انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة غافر

تفسير البغويالآيات 1–85

تفسير سورة غافر آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

حمٓ ۝١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ۝٢ غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ۝٣ مَا يُجَٰدِلُ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلَٰدِ ۝٤

قوله عزّ وجلّ: {حۤـمۤ}، قد سبق الكلام في حروف التهجي. قال السدي عن ابن عباس: حۤـمۤ اسم الله الأعظم. وروى عكرمة عنه قال: الۤر، وحۤـمۤ، ونون، حروف "الرحمن" مقطعة. وقال سعيد بن جبير وعطاء الخراساني: الحاء افتتاح أسمائه: حكيم حميد حي حليم حنان، والميم افتتاح أسمائه: ملك مجيد منان. وقال الضحاك والكسائي: معناه قضى ما هو كائن كأنهما أشارا إلى أن معناه: حُمّ، بضم الحاء وتشديد الميم، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر حۤمۤ بكسر الحاء، والباقون بفتحها.

{تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ * غَافِرِ ٱلذَّنبِ}، ساتر الذنب، {وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ}، يعني التوبة، مصدر تاب يتوب توباً. وقيل: التوب جمع توبة مثل دومة ودَوم وحَومة وحَوم. قال ابن عباس: غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله، [وقابل التوب ممن قال لا إله إلا الله]. {شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ}، لمن لا يقول لا إله إلا الله، {ذِى ٱلطَّوْلِ}، ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله. قال مجاهد: "ذي الطول": ذي السعة والغنى. وقال الحسن: ذو الفضل. وقال قتادة: ذو النعم. وقيل: ذو القدرة. وأصل الطَّول الإِنعام الذي تطول مدته على صاحبه. {لآَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}.

{مَا يُجَـٰدِلُ فِىۤ ءَايَـٰتِ ٱللهِ}، في دفع آيات الله بالتكذيب والإِنكار، {إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، قال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: {مَا يُجَـٰدِلُ فِىۤ ءَايَـٰتِ ٱللهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} و

{ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ }[البقرة: 176].

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن أحمد، حدثنا محمد بن خالد، أخبرنا داود بن سليمان، أخبرنا عبد الله بن حميد، حدثنا الحسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن ليث، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إنَّ جدالاً في القرآن كفر».

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً يتمارون في القرآن، فقال:

إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذِّبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوه، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه».

قوله تعالى: {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ}، تصرفهم في البلاد للتجارات وسلامتهم فيها مع كفرهم، فإن عاقبة أمرهم العذاب، نظيره قوله عزّ وجلّ:

{ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ }[آل عمران: 196].

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَٰدَلُوا۟ بِٱلْبَٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ۝٥ وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۝٦ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ۝٧

{كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ}، وهم الكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب من بعد قوم نوح، {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ}، قال ابن عباس: ليقتلوه ويهلكوه. وقيل: ليأسروه. والعرب تسمي الأسير أخيذاً، {وَجَـٰدَلُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ}، ليبطلوا، {بِهِ ٱلْحَقَّ}، الذي جاء به الرسل ومجادلتهم مثل قولهم:

{ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا }[إبراهيم: 10]، و { لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ } [الفرقان: 21] ونحو ذلك، {فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}.

{وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ}، يعني: كما حقت كلمة العذاب على الأمم المكذبة حقت، {عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ}، من قومك، {أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ}، قال الأخفش: لأنهم أو بأنهم أصحاب النار.

قوله عزّ وجلّ: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ}، حملة العرش والطائفون به وهم الكروبيون، وهم سادة الملائكة. قال ابن عباس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام. ويروى: أن أقدامهم في تخوم الأرضين، والأرضون والسموات إلى حجزهم، وهم يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سُبّوحٌ قُدّوسٌ ربُّ الملائكة والروح.

وقال ميسرة بن عروبة: أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من أهل السماء التي تليها، والتي تليها أشد خوفاً من التي تليها. وقال مجاهد: بين الملائكة والعرش سبعون حجاباً من نور.

وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أُذن لي أن أُحدّث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام».

وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: إن ما بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع ثلاثين ألف عام، والعرش يُكسى كل يوم سبعين ألف لون من النور، لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله، والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة.

وقال مجاهد: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب من نور، وحجاب من ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة.

