انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ص

التحرير والتنويرالآيات 30–44

تفسير سورة ص آية آية، من التحرير والتنوير.

وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَٰنَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ۝٣٠

جُعل التخلصُ إلى مناقب سليمان عليه السلام من جهة أنه من مِنن الله على داود عليه السلام، فكانت قصة سليمان كالتكملة لقصة داود. ولم يكن لحال سليمان عليه السلام شَبه بحال محمد صلى الله عليه وسلم فلذلك جزمنا بأن لم يكن ذكر قصته هنا مِثالاً لحال محمد صلى الله عليه وسلم وبأنها إتمام لما أنعم الله به على داود إذ أعطاه سليمان ابناً بهجةً له في حياته وورث ملكه بعد مماته، كما أنبأ عنه قوله تعالى: {ووهبنا لداوُود سُليمان} الآية.

ولهذه النكتة لم تفتتح قصة سليمان بعبارة: واذكر، كما افتتحت قصة داود ثم قصة أيوب، والقصص بعدها مفصَّلها ومجملها غير أنها لم تخل من مواضع إسوة وعبرة وتحذير على عادة القرآن من افتراض الإِرشاد.

ومن حسن المناسبة لذكر موهبة سليمان أنه ولد لداود من المرأة التي عوتب داود لأجل استنزال زوجها أوريا عنها كما تقدّم، فكانت موهبة سليمان لداود منها مكرمة عظيمة هي أثر مغفرة الله لداود تلك المخالفة التي يقتضي قدره تجنبها وإن كانت مباحة وتحققه لتعقيب الأخبار عن المغفرة له بقوله:

{ وإنَّ له عندنا لزُلفَىٰ وحُسن مئَابٍ } [ص: 40] فقد رضي الله عنه فوهب له من تلك الزوجة نبيئاً ومَلِكاً عظيماً.

فجملة {ووهبنا لداود سُليمانَ} عطف على جملة

{ إنا سخرنا الجبال معه }[ ص: 18] وما بعدها من الجمل. وجملة {نِعْمَ العَبْدُ} في موضع الحال من {سُلَيْمانَ} وهي ثناء عليه ومدح له من جملة من استحقوا عنوان العبد لله، وهو العنوان المقصود منه التقريب بالقرينة كما تقدم في قوله تعالى: { إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم } في سورة [الصافات: 40 - 41].

والمخصوص بالمدح محذوف لدلالة ما تقدم عليه وهو قوله: {سُلَيْمان} والتقدير: نعم العبد سليمان.

وجملة {إنَّه أوَّابٌ} تعليل للثناء عليه بــــ {نِعْمَ العَبْدُ}. والأوّاب: مبالغة في الآيب أي كثير الأوْب، أي الرجوع إلى الله بقرينة أنه مادحه. والمراد من الأوب إلى الله: الأوب إلى أمره ونهيه، أي إذا حصل له ما يبعده عن ذلك تذكر فآب، أي فتاب، وتقدم ذلك آنفاً في ذكر داود.

إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلْجِيَادُ ۝٣١ فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ ۝٣٢ رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ ۝٣٣

يتعلق {إذْ عُرِضَ} بــــ

{ أوَّابٌ }[ص: 30]. وتعليق هذا الظرف بــــ {أوَّابٌ} تعليق تعليل لأن الظروف يراد منها التعليل كثيراً لظهور أن ليس المراد أنه أوّاب في هذه القصة فقط لأن صيغة أوّاب تقتضي المبالغة. والأصل منها الكثرة فتعين أن ذكر قصة من حوادث أوبته كان لأنها ينجَلي فيها عِظم أوبته. والعَرض: الإِمرار والإِحضار أمام الرائِي، أي عرَض سُواس خيله إياها عليه.

والعَشيّ: من العصر إلى الغروب. وتقدم في قوله:

{ بالغداة والعشي } في سورة [الأنعام: 52]. وذلك وقت افتقاد الخيل والماشية بعد رواحها من مراعيها ومراتعها. وذكر العشي هنا ليس لمجرد التوقيت بل ليبنى عليه قوله: {حتَّى توارتْ بالحجابِ}، فليس ذكر العشيّ في وقع هذه الآية كوقعه في قول عمرو بن كلثوم

ملوك من بني جشم بن بكريساقون العشيةَ يُقتلونا

و {الصافنات}: وصف لموصوف محذوف استغنى عن ذكره لدلالة الصفة عليه لأن الصافن لا يكون إلا من الخيل والأفراس وهو الذي يقف على ثلاث قوائم وطرف حافر القائمة الرابعة لا يمكّن القائمة الرابعة من الأرض، وتلك من علامات خفته الدالة على كرم أصل الفرس وحسن خلاله، يقال: صفن الفرس صُفوناً، وأنشده ابن الأعربي والزجّاج في صفة فرس:

ألفَ الصُّفون فلا يزال كأنهمما يقوم على الثلاثِ كَسيرا

{الجِياد}: جمع جواد بفتح الواو وهو الفرس ذو الجَودة، أي النفاسة، وكان سليمان مولَعاً بالإِكثار من الخيل والفرسان، فكانت خيله تعد بالآلاف.

وأصل تركيب {أحْببتُ حبَّ الخيرِ}: أحببتُ الخير حُبًّا، فحول التركيب إلى {أحببتُ حب الخيرِ} فصار {حُبَّ الخيرِ} تمييزاً لإِسناد نسبة المحبة إلى نفسه لغرض الإِجمال ثم التفصيل كقوله تعالى:

{ وفجرنا الأرض عيوناً }[القمر: 12] وقول كعب بن زهير:

أكرم بها خلة

وقولهم: لله دره فَارساً.

وضمن {أحْبَبْتُ} معنى عَوَّضت، فعدِّي بــــ {عن} في قوله: {عن ذِكرِ ربي} فصار المعنى: أحببت الخير حبّاً فجاوزت ذكر ربي. والمراد بذكر الرّب الصلاة، فلعلها صلاة كان رتبها لنفسه لأن وقت العشي ليست فيه صلاة مفروضة في شريعة موسى إلا المغرب.

و {الخير}: المال النفيس كما في قوله تعالى:

{ إن ترك خيراً }[البقرة: 180]. والخيل من المال النفيس. وقال الفراء: الخير بالراء من أسماء الخيل. والعرب تعاقب بين اللام والراء كما يقولون: انهملت العين وانهمرت. وختل وختر إذا خدع.

وقلت: إن العرب من عادتهم التفاؤل ولهم بالخيل عناية عظيمة حتى وصفوا شياتها وزعموا دلالتها على بخت أو نحس فلعلهم سموها الخير تفاؤلاً لتتمحض للسعد والبخت. وضمير {تَوارَتْ} للشمس بقرينة ذكر العشي وحرف الغاية ولفظ الحجاب، على أن الإِضمار للشمس في ذكر الأوقات كثير في كلامهم. كما قال لبيد:

حتى إذا ألقتْ يداً في كافروأجنّ عَورات الثغور ظلامها

أي ألقت الشمس يدها في الظلمة، أي ألقت نفسها فهو من التعبير عن الذات ببعض أعضائها.

