انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة غافر

تفسير القرطبيالآيات 1–33

تفسير سورة غافر آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

حمٓ ۝١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ۝٢ غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ۝٣ مَا يُجَٰدِلُ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلَٰدِ ۝٤

قوله تعالى: {حـمۤ } اختلف في معناه؛ فقال عكرمة: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

{حـمۤ } اسم من أسماء الله تعالى وهي مفاتيح خزائن ربكقال ابن عباس: «حمۤ» اسم الله الأعظم. وعنه: «الۤر» و«حمۤ» و«نۤ» حروف الرحمن مقطعة. وعنه أيضاً: اسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وقال قتادة؛ إنه اسم من أسماء القرآن. مجاهد: فواتح السور. وقال عطاء الخراساني: الحاء افتتاح اسمه حميدٌ وحنّانٌ وحليمٌ وحكيمٌ، والميم افتتاح اسمه ملكٌ ومجيدٌ ومنّانٌ ومتكبرٌ ومصوّرٌ؛ يدلّ عليه ما روى أنس أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما «حم» فإنا لا نعرفها في لساننا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بدء أسماء وفواتح سور». وقال الضحاك والكسائي: معناه قُضِي ما هو كائن. كأنه أراد الإشارة إلى تهجي «حمۤ»؛ لأنها تصير حُمَّ بضم الحاء وتشديد الميم؛ أي قُضِي ووَقَع. قال كعب بن مالك:

فلمّا تَلاَقَيْنا ودارت بِنَا الرَّحىولَيْسَ لأَمْرٍ حمَّه الله مَدْفَعُ

وعنه أيضاً: إن المعنى حُمَّ أمر الله أي قرب؛ كما قال الشاعر:

قد حُمَّ يومِي فسُرَّ قومٌقومٌ بهم غَفْلَةٌ ونَومٌ

ومنه سمّيت الحُمَّى؛ لأنها تقرّب من المنية. والمعنى المراد قرب نصره لأوليائه، وانتقامه من أعدائه كيوم بدر. وقيل: حروف هجاء؛ قال الجرمي: ولهذا تقرأ ساكنة الحروف فخرجت مخرج التهجي، وإذا سميّت سورة بشيء من هذه الحروف أعربت؛ فتقول قرأت «حۤم» فتنصب؛ قال الشاعر:

يُذَكِّرني حاميمَ والرُّمحُ شاجِرٌفهلاَّ تلا حاميمَ قَبْلَ التَّقدُّمِ

وقرأ عيسى بن عمر الثقفي: «حۤم» بفتح الميم على معنى اقرأ حم أو لالتقاء الساكنين. ابن أبي إسحاق وأبو السَّمَّال بكسرها. والإمالة والكسر لالتقاء الساكنين، أو على وجه القسم. وقرأ أبو جعفر بقطع الحاء من الميم. الباقون بالوصل. وكذلك في «حۤم. عَسَقۤ». وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان بالإمالة في الحاء. وروي عن أبي عمرو بين اللفظين وهي قراءة نافع وأبي جعفر وشيبة. الباقون بالفتح مشبعاً.

قوله تعالى: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ} ابتداء والخبر {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}. ويجوز أن يكون «تَنْزِيلُ» خبرا لمبتدأ محذوف؛ أي هذا «تَنْزِيلُ الْكِتَابِ». ويجوز أن يكون «حمۤ» مبتدأ و«تَنْزِيلُ» خبره والمعنى: أن القرآن أنزله الله وليس منقولاً ولا مما يجوز أن يكذّب به.

قوله تعالى: {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} قال الفراء: جعلها كالنعت للمعرفة وهي نكرة. وقال الزجاج: هي خفض على البدل. النحاس: وتحقيق الكلام في هذا وتلخيصه أن «غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ» يجوز أن يكونا معرفتين على أنهما لما مضى فيكونا نعتين، ويجوز أن يكونا للمستقبل والحال فيكونا نكرتين ولا يجوز أن يكونا نعتين على هذا ولكن يكون خفضهما على البدل، ويجوز النصب على الحال، فأما «شَدِيدِ الْعِقَابِ» فهو نكرة ويكون خفضه على البدل. قال ابن عباس: «غَافِرِ الذَّنْبِ» لمن قال: «لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله» «وَقَابِلِ التَّوْبِ» ممن قال: «لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله» «شَدِيدِ الْعِقَابِ» لمن لم يقل: «لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله». وقال ثابت البُنَاني: كنت إلى سرادق مُصْعَب بن الزبير في مكان لا تمر فيه الدواب، قال: فاستفتحت {حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } فمر عليّ رجل على دابة فلما قلت «غَافِرِ الذَّنْبِ» قال: قل يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي، فلما قلت: «قَابِلِ التوْبِ» قال: قل يا قابل التوب تقبل توبتي، فلما قلت: «شَدِيدِ الْعِقَابِ» قال: قل يا شديد العقاب اعف عني، فلما قلت: «ذِي الطَّوْلِ» قال: قل يا ذا الطول طُلْ عليّ بخير؛ فقمت إليه فَأُخِذَ ببصري، فالتفت يميناً وشمالاً فلم أر شيئاً. وقال أهل الإشارة: «غَافِرِ الذَّنْبِ» فضلاً «وَقَابِلِ التَّوْبِ» وعداً «شَدِيدِ الْعِقَابِ» عدلاً «لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ» فرداً. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه افتقد رجلاً ذا بأس شديد من أهل الشام؛ فقيل له: تتابع في هذا الشراب؛ فقال عمر لكاتبه: اكتب من عمر إلى فلان، سلام عليك، وأنا أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ * غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } ثم ختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحياً، ثم أمر مَن عنده بالدعاء له بالتوبة، فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول: قد وعدني الله أن يغفر لي، وحذّرني عقابه، فلم يبرح يردّدها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته. فلما بلغ عمر أمرُه قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زلّ زلّة فسدّدوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشياطين عليه. و«التَّوْب» يجوز أن يكون مصدر تاب يتوب توباً، ويحتمل أن يكون جمع توبة نحو دَوْمَة ودَوْم وعَزْمة وعَزْم؛ ومنه قوله:

