انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ص

التحرير والتنويرالآيات 21–29

تفسير سورة ص آية آية، من التحرير والتنوير.

وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ ۝٢١ إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُم بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ۝٢٢ إِنَّ هَٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَٰحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ ۝٢٣

جملة {وهل أتاكَ نَبأ الخَصمِ} إلى آخرها معطوفة على جملة

{ إنَّا سخرنا الجبال معه }[ ص:18]. والإِنشاء هنا في معنى الخبر، فإن هذه الجملة قصت شأناً من شأن داود مَع ربه تعالى فهي نظير ما قبلها.

والاستفهام مستعمل في التعجيب أو في البحث على العلم فإن كانت القصة معلومة للنبي صلى الله عليه وسلم كان الاستفهام مستعملاً في التعجيب وإن كان هذا أول عهده بعلمها كان الاستفهام للحث مثل

{ هل أتاكَ حديثُ الغاشِيَةِ } [الغاشية:1]. والخطاب يجوز أن يكون لكل سامع والوجهان الأولان قائمان. والنبأ: الخبر.

والتعريف في {الخَصْمِ} للعهد الذهني، أي عهد فرد غير معيّن من جنسه أي نبأ خصم معيّن هذا خبره، وهذا مثل التعريف في: ادخل السوق. والخصام والاختصام: المجادلة والتداعي، وتقدم في قوله:

{ هذان خصمان } في سورة [الحج: 19].

و {الخصم}: اسم يطلق على الواحد وأكثر، وأريد به هنا خصمان لقوله بعده {خَصْمَانِ}. وتسميتهما بالخصم مجاز بعلاقة الصورة وهي من علاقة المشابهة في الذات لا في صفة من صفات الذات، وعادة علماء البيان أن يمثلوها بقول القائل إذَا رأى صورة أسد: هذا أَسد.

وضمير الجمع مراد به المثنى، والمعنى: إذ تسورا المحراب، والعرب يعدلون عن صيغة التثنية إلى صيغة الجمع إذا كانت هناك قرينة لأن في صيغة التثنية ثقلاً لنْدرة استعمالها، قال تعالى:

{ فقد صغت قلوبكما }[التحريم: 4] أي قلباكما.

و {إذْ تَسَوَّرُوا} إذا جعلت {إذ} ظرفاً للزمن الماضي فهو متعلق بمحذوف دل عليه {الخَصم}، والتقدير: تحاكم الخصم حين تَسوروا المحراب لداود.

ولا يستقيم تعلقه بفعل {أتاكَ} ولا بــــ {نَبَأ} لأن النبأ الموقت بزمنِ تسوّر الخصم محراب داود لا يأتي النبي صلى الله عليه وسلم.

ولك أن تجعل {إذ} اسماً للزمن الماضي مجرداً عن الظرفية وتجعله بدل اشتمال من {الخصم} لما في قوله تعالى:

{ واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها }[مريم: 16]، فالخصم مشتمل على زمن تسورهم المحراب، وخروج {إذ} عن الظرفية لا يختص بوقوعها مفعولاً به بل المراد أنه يتصرف فيكون ظرفاً وغير ظرف.

والتسور: تفعل مشتق من السور، وهو الجدار المحيط بمكان أو بلدٍ يقال: تَسوّر، إذا اعتلى على السور، ونظيره قولهم: تسنم جملَهُ، إذا علا سَنامه، وتَذَرأه إذا علا ذروته، وقريب منه في الاشتقاق قولهم: صَاهى، إذا ركب صهوة فرسه.

والمعنى: أن بيت عبادة داود عليه السلام كان محوطاً بسُور لئلا يدخله أحد إلا بإذن من حارس السور.

و {المحراب}: البيت المتّخذ للعبادة، وتقدم عند قوله تعالى:

{ يعملون له ما يشاء من محاريب } في سورة [سبأ: 13].

و {إذْ دَخلُوا} بدل من {إذْ تَسَوَّرُوا} لأنهم تسوروا المحراب للدخول على داود.

