا.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أن آل فرعون يعرضون على النار غدوّاً وعشياً. وجائز أن يكون ذلك العرض على النار على نحو ما ذكرناه عن الهذيل ومن قال مثل قوله، وإن يكون كما قال قتادة، ولا خبر يوجب الحجة بأن ذلك المعنيّ به، فلا في ذلك إلا ما دلّ عليه ظاهر القرآن، وهم أنهم يعرضون على النار غدوّاً وعشياً، وأصل الغدوّ والعشيّ مصادر جعلت أوقاتاً.

وكان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك: إنما هو مصدر، كما تقول: أتيته ظلاماً جعله ظرفاً وهو مصدر. قال: ولو قلت: موعدك غدوة، أو موعدك ظلام، فرفعته، كما تقول: موعدك يوم الجمعة، لم يحسن، لأن هذه المصادر وما أشبهها من نحو سحر لا تجعل إلا ظرفاً قال: والظرف كله ليس بمتمكن وقال نحويو الكوفة: لم يسمع في هذه الأوقات، وإن كانت مصادر، إلا التعريب: موعدك يوم موعدك صباح ورواح، كما قال جلّ ثناؤه:

{ غُدُوُّها شَهُرٌ وَرَوَاحُها شَهْرٌ }فرفع، وذكروا أنهم سمعوا: إنما الطيلسان شهران، قالوا: ولم يسمع في الأوقات النكرات إلا الرفع إلا قولهم: إنما سخاؤك أحياناً، وقالوا: إنما جاز ذلك لأنه بمعنى: إنما سخاؤك الحين بعد الحين، فلما كان تأويله الإضافة نصب.

وقوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذَابِ} اختلفت القراء في قراءة ذلك فقرأته عامة قرّاء أهل الحجاز والعراق سوى عاصم وأبي عمرو {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ} بفتح الألف من أدخلوا في الوصل والقطع بمعنى: الأمر بإدخالهم النار. وإذا قُرىء ذلك كذلك، كان الآل نصباً بوقوع أدخلوا عليه، وقرأ ذلك عاصم وأبو عمرو: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا» يوصل الألف وسقوطها في الوصل من اللفظ، وبضمها إذا ابتدىء بعد الوقف على الساعة، ومن قرأ ذلك كذلك، كان الآل على قراءته نصباً بالنداء، لأن معنى الكلام على قراءته: ادخلو يا آل فرعون أشدّ العذاب.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال إنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. فمعنى الكلام إذن: ويوم تقوم الساعة يقال لآل فرعون: ادخلوا يا آل فرعون أشدّ العذاب، فهذا على قراءة من وصل الألف من ادخلوا ولم يقطع، ومعناه على القراءة الأخرى، ويوم تقوم الساعة يقول الله لملائكته {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذَابِ}.

وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ ٱلنَّارِ ۝٤٧ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ ۝٤٨

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:

{ وَأنْذِرْهُم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَناجِرِ كاظِمِينَ }، {وإذْ يَتَحاجُّونَ في النَّارِ} يقول: وإذ يتخاصمون في النار. وعني بذلك: إذ يتخاصم الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنذارهم من مشركي قومه في النار، فيقول الضعفاء منهم وهم المتبعون على الشرك بالله {إنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} تقول لرؤسائهم الذين اتبعوهم على الضلالة: إنا كنا لكم في الدنيا تبعاً على الكفر بالله {فَهَلْ أنْتُمْ مغْنُونَ} اليوم {عَنَّا نَصِيباً مِن النَّارِ} يعنون حظاً فتخففوه عنا، فقد كنا نسارع في محبتكم في الدنيا، ومن قبلكم أتينا، لولا أنتم لكنا في الدنيا مؤمنين، فلم يصبنا اليوم هذا البلاء والتبع يكون واحداً وجماعة في قول بعض نحويي البصرة، وفي قول بعض نحويي الكوفة جمع لا واحد له، لأنه كالمصدر. قال: وإن شئت كان واحدة تابع، فيكون مثل خائل وخول، وغائب وغيب.

والصواب من القول في ذلك عندي أنه جمع واحده تابع، وقد يجوز أن يكون واحداً فيكون جمعه أتباع. فأجابهم المتبوعون بما أخبر الله عنهم قال الذين استكبروا، وهم الرؤساء المتبوعون على الضلالة في الدنيا: إنا أيها القوم وأنتم كلنا في هذه النار مخلدون، لا خلاص لنا منها {إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَينَ العِبادِ} بفصل قضائه، فأسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فلا نحن مما نحن فيه من البلاء خارجون، ولا هم مما فيه من النعيم منتقلون ورفع قوله {كُلّ} بقوله {فِيها} ولم ينصب على النعت.

وقد اختلف في جواز النصب في ذلك في الكلام. وكان بعض نحويي البصرة يقول: إذا لم يضف «كلّ» لم يجز الاتباع. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: ذلك جائز في الحذف وغير الحذف، لأن أسماءها إذا حُذفت اكتفي بها منها. وقد بيَّنا الصواب من القول في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۝٤٩ قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ قَالُوا۟ بَلَىٰ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ وَمَا دُعَٰٓؤُا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ ۝٥٠

يقول تعالى ذكره: وقال أهل جهنم لخزنتها وقوّامها، استغاثة بهم من عظيم ما هم فيه من البلاء، ورجاء أن يجدوا من عندهم فرجاً {ادْعُوا رَبِّكُمْ} لَنا {يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً} واحداً، يعني قدر يوم واحد من أيام الدنيا {مِنَ العَذَابِ} الذي نحن فيه. وإنما قلنا: معنى ذلك: قدر يوم من أيام الدنيا، لأن الآخرة يوم لا ليل فيه، فيقال: خفف عنهم يوماً واحداً.