وقال وهب بن منبه: إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة، صف خلف صف يطوفون بالعرش، يقبل هؤلاء ويدبر هؤلاء، فإذا استقبل بعضهم بعضاً هلّل هؤلاء وكبّر هؤلاء، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام، أيديهم إلى أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم، فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم، فقالوا: سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأجلَّك أنت الله لا إله غيرك، أنت الأكبر، الخلق كلهم لك راجعون، ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة قد وضعو اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا وهو يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر، ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلثمائة عام، وما بين شحمة أذنه إلى عاتقه أربعمائة عام، واحتجب الله من الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجاباً من نار، وسبعين حجاباً من ظلمة، وسبعين حجاباً من نور، وسبعين حجاباً من دُرٍّ أبيض، وسبعين حجاباً من ياقوت أحمر، وسبعين حجاباً من ياقوت أصفر، وسبعين حجاباً من زبرجد أخضر، وسبعين حجاباً من ثلج، وسبعين حجاباً من ماء، وسبعين حجاباً من برد، وما لا يعلمه إلا الله تعالى. قال: ولكل واحد من حملة العرش ومن حوله أربعة وجوه، وجه ثور ووجه أسد ووجه نسر ووجه إنسان، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة، أما جناحان فعلى وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيصعق، وأما جناحان فيهفو بهما، ليس لهم كلام إلا التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد.

قوله عزّ وجلّ: {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ}، يصدّقون بأنه واحد لا شريك له.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد ابن زنجويه، حدثنا عمر بن عبدالله الرقاشي، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا هارون بن رباب، حدثنا شهر بن حوشب قال: حملة العرش ثمانية، فأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، قال: وكأنهم ينظرون ذنوب بني آدم.

قوله عزّ وجلّ: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا}، يعني يقولون ربنا، {وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً}، قيل: نصب على التفسير، وقيل: على النقل، أي: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ}، دينك. {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ}، قال مطرِّف: أَنصح عباد الله للمؤمنين هم الملائكة، وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين.

رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٨ وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُۥ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝٩ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلْإِيمَٰنِ فَتَكْفُرُونَ ۝١٠ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ۝١١

{رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}، قال سعيد بن جبير: يدخل المؤمن الجنة فيقول: أين أبي؟ أين أمي، أين ولدي أين زوجتي؟ فيقال: إنهم لم يعملوا مثل عملك، فيقول: إني كنت أعمل لي ولهم، فيقال: أدخلوهم الجنة.

{وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَـٰتِ}، العقوبات، {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَـٰتِ}، أي: ومن تقه السيئات يعني العقوبات، وقيل: جزاء السيئات، {يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ}، يوم القيامة وهم في النار وقد مَقَتُوا أنفسَهم حين عُرضت عليهم سيئاتهم، وعاينوا العذاب، فيقال لهم: {لَمَقْتُ ٱللهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ}، يعني لمقت الله إيّاكم في الدنيا إذْ تدعون إلى الإِيمان فتكفرون أكبر من مقتكم اليوم أنفسكم عند حلول العذاب بكم.

{قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ}، قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما- وقتادة والضحاك: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بدّ منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما موتتان وحياتان، وهذا كقوله تعالى:

{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ }[البقرة: 28]، وقال السدي: أُميتوا في الدنيا ثم أُحيوا في قبورهم للسؤال، ثم أميتوا في قبورهم ثم أُحيوا في الآخرة. {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ}، أي: من خروج من النار إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك، نظيره: { هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سبيل }[الشورى: 44].

ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ ۝١٢ هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ۝١٣ فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝١٤ رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ ۝١٥ يَوْمَ هُم بَٰرِزُونَ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ ۝١٦

قال الله تعالى: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ ٱللهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ}، فيه متروك استغني عنه لدلالة الظاهر عليه، مجازه: فأُجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك، وهذا العذاب والخلود في النار بأنكم إذا دعي الله وحده كفرتم، أي إذا قيل لا إله إلا الله [كفرتم]، وقلتم:

{ أَجَعَلَ ٱلأَلِهَةَ إِلَـٰهاً وَٰحِداً }[ص: 5]، {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ}، غيره {تُؤْمِنُواْ}، تصدقوا ذلك الشرك، {فَٱلْحُكْمُ للهِ ٱلْعَلِـىِّ ٱلْكَبِيرِ}. الذي لا أعلى منه ولا أكبر.

{هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً}، يعني: المطر الذي هو سبب الأرزاق، {وَمَا يَتَذَكَّرُ}، وما يتعظ بهذه الآيات، {إِلاَّ مَن يُنِيبُ}، يرجع إلى الله تعالى في جميع أموره.

{فَٱدْعُواْ ٱللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}، الطاعة والعبادة. {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ}.

{رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ}، رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة، {ذُو ٱلْعَرْشِ}، خالقه ومالكه، {يُلْقِى ٱلرُّوحَ}، ينزل الوحي، سماه روحاً لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح، {مِنْ أَمْرِهِ}، قال ابن عباس: من قضائه. وقيل: من قوله. وقال مقاتل: بأمره. {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ}، أي: لينذر النبي بالوحي، {يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ}، وقرأ يعقوب بالتاء أي: لتنذر أنت يا محمد يوم التلاق، يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض. قال قتادة ومقاتل: يلتقي فيه الخلق والخالق. قال ابن زيد: يتلاقى العباد. وقال ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم والخصوم. وقيل: يلتقي العابدون والمعبودون. وقيل: يلتقي فيه المرء مع عمله.

{يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ}، خارجون من قبورهم ظاهرون لا يسترهم شيء، {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللهِ مِنْهُمْ}، من أعمالهم وأحوالهم، {شَىْءٌ}، يقول الله تعالى في ذلك اليوم بعد فناء الخلق، {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ}، فلا أحد يجيبه، فيجيب نفسه فيقول، {للهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ}، الذي قهر الخلق بالموت.

ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝١٧ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْـَٔازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ۝١٨ يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ ۝١٩ وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ۝٢٠ أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ ۝٢١ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُوا۟ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُۥ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝٢٢ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝٢٣ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُوا۟ سَٰحِرٌ كَذَّابٌ ۝٢٤ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ ٱقْتُلُوٓا۟ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ وَٱسْتَحْيُوا۟ نِسَآءَهُمْ وَمَا كَيْدُ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ ۝٢٥ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ ۝٢٦

{ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ}، يُجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}.

{وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ}، يعني: يوم القيامة سميت بذلك لأنها قريبة إذ كل ما هو آت قريب، نظيره قوله عزّ وجلّ:

{ أَزِفَتِ ٱلأَزِفَةُ }[النجم: 57]، أي قربت القيامة. {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ}، وذلك أنها تزول عن أماكنها من الخوف حتى تصير إلى الحناجر، فهي لا تعود إلى أماكنها، ولا هي تخرج من أفواههم فيموتوا ويستريحوا. {كَـٰظِمِينَ}، مكروبين ممتلئين خوفاً وحزناً، والكظم تردد الغيظ والخوف والحزن في القلب حتى يضيق به. {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ}، قريب ينفعهم، {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ}، فيشفع فيهم.

{يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ}، أي: خيانتها وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل. قال مجاهد: وهو نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. {وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ}.

{وَٱللهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ}، يعني الأوثان، {لاَ يَقْضُونَ بِشَىْءٍ}، لأنها لا تعلم شيئاً ولا تقدر على شيء. قرأ نافع وابن عامر: "تدعون"، بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء. {إِنَّ ٱللهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}.

{أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُم قُوَّةً}، قرأ ابن عامر: "منكم" بالكاف، وكذلك هو في مصاحفهم، {وَءَاثَاراً فِى ٱلأَرْضِ}، فلم ينفعهم ذلك. {فَأَخَذَهُمُ ٱللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللهِ مِن وَاقٍ}، يدفع عنهم العذاب.

{ذَلِكَ} أي: ذلك العذاب الذي نزل بهم، {بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللهُ إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.

قوله عزّ وجلّ:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَقََٰرُونَ فَقَالُواْ سَـٰحِرٌ كَـذَّابٌ * فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ}، يعني فرعون وقومه، {ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ}, قال قتادة: هذا غير القتل الأول، لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان، فلما بعث موسى عليه السلام أعاد القتل عليهم، فمعناه أعيدوا عليهم القتل، {وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ}، ليصدوهم بذلك عن متابعة موسى ومظاهرته، {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ}، وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم، {إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ}، أي: يذهب كيدهم باطلاً، ويحيق بهم ما يريده الله عزّ وجلّ.

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ}, لملئه، {ذَرُونِىۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ}، وإنما قال هذا لأنه كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتله خوفاً من الهلاك، {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ}، أي: وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منا، {إِنِّىۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ} يغير، {دِينَكُـمْ}، الذي أنتم عليه، {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ}، قرأ يعقوب وأهل الكوفة "أَوْ أَن يظهر"، وقرأ الآخرون "وأَن يظهَر"، وقرأ أهل المدينة والبصرة وحفص "يُظهِر" بضم الياء وكسر الهاء على التعدية، {ٱلْفَسَادَ} نصب لقوله: {أَن يبدل دينكم}، حتى يكون الفعلان على نسق واحد، وقرأ الآخرون بفتح الياء والهاء على اللزوم، "الفسادُ"، رفع وأراد بالفساد تبديل الدين وعبادة غيره.

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ۝٢٧ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ۝٢٨

{وَقَالَ مُوسَىٰ}، لما توعده فرعون بالقتل، {إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَاب * وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَونَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُ}.