فَـيَـخْـبـو سـاعَـةً ويَـهُـبُّ سـاعـا

ويجوز أن يكون التوب بمعنى التوبة. قال أبو العباس: والذي يسبق إلى قلبي أن يكون مصدراً؛ أي يقبل هذا الفعل، كما تقول قال قولاً، وإذا كان جمعاً فمعناه يقبل التوبات. {ذِي ٱلطَّوْلِ} على البدل وعلى النعت؛ لأنه معرفة. وأصل الطول الإنعام والتفضل يقال منه: اللهم طُلْ علينا أي أنعم وتفضل. قال ابن عباس: «ذِي الطَّوْلِ» ذي النعم. وقال مجاهد: ذي الغنى والسعة؛ ومنه قوله تعالى: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } [النساء: 25] أي غنى وسعة. وعن ابن عباس أيضاً: «ذِي الطَّوْلِ» ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله. وقال عكرمة: {ذِي ٱلطَّوْلِ} ذي المنّ. قال الجوهري: والطَّوْل بالفتح المنّ؛ يقال منه طال عليه وتطوّل عليه إذا امتن عليه. وقال محمد بن كعب: «ذِي الطَّوْلِ» ذي التفضل؛ قال الماوردي: والفرق بين المنّ والتفضل أن المنّ عفو عن ذنب. والتفضل إحسان غير مستحقّ. والطول مأخوذ من الطول كأنه طال بإنعامه على غيره. وقيل: لأنه طالت مدّة إنعامه. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي المرجع.

قوله تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} سجل سبحانه على المجادلين في آيات الله بالكفر، والمراد الجدال بالباطل، من الطعن فيها، والقصد إلى إدحاض الحق، وإطفاء نور الله تعالى. وقد دل على ذلك في قوله تعالى:

{ وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ } [غافر: 5]. فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها، ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها، ورد أهل الزيغ بها وعنها، فأعظم جهاد في سبيل الله. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» عند قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ } [البقرة: 258] مستوفى. {فَلاَ يَغْرُرْكَ} وقرىء: «فَلاَ يَغُرَّكَ» {تَقَلُّبُهُمْ} أي تصرفهم {فِي ٱلْبِلاَدِ} فإني وإن أمهلتهم لا أهملهم بل أعاقبهم. قال ابن عباس: يريد تجارتهم من مكة إلى الشام وإلى اليمن. وقيل: «لاَ يَغْرُرْكَ» ما هم فيه من الخير والسعة في الرزق فإنه متاع قليل في الدنيا. وقال الزجاج: «لاَ يَغْرُرْكَ» سلامتهم بعد كفرهم فإن عاقبتهم الهلاك. وقال أبو العالية: آيتان ما أشدّهما على الذين يجادلون في القرآن: قوله: «مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا»، وقوله: { وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ }[البقرة: 176].

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَٰدَلُوا۟ بِٱلْبَٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ۝٥ وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۝٦ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ۝٧ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٨ وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُۥ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝٩

قوله تعالى: {كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} على تأنيث الجماعة أي كذبت الرسل. {وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ} أي والأمم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب نحو عاد وثمود فمَن بعدهم. {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} أي ليحبسوه ويعذبوه. وقال قتادة والسدّي: ليقتلوه. والأخذ يرِد بمعنى الإهلاك؛ كقوله:

{ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } [الحج: 44]. والعرب تسمي الأسير الأخيذ؛ لأنه مأسور للقتل؛ وأنشد قطرب قول الشاعر:

فإمّا تأخُذونِي تَقْتُلونِيفكَمْ مِنْ آخِذٍ يَهْوَى خُلودِي

وفي وقت أخذهم لرسولهم قولان: أحدهما عند دعائه لهم. الثاني عند نزول العذاب بهم. {وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} أي ليزيلوا. ومنه مكان دَحْض أي مَزْلَقة، والباطل داحض؛ لأنه يزلق ويزل فلا يستقر. قال يحيـى بن سلاّم: جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان. {فَأَخَذْتُهُمْ} أي بالعذاب. {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} أي عاقبة الأمم المكذبة. أي أليس وجدوه حقاً.

قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ} أي وجبت ولزمت؛ مأخوذ من الحق لأنه اللازم. {كَلِمَةُ رَبِّكَ} هذه قراءة العامة على التوحيد. وقرأ نافع وابن عامر: «كَلِمَاتُ» جمعاً. {عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ} قال الأخفش: أي لأنهم وبأنهم. قال الزجاج: ويجوز إنهم بكسر الهمزة. {أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} أي المعذَّبون بها وتم الكلام. ثم ابتدأ فقال: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} ويروى: أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشراف الملائكة وأفضلهم. ففي الحديث:

أن الله تبارك وتعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة. ويقال: خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام. وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهلِّلين مكبِّرين، ومن ورائهم سبعون ألف صفّ قيام، قد وضعوا أيديهم على عواتقهم، ورافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صفّ، قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا وهو يسبّح بما لا يسبّح به الآخر. وقرأ ابن عباس: «الْعُرْشُ» بضم العين؛ ذكر جميعه الزمخشري رحمه الله. وقيل: اتصل هذا بذكر الكفار؛ لأن المعنى ـ والله أعلم ـ {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} ينزهون الله عز وجل عما يقوله الكفار {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} أي يسألون لهم المغفرة من الله تعالى. وأقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير، وأنه جسم مُجَسَّم خلقه الله عز وجل، وأمر ملائكة بحمله، وتَعبَّدهم بتعظيمه والطواف به؛ كما خلق في الأرض بيتاً وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة. وروى ابن طَهْمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أذن لي أن أحدّث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسير سبعمائة عام ذكره البيهقي وقد مضى في «البقرة» في آية الكرسي عظم العرش وأنه أعظم المخلوقات. وروى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن كعب الأحبار أنه قال: لما خلق الله تعالى العرش قال: لن يخلق الله خلقاً أعظم مني؛ فاهتز فطوّقه الله بحية، للحية سبعون ألف جناح، في الجناح سبعون ألف ريشة، في كل ريشة سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان. يخرج من أفواهها في كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر، وعدد ورق الشجر، وعدد الحصى والثرى، وعدد أيام الدنيا، وعدد الملائكة أجمعين، فالتَوَت الحية بالعرش، فالعرش إلى نصف الحية وهي ملتوية به. وقال مجاهد: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظُلْمة، وحجاب نور وحجاب ظلمة. {رَبَّنَا} أي يقولون {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، فلما نقل الفعل عن الرحمة والعلم نصب على التفسير. {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ} أي من الشرك والمعاصي {وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} أي دين الإسلام. {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} أي اصرفه عنهم حتى لا يصل إليهم. قال إبراهيم النخعي: كان أصحاب عبد الله يقولون الملائكة خير من ابن الكَوَّاء؛ هم يستغفرون لمن في الأرض وابن الكَوَّاء يشهد عليهم بالكفر، قال إبراهيم: وكانوا يقولون لا يحجبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة. وقال مطرِّف بن عبد الله: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشيطان، وتلا هذه الآية. وقال يحيـى بن معاذ الرازي لأصحابه في هذه الآية: افهموها فما في العالم جنة أرجى منها؛ إن مَلَكاً واحداً لو سأل الله أن يغفر لجميع المؤمنين لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة وحَمَلة العرش يستغفرون للمؤمنين. وقال خلف بن هشام البزار القارىء: كنت أقرأ على سليم بن عيسى فلما بلغت: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} بكى ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على الله نائماً على فراشه والملائكة يستغفرون له.

قوله تعالى: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ} يروى أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار: ما جنات عدن. قال: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. {ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ} «التي» في محل نصب نعتاً للجنات. {وَمَن صَـلَحَ} «مَنْ» في محل نصب عطفاً على الهاء والميم في قوله: «وَأَدْخِلْهُمْ». «وَمَنْ صَلَحَ» بالإيمان {مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} وقد مضى في «الرعد» نظير هذه الآية. قال سعيد بن جُبير: يدخل الرجل الجنة، فيقول: يا رب أين أبي وجدّي وأمي؟ وأين ولدي وولد ولدي؟ وأين زوجاتي؟ فيقال إنهم لم يعملوا كعملك؛ فيقول: يا رب كنت أعمل لي ولهم؛ فيقال أدخلوهم الجنة. ثم تلا: {ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} إلى قوله: {وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ}. ويقرب من هذه الآية قوله:

{ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ }[الطور: 21]. قوله تعالى: {وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ} قال قتادة: أي وقهم ما يسوءهم، وقيل: التقدير وقهم عذاب السيئات وهو أَمْرٌ من وقاه الله يقيه وقاية بالكسر؛ أي حفظه. {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} أي بدخول الجنة {وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي النجاة الكبيرة.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلْإِيمَٰنِ فَتَكْفُرُونَ ۝١٠ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ۝١١ ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ ۝١٢

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ} قال الأخفش: «لمَقْتُ» هذه لام الابتداء وقعت بعد «يُنَادَوْنَ» لأن معناه يقال لهم والنداء قول. وقال غيره: المعنى يقال لهم: «لَمَقْتُ اللَّهِ» إياكم في الدنيا {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} «أَكْبَرُ» من مقت بعضكم بعضاً يوم القيامة؛ لأن بعضهم عادى بعضاً ومقته يوم القيامة، فأذعنوا عند ذلك، وخضعوا وطلبوا الخروج من النار. وقال الكلبي: يقول كل إنسان من أهل النار لنفسه مقتك يا نفس؛ فتقول الملائكة لهم وهم في النار: لمقت الله إياكم إذ أنتم في الدنيا وقد بعث إليكم الرسل فلم تؤمنوا أشد من مقتكم أنفسكم اليوم. وقال الحسن: يعطون كتابهم فإذا نظروا إلى سيئاتهم مقتوا أنفسهم فينادون «لَمَقْتُ اللَّهِ» إياكم في الدنيا {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} {أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ} اليوم. وقال معناه مجاهد. وقال قتادة: المعنى «لَمَقْتُ اللَّهِ» لكم «إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ» «أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ» إذ عاينتم النار. فإن قيل: كيف يصح أن يمقتوا أنفسهم؟ ففيه وجهان: أحدهما أنهم أحلوها بالذنوب محل الممقوت. الثاني أنهم لما صاروا إلى حال زال عنهم الهوى، وعلموا أن نفوسهم هي التي أبقتهم في المعاصي مقتوها. وقال محمد بن كعب القرظي: إن أهل النار لما يئسوا مما عند الخزنة وقال لهم مالك:

{ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ } [الزخرف: 77] على ما يأتي. قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء! إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما قد ترون، فهلّم فلنصبر فلعل الصبر ينفعنا، كما صبر أهل الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا، فأجمعوا رأيهم على الصبر فصبروا فطال صبرهم، ثم جزعوا فنادوا { سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ }[إبراهيم: 21] أي من ملجأ؛ فقال إبليس عند ذلك: { إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ }[إبراهيم: 22] إلى قوله: { مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ }[إبراهيم: 22] يقول: بمغن عنكم شيئاً { إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ }[إبراهيم: 22] فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم. قال: فنودوا {لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} إلى قوله: {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} قال فردّ عليهم: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ } ذكره ابن المبارك.

