انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ص

التحرير والتنويرالآيات 71–88

تفسير سورة ص آية آية، من التحرير والتنوير.

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًا مِّن طِينٍ ۝٧١ فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ۝٧٢ فَسَجَدَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ۝٧٣ إِلَّآ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٧٤

موقع {إذْ قالَ ربُّكَ للملائِكة} صالح لأن يكون استئنافاً فإذا جعلنا النبأ بمعنى نبأ أهل المحشر الموعود به فيكون {إذْ قَالَ} متعلقاً بفعل محذوف تقديره: أُذكر، على أسلوب قوله:

{ وإنك لتلقى القرآن من لَدُن حكيم عليم إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً }[النمل: 6، 7]، ونظائِرِه.

فإمّا على جعل النبأ بمعنى نبأ خلق آدم فإن جملة {إذْ قال ربك} بدل من

{ إذْ يختصمون }[ص: 69] بدلَ بعض من كل لأن مجادلة الملأ الأعلى على كلا التفسيرين المتقدمين غير مقتصرة على قضية قصة إبليس، فقد روى الترمذي بسنده عن مالك بن يخامر عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً طويلاً في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ربه تعالى فقال له: يا محمد فِيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري. قالها ثلاثاً. ثم قال بعد الثالثة بعد أن فتح الله عليه، قلت: في الكفارات. قال: ما هن؟ قلت مشي الأقدام إلى الحسنات والجلوس في المساجد. وذكرَ أشياء من الأعمال الصالحة (ولم يذكر اختصامهم في قضية خلق آدم). وقال الترمذي هو حديث حسن صحيح وقال عن البخاري: إنه أصح من غيره مما في معناه ولم يخرجه البخاري في «صحيحه» وليس في الحديث أنه تفسير لهذه الآية، وإنما جعله الترمذي في كتاب «التفسير» لأن ما ذُكر فيه بعضٌ مما يختصم فيه أهل الملأ الأعلى مراد به اختصام خاص هو ما جرى بينهم في قصة خلق آدم والمقاولة بين الله وبين الملائكة لأن قوله: {فَسَجَدَ الملائكةُ} يقتضي أنهم قالوا كلاماً دَل على أنهم أطاعوا الله فيما أمرهم به، بل ورد في سورة البقرة تفصيل ما جرى من قول الملائكة فهو يبيّن ما أجمل هنا وإن كان متأخراً إذ المقصود من سوق القصة هنا الاتّعاظ بكبِرْ إبليس دون ما نشأ عن ذلك. ويَجوز أن يكون {إذْ قالَ ربُّكَ} منصوباً بفعل مقدر، أي اذكر إذ قال ربك للملائكة، وهو بناء على أن ضمير { هُو نبأ عظيمٌ }[ص: 67] ليس ضمير شأن بل هو عائد إلى ما قبله وأن { إذْ يختصمون }[ص: 69] مراد به خصومة أهل النار. وقصة خلق آدم تقدم ذكرها في سور كثيرة أشبهها بما هنا ما في سورة الحجر، وأبينُها ما في سورة البقرة.

ووقع في سورة الحِجْر (31)

{ إلا إبليس أبى } وفي هذه السورة {إلا إبليس استكْبَر} فيكون ما في هذه الآية يبين الباعث على الإِباية. ووقعت هنا زيادة {وكانَ مِنَ الكافِرينَ}، وهو بيان لكون المراد في سورة الحجر (31) من قوله: { أن يكون مع الساجدين }الإِبَاية من الكون من الساجدين لله، أي المنزهي الله عن الظلم والجهل.