وقوله: {قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبَيِّناتِ} يقول تعالى ذكره: قالت خزنة جهنم لهم: أو لم تك تأتيكم في الدنيا رسلكم بالبينات من الحجج على توحيد الله، فتوحدوه وتؤمنوا به، وتتبرؤوا مما دونه من الآلهة؟ قالوا: بلى، قد أتتنا رسلنا بذلك.

وقوله: {قالُوا فادْعُوا} يقول جلّ ثناؤه: قالت الخزنة لهم: فادعوا إذن ربكم الذي أتتكم الرسل بالدعاء إلى الإيمان به.

وقوله: {وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلالٍ} يقول: قد دعوا وما دعاؤهم إلا في ضلال، لأنه دعاء لا ينفعهم، ولا يستجاب لهم، بل يقال لهم:

{ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونَ }}.

إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَٰدُ ۝٥١ يَوْمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ۝٥٢

يقول القائل: وما معنى: {إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيا} وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه، ومثَّلوا به، كشعياء ويحيى بن زكريا وأشباههما، ومنهم من همّ بقتله قومه، فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم ناجياً بنفسه، كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام من أرضه مفارقا لقومه، وعيسى الذي رفع إلى السماء إذ أراد قومه قتله، فأين النصرة التي أخبرنا أنه ينصرها رسله، والمؤمنين به في الحياة الدنيا، وهؤلاء أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت، وما نصروا على من نالهم بما نالهم به؟ قيل: إن لقوله: {إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيا} وجهين كلاهما صحيح معناه. أحدهما أن يكون معناه: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا إما بإعلائناهم على من كذّبنا وإظفارنا بهم، حتى يقهروهم غلبة، ويذلوهم بالظفر ذلة، كالذي فعل من ذلك بداود وسليمان، فأعطاهما من الملُك والسلطان ما قهرا به كل كافر، وكالذي فعل بمحمد صلى الله عليه وسلم بإظهاره على من كذّبه من قومه، وإما بانتقامنا ممن حادّهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل ممن كذّبهم وعاداهم، كالذي فعل تعالى ذكره بنوح وقومه، من تغريق قومه وإنجائه منهم، وكالذي فعل بموسى وفرعون وقومه، إذ أهلكهم غرقا، ونجى موسى ومن آمن به من بني إسرائيل وغيرهم ونحو ذلك، أو بانتقامنا في الحياة الدنيا من مكذّبيهم بعد وفاة رسولنا من بعد مهلكهم، كالذي فعلنا من نصرتنا شعياء بعد مهلكه، بتسليطنا على قتلته مَن سلَّطنا حتى انتصرنا بهم من قتلته، وكفعلنا بقتلة يحيى، من تسليطنا بختنصر عليهم حتى انتصرنا به من قتله له وكانتصارنا لعيسى من مريدي قتله بالروم حتى أهلكناهم بهم، فهذا أحد وجهيه. وقد كان بعض أهل التأويل يوجه معنى ذلك إلى هذا الوجه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن الفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ قول الله: {إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيا} قد كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون، وذلك أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث الله قوماً فينتصر بهم لأولئك الذين قتلوا منهم.

والوجه الآخر: أن يكون هذا الكلام على وجه الخبر عن الجميع من الرسل والمؤمنين، والمراد واحد، فيكون تأويل الكلام حينئذ: إنا لننصر رسولنا محمداً صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به في الحياة الدنيا، ويوم يقود الأشهاد، كما بيَّنا فيما مضى أن العرب تخرج الخبر بلفظ الجميع، والمراد واحد إذا لم تنصب للخبر شخصاً بعينه.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِين مَعْذِرَتُهُمْ} فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة {وَيَوْمَ يَقُومُ} بالياء. وينفع أيضاً بالياء، وقرأ ذلك بعض أهل مكة وبعض قرّاء البصرة: «تَقُومُ» بالتاء، و «تَنْفَعُ» بالتاء.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وقد بيَّنا فيما مضى أن العرب تذكر فعل جمع الرجل وتؤنث إذا تقدم بما أغنى عن إعادته. وعُني بقوله: {وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ} يوم يقوم الأشهاد من الملائكة والأنبياء والمؤمنين على الأمم المكذبة رسلها بالشهادة بأن الرسل قد بلغتهم رسالات ربهم، وأن الأمم كذّبتهم. والأشهاد: جمع شهيد، كما الأشراف: جمع شريف. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ} من ملائكة الله وأنبيائه، والمؤمنين به.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ} يوم القيامة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، في قول الله: {ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ} قال الملائكة.

وقوله: {لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرتُهُمْ} يقول تعالى ذكره: ذلك يوم لا ينفع أهل الشرك اعتذارهم لأنهم لا يعتذرون إن اعتذروا إلا بباطل، وذلك أن الله قد أعذر إليهم في الدنيا، وتابع عليهم الحجج فيها فلا حجة لهم في الآخرة إلا الاعتصام بالكذب بأن يقولوا:

{ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ }}.

وقوله: {وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ} يقول: وللظالمين اللعنة، وهي البُعد من رحمة الله {وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} يقول: ولهم مع اللعنة من الله شرّ ما في الدار الآخرة، وهو العذاب الأليم.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