قوله تعالى: {قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ} اختلف أهل التأويل في معنى قولهم: {أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} فقال ابن مسعود وابن عباس وقتادة والضحاك: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها في الدنيا، ثم أحياهم للبعث والقيامة، فهاتان حياتان وموتتان، وهو قوله تعالى:

{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ }[البقرة: 28]. وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحياهم في القبور للمسألة، ثم أميتوا ثم أحيوا في الآخرة. وإنما صار إلى هذا؛ لأن لفظ الميت لا ينطلق في العرف على النطفة. واستدل العلماء من هذا في إثبات سؤال القبر، ولو كان الثواب والعقاب للروح دون الجسد فما معنى الإحياء والإماتة؟ والروح عند من يقصر أحكام الآخرة على الأرواح لا تموت ولا تتغير ولا تفسد، وهو حيّ لنفسه لا يتطرّق إليه موت ولا غشية ولا فناء. وقال ابن زيد في قوله: {رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ} الآية قال: خلقهم في ظهر آدم وأخرجهم وأحياهم وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم ثم أحياهم في الدنيا ثم أماتهم. وقد مضى هذا في «البقرة». {فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} اعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف وندموا حيث لا ينفعهم الندم. {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} أي هل نردّ إلى الدنيا لنعمل بطاعتك؛ نظيره: { هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ } [الشورى: 44] وقوله: { فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً } [السجدة: 12] وقوله: { يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ } [الأنعام: 27] الآية.

قوله تعالى: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ} «ذَلِكُمْ» في موضع رفع أي الأمر «ذَلِكُمْ» أو «ذَلِكُم» العذاب الذي أنتم فيه بكفركم. وفي الكلام متروك تقديره فأجيبوا بأن لا سبيل إلى الرد. وذلك لأنكم «إِذَا دُعِيَ اللَّهُ» أي وُحِّد الله «وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ» وأنكرتم أن تكون الألوهية له خاصة، وإن أشرك به مشرك صدقتموه وآمنتم بقوله. قال الثعلبي: وسمعت بعض العلماء يقول: {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ} بعد الرد إلى الدنيا لو كان {تُؤْمِنُواْ} تصدّقوا المشرك؛ نظيره: «وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه». {فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ} عن أن تكون له صاحبة أو ولد.

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ۝١٣ فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝١٤ رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ ۝١٥ يَوْمَ هُم بَٰرِزُونَ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ ۝١٦ ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝١٧

قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ} أي دلائل توحيده وقدرته {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً} جمع بين إظهار الآيات وإنزال الرزق؛ لأن بالآيات قوام الأديان، وبالرزق قوام الأبدان. وهذه الآيات هي السموات والأرضون وما فيهما وما بينهما من الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والبخار والأنهار والعيون والجبال والأشجار وآثار قوم هلكوا. {وَمَا يَتَذَكَّرُ} أي ما يتعظ بهذه الآيات فيوحد الله {إِلاَّ مَن يُنِيبُ} أي يرجع إلى طاعة الله. {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ} أي اعبدوه {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي العبادة. وقيل: الطاعة. {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} عبادة الله فلا تعبدوا أنتم غيره.

قوله تعالى: {رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ} «ذُو الْعَرْشِ» على إضمار مبتدأ. قال الأخفش: ويجوز نصبه على المدح. ومعنى «رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ» أي رفيع الصفات. وقال ابن عباس والكلبي وسعيد بن جبير: رفيع السموات السبع. وقال يحيـى بن سلام: هو رفعة درجة أوليائه في الجنة فـ«ـرَفِيعُ» على هذا بمعنى رافع فعِيل بمعنى فاعل. وهو على القول الأول من صفات الذات، ومعناه الذي لا أرفع قدراً منه، وهو المستحق لدرجات المدح والثناء، وهي أصنافها وأبوابها لا مستحق لها غيره؛ قاله الحليمي. وقد ذكرناه في «الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» والحمد لله. «ذُو الْعَرْشِ» أي خالقه ومالكه لا أنه محتاج إليه. وقيل: هو من قولهم: ثُلَّ عرشُ فلان أي زال ملكه وعزه، فهو سبحانه {ذُو ٱلْعَرْشِ} بمعنى ثبوت ملكه وسلطانه وقد بيّناه في «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى». {يُلْقِي ٱلرُّوحَ} أي الوحي والنبوة «عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ»، وسمي ذلك روحاً لأن الناس يحيون به؛ أي يحيون من موت الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح. وقال ابن زيد: الروح القرآن؛ قال الله تعالى:

{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا }[الشورى: 52]. وقيل: الروح جبريل؛ قال الله تعالى: { نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ }[الشعراء: 193] وقال: { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ } [النحل: 102]. {مِنْ أَمْرِهِ} أي من قوله. وقيل: من قضائه. وقيل: «مِنْ» بمعنى الباء أي بأمره. {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} وهم الأنبياء يشاء هو أن يكونوا أنبياء وليس لأحد فيهم مشيئة. {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} أي إنما يبعث الرسول لإنذار يوم البعث. فقوله: {لِيُنذِرَ} يرجع إلى الرسول. وقيل: أي لينذر الله ببعثه الرسل إلى الخلائق «يَوْمَ التَّلاَقِ». وقرأ ابن عباس والحسن وابن السَّمَيْقَع «لِتُنْذِرَ» بالتاء خطاباً للنبي عليه السلام. «يَوْمَ التَّلاَقِ» قال ابن عباس وقتادة: يوم تلتقي أهل السماء وأهل الأرض. وقال قتادة أيضاً وأبو العالية ومقاتل: يلتقي فيه الخلق والخالق. وقيل: العابدون والمعبودون. وقيل: الظالم والمظلوم. وقيل: يلقى كل إنسان جزاء عمله. وقيل: يلتقي الأولون والآخرون على صعيد واحد؛ روي معناه عن ابن عباس. وكله صحيح المعنى. {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ} يكون بدلاً من يوم الأول. وقيل: «هُمْ» في موضع رفع بالابتداء و«بَارِزُونَ» خبره والجملة في موضع خفض بالإضافة؛ فلذلك حذف التنوين من «يَوْمَ» وإنما يكون هذا عند سيبويه إذا كان الظرف بمعنى إذ؛ تقول لقيتك يومَ زيدٌ أميرٌ. فإن كان بمعنى إذا لم يجز نحو أنا ألقاك يومَ زيدٌ أميرٌ. ومعنى: «بَارِزُونَ» خارجون من قبورهم لا يسترهم شيء؛ لأن الأرض يومئذٍ قاع صفصف لا عوج فيها ولا أمْتاً على ما تقدّم في «طه» بيانه. {لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} قيل: إن هذا هو العامل في «يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ» أي لا يخفى عليه شيء منهم ومن أعمالهم «يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ». {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} وذلك عند فناء الخلق. وقال الحسن: هو السائل تعالى وهو المجيب؛ لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجبيه فيجيب نفسه سبحانه فيقول: {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}. النحاس: وأصح ما قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله جل وعز عليها، فيؤمر منادٍ ينادي «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْم» فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم «لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ» فيقول المؤمنون هذا (الجواب) سروراً وتلذذاً، ويقوله الكافرون غماً وانقياداً وخضوعاً. فأما أن يكون هذا والخلق غير موجودين فبعيد؛ لأنه لا فائدة فيه، والقول صحيح عن ابن مسعود وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل.

