انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة غافر

تفسير ابن كثيرالآيات 1–35

تفسير سورة غافر آية آية، من تفسير ابن كثير.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

حمٓ ۝١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ۝٢ غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ۝٣

أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا. وقد قيل: إن { حـمۤ} اسم من أسماء الله عز وجل، وأنشدوا في ذلك بيتاً:

يُذَكِّرُني حاميمَ والرُّمْحُ شاجِرٌفَهَلاَّ تَلاحاميمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ

وقد ورد في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة قال: حدثني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:إن بيتم الليلة، فقولوا: حم لا ينصرونوهذا إسناد صحيح، واختار أبو عبيد أن يروى: فقولوا: حم، لا ينصروا، أي: إن قلتم ذلك، لا ينصروا، جعله جزاء لقوله: فقولوا.

وقوله تعالى: { تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} أي: تنزيل هذا الكتاب، وهو القرآن، من الله ذي العزة والعلم، فلا يرام جنابه، ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه. وقوله عز وجل: {غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ} أي: يغفر ما سلف من الذنب، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه. وقوله جل وعلا: {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي: لمن تمرد وطغى، وآثر الحياة الدنيا، وعتا عن أوامر الله تعالى وبغى، وهذه كقوله:

{ نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ }[الحجر:49-50] يقرن هذين الوصفين كثيراً في مواضع متعددة من القرآن؛ ليبقى العبد بين الرجاء والخوف، وقوله تعالى: {ذِى ٱلطَّوْلِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني: السعة والغنى، وهكذا قال مجاهد وقتادة، وقال يزيد بن الأصم: ذي الطول، يعني: الخير الكثير. وقال عكرمة: {ذِى ٱلطَّوْلِ} ذي المن. وقال قتادة: ذي النعم والفواضل، والمعنى أنه المتفضل على عباده، المتطول عليهم بما هم فيه من المنن والإنعام التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا }الآية [إبراهيم: 34]. وقوله جلت عظمته: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي: لا نظير له في جميع صفاته، فلا إله غيره، ولا رب سواه {إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} أي: المرجع والمآب، فيجازي كل عامل بعمله، { وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }[الرعد: 41] وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين إني قتلت، فهل لي من توبة؟ فقرأ عمر رضي الله عنه: {حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} وقال: اعمل ولا تيأس. رواه ابن أبي حاتم: واللفظ له، وابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا عمر، يعني: ابن أيوب، حدثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان يفد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ففقده عمر، فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب. قال: فدعا عمر كاتبه: فقال: اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه، ويتوب الله عليه، فلما بلغ الرجل كتاب عمر رضي الله عنه، جعل يقرؤه ويردده ويقول: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي. ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث جعفر بن برقان، وزاد: فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاً لكم زل زلة، فسددوه ووثقوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبَّة، حدثنا حماد بن واقد، حدثنا أبو عمر الصفار، حدثنا ثابت البناني قال: كنت مع مصعب بن الزبير رضي الله عنه في سواد الكوفة، فدخلت حائطاً أصلي ركعتين، فافتتحت حم المؤمن حتى بلغت: لا إله إلا هو إليه المصير، فإذا رجل خلفي على بغلة شهباء، عليه مقطعات يمنية، فقال: إذا قلت: غافر الذنب، فقل: يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي، وإذا قلت: وقابل التوب، فقل: يا قابل التوب اقبل توبتي، وإذا قلت: شديد العقاب، فقل: يا شديد العقاب لا تعاقبني، قال: فالتفت فلم أر أحداً، فخرجت إلى الباب فقلت: مر بكم رجل عليه مقطعات يمنية؟ قالوا: ما رأينا أحداً، فكانوا يرون أنه إلياس، ثم رواه من طريق أخرى عن ثابت بنحوه، وليس فيه ذكر إلياس، والله سبحانه وتعالى أعلم.