ووقع في هذه السورة {وكان من الكافرين}، ومعناه أنه كان كافراً ساعتئذٍ، أي ساعة إبائه من السجود ولم يكن قبلُ كافراً، ففعل {كان} الذي وقع في هذا الكلام حكاية لكفره الواقع في ذلك الوقت. قال الزجّاج: «(كان) جَارٍ على باب سائر الأفعال الماضية إلاّ أن فيه إخباراً عن الحَالة فيما مضى، إذا قلت: كان زيد عالماً، فقد أنبأتَ عن أن حالته فيما مضى من الدهر هذا، وإذا قلت: سيكون عالماً فقد أنبأت عن أن حالة ستقع فيما يستقبل، فهما عبارتان عن الأفعال والأحوال» اهــــ.

وقد بدتْ من إبليس نزعة كانت كامنة في جبلته وهي نزعة الكبر والعصيان، ولم تكن تظهر منه قبل ذلك لأن الملأ الذي كان معهم كانوا على أكمل حسن الخلطة فلم يكن منهم مثير لما سكن في نفسه من طبع الكبر والعصيان. فلما طرأ على ذلك الملأ مخلوق جديد وأُمر أهل الملأ الأعلى بتعظيمه كان ذلك مورِياً زناد الكبر في نفس إبليس فنشأ عنه الكفر بالله وعصيان أمره.

وهذا ناموس خُلُقي جعله الله مبدأ لهذا العالم قبل تعميره، وهو أن تكون الحوادث والمضائق معيار الأخلاق والفضيلة، فلا يحكم على نفس بتزكية أو ضدها إلا بعد تجربتها وملاحظة تصرفاتها عند حلول الحوادث بها. وقد مُدح رجل عند عمر بن الخطاب بالخير، فقال عمر: هل أريتموه الأبيضَ والأصفر؟ يعني الدراهم والدنانير. وقال الشاعر:

لا تمدحَنَّ امرأً حتّى تُجرّبهولا تذمَّنَّه من قبل تجريبإن الرجال صناديقُ مقفَّلةوما مفاتيحها غَير التجاريب

ووجه كونه من الكافرين أنه امتنع من طاعة الله امتناع طعن في حكمة الله وعلمه، وذلك كفر لا محالة، وليس كامتناع أحد من أداء الفرائض إن لم يجحد أنها حَقّ خلافاً للخوارج وكذلك المعتزلة.

قَالَ يَٰٓإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ ۝٧٥ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ ۝٧٦

أي خاطب الله إبليس ولا شك أن هذا الخطاب حينئذٍ كان بواسطة ملَك من الملائكة لأن إبليس لما استكبر قد انسلخ عن صفة الملكية فلم يعد بعد أهلاً لتلقي الخطاب من الله ولم يكن أرفع رتبة من الرسل الذين قال الله فيهم

{ وما كان لبشر أن يكلمه اللَّه إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء }[الشورى: 51]، وبذلك تكون المحاورة المحكية هنا بواسطة ملَك فيكون الاختصام بينه وبين الملائكة على جعل ضمير { يختَصِمُونَ }[ص: 69] عائداً إلى الملأ الأعلى كما تقدم.

وجيء بفعل {قال} غير معطوف حسب طريقة المقاولات. وتقدم قريب من هذه الآية في سورة الحجر إلا قوله هنا {ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ}، أي ما منعك من السجود، ووقع في [سورة الأعراف: 12]

{ أن لا تسجد } على أن (لا) زائدة. وحُكي هنا أن الله قال له: {لِمَا خلقْتُ بِيدي}، أي خلقته بقدرتي، أي خلقاً خاصّاً دفعة ومباشرة لأمر التكوين، فكان تعلق هذا التكوين تعلقاً أقربَ من تعلقه بإيجاد الموجودات المرتَّبة لها أسباب تباشرها من حمل وولادة كما هو المعروف في تخلق الموجودات عن أصولها. ولا شكّ في أن خلق آدم فيه عناية زائدة وتشريف اتصال أقرب. فاليدان تمثيل لتكوّن آدم من مُجرد أمر التكوين للطين بهيئة صنع الفخَّاري للإِناء من طين إذ يسوّيه بيديه. وكان السلف يُقِرّون أن اليدين صفة خاصة لله تعالى لورودهما في القرآن مع جزمهم بتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات وعن الجسمية وقصدهم الحذر من تحكيم الآراء في صفات الله، أو أن تحمل العقول القاصرة صفاتتِ الله على ما تعارفته { ولتصنع على عيني }[طه: 39] وقال مرة { فإنك بأعيننا }[الطور: 48]. وقد تقدم القول في الآيات المشاهبة في أول سورة آل عمران.

