انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ق

تفسير الطبريالآيات 26–40

تفسير سورة ق آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة ق

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 19:09

  1. 1 الآيات 1–26في هذه الصفحة 10:38
  2. 2 الآيات 27–45في هذه الصفحة 8:31

ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ۝٢٦

يقول تعالى ذكره: الذي أشرك بالله فعبد معه معبوداً آخر من خلقه {فأَلْقِياهُ فِي العَذَابِ الشَّدِيدِ } يقول: فألقياه في عذاب جهنم الشديد.

قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍ ۝٢٧ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا۟ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ۝٢٨

يقول تعالى ذكره: قال قرين هذا الإنسان الكفَّار المنَّاع للخير، وهو شيطانه الذي كان موكلاً به في الدنيا. كما:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{ قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ } قال: قرينه شيطانه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ قالَ قَرِينُهُ } قال: الشيطان قُيِّض له.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهاً آخَرَ} هو المشرك {قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ } قال: قرينه الشيطان.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ } قال: قرينه: الشيطان.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ } قال: قرينه: شيطانه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ } قال: قرينه من الجنّ: ربنا ما أطغيته، تبرأ منه.

وقوله:{ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ } يقول: ما أنا جعلته طاغياً متعدّياً إلى ما ليس له، وإنما يعني بذلك الكفر بالله { وَلَكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ} يقول: ولكن كان في طريق جائر عن سبيل الهدى جوراً بعيداً. وإنما أخبر تعالى ذكره هذا الخبر، عن قول قرين الكافر له يوم القيامة، إعلاماً منه عباده، تبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة. كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ } قال: تبرأ منه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثنا عبد الله بن أبي بكر، قال: ثنا جعفر، قال: سمعت أبا عمران يقول في قوله:{ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ } تبرأ منه.

وقوله:{ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ } يقول تعالى ذكره: قال الله لهؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم، وصفة قرنائهم من الشياطين { لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ } اليوم { وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ} في الدنيا قبل اختصامكم هذا، بالوعيد لمن كفر بي، وعصاني، وخالف أمري ونهي في كتبي، وعلى ألسن رسلي. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثنا عبد الله بن أبي بكر، قال: ثنا جعفر، قال: سمعت أبا عمران يقول في قول الله: {وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ بالوَعِيدِ } قال: بالقرآن.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله:{ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ } قال: إنهم اعتذروا بغير عذر، فأبطل الله حجتهم، وردّ عليهم قولهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ بالوَعِيدِ } قال: يقول: قد أمرتكم ونهيتكم، قال: هذا ابن آدم وقرينه من الجن.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، قال: قلت لأبي العالية {لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ بالوَعِيدِ } قال أبو جعفر الطبريّ: أحسبه قال: هم أهل الشرك، وقال في آية أخرى

{ ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } فهم أهل القبلة.

مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ۝٢٩ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ۝٣٠

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيله للمشركين وقرنائهم من الجنّ يوم القيامة، إذ تبرأ بعضهم من بعض: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله

{ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أجمَعِينَ }، ولا قضائي الذي قضيته فيهم فيها. كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ قد قضيت ما أنا قاض.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله:{ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ} قال: قد قضيت ما أنا قاض.

وقوله:{ وَما أنا بِظَلاَّمٍ للْعَبِيدِ } يقول: ولا أنا بمعاقب أحداً من خلقي بجرم غيره، ولا حامل على أحد منهم ذنب غيره فمعذّبه به.

وقوله:{ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ } يقول: وما أنا بظلام للعبيد في { يَوْمَ نَقُولُ لجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ } وذلك يوم القيامة، ويوم نقول من صلة ظلاّم. وقال تعالى ذكره لجهنم يوم القيامة:{ هَلِ امْتَلأْتِ}؟ لما سبق من وعده إياها بأنه يملؤها من الجِنَّة والناس أجمعين.

وأما قوله:{ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ } فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه: ما من مزيد. قالوا: وإنما يقول الله لها: هل امتلأت بعد أن يضع قدمه فيها، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قطِ قطِ، من تضايقها فإذا قال لها وقد صارت كذلك: هل امتلأت؟ قالت حينئذ: هل من مزيد: أي ما من مزيد، لشدّة امتلائها، وتضايق بعضها إلى بعض. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} قال ابن عباس: إن الله الملك تبارك وتعالى قد سبقت كلمته

{ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أجَمعِينَ }فلما بعث الناس وأحضروا، وسيق أعداء الله إلى النار زمراً، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجاً فوجاً، لا يلقى في جهنم شيء إلا ذهب فيها، ولا يملؤها شيء، قالت: ألستَ قد أقسمت لتملأني من الجِنَّة والناس أجمعين؟ فوضع قدمه، فقالت حين وضع قدمه فيها: قدِ قدِ، فإني قد امتلأت، فليس لي مزيد، ولم يكن يملؤها شيء، حتى وَجَدَتْ مسّ ما وُضع عليها، فتضايقت حين جَعل عليها ما جعل، فامتلأت فما فيها موضع إبرة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} قال: وعدها الله ليملأنها، فقال: هلا وفيتكِ؟ قالت: وهل من مَسلكٍ.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} كان ابن عباس يقول: إن الله الملك، قد سبقت منه كلمة {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ} لا يلقى فيها شيء إلا ذهب فيها، لا يملؤها شيء، حتى إذا لم يبق من أهلها أحد إلا دخلها، وهي لا يملؤها شيء، أتاها الربّ فوضع قدمه عليها، ثم قال لها: هل امتلأتِ يا جهنم؟ فتقول: قطِ قطِ قد امتلأت، ملأتني من الجنّ والإنس فليس فيّ مزيد قال ابن عباس: ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت مسّ قدم الله تعالى ذكره، فتضايقت، فما فيها موضع إبرة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: زدني، إنما هو هل من مزيد، بمعنى الاستزادة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن ثابت، عن أنس، قال: يلقى في جهنم وتقول: هل من مزيد ثلاثاً، حتى يضع قدمه فيها، فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قطِ قطِ، ثلاثاً.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ } لأنها قد امتلأت، وهل من مزيد: هل بقي أحد؟ قال: هذان الوجهان في هذا، والله أعلم، قال: قالوا هذا وهذا.

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو بمعنى الاستزادة، هل من شيء أزداده؟

وإنما قلنا ذلك أولى القولين بالصواب لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما:

حدثني أحمد بن المقدام العجلي، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاويّ، قال: ثنا أيوب، عن محمد، عن أبي هُريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إذَا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، لَمْ يَظْلِمِ اللَّهُ أحَداً مِنْ خَلْقِهِ شَيْئاً، وَيُلْقِي فِي النَّارِ، تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حتى يَضَعَ عَلَيْها قَدَمَهُ، فَهُنالكَ يَمْلؤُها، وَيُزْوَى بَعْضُها إلى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ

حدثنا أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يحدّث عن قتادة، عن أنس، قال: ما تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الله عليها قدمه، فتقول: قدِ قدِ، وما يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله خلقاً، فيُسكنه فضول الجنة.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب وهشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هُريرة، قال: اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: ما لي إنما يدخلني فقراء الناس وسقطهم وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون، فقال: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء، وأنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكلّ واحدة منكما ملؤها. فأما الجنة فإن الله ينشىء لها من خلقه ما شاء. وأما النار فيُلقون فيها وتقول: هل من مزيد؟ ويلقون فيها وتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ، ويزوى بعضها إلى بعض، وتقول: قط، قط.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ثور، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

احْتَجَّتِ الجَنَّةُ والنَّارُ، فَقالَتِ الجَنَّةُ: مالي لا يَدْخُلُنِي إلا فُقَرَاءُ النَّاسِ؟ وَقالتِ النَّارُ: مالي لا يَدْخُلُنِي إلاَّ الجَبَّارُونَ والمُتَكَبِّرُونَ؟ فَقالَ للنَّارِ: أنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أشاءُ وَقالَ للْجَنَّةِ: أنْتِ رَحْمَتِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أشاءُ، وَلِكُلّ وَاحِدَةٍ مِنْكُما مِلْؤُها فأمَّا الجَنَّةُ فإنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يُنْشىءُ لَهَا ما شاء وأمَّا النَّارَ فَيُلْقُوْنَ فِيها وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حتى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيها، هُنالكَ تَمْتَلِىء، وَيَنزْوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ، قَطْ

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيها وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزيدٍ حتى يَضَعَ رَبُّ العالَمِينَ قَدَمَهُ، فيَنْزَوي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَد، قَد، بِعِزَّتِك وكَرَمِكَ، وَلا يَزَالُ فِي الجَنَّةِ فَضْلٌ حتى يُنْشىءَ اللَّهُ لَهَا خَلْقاً فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا قتادة، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

لا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُول هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حتى يَضَعَ رَبُّ العالَمِينَ فِيها قَدَمَه، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْض، فَتَقُولُ: بِعِزَّتِكَ قَطْ، قَطْ وَما يَزَالُ فِي الجَنَّةِ فَضْلٌ حتى يُنْشِىءَ اللَّهُ خَلْقاً فَيُسْكِنَه في فَضْلِ الجَنَّةِ

قال: ثنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: ثنا قتادة، عن أنس، قال: ما تزال جهنم تقول: هل من مزيد، فذكر نحوه غير أنه قال: أو كما قال.