قلت: والقول الأول ظاهر جداً؛ لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدَّعين وانتساب المنتسبين؛ إذ قد ذهب كلّ مَلِك ومُلْكه ومتكبّر وملكه وانقطعت نسبهم ودعاويهم، ودلّ على هذا قوله الحق عند قبض (الأرض) والأرواح وطيّ السماء:

«أنا الملِك أين ملوك الأرض» كما تقدّم في حديث أبي هريرة وفي حديث ابن عمر: ثم يطوي الأرض بشماله (والسموات بيمينه)، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون. وعنه قوله سبحانه: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} هو انقطاع زمن الدنيا وبعده يكون البعث والنشر. قال محمد بن كعب قوله سبحانه: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} (يكون) بين النفختين حين فني الخلائق وبقي الخالق فلا يرى غير نفسه مالكاً ولا مملوكاً فيقول: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ» فلا يجيبه أحد؛ لأن الخلق أموات فيجيب نفسه فيقول: {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} لأنه بقي وحده وقهر خلقه. وقيل: إنه ينادي منادٍ فيقول: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ» فيجيبه أهل الجنة: {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} فالله أعلم. ذكره الزمخشري.

قوله تعالى: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ} أي يقال لهم إذا أقروا بالملك يومئذٍ لله وحده «الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ» من خير أو شر. {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ} أي لا ينقص أحد شيئاً مما عمله. {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي لا يحتاج إلى تفكر وعقد يدٍ كما يفعله الحسَّاب؛ لأنه العالم الذي لا يعزب عن عمله شيء فلا يؤخر جزاء أحد للاشتغال بغيره؛ وكما يرزقهم في ساعة واحدة يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة». وفي الخبر: ولا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْـَٔازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ۝١٨ يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ ۝١٩ وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ۝٢٠ أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ ۝٢١ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُوا۟ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُۥ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝٢٢

قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} أي يوم القيامة. سميّت بذلك لأنها قريبة؛ إذ كل ما هو آتٍ قريب. وأزفَ فلانٌ أي قرب يَأْزَفُ أَزْفاً؛ قال النابغة:

أَزِف التَّرحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكابَنَالَمَّا تَزَلْ بِرحالِنا وَكأَن قَدِ

أي قرب. ونظير هذه الآية: { أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ }[النجم: 57] أي قربت الساعة. وكان بعضهم يتمثل ويقول:

أَزِفَ الرَّحِيلُ ولَيْسَ لِي مِن زَادِغَيْر الذُّنُوب لِشِقْوَتِي ونَكَادِي

{إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} على الحال وهو محمول على المعنى. قال الزجاج: المعنى إذ قلوب الناس «لَدَى الْحَنَاجِرِ» في حال كظمهم. وأجاز الفراء أن يكون التقدير «وَأَنْذِرْهُمْ» كَاظِمِينَ. وأجاز رفع «كَاظِمِينَ» على أنه خبر للقلوب. وقال: المعنى إذ هم كاظمون. وقال الكسائي: يجوز رفع {كَاظِمِينَ} على الابتداء. وقد قيل: إن المراد بـ«ـيوم الآزِفَةِ» يوم حضور المنية؛ قاله قطرب. وكذا {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} عند حضور المنية. والأوّل أظهر. وقال قتادة: وقعت في الحناجر من المخافة فهي لا تخرج ولا تعود في أمكنتها، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة كما قال: { وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ }[إبراهيم: 43]. وقيل: هذا إخبار عن نهاية الجزع؛ كما قال: { وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } [الأحزاب: 10] وأضيف اليوم إلى {ٱلآزِفَةُ} على تقدير يوم القيامة {ٱلآزِفَةُ} أو يوم المجادلة {ٱلآزِفَةُ}. وعند الكوفيين هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه مثل مسجد الجامع وصلاة الأولى. {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} أي من قريب ينفع {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} فيشفع فيهم.

قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} قال المؤرج: فيه تقديم وتأخير أي يعلم الأعين الخائنة. وقال ابن عباس: هو الرجل يكون جالساً مع القوم فتمرّ المرأة فيسارقهم النظر إليها. وعنه: هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غَضَّ بصرَه، فإذا رأى منهم غفلة تدسَّسَ بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غَضّ بصره، وقد علم الله عز وجل منه أنه يودّ لو نظر إلى عورتها. وقال مجاهد: هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. وقال قتادة: هي الهَمْزة بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى. وقال الضحاك: هي قول الإنسان ما رأيت وقد رأى أو رأيت وما رأى. وقال السدي: إنها الرَّمْز بالعين. وقال سفيان: هي النظرة بعد النظرة. وقال الفراء: «خَائِنَةَ الأَعْيُنِ» النظرة الثانية «وَما تُخْفِي الصُّدُورُ» النظرة الأولى. وقال ابن عباس: «وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ» أي هل يزني بها لو خلا بها أو لا. وقيل: «وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ» تكنّه وتضمره.