والتواري: الاختفاء، والحجاب: الستر في البيت الذي تحتجب وراءه المرأة وغيرها ومنه قول أنس بن مالك: "فأنزل الله آية الحجاب".

والكلام تمثيل لحالة غروب الشمس بتواري المرأة وراء الحجاب وكل من أجزاء هذه التمثيلية مستعار؛ فللشمس استعيرت المرأة على طريقة المكنية، ولاختفائها عن الأنظار استعير التواري، ولأُفق غروب الشمس استعير الحجاب.

والمعنى: عرضت عليه خيله الصافنات الجياد فاشتغل بأحوالها حباً فيها حتى غربت الشمس ففاتته صلاة كان يصليها في المساء قبل الغروب، فقال عقب عرض الخيل وقد انصرفت: إني أحببتُ الخيل فغفلت عن صلاتي لله.

وكلامه هذا خبر مستعمل في التحسر كقول أم مريم

{ رب إني وضعتها أنثى }[آل عمران: 36]. والخطاب في قوله: {رُدّوها عليَّ} لسواس خيله. والضمير المنصوب عائد إلى الخيل بالقرينة، أي أرجعوا الخيل إليّ، وقيل: هو عائد إلى الشمس والخطاب للملائكة، وهذا في غاية البعد ولولا كثرة ذكره في كتب المفسرين لكان الأولى بنا عدم التعرض له. وأحسن منه على هذا الاعتبار في معاد ضمير الغيبة أن يكون الأمر مستعملاً في التعجيز، أي هل تستطيعون أن تردوا الشمس بعد غروبها، كقول مهلهل:

يَا لَبَكْر انشروا لي كليبا

وقول الحارث الضبي أحد أصحاب الجمل

رُدوا علينا شيخَنا ثم بَجل

يريد: عثمان بن عفان رضي الله عنه، فلا استبعاد في هذا المحمل. والفاء في قوله: {فَطَفِقَ} تعقيبية، وطفق من أفعال الشروع، أي فشرع.

و {مَسْحاً} مصدر أقيم مقام الفعل، أي طفق يمسح مَسحاً. وحرف التعريف في {بالسُّوقِ والأعناقِ} عوض عن المضاف إليه، أي بسوقها وأعناقها كقوله تعالى:

{ فإن الجنة هي المأوى }[النازعات: 41]. والمسح حقيقته: إمرار اليد على الشيء لإِزالة ما عليه من غبش أو ماء أو غبار وغير ذلك مما لا يراد بقاؤه على الشيء ويكون باليد وبخرقة أو ثوب، وقد يطلق المسح مجازاً على معان منها: الضرب بالسيف يقال: مسحه بالسيف. ويقال: مسحَ السيفَ به. ولعل أصله كناية عن القتل بالسيف لأن السيف يمسح عنه الدم بعد الضرب به.

والسُّوق: جمع ساق. وقرأه الجمهور بواو ساكنة وبوزن فُعْل مثل: دار ودُور، ووزن فُعل في جمع مثلِه قليل. وقرأه قنبل عن ابن كثير وأبو جعفر «السُّؤق» بهمزة ساكنة بعد السين جمع: سأق بهمزة بعد السين وهي لغة في ساق.

و {الأعناق}: جمع عنق وهو الرقبة. والباء في {بالسُّوقِ} مزيدة للتأكيد، أي تأكيد اتصال الفعل بمفعوله كالتي في قوله تعالى:

{ وامسحوا برؤوسكم }[المائدة: 6] وفي قول النابغة:

لك الخير إن وارت بك الأرض واحداوأصبح جد الناس يضلع عاثرا

وقد تردد المفسرون في المعنى الذي عنى بقوله: {فَطَفِق مسْحَاً بالسُّوقِ والأعناقِ}، فعن ابن عباس والزهري وابن كيسان وقطرب: طفق يمسح أعراف الخيل وسوقها بيده حُبًّا لها. وهذا هو الجاري على المناسب لمقام نبيءٍ والأوفق بحقيقة المسح ولكنه يقتضي إجراء ترتيب الجمل على خلاف مقتضى الظاهر بأن يكون قوله: {رُدُّوهَا عليَّ فطفق مسحاً بالسوق والأعناق} متصلاً بقوله: {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات} أي بعد أن استعرضها وانصرفوا بها لتأوي إلى مذاودها قال: {ردُّوها عليَّ فطفق مسحاً بالسوق والأعناقِ} إكراماً لها ولحبها. ويجعل قوله: {فقَالَ إني أحببتُ حبَّ الخيرِ عن ذِكرِ ربي حتَّىٰ توارتْ بالحجابِ} معترضاً بينهما، وإنما قدم للتعجيل بذكر ندمه على تفريطه في ذكر الله في بعض أوقات ذكره، أي أنه لم يستغرق في الذهول بل بادر الذكرى بمجرد فوات وقت الذكر الذي اعتاده، إذ لا يناسب أن يكون قوله: {ردوها عليَّ فطفِقَ} الخ من آثار ندمه وتحسّره على هذا التفسير، وهذا يفيد أن فوات وقت ذكره نشأ عن ذلك الرد الذي أمر به بقوله: {ردُّها عليَّ} فإنهم اعتادوا أن يعرضوها عليه وينصرفوا وقد بَقي ما يكفي من الوقت للذكر فلما حملته بهجته بها على أن أمر بإرجاعها واشتغل بمسح أعناقها وسُوقها خرج وقت ذكره فتندّم وتحسّر.

وعن الحسن وقتادة ومالك بن أنس في رواية ابنِ وَهب والفراء وثعلب: أن سليمان لما ندِم على اشتغاله بالخيل حتى أضاع ذكر الله في وقت كان يذكر الله فيه أمر أن تُردّ عليه الخيل التي شغلتْه فجعل يعرقب سوقها ويقطع أعناقها لحرمان نفسه منها مع محبته إياها توبة منه وتربية لنفسه. واستشعروا أن هذا فساد في الأرض وإضاعة للمال فأجابوا: بأنه أراد ذبحها ليأكلها الفقراء لأن أكل الخيل مباح عندهم وبذلك لم يكن ذبحها فساداً في الأرض.

وتجنّب بعضهم هذا الوجه وجعل المسح مستعاراً للتوسيم بسمة الخيل الموقوفة في سبيل الله بكي نار أو كَشط جلد لأن ذلك يزيل الجلدة الرقيقة التي على ظاهر الجلد، فشبهت تلك الإِزالة بإِزالة المَسح ما على ظهر الممسوح من ملتصق به، وهذا أسلم عن الاعتراض من القول الأول وهو معزو لبعض المفسرين في «أحكام القرآن» لابن العربي. وقال ابن العربي: إنه وَهَم. وهذه طريقة جليلة من طرائق تربية النفس ومظاهر كمال التوبة بالنسبة إلى ما كان سبباً في الهفوة.