وفي إلقاء هذا السؤال إلى إبليس قطع بمعذرته. والمعنى: أمن أجل أنك تتعاظم بغير حق أم لأنك من أصحاب العلو، والمراد بالعلو الشرف، أي من العالين على آدم فلا يستحق أن تعظمه فأجاب إبليس مما يشق الثاني. فتبين أنه يعدّ نفسه أفضل من آدم لأنه مخلوق من النار وآدم مخلوق من الطين، يعني والنار أفضل من الطين، أي في رأيه. وعبر عن آدم باسم «مَا» الموصولة وهو حينئذٍ إنسان لأن سجود الملائكة لآدم كان بعد خلقه وتعليمه الأسماء كما في سورة البقرة. ويؤيد قول أهل التحقيق أن «ما» لا تختص بغير العاقل وشواهده كثيرة في القرآن وغيره من كلام العرب.

وقال: {أنَا خيرٌ منه} قولٌ من الشيطان حكي على طريقة المحاورات. وجملة {خلقتني من نارٍ وخلقته من طِينٍ} بيان لجملة {أنا خيرٌ منه}. وقد جعل إبليس عذره مبْنياً على تأصيل أن النار خير من الطين ولم يرد في القرآن أن الله رد عليه هذا التأصيل لأنه أحقر من ذلك فلعنه وأطرده لأنه ادعى باطلاً وعصى ربّه استكباراً: وطَرْدُه أجمع لإِبطال علمه ودحض دليله، غير أن النور الذي في النار نور عارض قائم بالأجسام الملْتهبة التي تسمّى ناراً، وليس للنار قيام بنفسها ولذلك لم تَعْدُ أن يكون كيانها مخلوطاً بما يُلهبها.

ومعنى كون الشيطان مخلوقاً من النار أَنَّ ابتداء تكوّن الذَّرة الأصلية لقوام ماهيته من عنصر النار، ثم تمتزج تلك الذرة بعناصر أخرى مثل الهواء وما الله أعلم به. ومعنى كون آدم مخلوقاً من الطين أن ابتداء تكوّن ذَرات جثمانه من عنصر التراب وأدخل على تلك الذرات ما امتزجت به عناصر الهواء والماء والنار وما يتولد على ذلك التركيب من عناصر كيماوية وقوة كهربائية تتقوم بمجموعها ماهية الإِنسان.

وتكون {من} في الموضعين ابتدائية لا تبعيضية.

وقد جزم الفلاسفة الأولون والأطباء بأن عنصر النار أشرف من عنصر التراب ويعبر عنه بالأرض لأن النار لطيفة مضيئة اللون والتراب كثيف مظلم اللون.

وقال الشيرازي في «شرح كليات القانون»: إن النار وإن ترَجحت على الأرض بما ذكر فالأرض راجحة عليها بأنها خير للحيوان والنبات، وغيرُ مفسدة ببردها، بخلاف النار فإنها مفسدة بحرّها لكونه في الغاية إلى غير ذلك.