والفزع: الذُّعر، وهو انفعال يظهر منه اضطراب على صاحبه من توقع شدة أو مفاجأة، وتقدم في قوله:

{ لا يحزنهم الفزع الأكبر } في سورة [الأنبياء: 103]. قال ابن العربي في كتاب «أحكام القرآن»: إن قيل: لِم فَزع داود وقد قويت نفسه بالنبوءة؟ وأجاب بأن الله لم يضمن له العصمة ولا الأمن من القتل وكان يخاف منهما وقد قال الله لموسى {لا تَخَف} وقبلَه قيل للوط. فهم مُؤمَّنون من خوف ما لم يكن قيل لهم إنكم منه معصومون اهــــ.

وحاصل جوابه: أن ذلك قد عرض للأنبياء إذ لم يكونوا معصومين من إصابة الضرّ حتى يؤمّن الله أحدَهم فيطمئن والله لم يؤمن داود فلذلك فزع. وهو جواب غير تام الإِقناع لأن السؤال تضمن قول السائل وقد قويت نفسه بالنبوءة فجعل السائل انتفاءَ تطرّق الخوف إلى نفوس الأنبياء أصلاً بنى عليه سؤاله، وهو أجاب بانتفاء التأمين فلم يطابق سؤال السائل. وكان الوجه أن ينفي في الجواب سلامة الأنبياء من تطرق الخوف إليهم. والأحسن أن نجيب:

أولاً: بأن الخوف انفعال جبليّ وضعه الله في أحوال النفوس عند رؤية المكروه فلا تخلو من بوادره نفوس البشر فيعرض لها ذلك الانفعال بادِىءَ ذي بَدءٍ ثم يطرأ عليه ثبات الشجاعة فتدفعه على النفس ونفوس الناس متفاوتة في دوامه وانقشاعه، فأمَّا إذا أمَّن الله نبيئاً فذلك مقام آخر كقوله لموسى {لا تخف} وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم

{ فسيكفيكهم اللَّه }[البقرة: 137].

وثانياً: بأن الذي حصل لداود عليه السلام فزع وليس بخوف. والفَزع أعمّ من الخوف إذ هو اضطراب يحصل من الإِحساس بشيء شأنُه أن يتخلص منه وقد جاء في حديث خسوف الشمس

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فَزِعاً، أي مسرعاً مبادراً للصلاة توقّعاً أن يكون ذلك الخسوف نذير عذاب، ولذلك قال القرآن {فَفَزِعَ منهم} ولم يقل: خاف. وقال في إبراهيم عليه السلام { فأوجس منهم خِيفَة }[الذاريات: 28] أي توجُّساً ما لم يبلغ حدّ الخوف. وأما قول الخصم لداود {لاَ تَخَف} فهو قول يقوله القادِم بهيئة غير مألوفة من شأنها أن تريب الناظر.

وثالثاً: أن الأنبياء مأمورون بحفظ حياتهم لأن حياتهم خير للأمة فقد يفزع النبي من توقع خطر خشية أن يكون سبباً في هلاكه فينقطع الانتفاع به لأمته. وقد

جاء في حديث عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أرق ذات ليلة فقال: ليَت رجلاً صالحاً من أصحابي يَحرسنِي الليلةَ إذ سمعنا صوت السلاح فقال: من هذا؟ قال: سَعد بن أبي وقاص جئتُ لأحرسك. قالت: فنام النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا غطيطه». وروى الترمذي: أن العباس كان يحرس النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى: { واللَّه يعصمك من الناس }[المائدة: 67] فتركت الحراسة.

ومعنى {بَغَى بعضنا} اعتدى وظلم. والبغي: الظلم، والجملة صفة لــــ {خَصْمَانِ} والرابط ضمير {بعضنا}، وجاء ضمير المتكلم ومعه غيره رعياً لمعنى {خصمان}.

ولم يبينا الباغي منهما لأن مقام تسكين روع داود يقتضي الإِيجاز بالإِجمال ثم يعقبه التفصيل، ولإِظهار الأدب مع الحاكم فلا يتوليان تعيين الباغي منهما بل يتركانه للحاكم يعيّن الباغي منهما في حكمه حين قال لأحدهما: {لقد ظلمكَ بسؤالِ نعجتك إلى نعاجه}.