وعلى هذين التأويلين يكون قوله: {فطفق} تعقيباً على {ردُّوها عليَّ} وعلى محذوف بعده. والتقدير: فردُّوها عليه فطفق، كقوله:

{ أن اضرب بعصاك البحر فانفلق }[الشعراء: 63]. ويكون قوله: {ردوها عليَّ} من مقول: {فقال إني أحببت حبَّ الخير}.

وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ۝٣٤ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ۝٣٥

قد قلت آنفاً عند قوله تعالى:

{ ووهبنا لداوود سليمان }[ ص: 30] إن ما ذكر من مناقب سليمان لم يخل من مقاصد ائتساء وعبرة وتحذير على عادة القرآن في ابتدار وسائل الإِرشاد بالترغيب والترهيب، فكذلك كانت الآيات المتعلقة بندمه على الاشتغال بالخيل عن ذكر الله موقع أسوة به في مبادرة التوبة وتحذير من الوقوع في مثل غفلته، وكذلك جاءت هذه الآيات مشيرة إلى فتنة عرضت لسليمان أعقبتها إنابة ثم أعقبتها إفاضة نعم عظيمة فذكرت عقب ذكر قصة ما ناله من السهو عن عبادته وهو دون الفتنة. والفَتن والفتون والفتنة: اضطراب الحال الشديد الذي يظهر به مقدار صبر وثبات من يحلّ به، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: { إنما نحن فتنة }}.

في سورة البقرة (102) وقد أشارت الآية إلى حدث عظيم حلّ بسليمان، واختلفت أقوال المفسرين في تعيين هذه الفتنة فذكروا قصصاً هي بالخرافات أشبه، ومقام سليمان عن أمثالها أنزه. ومن أغربها قولهم: إنه ولد له ابن فخاف عليه الناسَ أن يقتلوه فاستودعه الريح لتحضنه وترضعه دَرّ ماء المُزن فلم يلبث أن أصابه الموت وألقته الريح على كرسي سليمان ليعلم أنه لا مردّ لمحتوم الموت. وهذا ما نظمه المعري تبعاً لأوهام الناس فقال حكاية عن سليمان:

خَاف غدْر الأنامِ فاستودع الريـــــــحَ سَليلاً تغذوه دَرَّ العِهَادوتوخّى النجاةَ وقد أيْــــــقَنَ أن الحِمام بالمرصادفرمتْه به على جَانب الكُرسِيِّ أمّ اللّهَيْم أُخْتُ النّآد

والذي يظهر من السياق أن قوله تعالى: {وألقينا على كرسيه جسداً} إشارة إلى شيء من هذه الفتنة ليرتبط قوله: {ثمَّ أنابَ} بذلك.

ويحتمل أنه قصة أخرى غير قصة فتنته. وأظهر أقوالهم أن تكون الآية إشارة إلى ما في «صحيح البخاري» «عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

قال سليمان لأَطُوفَنّ الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله. فطاف عليهن جميعاً فلم تحمل منهن إلا إمرأة واحدة جاءت بشقِّ رَجل، وأيْم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون». وليس في كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك تأويل هذه الآية ولا وضع البخاري ولا الترمذي الحديثَ في التفسير من كتابيهما. قال جماعة: فذلك النصف من الإِنسان هو الجَسد الملقَى على كرسيّه جاءت به القابلة فألقته له وهو على كرسيه، فالفتنة على هذا خيبة أمله ومخالفة ما أبلغه صاحبُه.

وإطلاق الجسد على ذلك المولود؛ إمّا لأنه وُلِد ميتاً، كما هو ظاهر قوله: «شق رجل»، وإمّا لأنه كان خلقة غير معتادة فكان مجرد جسد. وهذا تفسير بعيد لأن الخبر لم يقتض أن الشق الذي ولدته المرأة كان حيّاً ولا أنه جلس على كرسي سليمان. وتركيب هذه الآية على ذلك الخبر تكلّف.

وقال وهب بن منبه وشَهْر بن حَوْشَب: تزوج سليمان ابنة ملك صيدون بعد أن غزا أباها وقتله فكانت حزينة على أبيها، وكان سليمان قد شغف بحبها فسألته لترضى أن يأمر المصورين ليصنعوا صورة لأبيها فصنعت لها فكانت تغدو وتروح مع ولائدها يسجدن لتلك الصورة فلما علم سليمان بذلك أمر بذلك التمثال فكسر، وقيل: كانت تعبد صنماً لها من ياقوت خُفية فلما فطن سليمان أو أسلمت المرأة ترك ذلك الصنم. وهذا القول مختزل مما وقع في «سفر الملوك» الأول من كتب اليهود إذ جاء في الإِصحاح الحادي عشر: "وأحَب سليمان نساء غريبة كثيرة بنت فرعون ومعها نساء مؤابيات وعمونيات، وأدوميات وصيدونيات وحثيات من الأمم التي قال عنهم الرب لبني إسرائيل: لا تدخلون إليهم لأنهم يُميلون قلوبكم وراء آلهتهم. فبنى هيكلاً للصنم (كموش) صنَم المؤابيين على الجبل الذي تُجاه أورشليم فقال الله له: من أجل أنك لم تحفظ عهدي فإني أمزق مملكتك بعدك تمزيقاً وأعطيها لعبدك ولا أعطي ابنك إلا سِبطاً واحداً" الخ.

ويؤخذ من ذلك كله: أن سليمان اجتهد وسمح لنسائه المشركات أن يعبدْن أصنامهن في بيوتهن التي هي بيوته أو بنى لهن معابد يعبدْنَ فيها فلم يرضَ الله منه ذلك لأنه وإن كان قد أباح له تزوج المشركات فما كان ينبغي لنبيء أن يسمح لنسائه بذلك الذي أبيح لعامة الناس الذين يتزوجون المشركات وإن كان سليمان تأول أن ذلك قاصر على المرأة لا يتجاوز إليه.

وعلى هذا التأويل يكون المراد بالجسد الصنم لأنه صورة بلا روح كما سمى الله العجل الذي عبده بنو إسرائيل جَسداً في قوله:

{ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار }[طه: 88].

ويكون معنى إلقائه على كرسيّه نصبه في بيوت زوجاته المشركات بقرب من مواضع جلوسه إذ يكون له في كل بيت منها كرسي يجلس عليه.

وعطف {ثُمَّ أنابَ} بحرف {ثمّ} المفيد للتراخي الرتبي لأن رتبة الإِنابة أعظم ذكر في قوله:

{ فقال إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ }[ص: 32]. والإِنابة: التوبة.