والحق: أن أفضليّة العناصر لا تقتضي أفضلية الكائنات المنشأَة منها لأن العناصر أجرام بسيطة لا تتكون المخلوقات من مجردها بل المخلوقات تتكون بالتركيب بين العناصر، والأجسامُ الإِنسانية مركبة من العناصر كلّها. والروح الآدمي لطيفة نورانية تفوَّق بها الإِنسان على جميع المركبات بأن كان فيه جزء ملَكي شارك به الملائكة، ولذلك طلب منه خالقه تعالى وتقدّس أن يلحق نفسه بالملائكة فتحقق ذلك الالتحاق كاملاً في الأنبياء والمرسلين ومن أجل ذلك قلنا: إن الأنبياء والرسل أفضل من الملائكة لاستواء الفريقين في تمحض النورانية وتميُّز فريق الأنبياء بأنهم لَحقوا تلك المراتب بالاصطفاء والطاعة، فليس لإِبليس دليل في التفضيل على آدم وإنما عرضت له شبهة ضالة ولذلك جوزي على إبائه من السجود إليه بالطرد من الملأِ الأعلى.

وإنما بسطنا القول هنا لردّ شبه طائفة من الملاحدة الذين يصوبون شبهة إبليس طعناً في الدين لا إيماناً بالشياطين ليعلموا أنه لو سلمنا أن النار أشرف من الطين لما كان ذلك مُقتضياً أن يكون ما ينشأ من النار أفضل مما ينشأ من الطين لأن المخلوق كائن مركب من عناصر وأجزاء متفاوتة والتركيب قد يُدخل على المادة الأولى شرفاً وقد يدخل عليها حَقارة، والتفاضل إنما يتقوم من الكمال في الذات والآثار.

قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ۝٧٧ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ۝٧٨

عاقبه الله على ما برز من نفسانيته فخالف ما كان من طريقته فأطرده من الملأ الأعلى ومن الجنة، وضمير {قَالَ} عائد إلى الله تعالى على طريقة حكاية المقاولات. وفُرّع أمره بالخروج من الجنة بالفاء على ما تقدمه من السؤال والجواب لأن جوابه دل على كون خبث في نفسه بدت آثاره في عمله فلم يصلح لمخالطة أهل الملأ الأعلى. وتقدم تفسير نظير هذه الآية في سورة الحجر.

واللعنة: الإِبعاد من رحمة الله، وأضيف إلى الله لتشنيع متعلقها وهو الملعون لأن الملعون من جانب الله هو أشنع ملعون.

وجعل {يَوْمِ الدِينِ} غاية اللعنة للدلالة على دوامها مدةَ هذه الحياة كلها ليستغرق الأزمنة كلها، وليس المراد حصول ضد اللعنة له يوم الدين أعني الرحمة لأن يوم الدين يوم الجزاء على الأعمال فجزاء الملعون العذاب الأليم كما أنبأ بذلك التعبير بــــ {يَوْمِ الدينِ} دون:

{ يوم يبعثون }[ص: 79]، أو { يوم الوقت المعلوم }[ص: 81].

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝٧٩ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ۝٨٠ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ۝٨١

أي قال إبليس. وتقدم نظير هذه الآية في سورة الحجر وتفسيرها هناك مستوفى.

قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٨٢ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝٨٣

الفاء لتفريع كلامه على أمر الله إياه بالخروج من الجنة وعقابه إياه باللعنة الدائمة وهذا التفريع من تركيب كلام متكلم على كلام متكلم آخر. وهو الملقب بعطف التلقين في قوله تعالى:

{ قال ومن ذريتي } في سورة [البقرة: 124].

أقسم الشيطان بعزة الله تحقيقاً لقيامه بالإِغواء دون تخلف، وإنما أقسم على ذلك وهو يعلم عظمة هذا القَسَم لأنه وجد في نفسه أن الله أقدره على القيام بالإِغواء والوسوسة وقد قال في سورة [الحجر: 39]:

{ رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين }

والعزة: القهر والسلطان، وعزة الله هي العزة الكاملة التي لا تختل حقيقتها ولا يتخلف سلطانها، وقَسَم إبليس بها ناشىء عن علمه بأنه لا يستطيع الإِغواء إلا لأن الله أقدره ولولا ذلك لم يستطع نقض قدرة الله تعالى

وتقدم تفسير نظير:

{ ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } في سورة [الحجر: 39، 40].

قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ۝٨٤ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٨٥

أي قال الله تعالى تفريعاً، وهذا التفريع نظير التفريع في قوله:

{ فبعزَّتِكَ لأُغوينهم أجمعينَ }[ص: 82].

وقوبل تأكيد عزمه الذي دل عليه قولُه

{ فبعزتك }[ص: 82] بتأكيدٍ مثله، وهو لفظ {الحقَّ} الدال على أن ما بعده حق ثابت لا يتخلف، ولم يزد في تأكيد الخبر على لفظ {الحق} تذكيراً بأن وعد الله تعالى حق لا يحتاج إلى قَسَم عليه ترفعاً من جلال الله عن أن يقابل كلام الشيطان بقَسَم مثله. ولذلك زاد هذا المعنى تقريراً بالجملة المعترضة وهي {والحقّ أقول} الذي هو بمعنى: لا أقول إلا الحق، ولا حاجة إلى القَسَم.

وقرأ الجمهور: {فالحقّ} بالنصب وانتصابه على المفعولية المطلقة بدلاً عن فعل من لفظه محذوفٍ تقديره: أُحقّ، أي أُوْجب وأحقّق. وأصله التنكير، فتعريفه باللام تعريف الجنس كالتعريف في: أرسلَها العِراك، فهو في حكم النكرة وإنما تعريفه حِلية لفظية إشارة إلى ما يعرفه السامع من أن الحق ما هو وتقدم بيانه في أول الفاتحة.

وقرأه عاصم وحمزة بالرفع على أنه لمَّا تعرف باللام غلبت عليه الاسمية فتنوسي كونه نائباً عن الفعل. وهذا الرفع إما على الابتداء، أي فالحق قولي، أو فالحق لأملأنّ جهنم الخ، على أن تكون جملة القَسَم قائمة مقام الخبر، وإمّا على الخبرية، أي فقولي الحقّ وتكون جملة {لأملأنَّ جهنَّمَ} مُفسر القول المحذوف، ولا خلاف في نصب الحق من قوله: {والحق أقول}. وتقدم تفصيل ذلك في أول سورة الفاتحة.

وجملة {لأملأنَّ جهنَّمَ منكَ} الخ مبيّنة لجملة {فالحق} وهي مؤكدة بلام القسم والنون.

وتقدم المفعول في {والحق أقول} للاختصاص، أي ولا أقول إلا الحق.

و(مِن) في قوله: {منك وممن تبعك} بيانية وهي التي تدخل على التمييز وينتصب التمييز بتقدير معناها. وتدخل على تمييز (كَم) في نحو

{ كم أهلكنا من قبلهم من قرن }[ص: 3]، وهي هنا بيان لما دل عليه {لأملأن} من مقدار مبهم فبيّن بآية {منك وممن تبعك}. ولما كان شأن مدخول «من» البيانية أن يكون نكرة تعين اعتبار كاف الخطاب في معنى اسم الجنس، أي من جنسك الشياطين إذ لا تكون ذات إبليس مِلأً لجهنم. وإذ قد عطف عليه {وممن تبعك منهم} أي من تبعك من الذين أغويتهم من بني آدم، فلا جائز أن يبْقى من عدَا هذين من الشياطين والجِنة غير مِلْءٍ لجهنم.

و {أجْمعينَ} توكيد لضمير {مِنْكَ} و «لمَن» في قوله: {ومِمَّن تَبِعَكَ}.

واعلم أن حكاية هذه المقاولة بين كلام الله وبين الشيطان حكاية لما جرى في خَلد الشيطان من المدارك المترتبة المتولدة في قرارة نفسه، وما جرى في إرادة الله من المسببات المترتبة على أسبابها من خواطر الشيطان لأن العالم الذي جرت فيه هذه الأسباب ومسبباتها عالم حقيقة لا يجري فيه إلا الصدق ولا مطمع فيه لترويج المواربة ولا الحيلة ولذلك لا تعد خواطر الشيطان المذكورة فيه جرأة على جلال الله تعالى ولا تعدّ مجازاة الله تعالى الشيطانَ عليه تنازلاً من الله لمحاورة عبد بغيض لله تعالى

وقد ذكرنا في تفسير سورة الحجر ما دلت عليه الأقوال التي جرت من الشيطان بين يدي الله تعالى والأقوالُ التي ألقاها الله عليه.

قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ ۝٨٦ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَٰلَمِينَ ۝٨٧ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعْدَ حِينٍۭ ۝٨٨

لمّا أمر الله رسوله بإبلاغ المواعظ والعبر التي تضمنتها هذه السورة أمره عند انتهائها أن يقرع أسماعهم بهذا الكلام الذي هو كالفذلكة للسورة تنهية لها تسجيلاً عليهم أنه ما جاءهم إلا بما ينفعهم وليس طالباً من ذلك جزاء، أي لو سألهم عليه أجراً لراج اتّهامهم إياه بالكذب لنفع نفسه، فلما انتفى ذلك وجب أن ينتفي توهم اتهامه بالكذب لأن وازع العقل يصرف صاحبه عن أن يكذب لغير نفع يرجوه لِنفسه.

والمعنى عموم نفي سؤالِه الأجرَ منهم من يوم بعث إلى وقت نزول هذه الآية وهو قياس استقراء لأنهم إذا استقرَوْا أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما مضى وجدوا انتفاء سؤاله أجراً أمراً عاماً بالاستقراء التام الحاصل من جميع أفراد المشركين في جميع مخالطاتهم إياه، فهو أمر متواتر بينهم فهذا إبطال لقولهم

{ كذاب }[ص: 4] المحكي عنهم في أول السورة وإقامة الحجة على صدق رسالته كما سيجيء.

وضمير {عَلَيْهِ} عائد إلى القرآن المعلوم من المقام فإن مبدأ السورة قوله

{ والقرآنِ ذي الذِكرِ }[ص: 1] فهذا من رد العجز على الصدر.

وعطف {وما أنا من المتكلفين} أفاد انتفاء جميع التكلف عن النبي صلى الله عليه وسلم.

والتكلف: معالجة الكلفة، وهي ما يشقّ على المرء عمله والتزامه لكونه يحرجه أو يشق عليه، ومادة التفعل تدل على معالجة ما ليس بسهل، فالمتكلف هو الذي يتطلب ما ليس له أو يدعي علم ما لا يعلمه.

فالمعنى هنا: ما أنا بمُدَّع النبوءة باطلاً من غير أن يوحى إليّ وهو رد لقولهم:

{ كذاب }[ص: 4] وبذلك كان كالنتيجة لقوله: {ما أسألكم عليه من أجْرٍ} لأن المتكلف شيئاً إنما يطلب من تكلُّفِه نفعاً، فالمعنى: وما أنا ممن يدعون ما ليس لهم. ومنه حديث الدارقطني عن ابن عمر قال: "خرج رسول الله في بعض أسفاره فمرّ على رجل جالس عند مقراة له (أي حوض ماء)، فقال عُمر: يا صاحبَ المَقراة أَوَلَغَتْ السباع الليلة في مَقراتك؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا صاحب المَقراة لا تخبره، هذا متكلف لها مَا حملتْ في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور". وفي «الصحيحين» عن ابن مسعود أنه قال: «يا أيها الناس من علِم منكم علماً فليقل به ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، قال الله لرسوله: {قُلْ ما أسألُكُم عليهِ من أجْرٍ وما أنا مِن المتكلفين}.

وأخذ من قوله: {وما أنا من المتكلفين} أن ما جاء به من الدين لا تكلف فيه، أي لا مشقة في تكاليفه وهو معنى سماحة الإِسلام، وهذا استرواح مبني على أن من حكمة الله أن يجعل بين طبع الرسول صلى الله عليه وسلم وبين روح شريعته تناسباً ليكون إقباله على تنفيذ شرعه بِشَرَاشِره لأن ذلك أنفى للحرج عنه في القيام بتنفيذ ما أمر به.