حدثنا زياد بن أيوب، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

احْتَجَّتِ الجَنَّةُ والنَّارُ، فَقالَتِ النَّارُ: يَدْخُلُنِي الجَبَّارُونَ والمُتَكَبِّرُونَ وَقالَتِ الجَنَّةُ: يَدْخُلُنِي الفُقَرَاءُ وَالمَساكِينُ فأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلى الجَنَّة: أنْتِ رَحْمَتِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أشاءُ وأَوْحَى إلى النَّارِ: أنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَن أشاءُ، وَلِكُلّ وَاحِدَةٍ مِنْكُما مِلْؤُها فأمَّا النَّارُ فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حتى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيها، فتَقُولُ: قَطْ قَطْ. ففي قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:لا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ دليل واضح على أن ذلك بمعنى الاستزادة لا بمعنى النفي، لأن قوله:لا تزالدليل على اتصال قول بعد قول.

وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ۝٣١ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ۝٣٢ مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ۝٣٣

يعني تعالى ذكره بقوله:{ وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ للْمُتَّقِينَ غَيرَ بَعِيدٍ } وأُدنيت الجنة وقرّبت للذين اتقوا ربهم، فخافوا عقوبته بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ للْمُتَّقِينَ } يقول: وأدنيت {غَيرَ بَعِيدٍ}.

وقوله:{ هَذَا ما تُوعَدُونَ} يقول: قال لهم: هذا الذي توعدون أيها المتقون، أن تدخلوها وتسكنوها وقوله:{ لِكُلِّ أوَّابٍ} يعني: لكل راجع من معصية الله إلى طاعته، تائب من ذنوبه.

وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: هو المسبح، وقال بعضهم: هو التائب، وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك فيما مضى بما أغني عن إعادته، غير أنا نذكر في هذا الموضع ما لم نذكره هنالك.

حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس { لِكُلِّ أوَّابٍ } قال: لكلّ مسبِّح.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، قال: {الأوّاب}: المسبح.

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثني يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، قال: ثني أبي، عن الحكم بن عُتيبة في قول الله: {لِكُلِّ أوَّابٍ حَفِيظٍ} قال: هو الذاكر الله في الخلاء.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن يونس بن خباب، عن مجاهد { لِكُلِّ أوَّابٍ حَفِيظٍ } قال: الذي يذكر ذنوبه فيستغفر منها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هَذَا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوَّابٍ}.

قال: ثنا مهران، عن خارجة، عن عيسى الحناط، عن الشعبيّ، قال: هو الذي يذكر ذنوبه في خلاء فيستغفر منها {حَفِيظٍ}: أي مطيع لله كثير الصلاة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ لِكُلِّ أوَّابٍ حَفِيظٍ } قال: الأوّاب: التوّاب الذي يؤوب إلى طاعة الله ويرجع إليها.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن يونس بن خباب في قوله: {لِكُلِّ أوَّابٍ حَفِيظٍ } قال: الرجل يذكر ذنوبه، فيستغفر الله لها.

وقوله:{ حَفِيظٍ } اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس، عن الأوّاب الحفيظ، قال: حفظ ذنوبه حتى رجع عنها.

وقال آخرون: معناه: أنه حفيظ على فرائض الله وما ائتمنه عليه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {حَفِيظٍ} قال: حفيظ لما استودعه الله من حقه ونعمته.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره وصف هذا التائب الأوّاب بأنه حفيظ، ولم يخصّ به على حفظ نوع من أنواع الطاعات دون نوع، فالواجب أن يعمّ كما عمّ جلّ ثناؤه، فيقال: هو حفيظ لكلّ ما قرّ به إلى ربه من الفرائض والطاعات والذنوب التي سلَفت منه للتوبة منها والاستغفار.

وقوله:{ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بالغَيْبِ } يقول: من خاف الله في الدنيا من قبل أن يلقاه، فأطاعه، واتبع أمره.

وفي مَن في قوله: {مَنْ خَشِيَ} وجهان من الإعراب: الخفض على إتباعه كلّ في قوله:{ لِكُلّ أوَّابٍ } والرفع على الاستئناف، وهو مراد به الجزاء من خشي الرحمن بالغيب، قيل له ادخل الجنة فيكون حينئذ قوله: ادْخُلُوها بِسَلامٍ جواباً للجزاء أضمر قبله القول، وجعل فعلاً للجميع، لأن {مَن} قد تكون في مذهب الجميع.

وقوله:{ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ } يقول: وجاء الله بقلب تائب من ذنوبه، راجع مما يكرهه الله إلى ما يرضيه. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ}: أي منيب إلى ربه مُقْبل.

ٱدْخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْخُلُودِ ۝٣٤ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ۝٣٥ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا۟ فِى ٱلْبِلَٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ۝٣٦

يعني تعالى ذكره بقوله:{ ادْخُلُوها بِسَلامٍ} ادخلوا هذه الجنة بأمان من الهمّ والغضب والعذاب، وما كنتم تَلقَونه في الدنيا من المكاره. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ ادْخُلُوها بِسَلامٍ} قال: سَلِموا من عذاب الله، وسلَّم عليهم.