مَا يُجَٰدِلُ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلَٰدِ ۝٤ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَٰدَلُوا۟ بِٱلْبَٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ۝٥ وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۝٦

يقول تعالى: ما يدفع ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان {إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: الجاحدون لآيات الله وحججه وبراهينه، {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلاَدِ} أي: في أموالها ونعيمها وزهرتها؛ كما قال جل وعلا: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } وقال عز وجل:

{ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ }[لقمان: 24] ثم قال تعالى مسلياً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه بأن له أسوة فيمن سلف من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإنه قد كذبهم أممهم، وخالفوهم، وما آمن بهم منهم إلا قليل، فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} وهو أول رسول بعثه الله ينهى عن عبادة الأوثان، {وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ} أي: من كل أمة، {وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} أي: حرصوا على قتله بكل ممكن، ومنهم من قتل رسوله، {وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} أي: ما حلوا بالشبهة ليردوا الحق الواضح الجلي.

وقد قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يحدث عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

من أعان باطلاً ليدحض به حقاً، فقد برئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلموقوله جلت عظمته: {فَأَخَذَتْهُمُ} أي: أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الآثام والذنوب العظام، {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} أي: فكيف بلغك عذابي لهم، ونكالي بهم؟ قد كان شديداً موجعاً مؤلماً. قال قتادة: كان والله شديداً. وقوله جل جلاله: { وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ} أي: كما حقت كلمة العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة، كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأحرى؛ لأن من كذبك فلا وثوق له بتصديق غيرك، والله أعلم.

ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ۝٧ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٨ وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُۥ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝٩

يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة ومن حوله من الملائكة الكروبيين بأنهم يسبحون بحمد ربهم، أي: يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح، {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: خاشعون له، أذلاء بين يديه، وأنهم {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي: من أهل الأرض؛ ممن آمنوا بالغيب، فقيض الله تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب؛ كما ثبت في صحيح مسلم:

إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب، قال الملك: آمين، ولك بمثله. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد، وهو ابن أبي شبية، حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمصدق أمية بن أبي الصلت في شيء من شعرهفقال:

زُحَلٌ وثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِوالنَّسْرُ للأُخْرى ولَيْثٌ مُرْصَدُ

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:صدقفقال:

والشمسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍحَمْراءَ يُصْبِحُ لَوْنُها يَتَوَرَّدُتَأْبى فَما تَطْلُعْ لَنا في رسلِهاإلا مُعَذَّبَةً وإِلاَّ تُجْلَدُ

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:صدقوهذا إسناد جيد، وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة، كانوا ثمانية؛ كما قال تعالى: { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ }[الحاقة: 17] وهنا سؤال، وهو أن يقال: ما الجمع بين المفهوم من هذه الآية، ودلالة هذا الحديث؟ وبين الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح البزار، حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت بهم سحابة، فنظر إليها فقال:ما تسمون هذه؟قالوا: السحاب، قال:والمزنقالوا: والمزن قال:والعنانقالوا: والعنان، قال أبو داود: ولم أتقن العنان جيداً، قال:هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟قالوا: لا ندري، قال:بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سموات، ثم فوق السماء السابعة بحر، ما بين أسفله وأعلاه مثل بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين السماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله تبارك وتعالى فوق ذلك. ثم رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سماك بن حرب به، وقال الترمذي: حسن غريب، وهذا يقتضي أن حملة العرش ثمانية؛ كما قال شهر بن حوشب رضي الله عنه: حملة العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. ولهذا يقولون إذا استغفروا للذين آمنوا: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} أي: رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم {فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} أي: فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا، وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات {وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} أي: وزحزحهم عن عذاب الجحيم، وهو العذاب الموجع الأليم {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ} أي: اجمع بينهم وبينهم؛ لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة؛ كما قال تبارك وتعالى: { وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَـٰهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ }[الطور: 21] أي: ساوينا بين الكل في المنزلة، لتقر أعينهم، وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني، بل رفعنا ناقص العمل، فساويناه بكثير العمل، تفضلاً منا ومنة. وقال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة، سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما عملت لي ولهم، فيلحقون به في الدرجة، ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية: { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: أنصح عباد الله للمؤمنين الملائكة، ثم تلا هذه الآية: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ} الآية، وأغش عباده للمؤمنين الشياطين. وقوله تبارك وتعالى: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} أي: الذي لا يمانع ولا يغالب، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، الحكيم في أقوالك وأفعالك من شرعك وقدرك {وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَـٰتِ} أي: فعلها، أو وبالها؛ ممن وقعت منه {وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَـٰتِ يَوْمَئِذٍ} أي: يوم القيامة {فَقَدْ رَحِمْتَهُ} أي: لطفت به، ونجيته من العقوبة {وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلْإِيمَٰنِ فَتَكْفُرُونَ ۝١٠ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ۝١١ ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ ۝١٢ هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ۝١٣ فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝١٤