وتركيب {ما أنا من المتكلفين} أشدّ في نفي التكلّف من أن يقول: ما أنا بمتكلف، كما تقدم بيانه عند قوله تعالى:

{ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } في سورة البقرة (67).

وجملة {إن هُو إلا ذِكرٌ للعالمين} بدل اشتمال من جملة {وما أنا منَ المتكلفين} اشتمال نفي الشيء على ثبوت ضده، فلما نفَى بقوله: {وما أنا من المتكلفين} أن يكون تَقَوَّل القرآن على الله، ثبت من ذلك أن القرآن ذكرٌ للناس ذكّرهم الله به، أي ليس هو بالأساطير أو الترهات. ولك أن تجعلها تذييلاً إذ لا منافاة بينهما هنا. وهذا الإِخبار عن موقع القرآن لدى جميع أمة الدعوة لا خصوص المشركين الذين كان في مجادلتهم لأنه لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجو من معانديه أجراً. وثبت بذلك أنه ليس بمتقول ما لم يُوحَ إليه انتقل إلى إثبات أن القرآن ذكر للناس قاطبة فيدخل في ذلك مشركو أهل مكة وغيرهم من الناس، فكأنه قيل يستغني الله عنكم بأقوامٍ آخرين كما قال تعالى:

{ إن تكفروا فإن الله غني عنكم } [الزمر: 7].

وعموم العالمين يكسب الجملة معنى التذييل للجملتين قبلها.

والقصر الذي اشتملت عليه جملة {إن هو إلا ذِكرٌ للعالمين} قصر قلب إضافي، أي هو ذكر لا أساطير ولا سِحر ولا شعر ولا غير ذلك للردّ على المشركين ما وسَموا به القرآن من غير صفاته الحقيقية.

وجملة {ولتعلمن نبأهُ بعد حينٍ} عطف على جملة {إن هُوَ إلا ذِكرٌ للعالمين} باعتبار ما يشتمل عليه القصر من جانب الإِثبات، أي وستعلمون خبر هذا القرآن بعد زمان علماً جزماً فيزول شكُّكُم فيه، فالكلام إخبار عن المستقبل كما هو مقتضى وجود نون التوكيد.

والنبأ: الخبر، وأصل الخبر: الصدق، أي الموافقة للواقع، فإذا قيل: أتاني نبأُ كذا، فمعناه الخبر عن حاله في الواقع، فإضافة النبأ إلى ما يضاف إليه على معنى اللام إذ معنى اللام هو أصل معاني الإِضافة، قال تعالى:

{ وهل أتاك نبأ الخصم }[ص: 21]، أي ستعلمون صدق وصف هذا القرآن أنه الحق، وهذا كما قال تعالى: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق }[فصلت: 53]. وفُسر النبأ بمعنى المفعول، أي ما أَنبأَ به القرآن من إنذاركم بالعذاب، فهو تهديد. وكلا الاحتمالين واقع فإن من المخاطبين من عجّل له عذاب السيف يوم بدر، وبقيتهم رأوا ذلك رأي العين منهم مَن علموا دخول الناس في الإِسلام فماتوا بغيظهم ومنهم من شاهدوا فتح مكة وآمنوا، أو رأوا قبائل العرب تدخل في الدين أفواجاً فعلموا نبأ صدق القرآن وما وعد به بعد حين فازدادوا إيماناً.

وحين كلِّ فريق ما مضى عليه من زمن بين هذا الخطاب وبين تحقق الصدق. والحين: الزمن من ساعة إلى أربعينَ سنة. فختم الكلام بتسجيل التبليغ وأن فائدة ما أبلغهم لهم لا للنبي صلى الله عليه وسلم. وختم بالمواعدة لوقتِ يقينهم بنبيئه، وهذا مؤذن بانتهاء الكلام ومراعاة حسن الختام.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