وقوله: {ذلكَ يَوْمُ الخُلُودِ } يقول: هذا الذي وصفت لكم أيها الناس صفته من إدخالي الجنة من أدخله، هو يوم دخول الناس الجنة، ماكثين فيها إلى غير نهاية. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { ذلكَ يَوْمُ الخُلُودِ } خلدوا والله، فلا يموتون، وأقاموا فلا يَظْعُنون، ونَعِمُوا فلا يبأسون.

وقوله:{ لَهُمْ ما يَشاءُونَ فِيها} يقول: لهؤلاء المتقين ما يريدون في هذه الجنة التي أُزلفت لهم من كل ما تشتهيه نفوسهم، وتلذّه عيونهم.

وقوله:{ وَلَدَيْنا مَزِيدٌ } يقول: وعندنا لهم على ما أعطيناهم من هذه الكرامة التي وصف جلّ ثناؤه صفتها مزيد يزيدهم إياه. وقيل: إن ذلك المزيد: النظر إلى الله جلّ ثناؤه. ذكر من قال ذلك:

حدثني أحمد بن سُهيل الواسطي، قال: ثنا قُرةُ بن عيسى، قال: ثنا النضر بن عربيّ جده، عن أنس، إن الله عزّ وجلّ إذا أسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، هبط إلى مَرْج من الجنة أفيح، فمدّ بينه وبين خلقه حُجُباً من لؤلؤ، وحُجُباً من نور ثم وُضعت منابر النور وسُرُرُ النور وكراسيّ النور، ثم أُذِن لرجل على الله عزّ وجلّ بين يديه أمثال الجبال من النور يُسْمَع دَويّ تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا المجعول بيده، والمُعَلَّم الأسماء، والذي أُمرت الملائكة فسجدت له، والذي له أبيحت الجنة، آدم عليه السلام، قد أُذِن له على الله تعالى قال: ثم يؤذَن لرجل آخر بين يديه أمثال الجبال من النور، يُسْمع دَوِيّ تسبيح الملائكة معه، وصَفُق أجنحتهم فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا الذي اتخذه الله خليلاً، وجعل عليه النار بَرْداً وسلاماً، إبراهيم قد أُذِن له على الله. قال: ثم أُذِن لرجل آخر على الله، بين يديه أمثال الجبال من النور يُسْمَع دَوِيّ تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذن له على الله؟ فقيل: هذا الذي اصطفاه الله برسالته وقرّبه نجياً، وكلَّمه [كلاماً] موسى عليه السلام، قد أُذِن له على الله. قال: ثم يُؤذن لرجل آخر معه مثلُ جميع مواكب النبيين قبله، بين يديه أمثال الجبال، [من النور] يسمع دَوِيّ تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم فمدّ أهل الجنة أعناقهم، فقيل: من هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا أوّل شافع، وأوّل مشفَّع، وأكثر الناس واردة، وسيد ولد آدم وأوّل من تنشقّ عن ذُؤابتيه الأرض، وصاحب لواء الحمد، أحمد صلى الله عليه وسلم، قد أُذِن له على الله. قال: فجلس النبيون على منابر النور، [والصدّيقون على سُرُر النور والشهداء على كراسيّ النور] وجلس سائر الناس على كُثْبان المسك الأذفر الأبيض، ثم ناداهم الربّ تعالى من وارء الحُجب: مَرْحَباً بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي. يا ملائكتي، انهضوا إلى عبادي، فأطعموهم. قال: فقرّبت إليهم من لحوم طير، كأنها البُخت لا ريش لها ولا عظم، فأكلوا، قال: ثم ناداهم الربّ من وراء الحجاب: مرحباً بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا اسقوهم. قال: فنهض إليهم غلمان كأنهم اللؤلؤ المكنون بأباريق الذهب والفضة بأشربة مختلفة لذيذة، لذة آخرها كلذّة أوّلها، لا يُصَدّعون عنها ولا يُنْزَفون ثم ناداهم الربّ من وراء الحُجب: مرحباً بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا، فَكِّهوهم. قال: فيقرّب إليهم على أطباق مكلَّلة بالياقوت والمرجان ومن الرُّطَب الذي سَمَّى الله، أشدّ بياضاً من اللبن، وأطيب عذوبة من العسل. قال: فأكلوا ثم ناداهم الربّ من وراء الحُجُب: مرحباً بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا، وفُكَّهوا اكسوهم قال ففتحت لهم ثمار الجنة بحلل مصقولة بنور الرحمن فأُلبسوها. قال: ثم ناداهم الربّ تبارك وتعالى من وراء الحجب: مرحباً بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي أكلوا وشربوا وفُكَّهوا وكُسُوا طَيِّبوهم. قال: فهاجت عليهم ريح يقال لها المُثِيرة، بأباريق المسك [الأبيض] الأذفر، فنفحت على وجوههم من غير غُبار ولا قَتام. قال: ثم ناداهم الربّ عزّ وجلّ من وراء الحُجب: مرحباً بعبادي وزوّاري وجيراني ووفدي، أكلوا وشربوا وفكهوا، وكسوا وطُيِّبوا، وعزّتي لأتجلينّ لهم حتى ينظروا إليّ قال: فذلك انتهاء العطاء وفضل المزيد قال: فتجلى لهم الربّ عزّ وجلّ، ثم قال: السلام عليكم عبادي، انظروا إليّ فقد رضيت عنكم. قال: فتداعت قصور الجنة وشجرها، سبحانك أربع مرّات، وخرّ القوم سجداً قال: فناداهم الربّ تبارك وتعالى: عبادي ارفعوا رؤوسكم فإنها ليست بدار عمل، ولا دار نَصَب إنما هي دار جزاء وثواب، وعزّتي وجلالي ما خلقتها إلا من أجلكم، وما من ساعة ذكرتموني فيها في دار الدنيا، إلا ذكرتكم فوق عرشي.