واختلفوا في هذا المؤمن: قال مقاتل والسدي: كان قبطياً ابن عم فرعون وهو الذي حكى الله عنه فقال:

{ وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ }[القصص: 20]، وقال قوم: كان إسرائيلياً، ومجاز الآية: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون، وكان اسمه حزبيل عند ابن عباس، وأكثر العلماء. وقال ابن إسحاق: كان اسمه جبران. وقيل: كان اسم الرجل الذي آمن من آل فرعون حبيباً. {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللهُ}، لأن يقول ربي الله، {وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ}، أي: بما يدل على صدقه، {وَإِن يَكُ كَـٰذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ}، لا يضركم ذلك، {وَإِن يَكُ صَـٰدِقاً}، فكذبتموه، وهو صادق، {يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ}. قال أبو عُبيد: المراد بالبعض الكل، أي: إن قتلتموه وهو صادق أصابكم ما يتوعدكم به من العذاب. قال الليث: "بعض" صلة، يريد: يُصِبْكم الذي يعدكم. وقال أهل المعاني: هذا على الظاهر في الحِجاج كأنه قال: أقل ما في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم وفي بعض ذلك هلاككم، فذكر البعض ليوجب الكل، {إِنَّ ٱللهَ لاَ يَهْدِى}، إلى دينه {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ}، مشرك، {كَذَّابٌ}، على الله.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد ابن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، حدثني عُروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي مُعيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن ربكم}.

يَٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ۝٢٩ وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ ۝٣٠ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ۝٣١ وَيَٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ ۝٣٢

{يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلأَرْضِ}، غالبين في أرض مصر، {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللهِ}، من يمنعنا من عذاب الله، {إِن جَآءَنَا}، والمعنى لكم الملك اليوم فلا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب، وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب الله إن حل بكم، {قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ}، من الرأي والنصيحة، {إِلاَّ مَآ أَرَىٰ}، لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم، {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ}، ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى.

{وَقَالَ ٱلَّذِىۤ ءَامَنَ يٰقَوْمِ إِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ}، أي: مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب حتى أتاهم العذاب، {وَمَا ٱللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ}، أي: لا يهلكُهم قبل اتخاذ الحجة عليهم.

{وَيـَٰقَوْمِ إِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ}، يوم القيامة يُدعى كل أناس بإمامهم ويُنادي بعضهم بعضاً، فينادي أصحابُ الجنة أصحابَ النار، وأصحابُ النار أصحابَ الجنة، وينادي أصحاب الأعراف، ويُنادى بالسعادة والشقاوة، ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وفلان ابن فلان قد شقى شقاوة لا يسعد بعدها أبداً، وينادى حين يذبح الموت: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت.

وقرأ ابن عباس والضحاك: "يوم التنادِّ" بتشديد الدال أي: يوم التنافر، وذلك أنهم هربوا فندُّوا في الأرض كما تَنِدُّ الإبلُ إذا شردت عن أربابها.

قال الضحاك: وكذلك إذا سمعوا زفير النار ندُّوا هرباً فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفاً، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله تعالى:

{ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ }[الحاقة: 17]، وقوله: { يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ }[الرحمن: 33].

يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ۝٣٣ وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ۝٣٤ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَٰنٍ أَتَىٰهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ۝٣٥

{يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ}، منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. وقال مجاهد: فارين غير معجزين، {مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللهِ مِنْ عَاصِمٍ}، يعصمكم من عذابه، {وَمَن يُضْلِلِ ٱللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هادٍ * وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ}، يعني يوسف بن يعقوب "من قبل"، أي: من قبل موسى، {بِٱلْبَيِّنَاتِ}، يعني قوله

{ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ }[يوسف: 39]، {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ}، قال ابن عباس: من عبادة الله وحده لا شريك له، {حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ}، مات، {قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً}، أي: أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد عليكم الحجة، {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ}، مشرك، {مُّرْتَابٌ}، شاك.

{ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِ ٱللهِ}، قال الزجاج: هذا تفسير للمسرف المرتاب يعني الذين يجادلون في آيات الله أي: في إبطالها بالتكذيب، {بِغَيْرِ سُلطٰن}، حجة، {أَتَـٰهُمْ}، من الله، {كَبُرَ مَقْتاً}، أي: كبر ذلك الجدال مقتاً، {عِندَ ٱللهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}، قرأ أبو عمرو وابن عامر "قلبٍ" بالتنوين، وقرأ الآخرون بالإضافة، دليله قراءة عبدالله بن مسعود "على قلب كل متكبر جبار".