وجملة {قال ربّ اغفر لي} بدل اشتمال من جملة {أنَابَ} لأن الإِنابة تشتمل على ترقب العفو عما عسى أن يكون قد صدر منه مما لا يرضي الله تعالى صدوره من أمثاله.

وإردافه طلب المغفرة باستيهاب مُلْك لا ينبغي لأحدٍ من بعده لأنه توقع من غضب الله أمرين: العقاب في الآخرة، وسلب النعمة في الدنيا إذ قصّر في شكرها، وكان سليمان يومئذٍ في مُلْك عظيم فسؤال موهبة الملك مراد به استدامة ذلك الملك وصيغة الطلب ترد لطلب الدوام مثل:

{ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله }[النساء: 136]. وتنكير {مُلْكاً} للتعظيم.

وارتقى سليمان في تدرج سؤاله إلى أن وصف ملكاً أنه لا ينبغي لأحد من بعده، أي لا يتأتى لأحد من بعده، أي لا يعطيه الله أحداً يبتغيه من بعده. فكنّى بــــ {لا ينبغي} عن معنى لا يُعطَى لأحد، أي لا تعطيه أحداً من بعدي.

ففعل: {ينبغِي} مطاوع بغاه، يقال: بغاه فانبغى له وليس للملْك اختيار وانبغاء وإنما الله هو المعطي والميسّر فإسناد الانبغاء إلى الملك مجاز عقلي، وحقيقته: انبغاء سببه. وهذا من التأدّي في دعائه إذ لم يقل: لا تعطه أحداً من بعدي.

وسأل الله أن لا يقيم له منازعاً في ملكه وأن يبقى له ذلك الملكُ إلى موته، فاستجاب فكان سليمان يخشى ظهور عبده (يربعام بن نباط) من سبط أفرايم عليه إذ كان أظهر الكيد لسليمان فطلبه سليمان ليقتله فهرب إلى (شيشق) فرعون مصر وبقي في مصر إلى وفاة سليمان. فهذا أيضاً مما حمل سليمان أن يسأل الله تثبيت ملكه وأن لا يعطيه أحداً غيره. وكان لسليمان عدوَّان آخران هما (هدد) الأدومي و (رزون) من أهل صرفة مقيمين في تخوم مملكة إسرائيل فخشي أن يكون الله هيأهما لإِزالة ملكه.

واستعمل {مِن بعدي} في معنى: من دوني، كقوله تعالى:

{ فمن يهديه من بعد الله }[الجاثية: 23]، فيكون معنى {لا ينبغِي} أنه لا ينبغي لأحد غيري، أي في وقت حياتي فهذا دعاء بأن لا يُسلط أحد على ملكه مدة حياته.

وعلى هذا التفسير لا يكون في سؤاله هذا الملك شيء من الاهتمام بأن لا ينال غيره مثل ما ناله هو فلا يرد على ذلك أن مثل هذا يعدّ من الحسد.

ويجوز أن يبقى {مِن بعدي} على ظاهره، أي بعد حياتي. فمعنى {لا يَنبغِي}: لا ينبغي مثله لأحد بعد وفاتي. وتأويل ذلك أنه قصد من سؤاله الإِشفاق من أن يلِي مثل ذلك الملك من ليس له من النُبوءة والحكمة والعصمة ما يضطلع به لأعباء ملك مثل ذلك الملك ومن ليس له من النفوذ على أمته ما لسليمان على أمته فلا يلبث أن يحسد على الملك فينجم في الأمة منازعون للمَلِك على مُلْكه، فينتفِي أيضاً على هذا التأويل إيهام أنه سأل ذلك غيرة على نفسه أن يعطَى أحد غيرُه مثلَ ملكه (مما تشمّ منه رائحة الحسد).

وقد تضمنت دعوته شيئين: هما أن يعطى ملكاً عظيماً، وأن لا يُعطَى غيرُه مثلَه في عظمته. وقد حكى الله دعاء سليمان وهو سرّ بينه وبين ربه إشعاراً بأنه ألهمه إياه، وأنه استجاب له دعوته تعريفاً برضاه عنه وبأنه جعل استجابته مكرمة توبتِه. ومعنى ذلك أنه لا يأتي ملك بعده له من السلطان جميع ما لسليمان فإن ملك سليمان عمّ التصرف في الجن وتسخير الريح والطير، ومجموعُ ذلك لم يحصل لأحد من بعده.

وفي «الصحيح» عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إن عفريتاً من الجن تفلَّتَ البارحةَ ليقطع عليَّ صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردتُ أن أربطه بسارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلُّكُم فذكرتُ دعوة أخي سليمان: {رب هَبْ لي مُلْكاً لا يَنْبَغي لأحَدٍ مِنْ بَعْدي} فرددته خاسِئاً

وجملة {إنَّك أنتَ الوهابُ} علة للسؤال كله وتمهيد للإِجابة، فقامت (إنّ) مقام حرف التفريع ودلت صيغة المبالغة في {الوَهَّابُ} على أنه تعالى يهب الكثير والعظيم لأن المبالغة تفيد شدة الكمية أو شدة الكيفية أو كلتيهما بقرينة مقام الدعاء، فمغفرة الذنب من المواهب العظيمة لما يرتب عليه من درجات الآخرة وإعطاء مثل هذا الملك هو هبة عظيمة. و {أنْتَ} ضميرُ فصل، وأفاد الفصل به قصراً فصار المعنى: أنت القوي الموهبة لا غيرك، لأن الله يَهَب ما لا يملك غيره أن يهبه.

فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ۝٣٦ وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ ۝٣٧ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ ۝٣٨

اقتضت الفاء وترتيب الجمل أن تسخير الريح وتسخير الشياطين كانا بعد أن سأل الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده أن أعطاه هاتين الموهبتين زيادة في قوة ملكه وتحْقِيقاً لاستجابة دعوته لأنه إنما سأل ملكاً لا ينبغي لأحد غيره ولم يسأل الزيادة فيما أعطيه من الملك. ولعل الله أراد أن يعطيه هاتين الموهبتين وأن لا يعطيهما أحداً بعده حتى إذا أعطى أحداً بعده مُلكاً مثل ملكه فيما عدا هاتين الموهبتين لم يكن قد أخلف إجابته.

والتسخير الإِلجاء إلى عمل بدون اختيار، وهو مستعار هنا لتكوين أسباب صرف الريح إلى الجهات التي يريد سليمان توجيه سفنه إليها لتكون معينة سفنَه على سرعة سيرها، ولئلا تعاكس وجهة سفنه، وتقدم في قوله تعالى:

{ ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر } في سورة [سبأ: 12].

وقرأ أبو جعفر {الرّياحَ} بصيغة الجمع.

وتقدم قوله:

{ تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها } في سورة [الأنبياء: 81].

واللام في {له} للعلة، أي لأجله، أي ذلك التسخير كرامَة من الله له بأن جعل تصريف الرياح مقدّراً على نحو رغبته.