حدثنا عليّ بن الحسين بن أبجر، قال: ثنا عمر بن يونس اليمامي، قال: ثنا جهضم بن عبد الله بن أبي الطفيل قال: ثني أبو طيبة، عن معاوية العبسيّ، عن عثمان بن عمير، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِي كَفِّهِ مِرْآةٌ بَيْضَاءُ، فِيها نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ» فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ ما هَذِهِ؟ قالَ: هَذِهِ الجُمُعَةُ، قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ النُّكْتَةُ السَّوْدَاءُ فِيها؟ قالَ: هِيَ السَّاعَةُ تَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهُوَ سَيِّدُ الأَيَّامِ عِنْدَنا، ونَحْنُ نَدْعُوهُ فِي الآخِرَةِ يَوْمَ المَزِيدِ قُلْتُ: وَلِمَ تَدْعُونَ يَوْمَ المَزِيدِ قالَ: إنَّ رَبَّكَ تَبارَكَ وَتَعالى اتَّخَذَ فِي الجَنَّةِ وَادِياً أفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أبْيَضَ، فإذَا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ نَزَلَ مِنْ عِلِّيِّينَ على كُرْسِيِّهِ، ثُمَّ حَفَّ الكُرْسِيَّ بِمَنابِرَ مِنْ نُورٍ، ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّونَ حتى يَجْلِسُوا عَلَيْها ثُمَّ تَجِيءُ أهْلُ الجَنَّةِ حتى يَجْلِسُوا على الكُثُبِ فَيَتَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ حتى يَنْظُرُوا إلى وَجْهِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أنا الَّذِي صَدَقْتُكُمْ عِدَتِي، وأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، فَهَذَا مَحلُّ كَرَامَتِي، فَسَلُونِي، فَيَسأَلُونَهُ الرّضَا، فَيَقُولُ: رضَايَ أحَلَّكُمْ دَارِي وأنا لَكُم كَرَامَتِي، سَلُونِي، فَيَسألُونَهُ حتى تَنْتَهِيَ رَغْبَتُهُمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ عِنْدَ ذلكَ ما لا عينٌ رأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، إلى مِقْدَارِ مُنْصَرَفِ النَّاسِ مِنَ الجُمُعُة حتى يَصْعَدَ على كُرْسِيِّهِ فَيَصْعَدُ مَعَهُ الصّدّيقُونَ والشُّهَدَاءُ، وَتَرْجِعُ أهْلُ الجَنَّةِ إلى غُرَفِهِمْ دُرَّةً بَيْضَاءَ، لا نَظْمَ فِيها وَلا فَصْمَ، أوْ ياقُوتَةً حَمْرَاءَ، أوْ زَبَرْجَدَةً خَضْرَاءَ، مِنْها غُرَفْها وأبْوَابُها، فَلَيْسُوا إلى شَيْءٍ أحْوَجَ مِنْهُمْ إلى يَوْمِ الجُمُعَةِ، لِيَزْدَادُوا مِنْهُ كَرَامَةً، وَلِيَزْدَادُوا نَظَرا إلى وَجْهِهِ، وَلِذَلكَ دُعِيَ يَوْمَ المَزِيدِ

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن أنس بن مالك، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحو حديث عليّ بن الحسين.

حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، عن صالح بن حيان عن أبي بُرَيدة، عن أنس بن مالك، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحوه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا ابن عون، عن محمد، قال: حدثنا، أو قال: قالوا: إن أدنى أهل الجنة منزلة، الذي يقال له تمنّ، ويذكِّره أصحابه فيتمنى، ويذكره أصحابه فيقال له ذلك ومثله معه. قال: قال ابن عمر: ذلك لك وعشرة أمثاله، وعند الله مزيد.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث أن درّاجاً أبا السَّمْح، حدثه عن أبي الهَيثم، عن أبي سعيد الخُدريّ، أنه قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ الرَّجُلَ فِي الجَنَّةِ لَيَتَّكِيءُ سَبْعِينَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يَتَحَوَّلَ ثُمَّ تَأْتِيهِ امْرأتُهُ فَتَضْربُ على مَنْكِبَيْهِ، فَيَنْظُرُ وَجْهَهُ فِي خَدّها أصْفَى مِنْ المِرْآةِ، وإنَّ أدْنَى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْها لَتُضِيءُ ما بَينَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِب، فَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيرُدُّ السَّلامَ، وَيَسألُها مَنْ أنْتِ؟ فَتَقُولُ: أنا مِنَ المَزِيدِ وَإنَّهُ لَيَكُونَ عَلَيْها سَبْعُونَ ثَوْباً أدْناها مِثْلُ النُّعْمانِ مِنْ طُوبى فَيَنْفُذُها بَصَرُهُ حتى يَرَى مُخَّ ساقِها مِنْ وَرَاءِ ذلكَ، وَإنَّ عَلَيْها مِنَ التِّيجانِ، وَإنَّ أدْنَى لُؤلُؤَةٍ فِيها لَتُضِيءُ ما بَينَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ

وقوله:{ وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ } يقول تعالى ذكره: وكثيراً أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش من القرون،{ هُمْ أشَدُّ } من قريش الذين كذّبوا محمداً {بَطْشاً فَنَّقُبوا في البِلادِ} يقول: فَخَرَقُوا البلادَ فساروا فيها، فطافوا وتوغَّلوا إلى الأقاصي منها قال امرؤ القَيس:

لقَدْ نَقَّبْتُ فِي الآفاقِ حتَّىرَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بالإيابِ

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس { فَنَقَّبُوا فِي البِلادِ } قال: أثَّروا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:{ فَنَقَّبُوا فِي البِلادِ } قال: يقول: عملوا في البلاد ذاك النقْب. ذكر من قال ذلك:

وقوله: {هَلْ مِنْ مَحِيصٍ } يقول جلّ ثناؤه: فهل كان لهم بتنقبهم في البلاد من معدل عن الموت ومَنْجي من الهلاك إذ جاءهم أمرنا. وأضمرت كان في هذا الموضع، كما أضمرت في قوله

{ وكأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ التي أخْرَجَتْك أهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ } بمعنى: فلم يكن لهم ناصر عند إهلاكهم. وقرأت القرّاء قوله {فَنَقَّبُوا} بالتشديد وفتح القاف على وجه الخبر عنهم. وذُكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ ذلك «فَنَقِبُوا» بكسر القاف على وجه التهديد والوعيد: أي طوّفوا في البلاد، وتردّدوا فيها، فإنكم لن تفوتونا بأنفسكم. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله {مِنْ مَحِيصٍ} قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ... } حتى بلغ { هَلْ مِنْ مَحِيصٍ} قد حاص الفَجرة فوجدوا أمر الله مُتَّبِعاً.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله:{ فَنَقَّبُوا فِي البِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ } قال: حاص أعداء الله، فوجدوا أمر الله لهم مُدْرِكاً.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ} قال: هل من منجي.

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ۝٣٧

يقول تعالى ذكره: إن في إهلاكنا القرون التي أهلكناها من قبل قريش { لَذِكْرَى} يُتَذَكَّر بها { لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ} يعني: لمن كان له عقل من هذه الأمة، فينتهي عن الفعل الذي كانوا يفعلونه من كفرهم بربهم، خوفاً من أن يحلّ بهم مثل الذي حلّ بهم من العذاب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ إنَّ فِي ذلكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ}: أي من هذه الأمة، يعني بذلك القلب: القلبَ الحيّ.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ} قال: من كان له قلب من هذه الأمة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ} قال: قلب يعقل ما قد سمع من الأحاديث التي ضرب الله بها من عصاه من الأمم. والقلب في هذا الموضع: العقل. وهو من قولهم: ما لفلان قلب، وما قلبه معه: أي ما عقله معه. وأين ذهب قلبك؟ يعني أين ذهب عقلك.

وقوله:{ أوْ ألْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } يقول: أو أصغى لإخبارنا إياه عن هذه القرون التي أهلكناها بسمعه، فيسمع الخبر عنهم، كيف فعلنا بهم حين كفروا بربهم، وعصوْا رسله { وَهُوَ شَهِيدٌ } يقول: وهو متفهم لما يخبرُ به عنهم شاهد له بقلبه، غير غافل عنه ولا ساه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظهم فيه. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ إنَّ فِي ذلكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } يقول: إن استمع الذكر وشهد أمره، قال في ذلك: يجزيه إن عقله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى: وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ أوْ ألْقَى السَّمْعَ} قال: وهو لا يحدّث نفسه، شاهد القلب.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {أوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} قال: العرب تقول: ألقى فلان سمعه: أي استمع بأذنيه، وهو شاهد، يقول: غير غائب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {إنَّ فِي ذَلكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } قال: يسمع ما يقول، وقلبه في غير ما يسمع.