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَٰبَ ۝٣٦ أَسْبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبًا وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ ۝٣٧ وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ۝٣٨ يَٰقَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَٰعٌ وَإِنَّ ٱلْـَٔاخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَرَارِ ۝٣٩ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٤٠ وَيَٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ ۝٤١ تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّٰرِ ۝٤٢ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۝٤٣ فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ۝٤٤ فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ ۝٤٥ ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ۝٤٦

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ}، لوزيره: {يٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحَاً}، والصرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بَعُد، وأصله من التصريح وهو الإظهار، {لَّعَـلِّىۤ أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ}، يعني: طرقها وأبوابها من سماء إلى سماء، {فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ}، قراءة العامة برفع العين نسقاً على قوله: "أبلغُ الأسباب"، وقرأ حفص عن عاصم بنصب العين وهي قراءة حميد الأعرج، على جواب "لعل" بالفاء {وَإِنِّى لأَظُنُّه}، يعني موسى {كَـٰذِباً}، فيما يقول أن له رباً غيري، {وَكَـذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ}، قرأ أهل الكوفة ويعقوب: "وصُدّ" بضم الصاد نسقاً على قوله: "زُيّن لفرعون" قال ابن عباس: صده الله عن سبيل الهدى. وقرأ الآخرون بالفتح أي: صَدّ فرعونُ الناس عن السبيل. {وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ}، يعني: وما كيده في إبطال آيات موسى إلا في خسار وهلاك.

{وَقَالَ ٱلَّذِىۤ ءَامَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ}، طريق الهدى.

{يـَٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَـٰعٌ}، متعة تنتفعون بها مدة ثم تنقطع، {وَإِنَّ ٱلأَخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ}، التي لا تزول.

{مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِـلَ صَـٰلِحاً مِّن ذكرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}، قال مقاتل: لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير.

{وَيٰقَوْمِ مَا لِىۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ}، يعني: مالكم، كما تقول العرب: مالي أراك حزيناً؟ أي: مالك؟ يقول: أخبروني عنكم؟ كيف هذه الحال أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله، {وَتَدْعُونَنِىۤ إِلَى ٱلنَّارِ}؟ إلى الشرك الذي يوجب النار، ثم فسر فقال:

{تَدْعُونَنِى لأَكْـفُرَ بِٱللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزيزِ ٱلْغَفَّارِ}، في انتقامه ممن كفر، الغفار لذنوب أهل التوحيد.

{لاَ جَرَمَ}، حقاً، {أَنَّمَا تَدْعُونَنِىۤ إِلَيْهِ}، أي: إلى الوثن، {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِى ٱلأَخِرَةِ}، قال السدي: لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة، يعني ليست له استجابة دعوة. وقيل: ليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا لأن الأوثان لا تَدّعِي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها، وفي الآخرة تتبرأ من عابديها. {وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللهِ}، مرجعنا إلى الله فيجازي كلاً بما يستحقه، {وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ}، المشركين، {هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ}.

{فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ}، إذا عاينتم العذاب حين لا ينفعكم الذكر، {وَأُفَوِّضُ أَمْرِىۤ إِلَى ٱللهِ}، وذلك أنهم توعدوه لمخالفته دينهم، {إِنَّ ٱللهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ}، يعلم المحقّ من المبطل، ثم خرج المؤمن من بينهم، فطلبوه فلم يقدروا عليه.

وذلك قوله عزّ وجلّ: {فَوقَاهُ ٱللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ}، ما أرادوا به من الشر، قال قتادة: نجا مع موسى وكان قبطياً، {وَحَاقَ}، نزل، {بِـآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ}، الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة.

وذلك قوله: {ٱلنَّارُ}، هي رفع على البدل من السوء، {يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً}، صباحاً ومساءً، قال ابن مسعود: أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين، تغدو وتروح إلى النار، ويقال: يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة.

وقال قتادة: ومقاتل، والسدي، والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشياً ما دامت الدنيا.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعدُه بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقالُ له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة".

ثم أخبر الله تعالى عن مستقرهم يوم القيامة فقال: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ}، قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر: "الساعةُ"، "ادخلوا"، بحذف الألف والوصل، وبضمها في الابتداء، وضم الخاء من الدخول، أي: يقال لهم: ادخلوا يا {ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}، وقرأ الآخرون "أَدْخِلوا" بقطع الألف وكسر الخاء من الإدخال، أي: يقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. قال ابن عباس: يريد ألوان العذاب غير الذي كانوا يعذبون به منذ أُغرقوا.

وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ ٱلنَّارِ ۝٤٧ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ ۝٤٨ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۝٤٩ قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ قَالُوا۟ بَلَىٰ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ وَمَا دُعَٰٓؤُا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ ۝٥٠ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَٰدُ ۝٥١ يَوْمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ۝٥٢ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَٰبَ ۝٥٣ هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٥٤ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ ۝٥٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَٰنٍ أَتَىٰهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ۝٥٦ لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٥٧

{وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّـارِ}، أي: اذكر يا محمد لقومك إذ يختصمون، يعني أهل النار في النار، {فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً}، في الدنيا، {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ}، والتبع يكون واحداً وجمعاً في قول أهل البصرة، وواحدة تابع، وقال أهل الكوفة: هو جمع لا واحد له وجمعه أتباع.

{قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ}، حين اشتد عليهم العذاب، {لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ}.

{قَالُوۤاْ}، يعني خزنة جهنم لهم، {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدْعُواْ}، أنتم إذاً ربكم، إنا لا ندعو لكم، لأنهم علموا أنه لا يخفف عنهم العذاب. قال الله تعالى: {وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ}، أي: يبطل ويضل ولا ينفعهم.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، قال ابن عباس: بالغلبة والقهر. وقال الضحاك: بالحجة، وفي الآخرة بالعذر. وقيل: بالانتقام من الأعداء في الدنيا والآخرة، وكل ذلك قد كان للأنبياء والمؤمنين، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وقد نصرهم الله بالقهر على من ناوأهم وإهلاك أعدائهم، ونصرهم بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل، قتل به سبعون ألفاً، فهم منصورون بأحد هذه الوجوه، {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ}، يعني: يوم القيامة يقوم الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب.

{يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ}، إن اعتذروا عن كفرهم لم يقبل منهم، وإن تابوا لم ينفعهم، {وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ}، البعد من الرحمة، {وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ}، يعني جهنم.

{وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ}، قال مقاتل: الهدى من الضلالة، يعني التوراة، {وَأَوْرَثْنَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ}، [التوراة].

{هُدًى وَذِكْرَىٰ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ}.

{فَٱصْبِرْ}، يا محمد على أذاهم، {إِنَّ وَعْدَ ٱللهِ}، في إظهار دينك وإهلاك أعدائك، {حَقٌّ}، قال الكلبي: نسخت آية القتال آية الصبر، {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ}، هذا تعبد من الله ليزيده به درجة وليصير سنة لمن بعده، {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}، صلِّ شاكراً لربك، {بِٱلْعَشِىِّ وَٱلإِبْكَارِ}، قال الحسن: يعني صلاة العصر وصلاة الفجر. وقال ابن عباس: الصلوات الخمس.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِ ٱللهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَـٰهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ}، ما في قلوبهم، والصدر موضع القلب، فكنى به عن القلب لقرب الجوار، {إِلاَّ كِبْرٌ}، قال ابن عباس: ما يحملهم على تكذيبك إلاَّ ما في صدورهم من الكبر والعظمة، {مَّـاهُم بِبَـٰلِغِيهِ}، قال مجاهد: ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر، لأن الله عزّ وجلّ مذلهم.

قال ابن قتيبة: إنْ في صدورهم إلا تكبر على محمد صلى الله عليه وسلم، وطمع في أن يغلبوه وما هم ببالغي ذلك. قال أهل التفسير: نزلت في اليهود، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن صاحبنا المسيح بن داود - يعنون الدجال - يخرج في آخر الزمان، فيبلغ سلطانه البر والبحر، ويرد الملك إلينا، قال الله تعالى: {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ}، من فتنة الدجال، {إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}.

{لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، مع عظمهما، {أَكْـبَرُ}، أعظم في الصدور، {مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ}، أي: من إعادتهم بعد الموت، {وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ}، يعني الكفار، {لاَ يَعْلَمُونَ}، حيث لا يستدلون بذلك على توحيد خالقها. وقال قوم: "أكبر" أي: أعظم من خلق الدجال، {وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}، يعني اليهود الذي يخاصمون في أمر الدجال.

وروي عن هشام بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلقٌ أكبرُ من خلق الدجال".

أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبدالرحمن البزار، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن قتادة عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فذُكر الدجال. فقال:

إنَّ بين يديه ثلاثَ سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها، والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها، والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله، والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من البهائم إلا هلك، وإنّ من أشد فتنته أنه يأتي الأعرابي فيقول: أرأيتَ إن أحييتُ لك إبلك ألستَ تعلم أني ربُّك؟ قال: فيقول: بلى، فيتمثل له نحو إبله كأحسن ما يكون ضروعاً وأعظمه أسنمة، قال: ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه فيقول: أرأيتَ إن أحييت لك أباك وأخاك ألستَ تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيتمثل له الشياطين نحو أبيه ونحو أخيه. قالت: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته، ثم رجع والقوم في اهتمام وغمٍّ مما حدثهم، قالت: فأخذ بلحمتي الباب فقال: مهيم أسماء؟ فقلت: يا رسول الله لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال، قال: إن يخرج وأنا حيٌّ فأنا حجيجه، وإلاّ فإن ربي خليفتي على كل مؤمن، قالت أسماء فقلت: يا رسول الله والله إنا لنعجن عجيناً فما نخبزه حتى نجوع فكيف بالمؤمنين يومئذ؟ قال: يجزيهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح والتقديس".