يقول تعالى مخبراً عن الكفار: أنهم ينادون يوم القيامة، وهم في غمرات النيران يتلظون، وذلك عندما باشروا من عذاب الله تعالى ما لا قبل لأحد به، فمقتوا عند ذلك أنفسهم، وأبغضوها غاية البغض؛ بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة التي كانت سبب دخولهم إلى النار، فأخبرتهم الملائكة عند ذلك إخباراً عالياً، نادوهم نداء بأن مقت الله تعالى لهم في الدنيا حين كان يعرض عليهم الإيمان فيكفرون أشد من مقتكم أيها المعذبون أنفسكم اليوم في هذه الحالة. قال قتادة في قوله تعالى: {لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ} يقول: لمقت الله أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا فتركوه، وأبوا أن يقبلوه، أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة، وهكذا قال الحسن البصري ومجاهد والسدي وذر بن عبيد الله الهمداني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير الطبري رحمة الله عليهم أجمعين. وقوله: {قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} قال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود رضي الله عنه: هذه الآية كقوله تعالى:

{ { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }[البقرة: 28] وكذا قال ابن عباس والضحاك وقتادة وأبو مالك، وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية. وقال السدي: أميتوا في الدنيا، ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا، ثم أميتوا، ثم أحيوا يوم القيامة، وقال ابن زيد: أحيوا حين أخذ عليهم المثياق من صلب آدم عليه السلام، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة، وهذان القولان من السدي وابن زيد ضعيفان؛ لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات، والصحيح قول ابن مسعود وابن عباس ومن تابعهما، والمقصود من هذا كله أن الكفار يسألون الرجعة، وهم وقوف بين يدي الله عز وجل في عرصات القيامة؛ كما قال عز وجل: { وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ }[السجدة: 12] فلا يجابون، ثم إذا رأوا النار وعاينوها، ووقفوا عليها ونظروا إلى ما فيها من العذاب والنكال، سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول مرة، فلا يجابون، قال الله تعالى: { وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِـآيَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ }[الأنعام: 27 ــــ 28] فإذا دخلوا النار، وذاقوا مسّها وحسيسها ومقامعها وأغلالها، كان سؤالهم للرجعة أشد وأعظم { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ }[فاطر: 37] { رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ }[المؤمنون: 107 ــــ 108] وفي هذه الآية الكريمة تلطفوا في السؤال، وقدموا بين يدي كلامهم مقدمة، وهي قولهم: {رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} أي: قدرتك عظيمة؛ فإنك أحييتنا بعد ما كنا أمواتاً، ثم أمتنا ثم أحييتنا، فأنت قادر على ما تشاء، وقد اعترفنا بذنوبنا، وإننا كنا ظالمين لأنفسنا في الدار الدنيا، {فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ}؟ أي: فهل أنت مجيبنا إلى أن تعيدنا إلى الدار الدنيا؟ فإنك قادر على ذلك؛ لنعمل غير الذي كنا نعمل، فإن عدنا إلى ماكنا فيه، فإنا ظالمون، فأجيبوا أن لا سبيل إلى عودكم ومرجعكم إلى الدار الدنيا، ثم علل المنع من ذلك بأن سجاياكم لا تقبل الحق ولا تقتضيه، بل تجحده وتنفيه، ولهذا قال تعالى: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ} أي: أنتم هكذا تكونون، وإن رددتم إلى الدار الدنيا؛ كما قال عز وجل: { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ }[الأنعام: 28] وقوله جل وعلا: {فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـىِّ ٱلْكَبِيرِ} أي: هو الحاكم في خلقه، العادل الذي لا يجور، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، لا إله إلا هو. وقوله جل جلاله: {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ} أي: يظهر قدرته لخلقه؛ بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها، {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً} وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس؛ من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه، وهو ماء واحد، فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء {وَمَا يَتَذَكَّرُ} أي: يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء، ويستدل بها على عظمة خالقها {إِلاَّ مَن يُنِيبُ} أي: من هو بصير منيب إلى الله تبارك وتعالى. وقوله عز وجل: { فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} أي: فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء، وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا هشام، يعني: ابن عروة بن الزبير عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن هشام ابن عروة وحجاج بن أبي عثمان وموسى بن عقبة، ثلاثتهم عن أبي الزبير عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة:لا إله إلا الله وحده لا شريك لهوذكر تمامه. وقد ثبت في الصحيح عن ابن الزبير رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عقب الصلوات المكتوبات:لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع، حدثنا الخصيب بن ناصح، حدثنا صالح، يعني: المري، عن هشام ابن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:ادعوا الله تبارك وتعالى وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه».

رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ ۝١٥ يَوْمَ هُم بَٰرِزُونَ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ ۝١٦ ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝١٧

يقول تعالى مخبراً عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته؛ كالسقف لها؛ كما قال تعالى:

{ مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ }[المعارج: 3 ــــ 4] وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان أن هذه مسافة ما بين العرش إلى الأرض السابعة في قول جماعة من السلف والخلف، وهو الأرجح إن شاء الله. وقد ذكر غير واحد أن العرش من ياقوتة حمراء، اتساع ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة. وقد تقدم في حديث الأوعال ما يدل على ارتفاعه عن السموات السبع بشيء عظيم. وقوله تعالى: {يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} كقوله جلت عظمته: { يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ }[النحل: 2] وكقوله تعالى: { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلاَْمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ }[الشعراء: 192 ــــ 194] ولهذا قال عز وجل: {لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يوم التلاق اسم من أسماء يوم القيامة، حذر الله منه عباده، وقال ابن جريج: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يلتقي فيه آدم وآخر ولده. وقال ابن زيد: يلتقي فيه العباد. وقال قتادة والسدي وبلال ابن سعد وسفيان بن عيينة: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، والخالق والخلق، وقال ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم، وقد يقال: إن يوم التلاق يشمل هذا كله، ويشمل أن كل عامل سيلقى ما عمله من خير وشر؛ كما قاله آخرون.

وقوله جل جلاله: {يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ} أي: ظاهرون بادون كلهم، لا شيء يكنهم ولا يظلهم ولا يسترهم، ولهذا قال: {يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ} أي: الجميع في علمه على السواء. وقوله تبارك وتعالى: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ} قد تقدم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنه تعالى يطوي السموات والأرض بيده، ثم يقول: أنا الملك، أنا الجبار، أنا المتكبر، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وفي حديث الصور: أنه عز وجل إذا قبض أرواح جميع خلقه، فلم يبق سواه وحده لا شريك له، حينئذ يقول: لمن الملك اليوم؟ ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه قائلاً: {للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} أي: الذي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن غالب الدقاق، حدثنا عبيد بن عبيدة، حدثنا معتمر عن أبيه، حدثنا أبو نضرة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ينادي مناد بين يدي الساعة: يا أيها الناس أتتكم الساعة، فيسمعها الأحياء والأموات. قال: وينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا ويقول: {لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ}. وقوله جلت عظمته: { ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} يخبر تعالى عن عدله في حكمه بين خلقه: أنه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر، بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها، وبالسيئة واحدة، قال تبارك وتعالى: {لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ} كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يحكي عن ربه عز وجل أنه قال:

يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا ــــ إلى أن قال ــــ يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً، فليحمد الله تبارك وتعالى، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه وقوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي: يحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفساً واحدة؛ كما قال جل وعلا: { مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ }[لقمان: 28] وقال جل جلاله: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }[القمر: 50].

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْـَٔازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ۝١٨ يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ ۝١٩ وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ۝٢٠

يوم الآزفة اسم من أسماء يوم القيامة، وسميت بذلك لاقترابها؛ كما قال تعالى:

{ أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ }[النجم:57-58] وقال عز وجل: { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ }[الانشقاق: 1] وقال جل وعلا: { ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ }[الأنبياء: 1] وقال: { أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ }[النحل: 1] وقال جل جلاله: { فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيۤئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }الآية [الملك: 27]. وقوله تبارك وتعالى: {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ} قال قتادة: وقفت القلوب في الحناجر من الخوف، فلا تخرج، ولا تعود إلى أماكنها، وكذا قال عكرمة والسدي وغير واحد، ومعنى كاظمين، أي: ساكتين، لا يتكلم أحد إلا بإذنه { يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً }[النبأ: 38] وقال ابن جريج: {كَـٰظِمِينَ} أي: باكين. وقوله سبحانه وتعالى: {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير. وقوله تعالى: { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ} يخبر عز وجل عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها؛ ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله تعالى حق الحياء، ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه؛ فإنه عز وجل يعلم العين الخائنة، وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر. قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ}: هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا، لحظ إليها، فإذا فطنوا، غض بصره عنها، فإذا غفلوا، لحظ، فإذا فطنوا، غض، وقد اطلع الله تعالى من قلبه أنه ود أن لو اطلع على فرجها. رواه ابن أبي حاتم، وقال الضحاك: {خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} هو الغمز، وقول الرجل: رأيت، ولم ير. أو لم أر، وقد رأى. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يعلم الله تعالى من العين في نظرها هل تريد الخيانة أم لا؟ وكذا قال مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ} يعلم إذا أنت قدرت عليها، هل تزني بها أم لا؟ وقال السدي {وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ} أي: من الوسوسة.

وقوله عز وجل: {وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ} أي: يحكم بالعدل، قال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ} قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} وهذا الذي فسر به ابن عباس رضي الله عنهما هذه الآية، كقوله تبارك وتعالى:

{ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى }[النجم: 31] وقوله جل وعلا: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي: من الأصنام والأوثان والأنداد {لاَ يَقْضُونَ بِشَىْءٍ} أي: لا يملكون شيئاً، ولا يحكمون بشيء {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} أي: سميع لأقوال خلقه، بصير بهم، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحاكم العادل في جميع ذلك.

أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ ۝٢١ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُوا۟ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ إِنَّهُۥ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝٢٢

يقول تعالى: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ} هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد {فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من الأمم المكذبة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما حل بهم من العذاب والنكال، مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة {وَءَاثَاراً فِى ٱلأَرْضِ} أي: أثروا في الأرض؛ من البنايات والمعالم والديارات ما لا يقدر هؤلاء عليه؛ كما قال عز وجل:

{ وَلَقَدْ مَكَّنَـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ }[الأحقاف: 26] وقال تعالى: { وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا } [الروم: 9] أي: مع هذه القوة العظيمة، والبأس الشديد، أخذهم الله بذنوبهم، وهي كفرهم برسلهم، {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} أي: وما دفع عنهم عذاب الله أحد، ولا رده عنهم راد، ولا وقاهم واق، ثم ذكر علة أخذه إياهم، وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها، فقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي: بالدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، {فَكَفَرُواْ} أي: مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} تعالى أي: أهلكهم ودمر عليهم، وللكافرين أمثالها، {إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي: ذو قوة عظيمة، وبطش شديد، وهو {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي: عقابه أليم شديد وجيع، أعاذنا الله تبارك وتعالى منه.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝٢٣ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُوا۟ سَٰحِرٌ كَذَّابٌ ۝٢٤ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ ٱقْتُلُوٓا۟ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ وَٱسْتَحْيُوا۟ نِسَآءَهُمْ وَمَا كَيْدُ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ ۝٢٥ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ ۝٢٦ وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ۝٢٧

يقول تعالى مسلياً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه، ومبشراً له بأن العاقبة والنصرة له في الدنيا والآخرة؛ كما جرى لموسى بن عمران عليه السلام؛ فإن الله تعالى أرسله بالآيات البينات، والدلائل الواضحات، ولهذا قال تعالى: {بِـآيَـٰتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} والسلطان هو الحجة والبرهان {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} وهو ملك القبط بالديار المصرية {وَهَـٰمَـٰنَ} وهو وزيره في مملكته {وَقَـٰرُونَ} وكان أكثر الناس في زمانه مالاً وتجارة، {فَقَالُواْ سَـٰحِرٌ كَـذَّابٌ} أي: كذبوه وجعلوه ساحراً مجنوناً مموهاً كذاباً في أن الله أرسله، وهذه كقوله تعالى:

{ كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَـٰغُونَ }[الذاريات: 52 ــــ 53] {فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا} أي: بالبرهان القاطع الدال على أن الله عز وجل أرسله إليهم، {قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ} وهذا أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل. أما الأول، فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى، أو لإذلال هذا الشعب، وتقليل عددهم، أو لمجموع الأمرين، وأما الأمر الثاني، فللعلة الثانية، ولإهانة هذا الشعب، ولكي يتشاءموا بموسى عليه السلام، ولهذا قالوا: { قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ }[الأعراف: 129] قال قتادة: هذا أمر بعد أمر، قال الله عز وجل: {وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ} أي: وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل؛ لئلا ينصروا عليهم، إلا ذاهب وهالك في ضلال، {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} وهذا عزم من فرعون لعنه الله تعالى إلى قتل موسى عليه الصلاة والسلام، أي: قال لقومه: دعوني حتى أقتل لكم هذا، {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أي: لا أبالي به، وهذا في غاية الجحد والتهجم والعناد، وقوله قبحه الله: {إِنِّىۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} يعني: موسى، يخشى فرعون أن يضل موسى الناس، ويغير رسومهم وعاداتهم، وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مذكراً، يعني: واعظاً يشفق على الناس من موسى عليه السلام. وقرأ الأكثرون: (أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد) وقرأ الآخرون {أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} وقرأ بعضهم {يظهر في الأرض الفساد} بالضم { وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} أي: لما بلغه قول فرعون: {ذَرُونِىۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ} قال موسى عليه السلام: استجرت بالله، وعذت به من شره وشر أمثاله، ولهذا قال: {إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُـمْ} أيها المخاطبون {مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ} أي: عن الحق، مجرم {لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا خاف قوماً قال:اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم».

وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَٰذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ۝٢٨ يَٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ۝٢٩

المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطياً من آل فرعون. قال السدي: كان ابن عم فرعون، ويقال: إنه الذي نجا مع موسى عليه الصلاة والسلام، واختاره ابن جرير، ورد قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيلياً؛ لأن فرعون انفعل لكلامه، واستمعه، وكف عن قتل موسى عليه السلام، ولو كان إسرائيلياً، لأوشك أن يعاجل بالعقوبة؛ لأنه منهم. وقال ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما: لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل، وامرأة فرعون، والذي قال:

{ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ }[القصص: 20] رواه ابن أبي حاتم. وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون: {ذَرُونِىۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ} فأخذت الرجل غضبة لله عز وجل. وأفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر؛ كما ثبت بذلك الحديث، ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون وهي قوله: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ}؟ اللهم إلا ما رواه البخاري في صحيحه حيث قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، حدثني عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ}؟ انفرد به البخاري من حديث الأوزاعي، قال: وتابعه محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة عن هشام، يعني: ابن عروة، عن أبيه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أنه سئل: ما أشد ما رأيت قريشاً بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مر صلى الله عليه وسلم بهم ذات يوم، فقالوا له: أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ فقال:أنا ذاكفقاموا إليه فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيت أبا بكر رضي الله عنه محتضنه من ورائه، وهو يصيح بأعلى صوته، وإن عينيه لتسيلان، وهو يقول: يا قوم {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ} حتى فرغ من الآية كلها. وهكذا رواه النسائي من حديث عبدة، فجعله من مسند عمرو بن العاص رضي الله عنه، وقوله تعالى: {وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ} أي: كيف تقتلون رجلاً لكونه يقول: ربي الله، وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق؟ ثم تنزل معهم في المخاطبة فقال: {وَإِن يَكُ كَـٰذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَـٰدِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ} يعني: إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به، فمن العقل والرأي التام والحزم أن تتركوه ونفسه فلا تؤذوه، فإن يك كاذباً فإن الله سبحانه وتعالى سيجازيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، وإن يكن صادقاً وقد آذيتموه، يصبكم بعض الذي يعدكم؛ فإنه يتوعدكم إن خالفتموه بعذاب في الدنيا والآخرة، فمن الجائز عندكم أن يكون صادقاً، فينبغي على هذا أن لا تتعرضوا له، بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه. وهكذا أخبر الله عز وجل عن موسى عليه السلام أنه طلب من فرعون وقومه الموادعة في قوله: { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّىۤ ءَاتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فَٱعْتَزِلُونِ }[الدخان:17-21] وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش أن يتركوه يدعو إلى الله تعالى عباد الله، ولا يمسوه بسوء، ويصلوا ما بينه وبينهم من القرابة في ترك أذيته، قال الله عز وجل: { قُل لاَّ أَسْـأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ }[الشورى: 23] أي: أن لا تؤذوني فيما بيني وبينكم من القرابة، فلا تؤذوني وتتركوا بيني وبين الناس، وعلى هذا وقعت الهدنة يوم الحديبية، وكان فتحاً مبيناً، وقوله جل وعلا: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} أي: لو كان هذا الذي يزعم أن الله تعالى أرسله إليكم كاذباً كما تزعمون، لكان أمره بيناً يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله، فكانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب، وهذا نرى أمره سديداً، ومنهجه مستقيماً، ولو كان من المسرفين الكذابين، لما هداه الله وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله، ثم قال المؤمن محذراً قومه زوال نعمة الله عنهم، وحلول نقمة الله بهم: {يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلأَرْضِ} أي: قد أنعم الله عليكم بهذا الملك، والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله تعالى، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا} أي: لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر، ولا ترد عنا شيئاً من بأس الله إن أرادنا بسوء. {قَالَ فِرْعَوْنُ} لقومه راداً على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد الذي كان أحق بالملك من فرعون: {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ} أي: ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي. وقد كذب فرعون؛ فإنه كان يتحقق صدق موسى عليه السلام فيما جاء به من الرسالة { قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ }[الإسراء: 102] وقال الله تعالى: { وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً }[النحل: 14] فقوله: {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ} كذب فيه وافترى، وخان الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ورعيته، فغشهم وما نصحهم، وكذا قوله: {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} أي: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد، وقد كذب أيضاً في ذلك، وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه؛ قال الله تبارك وتعالى: { فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ }[هود: 97] وقال جلت عظمته: { { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ }[طه: 79] وفي الحديث:ما من إمام يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته، إلا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عاموالله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.

وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ ۝٣٠ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ۝٣١ وَيَٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ ۝٣٢ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ۝٣٣ وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ۝٣٤ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَٰنٍ أَتَىٰهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ۝٣٥

هذا إخبار من الله عز وجل عن هذا الرجل الصالح مؤمن آل فرعون: أنه حذر قومه بأس الله تعالى في الدنيا والآخرة، فقال: {يٰقَوْمِ إِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ} أي: الذين كذبوا رسل الله في قديم الدهر؛ كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم من الأمم المكذبة؛ كيف حل بهم بأس الله، وما رده عنهم راد، ولا صده عنهم صاد {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ} أي: إنما أهلكهم الله تعالى بذنوبهم، وتكذيبهم رسله، ومخالفتهم أمره، فأنفذ فيهم قدره، ثم قال: { وَيٰقَوْمِ إِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ} يعني: يوم القيامة، وسمي بذلك، قال بعضهم: لما جاء في حديث الصور: أن الأرض إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر، وماجت وارتجت، فنظر الناس إلى ذلك، ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضاً. وقال آخرون منهم الضحاك: بل ذلك إذا جيء بجنهم ذهب الناس هراباً منهم، فتتلقاهم الملائكة، فتردهم إلى مقام المحشر، وهو قوله تعالى:

{ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ }[الحاقة: 17] وقوله: { يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـٰرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَـٰنٍ }[الرحمن: 33] وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه والحسن والضحاك: أنهم قرؤوا: يوم التناد، بتشديد الدال؛ من ند البعير، إذا شرد وذهب. وقيل: لأن الميزان عنده ملك، إذا وزن عمل العبد فرجح، نادى بأعلى صوته: ألا قد سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خف عمله، نادى: ألا قد شقي فلان بن فلان. وقال قتادة: ينادي كل قوم بأعمالهم، ينادي أهل الجنة أهل الجنة، وأهل النار أهل النار، وقيل: سمي بذلك لمناداة أهل الجنة أهل النار: { أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ }[الأعراف: 44] ومناداة أهل النار أهل الجنة: { أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ }[الأعراف: 50] ولمناداة أصحاب الأعراف أهل الجنة وأهل النار؛ كما هو مذكور في سورة الأعراف، واختار البغوي وغيره: أنه سمي بذلك لمجموع ذلك، وهو قول حسن جيد، والله أعلم. وقوله تعالى: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} أي: ذاهبين هاربين { كَلاَّ لاَ وَزَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ }[القيامة: 11 ــــ 12] ولهذا قال عز وجل: {مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} أي: لا مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه، {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي: من أضله الله فلا هادي له غيره. وقوله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} يعني: أهل مصر، وقد بعث الله فيهم رسولاً من قبل موسى عليه الصلاة والسلام، وهو يوسف عليه الصلاة والسلام، كان عزيز أهل مصر، وكان رسولاً يدعو إلى الله تعالى أمته بالقسط، فما أطاعوه تلك الطاعة إلا بمجرد الوزارة والجاه الدنيوي، ولهذا قال تعالى: {فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} أي: يئستم، فقلتم طامعين: {لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} وذلك لكفرهم وتكذيبهم {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ} أي: كحالكم هذا يكون حال من يضله الله؛ لإسرافه في أفعاله، وارتياب قلبه، ثم قال عز وجل: {ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَـٰهُمْ} أي: الذين يدفعون الحق بالباطل، ويجادلون بالحجج بغير دليل وحجة معهم من الله تعالى؛ فإن الله عز وجل يمقت على ذلك أشد المقت، ولهذا قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي: والمؤمنون أيضاً يبغضون من تكون هذه صفته؛ فإن من كانت هذه صفته، يطبع الله على قلبه، فلا يعرف بعد ذلك معروفاً، ولا ينكر منكراً، ولهذا قال تبارك وتعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ} أي: على اتباع الحق {جَبَّارٍ} وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة، وحكي عن الشعبي أنهما قالا: لا يكون الإنسان جباراً حتى يقتل نفسين. وقال أبو عمران الجوني وقتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق، والله تعالى أعلم.
الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