وقال آخرون: عنى بالشهيد في هذا الموضع: الشهادة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { أوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } يعني بذلك أهل الكتاب، وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب الله من بعث محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { أوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } على ما في يده من كتاب الله أنه يجد النبي صلى الله عليه وسلم مكتوباً.

قال: ثنا ابن ثور، قال: قال معمر، وقال الحسن: هو منافق استمع القول ولم ينتفع.

حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن السديّ، عن أبي صالح في قوله:{ أوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } قال: المؤمن يسمع القرآن، وهو شهيد على ذلك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ أوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} قال: ألقى السمع يسمع ما قد كان مما لم يعاين من الأحاديث عن الأمم التي قد مضت، كيف عذّبهم الله وصنع بهم حين عَصوا رسله.

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ۝٣٨

يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا السموات السبع والأرض وما بينهما من الخلائق في ستة أيام، وما مسَّنا من إعياء. كما:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، عن أبي بكر، قال: جاءت اليهود إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة؟ فقال:

خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ يَوْمَ الأحَدِ وَالاِثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الجِبالَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وَخَلَقَ المَدائِنَ والأَقْوَاتَ والأنهارَ وعُمْرانها وَخَرَابَها يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالمَلائِكَةَ يَوْمَ الخَمِيس إلى ثَلاثِ ساعاتٍ، يعْنِي مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وَخَلَقَ فِي أوَّلِ الثَّلاثِ السَّاعاتِ الآجالَ، وفي الثَّانِيَةِ الآفَة، وفي الثَّالِثَةِ آدَمَ، قالوا: صدقت إن أتممت، فعرف النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يريدون، فغضب، فأنزل الله {وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوب فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ}.

قال: ثنا مهران، عن سفيان {وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ} قال: من سآمة.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ} يقول: من إزحاف.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه عن ابن عباس: {وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ} يقول: وما مسنا من نَصَب.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ } قال: نصب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّمَوَاتِ والأرْضَ... } الآية، أكذب الله اليهود والنصارى وأهل الفري على الله، وذلك أنهم قالوا: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثم استراح يوم السابع، وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله:{ مِنْ لَغُوبٍ} قالت اليهود: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، ففرغ من الخلق يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فأكذبهم الله، وقال:{ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ}.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّمَوَاتِ والأرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أيَّامٍ } كان مقدار كلّ يوم ألف سنة مما تعدّون.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَما مَسَّنا من لُغُوبٍ } قال: لم يَمَسَّنا في ذلك عناء، ذلك اللغوب.

فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ ۝٣٩ وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَٰرَ ٱلسُّجُودِ ۝٤٠

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاصبر يا محمد على ما يقول هؤلاء اليهود، وما يفترون على الله، ويكذبون عليه، فإن الله لهم بالمِرصاد { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ } يقول: وصلّ بحمد ربك صلاة الصبح قبل طلوع الشمس وصلاة العصر قبل الغروب. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ} لصلاة الفجر، وقبل غروبها: العصر.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ} قبل طلوع الشمس: الصبح، وقبل الغروب: العصر.

وقوله:{ وَمِنَ اللَّيْل فَسَبِّحْهُ} اختلف أهل التأويل في التسبيح الذي أُمر به من الليل، فقال بعضهم: عنى به صلاة العَتَمة. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَمِنَ اللَّيْلِ} قال: العَتَمة.

وقال آخرون: هي الصلاة بالليل في أيّ وقت صلى. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} قال: من الليل كله.

والقول الذي قاله مجاهد في ذلك أقرب إلى الصواب، وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال:{ وَمَنِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} فلم يَحُدّ وقتاً من الليل دون وقت. وإذا كان ذلك كذلك كان على جميع ساعات الليل. وإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، فهو بأن يكون أمراً بصلاة المغرب والعشاء، أشبه منه بأن يكون أمراً بصلاة العَتَمة، لأنهما يصلَّيان ليلاً.

وقوله:{ وأدْبارَ السُّجُودِ } يقول: يقول: سبح بحمد ربك أدبار السجود من صلاتك.