وبهذا الإسناد قال: أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة، السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كاضطرام السعفة في النار".

أخبرنا أبو سعيد الطاهري، أخبرنا جدي عبدالصمد بن عبدالرحمن البزار، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الدبري، حدثنا عبدالرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال:

إني لأنذركموه، وما من نبي إلا أنذر قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور وإن الله ليس بأعور".

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا جويرية عن نافع عن عبدالله قال: ذُكر الدجال عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينيه، وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية".

أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر الجرجاني، أخبرنا عبدالغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا علي بن حجر، حدثنا شعيب ابن صفوان عن عبدالملك بن عُمير عن ربعي بن حراش عن عقبة بن عمرو بن مسعود الأنصاري قال: انطلقت معه إلى حذيفة بن اليمان فقال له عقبة: حدثني ما سمعتَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدجال؟ قال:

إن الدجال يخرج وإنَّ معه ماءً وناراً، فأما الذي يراه الناس ماءً فنارٌ تحرق، وأما الذي يراه الناس ناراً فماءٌ بارد عَذْبٌ، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه ناراً فإنه ماء عذب طيبفقال عقبة: وأنا قد سمعته تصديقاً لحذيفة.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثنا ابن الوليد، حدثنا ابن عمرو وهو الأوزاعي، حدثنا إسحاق، حدثني أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس من نِقَابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق".

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبدالله الطيسفوني، أخبرنا عبدالله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

يأتي المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة، حتى ينزل دُبُرَ أُحد، ثم تَصرِفُ الملائكة وجهه قَِبَلَ الشام، وهناك يهلك".

أخبرنا أبو سعيد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد البزار، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الدبري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفاً عليهم التِّيجان. ويرويه أبو أُمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مع الدجال يومئذ سبعون ألف يهودي كلهم ذو تاج وسيف محلى».

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَلَا ٱلْمُسِىٓءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ۝٥٨ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٥٩ وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ۝٦٠

قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلاَ ٱلْمُسِىۤءُ قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ}، قرأ أهل الكوفة "تتذكرون" بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء، لأن أول الآيات وآخرها خبر عن قوم. {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ}، أي: القيامة, {لأَتِيَـةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}.

{وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِىۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، أي: اعبدوني دون غيري أجِبْكم وأثِبْكم وأغفرْ لكم، فلما عبّر عن العبادة بالدعاء جعل الإِنابة استجابةً.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبدالجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن منصور، عن ذرٍ عن يُسيع الكندي عن النعمان بن بشير قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر:

إن الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: {ٱدْعُونِىۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَٰخِرِينَ}.

أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن علي الدورقي، حدثنا أبو الحسن علي بن يوسف الشيرازي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى القرشي ببغداد، حدثنا محمد بن عبيد بن العلاء، حدثنا أحمد بن بديل، حدثنا وكيع، حدثنا أبو المليح قال: سمعت أبا صالح يذكر عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

من لم يدعُ اللهَ غضبَ اللهُ عليه".

وقيل: الدعاء: هو الذكر والسؤال، {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَٰخِرِينَ}، قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأبو بكر: "سَيُدْخَلون" بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء، "داخرين" صاغرين ذليلين.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ۝٦١ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ۝٦٢ كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ۝٦٣ ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦٤ هُوَ ٱلْحَىُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦٥

{ٱللهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً إِنَّ ٱللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ * ذَلِكُـمُ ٱللهُ رَبُّـكُمْ خَـٰلِقُ كُـلِّ شَىْءٍ لآَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}.

{كَذَلِكَ}، يعني كما أفكتم عن الحق مع قيام الدلائل كذلك، {يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِـآيَـٰتِ ٱللهِ يَجْحَدُونَ}.

{ٱللهُ ٱلَّذِى جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً}، فراشاً، {وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً}، سقفاً كالقبة، {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ}، قال مقاتل: خلقكم فأحسن خلقكم. قال ابن عباس: خلق ابن آدم قائماً معتدلاً يأكل ويتناول بيده، وغير ابن آدم يتناول بفيه. {وَرَزَقَكُـم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ}، قيل: من غير رزق الدواب {ذَلِكُمُ ٱللهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَـٰرَكَ ٱللهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * هُوَ ٱلْحَىُّ لآَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، قال الفراء: هو خبر وفيه إضمار الأمر، مجازه: فادعوه واحمدوه. وروي عن مجاهد عن ابن عباس قال: من قال لا إله إلا الله فليقل على إثرها الحمد لله رب العالمين، فذلك قوله عزّ وجلّ: {فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}.

قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِىَ ٱلْبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦٦ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۝٦٧ هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٦٨ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ ۝٦٩ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِٱلْكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِۦ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ۝٧٠ إِذِ ٱلْأَغْلَٰلُ فِىٓ أَعْنَٰقِهِمْ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسْحَبُونَ ۝٧١

{قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللهِ لَمَّا جَآءَنِىَ ٱلْبَيِّنَـٰتُ مِن رَّبِّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، وذلك حين دعي إلى الكفر.

{هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً}، أي: أطفالاً، {ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قبلُ}، أي: من قبل أن يصير شيخاً، {وَلِتَبْلُغُوۤاْ}، جميعاً، {أَجَلاً مُّسَمًّى}، وقتاً معلوماً محدوداً لا تجاوزونه، يريد أجل الحياة إلى الموت، {وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ}، أي: لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته.

{هُوَ ٱلَّذِى يُحْيي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ * أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِ ٱللهِ}، يعني: القرآن، يقولون ليس من عند الله، {أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ}، كيف يصرفون عن دين الحق. قيل: هم المشركون. وعن محمد بن سيرين وجماعة: أنها نزلت في القدرية. {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَـٰبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِىۤ أَعْنَـٰقِهِمْ وٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ}, يجرون.

فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ ۝٧٢ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ ۝٧٣ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا۟ مِن قَبْلُ شَيْـًٔا كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٧٤ ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ۝٧٥ ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ۝٧٦ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ۝٧٧ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ ۝٧٨ ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَنْعَٰمَ لِتَرْكَبُوا۟ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ۝٧٩ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَلِتَبْلُغُوا۟ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ۝٨٠ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ فَأَىَّ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ ۝٨١ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٨٢ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٨٣ فَلَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشْرِكِينَ ۝٨٤ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِۦ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝٨٥

{فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ}، قال مقاتل: توقد بهم النار. وقال مجاهد: يصيرون وقوداً للنار.

{ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ ٱللهِ}؟ يعني الأصنام, {قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا}، فقدناهم فلا نراهم، {بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيئَاً}، قيل: أنكروا. وقيل: معناه بل لم نكن ندعو من قبل شيئاً ينفع ويضر. وقال الحسين بن الفضل: أي: لم نكن نصنع من قبل شيئاً، أي ضاعت عبادتنا لها، كما يقول مَنْ ضاعَ عمله: ما كنتُ أعمل شيئاً. قال الله عزّ وجلّ: {كَذَلِكَ} أي: كما أضل هؤلاء، {يُضِلُّ ٱللهُ ٱلْكَافِرِين}.

{ذَلِكُمْ} العذاب الذي نزل بكم، {بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ} تبطرون وتأشرون، {فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} تفرحون وتختالون.

{ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ * فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللهِ}، بنصرك، {حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بعضَ الذي نَعِدُهُمْ}، من العذاب في حياتك، {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ}، قبل أن يحل ذلك بهم، {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}.

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ}، خبرهم في القرآن، {وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ}، بأمر الله وإرادته {فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللهِ}، قضاؤه بين الأنبياء والأمم، {قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ}.

{ٱللهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَـٰمَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا}، بعضها، {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ}، في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها. {وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ}، تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد ولِتبلغوا عليها حاجاتكم، {وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ}، أي: على الإِبل في البر وعلى السفن في البحر، نظيره: قوله تعالى:

{ وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ }[الإسراء: 70].

{وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ}، دلائل قدرته، {فَأَىَّ ءَايَـٰتِ ٱللهِ تُنكِرُونَ}.

{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَاراً فِى ٱلأَرْضِ}، يعني: مصانعهم وقصورهم، {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم}، لم ينفعهم، {مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} وقيل: هو بمعنى الاستفهام، مجازه: أيُّ شيء أغنى عنهم كسبهم؟

{فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُواْ}، رضوا، {بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ}، قال مجاهد: هو قولهم نحن أعلم، لن نبعث ولن نعذب، سمي ذلك علماً على ما يدعونه ويزعمونه وهو في الحقيقة جهل. {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ * فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِٱللهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ}، يعني: تبرأنا مما كنّا نعدل بالله.

{فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}، عذابنا، {سُنَّتََ ٱللهِ}، قيل: نصبها بنزع الخافض، أي: كسنة الله. وقيل: على المصدر. وقيل: على الإغراء، أي: احذروا سنة الله، {ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ}، وتلك السنة أنهم إذا عاينوا عذاب الله آمنوا، ولا ينفعهم إيمانهم عند معاينة العذاب. {وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكافرون}، بذهاب الدارين، قال الزجاج: الكافر خاسر في كل وقت، ولكنه يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