والأمر في قوله: {بِأمْرِهِ} مستعار للرغبة أو للدعاء بأن يدعو الله أن تكون الريح متجهة إلى صوب كذا حسب خطة أسفار سفائنه، أو يرغب ذلك في نفسه، فيصرف الله الريح إلى ما يلائم رغبته وهو العليم بالخفيّات.

والرُّخاء: اللينة التي لا زعزعة في هبوبها. وانتصب {رُخَاءً} على الحال من ضمير {تَجْرِي} أي تجري بأمره لينة مساعدة لسير السفن وهذا من التسخير لأن شأن الريح أن تتقلب كيفياتُ هبوبِها، وأكثر ما تهب أن تهب شديدة عاصفة، وقد قال تعالى في سورة [الأنبياء: 81]:

{ ولسليمان الريح عاصفة }ومعناه: سخرنا لسليمان الريح التي شأنها العصوف، فمعنى { فسخَّرْنَا لهُ } جعلناها له رخاء. فانتصب {عاصفة} في آية سورة الأنبياء على الحال من {الريح} وهي حال منتقلة. ولما أعقبه بقوله: {تجري بأمره} علم أن عصفها يصير إلى لَيْن بأمر سليمان، أي دعائه، أو بعزمه، أو رغبته لأنه لا تصلح له أن تكون عاصفة بحال من الأحوال، فهذا وجه دفع التنافي بين الحالين في الآيتين.

و {أصَابَ} معناه قصد، وهو مشتق من الصَّوْب، أي الجهة، أي تجري إلى حيث أي جهة قصد السير إليها. حكَى الأصمعي عن العرب: «أَصَابَ الصواب فأخطأ الجواب» أي أراد الصواب فلم يُصب. وقيل: هذا استعمال لها في لغة حِمير، وقيل في لغة هَجَر.

و {الشياطين} جمع شيطان، وحقيقته الجنّي، ويستعمل مجازاً للبالغ غاية المقدرة والحذق في العمل الذي يعمله. ومنه قوله تعالى:

{ وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن }[الأنعام: 112]، فسخر الله النوع الأول لسليمان تسخيراً خارقاً للعادة على وجه المعجزة فهو مسخر له في الأمور الروحانية والتصرفات الخفية وليس من شأن جنسهم إيجاد الصناعات المتقنة كالبناء، وسخر النوع الثاني له تسخير إذلال ومغلوبية لعظم سلطانه وإلقاء مهابته في قلوب الأمم فكانوا يأتون طوعاً للانضواء تحت سلطانه كما فعلت بلقيس وقد تقدم في سورة سبأ. فيجوز أن يكون {الشياطين} مستعملاً في حقيقته ومجازه.

و {كُلَّ بناءٍ} بدل من {الشَيَاطِينَ}بدل بعض من كل، أي كل بنّاء وغوّاص منهم، أي من الشياطين. و {كُلَّ} هنا مستعملة في معنى الكثير، وهو استعمال وارد في القرآن والكلام الفصيح، قال تعالى:

{ ولو جاءتهم كل آية }[يونس: 97] وقال: { ثم كلي من كل الثمرات }[النحل: 69]. وقال النابغة:

بها كلُّ ذَيَّال وخنساءَ ترعوي

وتقدم عند قوله تعالى: { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } في سورة [الأنعام: 25].

والبنَّاء: الذي يَبني وهو اسم فاعل مصوغ على زنة المبالغة للدلالة على معنى الصناعة مثل نَجَّار وقصَّار وحدَّاد.

والغواص: الذي يغوص في البحر لاستخراج محار اللؤلؤ، وهو أيضاً مما صِيغ على وزن المبالغة للدلالة على الصناعة، قال النابغة:

أو درّة صدفية غوَّاصهابَهج مَتَى يَرها يَهِلَّ ويَسْجُدِ

قال تعالى: { ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملاً دون ذلك }[الأنبياء: 82].

وقد بلغت الصناعة في مُلك سليمان مبلغاً من الإِتقان والجودة والجلال، وناهيك ببناء هيكل أورشليم وهو الذي سُمي في الإِسلام المسجد الأقصى وما جلب إليه من مواد إقامته من الممالك المجاورة له، وكذلك الصرح الذي أقامه وأدخلت عليه فيه مملكة سبَأ.

و {ءَاخَرِينَ} عطف على {كُلَّ بناءٍ وغوَّاصٍ} فهو من جملة بدل البعض. وجمع آخر بمعنى مغاير، فيجوز أن تكون المغايرة في النوع من غير نوع الجن، ويجوز أن تكون المغايرة في الصفة، أي غير بنائين وغوّاصين. وقد كان يجلب من الممالك المجاورة له والداخلة تحت ظل سلطانه ما يحتاج إليه في بناء القصور والحصون والمدن وكانت مملكته عظيمة وكل الملوك يخشون بأسه ويصانعونه.

والمقرَّن: اسم مفعول من قرنه مبالغة في قرنه أي جعله قريناً لغيره لا ينفك أحدهما عن الآخر.

و {الأصفاد}: جمع صَفَد بفتحتين وهو القيد. يقال: صفده، إذا قيّده. وهذا صنف ممن عبر عنهم بالشياطين شديد الشكيمة يخشى تفلته ويرام أن يستمر يعمل أعمالاً لا يجيدها غيرُه فيصفد في القيود ليعمل تحت حراسة الحراس. وقد كان أهل الرأي من الملوك يَجعلون أصحاب الخصائص في الصناعات محبوسين حيث لا يتصلون بأحد لكيلا يستهويهم جواسيس ملوك آخرين يستصنعونهم ليتخصص أهل تلك المملكة بخصائص تلك الصناعات فلا تشاركها فيها مملكة أخرى وبخاصة في صنع آلات الحرب من سيوف ونبال وقِسِيّ ودرق ومَجَانَ وخُوذ وبيضات ودروع، فيجوز أن يكون معنى: {مُقَرَّنينَ في الأصفَادِ} حقيقة، ويجوز أن يكون تمثيلاً لمنع الشياطين من التفلت.

وقد كان ملك سليمان مشتهراً بصنع الدروع السابغات المتقنة. يقال: دروع سليمانية. قال النابغة:

وكل صَموت نثلة تُبَّعِيّةونَسْج سُلَيم كلَّ قمصاء ذائل

أراد نسج سليمان، أي نسج صنّاعه.

هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٣٩

والإِشارة إلى التسخير المستفاد من

{ فسخرنا له الريح } [ص: 36] إلى قوله: { والشياطين }[ ص: 37] أي هذا التسخير عطاؤنا. والإِضافة لتعظيم شأن المضاف لانتسابه إلى المضاف إليه فكأنه قيل: هذا عطاء عظيم أعطيناكه. والعطاء مصدر بمعنى المعطى مثل الخلق بمعنى المخلوق.