ولما جيء بعبد الله بن أبي سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد ما اطمأن أهل مكة وطلب له الأمان عثمان رضي الله عنه، صَمت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم طويلاً ثم قال: «نعم» فلما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله: «ما صَمَتُّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه» فقال رجل من الأنصار فهلاَّ أومأتَ إليّ يا رسول الله؛ فقال: «إن النبي لا تكون له خائنة أعين». {وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ} أي يجازي من غَضَّ بصرَه عن المحارم، ومن نظر إليها، ومن عزم على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعني الأوثان {لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} لأنها لا تعلم شيئاً ولا تقدر عليه ولا تملك. وقراءة العامة بالياء على الخبر عن الظالمين وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ نافع وشيبة وهشام: «تَدْعُونَ» بالتاء. {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} «هو» زائدة فاصلة. ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء وما بعدها خبر والجملة خبر إن.

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ} في موضع جزم عطف على «يَسِيرُوا» ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنه جواب؛ والجزم والنصب في التثنية والجمع واحد. {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} اسم كان والخبر في «كيْفَ». و{واقٍ} في موضع خفض معطوف على اللفظ. ويجوز أن يكون في موضع رفع على الموضع فرفعه وخفضه واحد؛ لأن الياء تحذف وتبقى الكسرة دالة عليها وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في غير موضع فأغنى عن الإعادة.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝٢٣ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُوا۟ سَٰحِرٌ كَذَّابٌ ۝٢٤ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ ٱقْتُلُوٓا۟ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ وَٱسْتَحْيُوا۟ نِسَآءَهُمْ وَمَا كَيْدُ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ ۝٢٥ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ ۝٢٦ وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ۝٢٧

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا} وهي التسع الآيات المذكورة في قوله تعالى:

{ { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ }[الإسراء:101] وقد مضى تعيينها. {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي بحجة واضحة بينة، وهو يذكر ويؤنث. وقيل: أراد بالسلطان التوراة. {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ} خصهم بالذكر لأن مدار التدبير في عداوة موسى كان عليهم؛ ففرعون الملك وهامان الوزير وقارون صاحب الأموال والكنوز فجمعه الله معهما؛ لأن عمله في الكفر والتكذيب كأعمالهما. {فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ} لما عجزوا عن معارضته حملوا المعجزات على السحر.

قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا} وهي المعجزة الظاهرة {قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} قال قتادة: هذا قتل غير القتل الأول؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان بعد ولادة موسى، فلما بعث الله موسى أعاد القتل على بني إسرائيل عقوبة لهم فيمتنع الإنسان من الإيمان؛ ولئلا يكثر جمعهم فيعتضدوا بالذكور من أولادهم، فشغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب، كالضفادع والقمّل والدّم والطوفان إلى أن خرجوا من مصر، فأغرقهم الله. وهذا معنى قوله تعالى: {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} أي في خسران وهلاك، وإن الناس لا يمتنعون من الإيمان وإن فعل بهم مثل هذا فكيده يذهب باطلاً.

قوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} «أَقْتُلْ» جزم؛ لأنه جواب الأمر «وَلْيَدْعُ» جزم؛ لأنه أمر و«ذَرُونِي» ليس بمجزوم وإن كان أمراً ولكن لفظه لفظ المجزوم وهو مبني. وقيل: هذا يدلّ على أنه قيل لفرعون: إنا نخاف أن يدعو عليك فيجاب؛ فقال: «وَلْيَدْعُ رَبَّهُ» أي لا يهولنّكم ما يذكر من ربه فإنه لا حقيقة له وأنا ربكم الأعلى. {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ} أي عبادتكم لي إلى عبادة ربه {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} إن لم يبدل دينكم فإنه يظهر في الأرض الفساد. أي يقع بين الناس بسببه الخلاف. وقراءة المدنيين وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ وابن عامر وأبي عمرو: «وَأَنْ يُظْهِرَ في الأَرْضِ الْفَسَادَ» وقراءة الكوفيين «أَوْ أَنْ يَظْهَر» بفتح الياء «الْفَسَادُ» بالرفع وكذلك هي في مصاحف الكوفيين: «أو» بألف وإليه يذهب أبو عبيد؛ قال: لأن فيه زيادة حرف وفيه فصل؛ ولأن «أو» تكون بمعنى الواو. النحاس: وهذا عند حُذَّاق النحويين لا يجوز أن تكون بمعنى الواو؛ لأن في ذلك بطلان المعاني، ولو جاز أن تكون بمعنى الواو لما احتيج إلى هذا هاهنا؛ لأن معنى الواو «إِنِّي أَخَافُ» الأمرين جميعاً ومعنى «أَوْ» لأحد الأمرين أي «إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ» فإن أعوزه ذلك أظهر في الأرض الفساد. قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ} لما هدده فرعون بالقتل استعاذ موسى بالله {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ} أي متعظم عن الإيمان بالله، وصفتُه أنه {لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ}.

وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ۝٢٨

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ} ذكر بعض المفسرين: أن اسم هذا الرجل حبيب. وقيل: شمعان بالشين المعجمة. قال السُّهيلي: وهو أصح ما قيل فيه. وفي تاريخ الطبري رحمه الله: اسمه خبرك. وقيل: حزقيل. ذكره الثعلبي عن ابن عباس وأكثر العلماء. الزمخشري: واسمه سمعان أو حبيب. وقيل: خربيل أو حزبيل. واختلف هل كان إسرائيلياً أو قبطياً فقال الحسن وغيره: كان قبطياً. ويقال: إنه كان ابن عم فرعون؛ قاله السدي. قال: وهو الذي نجا مع موسى عليه السلام؛ ولهذا قال: «مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ» وهذا الرجل هو المراد بقوله تعالى:

{ وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يٰمُوسَىٰ } [القصص: 20] الآية. وهذا قول مقاتل. وقال ابن عباس: لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال: {إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ}.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

الصِّدِّيقون حبيب النجار مؤمن آل يس ومؤمن آل فرعون الذي قال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله والثالث أبو بكر الصِّدِّيق وهو أفضلهم وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا تعجب من مشركي قومك. وكان هذا الرجل له وجاهة عند فرعون؛ فلهذا لم يتعرض له بسوء. وقيل: كان هذا الرجل من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون؛ عن السّدي أيضاً. ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير، والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون. فمن جعل الرجل قبطياً فـ«ـمِن» عنده متعلقة بمحذوف صفة لرجل؛ التقدير: وقال رجل مؤمن منسوب من آل فرعون؛ أي من أهله وأقاربه. ومن جعله إسرائيليا فـ«ـمِن» متعلقة بـ«ـيكتم» في موضع المفعول الثاني لـ«ـيكتم». القشيري: ومن جعله إسرائيلياً ففيه بعد؛ لأنه يقال كتمه أمر كذا ولا يقال كتم منه. قال الله تعالى: { وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً } [النساء: 42] وأيضاً ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثل هذا القول.

الثانية: قوله تعالى: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ} أي لأن يقول ومن أجل «أَنْ يَقُول ربِّيَ اللَّهُ» فـ«ـأَنْ» في موضع نصب بنزع الخافض. {وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} يعني الآيات التسع {مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} ولم يكن ذلك لشك منه في رسالته وصدقه، ولكن تلطفاً في الاستكفاف واستنزالاً عن الأذى. ولو كان و«إِنْ يكن» بالنون جاز ولكن حذفت النون لكثرة الاستعمال على قول سيبويه؛ ولأنها نون الإعراب على قول أبي العباس. {وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ} أي إن لم يصبكم إلا بعض الذي يعدكم به هلكتم. ومذهب أبي عبيدة أن معنى «بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ» كل الذي يعدكم وأنشد قول لبيد:

تَرَّاكُ أمكِنَةٍ إذا لم أَرْضَهَاأو يَرْتَبْطِ بعْضَ النفوسِ حِمَامُها

فبعض بمعنى كلّ؛ لأن البعض إذا أصابهم أصابهم الكل لا محالة لدخوله في الوعيد، وهذا ترقيق الكلام في الوعظ. وذكر الماوردي: أن البعض قد يستعمل في موضع الكل تلطفاً في الخطاب وتوسعاً في الكلام؛ كما قال الشاعر:

قَدْ يُدْرِك المتأَنّي بعض حَاجتِهِوقد يكون مَعَ المسْتَعجِلِ الزَّلَلُ

وقيل أيضاً: قال ذلك لأنه حذرهم أنواعاً من العذاب كل نوع منها مهلك؛ فكأنه حذرهم أن يصيبهم بعض تلك الأنواع. وقيل: وعدهم موسى بعذاب الدنيا أو بعذاب الآخرة إن كفروا؛ فالمعنى يصبكم أحد العذابين. وقيل: أي يصبكم هذا العذاب الذي يقوله في الدنيا وهو بعض الوعيد، ثم يترادف العذاب في الآخرة أيضاً. وقيل: وعدهم العذاب إن كفروا والثواب إن آمنوا، فإذا كفروا يصيبهم بعض ما وعدوا. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} (على نفسه) {كَذَّابٌ} على ربه إشارة إلى موسى ويكون هذا من قول المؤمن. وقيل: «مُسْرِفٌ» في عناده «كَذَّابٌ» في ادعائه إشارة إلى فرعون ويكون هذا من قول الله تعالى

الثالثة: قوله تعالى: {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} قال القاضي أبو بكر بن العربي: ظن بعضهم أن المكلف إذا كتم إيمانه ولم يتلفظ به بلسانه لا يكون مؤمناً باعتقاده، وقد قال مالك: إن الرجل إذا نوى بقلبه طلاق زوجته أنه يلزمه، كما يكون مؤمناً بقلبه وكافراً بقلبه. فجعل مدار الإيمان على القلب وأنه كذلك، لكن ليس على الإطلاق وقد بيناه في أصول الفقه؛ بما لبابه أن المكلف إذا نوى الكفر بقلبه كان كافراً وإن لم يتلفظ بلسانه، وأما إذا نوى الإيمان بقلبه فلا يكون مؤمناً بحال حتى يتلفظ بلسانه، ولا تمنعه التقية والخوف من أن يتلفظ بلسانه فيما بينه وبين الله تعالى، إنما تمنعه التقية من أن يسمعه غيره، وليس من شرط الإيمان أن يسمعه الغير في صحته من التكليف، وإنما يشترط سماع الغير له ليكف عن نفسه وماله.

الرابعة: روى البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} لفظ البخاري. خرجه الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال: اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث فأرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل هذا يجؤه وهذا يتلتله، فاستغاث النبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ فلم يغثه أحد إلا أبو بكر وله ضفيرتان، فأقبل يجأ ذا ويتلتل ذا ويقول بأعلى صوته: ويلكم {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ} والله إنه لرسول الله؛ فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذٍ. فقال عليّ: والله ليوم أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون؛ إن ذلك رجل كتم إيمانه، فأثنى الله عليه في كتابه، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل ماله ودمه لله عز وجل.

قلت: قول عليّ رضي الله عنه إن ذلك رجل كتم إيمانه يريد في أول أمره بخلاف الصدّيق فإنه أظهر إيمانه ولم يكتمه؛ وإلا فالقرآن مصرح بأن مؤمن آل فرعون أظهر إيمانه لما أرادوا قتل موسى عليه السلام على ما يأتي بيانه. في «نوادر الأصول» أيضاً عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالوا لها: ما أشدّ شيءٍ رأيتِ المشركين بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان المشركون قعوداً في المسجد، ويتذاكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقول في آلهتهم، فبيناهم كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاموا إليه بأجمعهم وكانوا إذا سألوه عن شيء صدَقهم، فقالوا: ألست تقول كذا في آلهتنا قال: «بلى» فتشبثوا فيه بأجمعهم فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال له: أدرك صاحبك. فخرج من عندنا وإن له غدائر، فدخل المسجد وهو يقول: «ويلكم {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} فلهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئاً من غدائره إلا جاء معه، وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام؛ إكرام إكرام.

يَٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ۝٢٩ وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ ۝٣٠ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ۝٣١ وَيَٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ ۝٣٢ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ۝٣٣

قوله تعالى: {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ} هذا من قول مؤمن آل فرعون، وفي قوله: «يَا قَوْمِ» دليل على أنه قبطي، ولذلك أضافهم إلى نفسه فقال: «يَا قَوْمِ» ليكونوا أقرب إلى قبول وعظه «لَكُمُ الْمُلْكُ» فاشكروا الله على ذلك. {ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ} أي غالبين وهو نصب على الحال أي في حال ظهوركم. والمراد بالأرض أرض مصر في قول السدي وغيره؛ كقوله:

{ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ } [يوسف: 56] أي في أرض مصر. {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا} أي من عذاب الله تحذيراً لهم من نقمه إن كان موسى صادقاً، فذكر وحذر فعلم فرعون ظهور حجته فقال: {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ}. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما أشير عليكم إلا ما أرى لنفسي {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} في تكذيب موسى والإيمان بي.

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ} زادهم في الوعظ {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ } يعني أيام العذاب التي عذب فيها المتحزبون على الأنبياء المذكورين فيما بعد.

قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ } زاد في الوعظ والتخويف وأفصح عن إيمانه، إما مستسلماً موطناً نفسه على القتل، أو واثقاً بأنهم لا يقصدونه بسوء، وقد وقاه الله شرهم بقوله الحق {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ}. وقراءة العامة «التناد» بتخفيف الدال وهو يوم القيامة؛ قال أمية بن أبي الصَّلت:

وبَثَّ الخلْق فيها إِذْ دَحاهافَهُمْ سُكَّانُها حتّى التَّنَاد

سمي بذلك لمناداة الناس بعضهم بعضاً؛ فينادي أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار: { أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً }[الأعراف: 44] وينادي أصحاب النار (أصحاب الجنة): { أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ }[الأعراف: 50] وينادي المنادي أيضاً بالشقوة والسعادة: ألا إن فلان بن فلان قد شقى شقاوة لا يسعد بعدها أبداً، ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً. وهذا عند وزن الأعمال. وتنادي الملائكة أصحاب الجنة { أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الأعراف: 43] وينادي حين يذبح الموت: يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت. وينادي كل قوم بإمامهم إلى غير ذلك من النداء. وقرأ الحسن وابن السميقع ويعقوب وابن كثير ومجاهد: «يوم التَّنَاد» بإثبات الياء في الوصل والوقف على الأصل. وقرأ ابن عباس والضحاك وعكرمة «يوم التَّنَادِّ» بتشديد الدال. قال بعض أهل العربية: هذا لحن؛ لأنه من نَدَّ يَنِدّ إذا مَرَّ على وجهه هارباً؛ كما قال الشاعر:

وبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أثارتْ مَخَافتِينَواديهَا أسْعى بِعَضْبٍ مُجَرَّدِ

قال: فلا معنى لهذا في القيامة. قال أبو جعفر النحاس: وهذا غلط والقراءة بها حسنة على معنى يوم التنافر. قال الضحاك: ذلك إذا سمعوا زفير جهنم ندّوا هرباً، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفاً من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه؛ فذلك قوله: {يَوْمَ ٱلتَّنَادِ}. وقوله: { يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }[الرحمن: 33] الآية. وقوله: { وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ }[الحاقة: 17] ذكره ابن المبارك بمعناه. قال: وأخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدّثنا عبد الجبار بن عبيد الله بن سلمان في قوله (تعالى): {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} ثم تستجيب لهم أعينهم بالدمع فيبكون حتى ينفد الدمع، ثم تستجيب لهم أعينهم بالدم فيبكون حتى ينفد الدم، ثم تستجيب لهم أعينهم بالقيح. قال: يرسل عليهم من الله أمر فيولون مدبرين، ثم تستجيب لهم أعينهم بالقيح، فيبكون حتى ينفد القيح فتغور أعينهم كالخرق في الطين. وقيل: إن هذا يكون عند نفخ إسرافيل عليه السلام في الصور نفخة الفزع. ذكره علي بن معبد والطبري وغيرهما من حديث أبي هريرة، وفيه: فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج فيميد الناس على ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل ما في بطونها وتشيب الولدان وتتطاير الشياطين هاربة فتلقاها الملائكة تضرب وجوهها ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضاً وهي التي يقول الله تعالى: {يَوْمَ ٱلتَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } الحديث بكماله. وقد ذكرناه في كتاب التذكرة وتكلمنا عليه هناك. وروي عن عليّ بن نصر عن أبي عمرو إسكان الدال من «التَّنَاد» في الوصل خاصة. وروى أبو معمر عن عبد الوارث زيادة الياء في الوصل خاصة وهو مذهب ورش. والمشهور عن أبي عمرو حذفها في الحالين. وكذلك قرأ سائر السبعة سوى ورش على ما ذكرنا عنه وسوى ابن كثير على ما تقدّم. وقيل: سمّي يوم القيامة يوم التناد؛ لأن الكافر ينادي فيه بالويل والثبور والحسرة. قاله ابن جريج. وقيل: فيه إضمار أي إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد؛ فالله أعلم. {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} على البدل من «يَوْمِ التَّنَاد» {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي من خلق الله في قلبه الضلال فلا هادي له. وفي قائله قولان: أحدهما موسى. الثاني مؤمن آل فرعون وهو الأظهر. والله أعلم.
الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