واختلف أهل التأويل في معنى التسبيح الذي أمر الله نبيه أن يسبحه أدبار السجود، فقال بعضهم: عُنِي به الصلاة، قالوا: وهما الركعتان اللتان يصليان بعد صلاة المغرب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، قال: سألت علياً، عن أدبار السجود، فقال: الركعتان بعد المغرب.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: قال عليّ رضي الله عنه: {أدْبارَ السُّجُودِ}: الركعتان بعد المغرب.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا مصعب بن سلام، عن الأجلح، عن أبي إسحاق، عن الحارث، قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: {أدْبارَ السُّجُودِ}: الركعتان بعد المغرب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه، في قوله:{ وأدْبارَ السُّجُودِ} قال: الركعتان بعد المغرب.

قال: ثنا ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عاصم بن ضمرة، عن الحسن بن عليّ رضي الله عنهما، قال:{ أدْبارَ السُّجُودِ}: الركعتان بعد المغرب.

حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عليّ بن زيد، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة، قال: {أدبار السجود}: ركعتان بعد صلاة المغرب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن علوان بن أبي مالك، عن الشعبيّ، قال:{ أدْبارَ السُّجُودِ } الركعتان بعد المغرب.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن عكرِمة، عن ابن عباس وإبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد {أدْبارَ السُّجُودِ}: الركعتان بعد المغرب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، مثله.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم في هذه الآية { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ} وَإدْبَارَ النُّجُومِ قال: الركعتان قبل الصبح، والركعتان بعد المغرب، قال شعبة: لا أدري أيتهما أدبار السجود، ولا أدري أيتهما إدبار النجوم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:{ وأدْبارَ السُّجُودِ} قال: كان مجاهد يقول: ركعتان بعد المغرب.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وأدْبارَ السُّجُودِ } قال: هما السجدتان بعد صلاة المغرب.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو فضيل، عن رشدين بن كُرَيب، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا ابْنَ عَبَّاس رَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِب أدْبارَ السُّجُود

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: أخبرنا أبو زرعة، وهبة الله بن راشد، قال: أخبرنا حيوة بن شريح، قال: أخبرنا أبو صخر، أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصهباء البكريّ يقول: سألت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه عن {أدْبارَ السُّجُودِ } قال: هما ركعتان بعد المغرب.

حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية، قال: ثنا جرير، قال: ثنا حمير بن يزيد الرحبي، عن كُرَيب بن يزيد الرحبي قال: وكان جبير بن نفير يمشي إليه، قال: كان إذا صلى الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب أخفّ، وفسَّر إدبار النجوم، وأدبار السجود.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن عيسى بن يزيد، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الحسن {وأدْبارَ السُّجُودِ}: الركعتان بعد المغرب.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن المغُيرة، عن إبراهيم، قال: كان يقال:{ أدْبارَ السُّجُودِ}: الركعتان بعد المغرب.

قال: ثنا عنبسة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد {وأدْبارَ السُّجُودِ}: الركعتان بعد المغرب.

قال: ثنا جرير، عن عطاء، قال: قال عليّ: {أدبار السجود}: الركعتان بعد المغرب.

حدثنا ابن البرّ، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سُئل الأوزاعيّ عن الركعتين بعد المغرب، قال: هما في كتاب الله { فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حُمَيد، عن الحسن، عن عليّ رضي الله عنه، في قوله:{ وأدْبارَ السُّجُودِ } قال: الركعتان بعد المغرب.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة{وأدْبارَ السُّجُودِ} قال: ركعتان بعد المغرب.

وقال آخرون: عنى بقوله{ وأدْبارَ السُّجُودِ}: التسبيح في أدبار الصلوات المكتوبات، دون الصلاة بعدها. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس في { فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ } قال: هو التسبيح بعد الصلاة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:{ وأدْبارَ السُّجُودِ } قال: كان ابن عباس يقول: التسبيح. قال ابن عمرو: في حديثه في إثر الصلوات كلها. وقال الحارث في حديثه في دُبر الصلاة كلها.

وقال آخرون: هي النوافل في أدبار المكتوبات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وأدْبارَ السُّجُودِ}: النوافل.

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: هما الركعتان بعد المغرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، ولولا ما ذكرت من إجماعها عليه، لرأيت أن القول في ذلك ما قاله ابن زيد، لأن الله جلّ ثناؤه لم يخصص بذلك صلاة دون صلاة، بل عمّ أدبار الصلوات كلها، فقال: وأدبار السجود، ولم تقم بأنه معنيّ به: دبر صلاة دون صلاة، حجة يجب التسليم لها من خبر ولا عقل.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ وأدْبارَ السُّجُودِ} فقرأته عامة قرّاء الحجاز والكوفة، سوى عاصم والكسائيّ «وإدْبارَ السُّجُودِ» بكسر الألف، على أنه مصدر أدبر يُدبر إدباراً. وقرأه عاصم والكسائيّ وأبو عمرو {وأدْبارَ} بفتح الألف على مذهب جمع دبر وأدبار.

والصواب عندي الفتح على جمع دبر.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