و «امنن» أمر مستعمل في الإِذن والإِباحة، وهو مشتق من المنّ المكنّى به عن الإِنعام، أي فأنعم على مَن شئت بالإِطلاق، أو أمسك في الخدمة من شئت.

فالمنّ: كناية عن الإِطلاق بلازم اللام، كقوله تعالى:

{ فإما مناً بعدُ وإما فداء } [محمد: 4].

وجملتا {فامنن أو أمْسِك} معترضتان بين قوله: {عَطَاؤُنَا} وقوله: {بِغَيرِ حسَابٍ}، وهو تفريع مقدّم من تأخير.

والتقديم لتعجيل المسرة بالنعمة، ونظيره قوله تعالى من بعد:

{ هذا فليذوقوه حميم وغساق }[ص: 57] وقول عنترة:

ولقد نزلت فلا تظنِّي غيرَهمني بمنزلة المُحَب المكْرَم

وقول بشارة:

كقائلة إن الحمار فنحِّهعن القَتِّ أهلُ السمسم المتهذب

مجازاً وكناية في التحديد والتقدير، أي هذا عطاؤنا غير محدد ولا مقتَّر فيه، أي عطاؤنا واسعاً وافياً لا تضييق فيه عليك.

ويجوز أن يكون {بغيرِ حسابٍ} حالاً من ضمير «أمنن أو أمسك». ويكون الحساب بمعنى المحاسبة المكنّى بها عن المُؤاخذة. والمعنى: أُمنن أو أمسك لا مؤاخذة عليك فيمن منَنْتَ عليه بالإِطلاق إن كان مفسداً، ولا فيمن أمسكته في الخدمة إن كان صالحاً.

وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍ ۝٤٠

تقدم نظيره آنفاً في قصة داود وبيان نكتة التأكيد بحرف {إن}.

وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ۝٤١ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَٰذَا مُغْتَسَلٌۢ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ۝٤٢

هذا مَثَل ثانٍ ذُكّر به النبي صلى الله عليه وسلم إسوة به في الصبر على أذى قومه والالتجاء إلى الله في كشف الضر، وهو معطوف على

{ واذكر عبدنا داود ذا الأيد }[ص: 17] ولكونه مقصوداً بالمَثل أعيد معه فعل {اذْكُر} كما نبهنا عليه في قوله: { واذكر عبدنا داود }[ص: 17]، وقد تقدم الكلام على نظير صدر هذه الآية في سورة الأنبياء. وترجمة أيوب عليه السلام تقدمت في سورة الأنعام.

وإذ كانت تعدية فعل {اذكر} إلى اسم أيوب على تقدير مضاف لأن المقصود تذكّر الحالة الخاصة به كان قوله: {إذ نادىٰ ربّه} بدل اشتمال من أيوب لأن زمن ندائه ربَّه مما تشتمل عليه أحوال أيّوب. وخص هذا الحال بالذكر من بين أحواله لأنه مظهر توكّله على الله واستجابة الله دعاءه بكشف الضر عنه.

والنداء: نداء دُعاء لأن الدعاء يفتتح بــــ: يا رب، ونحوه.

و {أنِّي مسَّنِي الشيطانُ} متعلق بــــ {نَادَىٰ} بحذف الباء المحذوفة مع (أن)، أي نادى: بأنّي مسني الشيطان، وهو في الأصل جملة مبيّنة لجملة {نَادَىٰ ربَّهُ} ولولا وجود (أن) المفتوحة التي تصيِّر الجملة في موقع المفرد لكانت جملة مبينة لجملة {نادىٰ}، ولما احتاجت إلى تقدير حرف الجر ليتعدّى إليها فعل {نادىٰ} وخاصة حيث خَلَت الجملة من حرف نداء. فقولهم: إنها مجرورة بباء مقدرة جرى على اعتبارات الإِعراب تفرقة بين موقع (أنَّ) المفتوحة وموقع (إنَّ) المكسورة ولهذا الفرق بين الفتححِ والكسرِ اطّرد وجهَا فتحِ الهمزة وكسرِها في نحو «خيرُ القَول أني أحمد».

وقد ذكرنا في قوله تعالى:

{ فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين }في سورة [الأنفال: 9] رأينا في كون (أن) المفتوحة الهمزة المشددة النون مركبة من (أَنْ) التفسيرية (وأنَّ) الناسخة. والخبر مستعمل في الدعاء والشكاية، كقوله: { رب إني وضعتها أنثى }[آل عمران: 36]، وقد قال في آية سورة [الأنبياء: 83] { أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين }}.والنُصْب، بضم النون وسكون الصاد: المشقة والتعب، وهي لغة في نَصَب بفتحتين، وتقدم النَصَب في سورة الكهف. وقرأ أبو جعفر {بِنُصُبٍ} بضم الصاد وهو ضم إتباع لضمّ النون.

والعذاب: الألم. والمراد به المرض يعني: أصابني الشيطان بتعَب وألم. وذلك من ضرّ حل بجسده وحاجة أصابته في ماله كما في الآية الأخرى

{ أني مسني الضر } [الأنبياء: 83].

وظاهر إسناد المسّ بالنُّصب والعذاب إلى الشيطان أن الشيطان مسّ أيوب بهما، أي أصابه بهما حقيقة مع أن النصب والعذاب هما الماسان أيوب، ففي سورةَ [الأنبياء: 83]

{ أني مسني الضر } فأسند المسّ إلى الضر، والضرّ هو النصب والعذاب. وتردّدت أفهام المفسرين في معنى إسناد المسّ بالنُّصب والعذاب إلى الشيطان، فإن الشيطان لا تأثير له في بني آدم بغير الوسوسة كما هو مقرر من مُكرر آيات القرآن وليس النُّصب والعذاب من الوسوسة ولا من آثارها. وتأولوا ذلك على أقوال تتجاوز العشرة وفي أكثرها سماجة وكلها مبني على حملهم الباء في قوله: {بِنُصبٍ} على أنها باء التعدية لتعدية فعل {مَسَّنِي}، أو باء الآلة مثل: ضربه بالعصا، أو يؤول النُّصب والعذاب إلى معنى المفعول الثاني من باب أعطى.

والوجه عندي: أن تحمل الباء على معنى السببية بجعل النُّصْب والعذاب مسببين لمسّ الشيطان إياه، أي مسنّي بوسواس سببه نُصْب وعذاب، فجعل الشيطان يوسوس إلى أيوب بتعظيم النُّصْب والعذاب عنده ويلقي إليه أنه لم يكن مستحقاً لذلك العذاب ليلقي في نفس أيوب سوء الظن بالله أو السخط من ذلك. أو تحمل البَاء على المصاحبة، أي مسّني بوسوسة مصاحبة لضرّ وعذاب، ففي قول أيوب {أني مسَّني الشيطانُ بنُصبٍ وعذابٍ} كناية لطيفة عن طلب لطف الله به ورفع النُّصب والعذاب عنه بأنهما صارا مدخلاً للشيطان إلى نفسه فطلب العصمة من ذلك على نحو قول يوسف عليه السّلام:

{ وإلاَّ تصرف عنّي كيدَهن أَصْبُ إليهن وأكنْ من الجاهلين } [يوسف: 33].

وتنوين «نصب وعذاب» للتعظيم أو للنوعية، وعدل عن تعريفهما لأنهما معلومان لله.

وجملة {اركض برِجلِك} الخ مقولة لقول محذوف، أي قلنا له اركض برجلك، وذلك إيذان بأن هذا استجابة لدعائه.

والرّكْض: الضرب في الأرض بالرجل، فقوله: {بِرِجْلِكَ} زيادة في بيان معنى الفعل مثل:

{ ولا طائر يطير بجناحيه }[الأنعام: 38] وقد سمّى الله ذلك استجابة في سورة [الأنبياء: 84] إذ قال: { فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر }}.

وجملة هٰذَا مُغْتسلٌ مقولة لقول محذوف دل عليه المقول الأول، وفي الكلام حذف دلّت عليه الإِشارة. فالتقدير: فركض الأرض فنبع ماء فقلنا له: هذا مغتسل بارد وشراب. فالإِشارة إلى ماء لأنه الذي يغتسل به ويشرب.

ووصْف الماء بذلك في سياق الثناء عليه مشير إلى أن ذلك الماء فيه شفاؤه إذا اغتسل به وشَرب منه ليتناسب قول الله له مع ندائه ربّه لظهور أن القول عقب النداء هو قول استجابة الدعاء من المدعو. و{مغتسل} اسم مفعول من فعل اغتسل، أي مغتسل به فهو على حذف حرف الجر وإيصال المغتسل القاصر إلى المفعول مثل قوله:

تَمرُّون الديارَ ولم تعُوجوا

ووصفه بــــ {بَارِدٌ} إيماء إلى أن به زوال ما بأيوب من الحمى من القروح. قال النبي صلى الله عليه وسلم الحُمى من فَيْح جهنم فأطفئوها بالماء، أي نافع شاف، وبالتنوين استُغني عن وصف {شراب} إذ من المعلوم أن الماء شراب فلولا إرادة التعظيم بالتنوين لكان الإِخبار عن الماء بأنه شراب إخباراً بأمر معلوم، ومرجع تعظيم {شراب} إلى كونه عظيماً لأيوب وهو شفاء ما به من مرض.

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٤٣

اقتصار أيوب في دعائه على التعريض بإزالة النُّصْب والعذاب يشعر بأنه لم يُصب بغير الضر في بدنه. ويحتمل أن يكون قد أصابه تلف المال وهلاك العيال كما جاء في كتاب «أيوب» من كتب اليهود فيكون اقتصاره على النُّصْب والعذاب في دعائه لأن في هلاك الأهل والمال نُصْباً وعذاباً للنفس. ولم يتقدم في هذه الآية ولا في آية سورة الأنبياء أن أيوب رُزِىءَ أهله فيجوز أن يكون معنى {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم} أن الله أبقى له أهله فلم يصب فيهم بما يكره وزاده بنين وحفدة.

ويكون فعل {وهبنا} مستعملاً في حقيقته ومجازه. ويؤيد هذا المحمل وقوع كلمة {معهم} عقب كلمة {ومثلهم} فإن (مع) تشعر بأن الموهوب لاحق بأهله ومزيد فيهم فليس في الآية تقدير مضاف في قوله: {ووهبنا له أهله}.

وليس في الأخبار الصحيحة ما يخالف هذا إلا أقوالاً عن المفسرين ناشئة عن أفهام مختلفة. ويحتمل أن يكون مما أصابه أنه هلَك وأولاده في مدة ضرّه كما جاء في كتاب «أيوب» من كتب اليهود وأقوال بعض السلف من المفسرين فيتعين تقدير مضاف، أي وهبنا له عوض أهله. وألفاظ الآية تنبو عن هذا الوجه الثاني.

ومعنى {ومثلهم} مماثلهم. والمراد: مماثل عددهم، أي ضعف عدد أهله من بنين وحفدة.

وتقدم نظير هذه الآية في قوله:

{ وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين } في سورة [الأنبياء: 84]. وما بين الآيتين من تغيير يسير هو مجرد تفنّن في التعبير لا يقتضي تفاوتاً في البلاغة. وأما ما بينهما من مخالفة في قوله هنا: {وذِكرى لأُوْلِي الألباب} وقوله في سورة الأنبياء {وذكرى للعابدين}، فأما قوله هنا {وذِكرى لأُوْلِي الألباب} فإن الذكرى التذكير بما خفي أو بما يخفَى وأولو الألباب هم أهل العقول، أي تذكرة لأهل النظر والاستدلال. فإن في قصة أيوب مجملها ومفصَّلها ما إذا سمعه العقلاء المعتبِرون بالحوادث والقائسون على النظائر استدلوا على أن صبره قدوة لكل من هو في حرج أن ينتظر الفرج، فلما كانت قصص الأنبياء في هذه السورة مسوقة للاعتبار بعواقب الصابرين وكان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون مأمورين بالاعتبار بها من قوله: {اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد} كما تقدم حُقّ أن يشار إليهم «بأولي الألباب».

وأما الذي في سورة الأنبياء فإنه جيء به شاهداً على أن النبوءة لا تنافي البشرية وأن الأنبياء تعْتريهم من الأحداث ما يعْتري البشر مما لا ينقص منهم في نظر العقل والحكمة وأنهم إنما يقومون بأمر الله، ابتداءً من قوله تعالى:

{ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم }[الأنبياء: 7] وأنهم معرَّضون لأذَى الناس مما لا يخلّ بحرمتهم الحقيقية وأقصى ذلك الموت من قوله: { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون } [الأنبياء: 34].

وإذ كان المشركون يقولون:

{ نتربص به ريب المنون }[الطور: 30]، وحاولوا قتله غير مرة فعصمه الله، ثم من قوله: { ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون }[الأنعام: 10] ثم قال: { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكراً للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون }[الأنبياء: 48، 49]، وذُكر من الأنبياء من ابتلي من قومه فصبَر، ومن ابتلي من غيرهم فصبَر، وكيف كانت عاقبة صبرهم واحدة مع اختلاف الأسباب الداعية إليه. فكانت في ذلك آيات للعابدين، أي المْمتثلين أمر الله المجتَنبين نهيَه، فإن مما أمر به الله الصبر على ما يلحق المرء من ضرّ لا يستطيع دفعَه لكون دفعه خارجاً عن طاقته فختم بخاتمة {إن في ذلك لآيات للعابدين}.

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِرًا نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ۝٤٤

{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} مقول لقول محذوف دلّت عليه صيغة الكلام، والتقدير: وقلنا خذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث، وهو قول غيرُ القول المحذوف في قوله:

{ اركض برجلك }[ص: 42] لأن ذلك استجابة دعوة وهذا إفتاء برخصة، وذلك له قصته، وهذا له قصة أخرى أشارت إليها الآية إجمالاً ولم يرد في تعيينها أثر صحيح ومجملها أن زوج أيوب حاولت عملاً ففسد عليه صبره من استعانة ببعض الناس على مواساته فلما علم بذلك غضب وأقسم ليضربنّها عدداً من الضرب ثم ندم وكان محبّاً لها، وكانت لائذة به في مدة مرضه فلما سُرِّي عنه أشفق على امرأته من ذلك ولم يكن في دينهم كفارة اليمين فأوحى الله إليه أن يضربها بحُزمة فيها عددٌ من الأعواد بعدد الضربات التي أقسم عليها رفقاً بزوجه لأجله وحفظاً ليمينه من حنثه إذ لا يليق الحنث بمقام النبوءة. وليست هذه القضية ذات أثر في الغرض الذي سيقت لأجله قصة أيوب من الأسوة وإنما ذكرت هنا تكملة لمظهر لطف الله بأيوب جزاء على صبره.

ومعاني الآية ظاهرة في أن هذا الترخيص رفق بأيوب، وأنه لم يكن مثله معلوماً في الدّين الذي يدين به أيوبُ إبقاء على تقواه، وإكراماً له لحبه زوجه، ورفقاً بزوجه لبرّها به، فهو رخصة لا محالة في حكم الحنث في اليمين.

فجاء علماؤنا ونظروا في الأصل المقرر في المسألة المفروضة في أصول الفقه وهي: أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا إذا حكاه القرآن أو السنة الصحيحة، ولم يكن في شرعنا ما ينسخه من نص أو أصل من أصول الشريعة الإسلامية. فأما الذين لم يروا أن شرع من قبلنا شرع لنا وهم أبو بكر الباقلاني من المالكية وجمهورُ الشافعية وجميعُ الظاهرية فشأنهم في هذا ظاهر، وأما الذين أثبتوا أصل الاقتداء بشرع مَن قبلنا بقيوده المذكورة وهم مالك وأبو حنيفة والشافعي فتخطَّوا للبحث في أن هذا الحكم الذي في هذه الآية هل يقرر مثلُه في فقه الإِسلام في الإِفتاء في الأيمان وهل يتعدى به إلى جعله أصلاً للقياس في كل ضَرب يتعين في الشرع له عدد إذا قام في المضروب عذر يقتضي الترخيص بعد البناء على إثبات القياس على الرخص، وهل يتعدّى به إلى جعله أصلاً للقياس أيضاً لإِثبات أصل مماثل وهو التحيّل بوجه شرعي للتخلص من واجب تكليفٍ شرعي، واقتحموا ذلك على ما في حكاية قصة أيوب من إجمال لا يتبصر به الناظر في صفة يمينه ولا لفظه ولا نيته إذ ليس من مقصد القصة.

فأما في الأيمان فقد كفانا الله التكلّف بأن شرع لنا كفارات الأيمان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم

إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني فعلت الذي هو خير، فصار ما في شرعنا ناسخاً لما شرع لأيوب فلا حاجة إلى الخوض فيها، ومذهب الحنفية العمل بذلك استناداً لكونه شرعاً لمن قبلنا وهو قول الشافعي.

وقال مالك: هذه خاصة بأيوب أفتى الله بها نبيئاً. وحكى القرطبي عن الشافعي أنه خصه بما إذا حلف ولم تكن له نية كأنه أخرجه مُخرج أقل ما يصدق عليه لفظ الضرب والعدد. وأما القياس على فتوى أيوب في كلّ ضرب معيّن بعدد في غير اليمين، أي في باب الحدود والتعزيرات فهو تطوح في القياس لاختلاف الجنس بين الأصل والفرع، ولاختلاف مقصد الشريعة من الكفارات ومقصدها من الحدود والتعزيرات، ولترتب المفسدة على إهمال الحدود والتعزيرات دون الكفارات. ولا شك أن مثل هذا التسامح في الحدود يفضي إلى إهمالها ومصيرها عبثاً. وما وقع في «سنن أبي داود» من حديث أبي أمامة عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار «أنّ رجلاً منهم كان مريضاً مضنى فدخلت عليه جارية فهشّ لها فوقع عليها فاستفتوا له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما هو إلا جلد على عظْم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربةً واحدة. ورواه غير أبي داود بأسانيد مختلفة وعبارات مختلفة. وما هي إلا قصة واحدة فلا حجة فيه لأنه تطرقته احتمالات.

أولها: أن ذلك الرجل كان مريضاً مضنى ولا يُقام الحد على مثله.

الثاني: لعلّ المرض قد أخل بعقله إخلالاً أقدمه على الزنا فكان المرض شبهة تدْرأ الحدَّ عنه.

الثالث: أنه خبر آحاد لا ينقض به التواتر المعنوي الثابتُ في إقامة الحدود.

الرابع: حمله على الخصوصية. ومذهب الشافعي أنه يعمل بذلك في الحد للضرورة كالمرض وهو غريب لأن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف متضَافرة على أن المريض والحامل يُنتظران في إقامة الحد عليهما حتى يبرآ، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن تضرب الحامل بشماريخ، فماذا يفيد هذا الضرب الذي لا يزجر مُجرماً، ولا يدفع مأثماً، وفي «أحكام الجصّاص» عن أبي حنيفة مثل ما للشافعي. وحكى الخطابي أن أبا حنيفة ومالكاً اتفقا على أنه لا حدّ إلا الحد المعروف. فقد اختلف النقل عن أبي حنيفة.

{إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب}.

علة لجملة

{ اركض برجلِكَ }[ص: 42] وجملة { ووهبنا له أهلهُ }[ص: 43]، أي أنعمنا عليه بجبر حاله، لأنا وجدناه صابراً على ما أصابه فهو قدوة للمأمور بقوله: { واصبر على ما يقولون }[المزمل: 10] صلى الله عليه وسلم فكانت (إِنَّ) مغنية عن فاء التفريع.

ومعنى {وجدناهُ} أنه ظهر في صبره ما كان في علم الله منه.

وقوله: {نِعم العبد إنَّهُ أوَّابٌ} مثل قوله في سليمان

{ نِعم العبد إنَّه أوَّابٌ }[ص: 30]، فكان سليمان أوَّاباً لله من فتنة الغنى والنعيم، وأيوب أوَّاباً لله من فتنة الضرّ والاحتياج، وكان الثناء عليهما متماثلاً لاستوائهما في الأوبة وإن اختلفت الدواعي. قال سفيان: أثنى الله على عبدين ابتليا: أحدهما صابر، والآخر شاكر، ثناءً واحداً. فقال لأَيوب ولسليمان {نِعْمَ العبد إنَّه أوَّابٌ}.
الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