والفاء في {فاحْكم بيننا بالحق} تفريع على قوله: {خصمان} لأن داود عليه السلام لمّا كان مَلِكاً وكان اللذان حضرا عنده خصمين كان طلب الحكم بينهما مفرعاً على ذلك.

والباء في {بالحق} للملابسة، وهي متعلقة بــــ {احكم}. وهذا مجرد طلب منهما للحق كقول الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم الذي افتدى ابنَه ممن زنى بامرأته: {فاحكم بيننا بكتاب اللَّه}.

والنهي في {لا تشطط} مستعمل في التذكير والإِرشاد.

و {تشطط}: مضارع أشط، يقال: أشط عليه، إذا جَار عليه، وهو مشتق من الشطط وهو مجاوزة الحد والقدر المتعارف.

ومخاطبة الخصم داود بهذا خارجة مخرج الحرص على إظهار الحق وهو في معنى الذكرى بالواجب فلذلك لا يعدّ مثلها جفاء للحاكم والقاضِي، وهو من قبيل: اتَّق الله في أمري. وصدوره قبل الحكم أقرب إلى معنى التذكير وأبعد عن الجفاء، فإن وقع بعد الحكم كان أقرب إلى الجفاء كالذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم في قسمة قسمها «اعْدِل، فقال له الرسول: ويلك فمن يعدل إن لم أعدل».

وقد قال علماؤنا في قول الخصم للقاضي: (اتق الله في أمري) إنه لا يعد جفاء للقاضي ولا يجوز للقاضي أن يعاقبه عليه كما يعاقب من أساء إليه. وأفتى مالك بسجن فتى، فقال أبوه لمالك: اتق الله يا مالك، فوالله ما خُلقت النار باطلاً، فقال مالك: من الباطل ما فعله ابنك. فهذا فيه زيادة بالتعريض بقوله فوالله ما خلقت النار باطلاً. وقولهما: {واهدنا إلى سواء الصراطِ} يصرف عن إرادة الجفاء من قولهما: {ولا تُشْطِط} لأنهما عرفا أنه لا يقول إلا حقاً وأنهما تطلبا منه الهُدى.

والهدى: هنا مستعار للبيان وإيضاح الصواب. و {سواء الصراط}: مستعار للحق الذي لا يشوبه باطل لأن الصراط الطريق الواسع، والسواء منه هو الذي لا التواء فيه ولا شُعب تتشعب منه فهو أسرع إيصالاً إلى المقصود باستوائه وأبعد عن الالتباس بسلامته من التشعب.

ومجموع {اهدنا إلى سواء الصراط} تمثيل لحال الحاكم بالعدل بحال المرشد الدال على الطريق الموصلة فهو من التمثيل القابِل تجزئة التشبيه في أجزائه، ويؤخذ من هنا أن حكم القاضي العدل يُحمل على الجري على الحق وأن الحكم يجب أن يكون بالحق شرعاً لأنه هدي فهو والفتيا سواء في أنهما هدي إلا أن الحكم فيه إلزام.

ومعنى {أكفِلْنِيها} اجعلها في كفالتي، أي حفظي وهو كناية عن الإِعطاء والهبة، أي هَبْهَا لي.

وجملة {إنَّ هٰذَا أخِي} إلى آخرها بيان لجملة {خصمان بغى بعضنا على بعضٍ} وظاهر الأخ أنهما أرادا أخوّة النسب. وقد فرضا أنفسهما أخوين وفرضا الخصومة في معاملات القرابة وعلاقة النسب واستبقاء الصلات، ثم يجوز أن يكون {أخِي} بدلاً من اسم الإِشارة. ويجوز أن يكون خبر {إنَّ} وهو أولى لأن فيه زيادة استفظاع اعتدائه عليه.

و {عَزّني} غلبني في مخاطبته، أي أظهر في الكلام عزّة عليّ وتطاولاً. فجَعل الخطاب ظرفاً للعزّة مجازاً لأن الخطاب دل على العزة والغلبة فوقع تنزيل المدلول منزلة المظروف وهو كثير في الاستعمال.

والمعنى: أنه سأله أن يعطيه نعجته، ولمّا رأى منه تمنّعاً اشتدّ عليه بالكلام وهدّده، فأظهر الخصم المتشكي أنه يحافظ على أواصر القرابة فشكاه إلى الملك ليصدّه عن معاملة أخيه معاملة الجفاء والتطاول ليأخذ نعجته عن غير طيب نفس. وبهذا يتبين أن موضع هذا التحاكم طلب الإِنصاف في معاملة القرابة لئلا يفضي الخلافُ بينهم إلى التواثب فتنقطع أواصر المبرة والرحمة بينهم.

وقد عَلم داود من تساوقهما للخصومة ومن سكوت أحد الخصمين أنهما متقاربان على ما وصفه الحاكي منهما، أو كان المدعَى عليه قد اعترف. فحكم داود بأن سؤال الأخ أخاه نعجته ظلم لأن السائل في غنى عنها والمسؤول ليس له غيرها فرغبة السائل فيما بيد أخيه من فرط الحرص على المال واجتلاب النفع للنفس بدون اكتراث بنفع الآخر. وهذا ليس من شأن التحابّ بين الأخوين والإِنصاف منهما فهو ظلم وما كان من الحق أن يسأله ذلك أعطاه أو منعه، ولأنه تطاول عليه في الخطاب ولامه على عدم سماح نفسه بالنعجة، وهذا ظلم أيضاً.

والإِضافة في قوله: {بسؤال نعجتِكَ} للتعريف، أي هذا السؤال الخاص المتعلق بنعجة معروفة، أي هذا السؤال بحذافره مشتمل على ظلم، وإضافة سؤال من إضافة المصدر إلى مفعوله. وتعليق {إلىٰ نعاجه} بــــ «سؤال» تعليق على وجه تضمين «سؤال» معنى الضم، كأنه قيل: بطلب ضم نعجتك إلى نعاجه.

فهذا جواب قولهما: {فاحكم بيننا بالحق ولا تُشطط} ثم أعقبه بجواب قولهما: {واهدنا إلى سواءِ الصراط} إذ قال: {وإنَّ كثيراً من الخُلطاءِ ليبغي بعضهم على بعضٍ إلاَّ الذين ءَامنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ} المفيد أن بَغْي أحد المتعاشرين على عشيره متفشَ بين الناس غير الصالحين من المؤمنين، وهو كناية عن أمرهما بأن يكونا من المؤمنين الصالحين وأن ما فعله أحدهما ليس من شأن الصالحين.

وذِكر غالب أحوال الخلطاء أراد به الموعظة لهما بعد القضاء بينهما على عادة أهل الخير من انتهاز فرص الهداية فأراد داود عليه السلام أن يرغبهما في إيثار عادة الخلطاء الصالحين وأن يكرّه إليهما الظلم والاعتداء. ويستفاد من المقام أنه يَأسف لحالهما، وأنه أراد تسلية المظلوم عما جرى عليه من خليطه، وأن له أسوة في أكثر الخلطاء.

وفي تذييل كلامه بقوله: {وقليلٌ ما هُم} حثّ لهما أن يكونا من الصالحين لما هو متقرر في النفوس من نفاسة كل شيء قليل، قال تعالى:

{ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرةُ الخبيث }[المائدة: 100]. والسبب في ذلك من جانب الحكمة أن الدواعي إلى لذات الدنيا كثيرة والمشي مع الهوى محبوب ومجاهدة النفس عزيزة الوقوع، فالإِنسان محفوف بجواذب السيئات، وأمّا دواعي الحق والكمال فهو الدين والحكمة، وفي أسباب الكمال إعراض عن محركات الشهوات، وهو إعراض عسير لا يسلكه إلا من سما بدينه وهمته إلى الشرف النفساني وأعرض عن الداعي الشهواني، فذلك هو العلة في هذا الحكم بالقلة.

وزيادة {ما} بَعد {قليل} لقصد الإِبهام كما تقدم آنفاً في قوله:

{ جند ما هنالك }[ص:11]، وفي هذا الإِبهام إيذان بالتعجب من ذلك بمعونة السياق والمقام كما أفادت زيادتها في قول امرىء القيس:

وحديث الركب يوم هُناوحديث مَّا على قِصره

معنى التلهف والتشوق.

وقد اختلف المفسرون في ماهية هاذين الخصمين، فقال السديّ والحسن ووهب ابن مُنبّه: كانا ملَكَيْن أرسلهما الله في صورة رجلين لداود عليه السلام لإِبلاغ هذا المثل إليه عتاباً له. ورواه الطبري عن أنس مرفوعاً. وقيل كانا أخوين شقيقين من بني إسرائيل، أي ألهمهما الله إيقاع هذا الوعظ.

واعلم أن سوق هذا النبأ عقب التنويه بداود عليه السلام ليس إلا تتميماً للتنويه به لدفع مَا قد يُتوهم أنه ينقض ما ذكر من فضائله مما جاء في كتاب «صمويل الثاني» من كتب اليهود في ذكر هذه القصة من أغلاط باطلة تنافي مقام النبوءة فأريد بيان المقدار الصادق منها وتذييله بأن ما صدر عن داود عليه السلام يستوجب العتاب ولا يقتضي العقاب ولذلك ختمت بقوله تعالى:

{ وإن له عندنا لزُلفى وحُسن مآبٍ }[ ص:40]. وبهذا تعلم أن ليس لهذا النبأ تعلق بالمقصد الذي سيق لأجله ذكر داود ومن عطف عليه من الأنبياء.

وهذا النبأ الذي تضمنته الآية يُشير به إلى قصة تزوج داود عليه السلام زوجة (أُوريا الحثّي) من رجال جيشه وكان داود رآها فمال إليها ورام تزوجها فسأله أن يتنازل له عنها وكان في شريعتهم مباحاً أن الرجل يتنازل عن زوجه إلى غيره لصداقة بينهما فيطلقها ويتزوجها الآخر بعد مضيّ عدتها وتحقق براءة رحمها كما كان ذلك في صدر الإِسلام. وخرج أُوريا في غزو مدينة (رَبة) للعمونيّين وقيل في غزو عَمَّان قصبة البلقاء من فلسطين فقُتل في الحرب وكان اسم المرأة (بثشبع بنت اليعام وهي أم سليمان). وحكى القرآن القصة اكتفاء بأن نبأ الخصمين يشعر بها لأن العبرة بما أعقبه نبأ الخصمين في نفس داود فعتب الله على داود أن استعمل لنفسه هذا المباح فعاتبه بهذا المثل المشخص، أرسل إليه ملكين نزلا من أعلى سور المحراب في صورة خصمين وقصّا عليه القصة وطلبا حكمه وهديه فحكم بينهما وهداهما بما تقدم تفسيره لتكون تلك الصورة عظة له ويشعر أنه كان الأليق بمقامه أن لا يتناول هذا الزواج وإن كان مباحاً لما فيه من إيثار نفسه بما هو لغيره ولو بوجه مباح لأن الشعور بحسن الفعل أو قبحه قد لا يحصل عليه حين يفعله فإذا رأى أو سمع أن واحداً عمله شعر بوصفه.

ووقع في سفر «صمويل الثاني» من كتب اليهود سوق هذه القصة على الخلاف هذا.

وليس في قول الخصمين: {هٰذَا أخِي} ولا في فرضهما الخصومة التي هي غير واقعة ارتكابُ الكذب لأن هذا من الأخبار المخالفة للواقع التي لا يريد المخبِر بها أن يظن المخبَر (بالفتح) وقوعَها إلاّ ريثما يحصل الغرض من العبرة بها ثم ينكشف له باطنها فيعلم أنها لم تقع. وما يجري في خلالها من الأوصاف والنسب غير الواقعة فإنما هو على سبيل الفرض والتقدير وعلى نية المشابهة.

وفي هذا دليل شرعي على جواز وضع القِصص التمثيلية التي يقصد منها التربية والموعظة ولا يتحمل واضعها جرحة الكذب خلافاً للذين نبزوا الحريري بالكَذب في وضع «المقامات» كما أشار هو إليه في ديباجتها. وفيها دليل شرعي لجواز تمثيل تلك القصص بالأجسام والذوات إذا لم تخالف الشريعة، ومنه تمثيل الروايات والقصص في ديار التمثيل، فإن ما يجري في شرع من قبلنا يصلح دليلاً لنا في شرعنا إذا حكاه القرآن أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد في شرعنا ما ينسخه.

وأخذ من الآية مشروعية القضاء في المسجد، قالوا: وليس في القرآن ما يدل على ذلك سوى هذه الآية بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكاه الكتاب أو السنة. وقد حكيت هذه القصة في سفر «صمويل الثاني» في الإِصحاح الحادي عشر على خلاف ما في القرآن وعلى خلاف ما تقتضيه العصمة لنبوءة داود عليه السلام فاحذروه.

والذي في القرآن هو الحق، والمنتظم مع المعتاد وهو المهيمن عليه، ولو حكي ذلك بخبر آحاد في المسلمين لوجب ردُّه والجزم بوضعه لمعارضته المقطوع به من عصمة الأنبياء من الكبائر عند جميع أهل السنة ومن الصغائر عند المحققين منهم وهو المختار.

قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۝٢٤ فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍ ۝٢٥

أي علم داود بعد انتهاء الخصومة أن الله جعلها له فتنة ليشعره بحال فعلته مع (أُوريا) وقد أشعره بذلك ما دلّه عليه انصراف الخصمين بصورة غير معتادة، فعلم أنهما ملَكان وأن الخصومة صورية فعلم أن الله بعثهما إليه عَتْباً له على متابعة نفسه زوجةَ (أوريا) وطلبه التنازل عنها. وعبر عن علمه ذلك بالظن لأنه علم نظري اكتسبه بالتوسم في حال الحادثة وكثيراً ما يعبر عن العلم النظري بالظن لمشابهته الظن من حيث إنه لا يخلو من تردد في أول النظر.

و {أنما} مفتوحة الهمزة أخت (إنما) تفيد الحصر، أي ظنّ أن الخصومة ليست إلاّ فتنة له، أو ظن أن ما صدر منه في تزوج امرأة أوريا ليس إلا فتنة. ومعنى {فتنَّاهُ} قدّرنا له فتنة، فيجوز أن تكون الفتنة بالمعنى المشهور في تدبير الحيلة لقتل (أوريا) فعبر عنها بالفتنة لأنها أورثت داود مخالفةً للأليق به من صرف نفسه عن شيء غيره، وعدم متابعته ميله النفساني وإن كان في دائرة المباح في دينهم، فيكون المعنى: وعلم أن ما صدر منه فتنة من النفس. وإنما علم ذلك بعد أن أحسّ من نفسه كراهية مثلها مما صوره له الخصمان.

ويجوز أن يكون الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار، كقوله تعالى لموسى:

{ وفتناك فتوناً }[طه: 40]، أي ظن أنا اختبرنا زكانته بإرسال الملكين، يصور أن له صورةً شبيهةً بفعله ففطن أن ما فعله أمر غير لائق به. وتفريع {فاستغفر ربَّهُ} على ذلك الظنّ ظاهر على كلا الاحتمالين، أي لما علم ذلك طلب الغفران من ربه لِما صنع.

وخرّ خروراً: سقط، وقد تقدم في قوله تعالى:

{ فخر عليهم السقف من فوقهم }في سورة [النحل: 26].

والركوع: الانحناء بقصد التعظيم دون وصول إلى الأرض قال تعالى:

{ تراهم ركعاً سجداً }[الفتح: 29]، فذكر شيئين. قالوا: لم يكن لبني إسرائيل سجود على الأرض وكان لهم الركوع، وعليه فتقييد فعل {خرّ} بحال {رَاكِعاً} تمَجَّز في فعل {خرّ} بعلاقة المشابهة تنبيهاً على شدة الانحناء حتى قارب الخرور. ومن قال: كان لهم السجود جعل إطلاق الرجوع عليه مجازاً بعلاقة الإِطلاق. وقال ابن العربي: لا خلاف في أن الركوع هاهنا السجود، قلت: الخلافُ موجود.

والمعروف أنه ليس لبني إسرائيل سجود بالجبهة على الأرض، ويحتمل أن يكون السجود عبادة الأنبياء كشأن كثير من شرائع الإِسلام كانت خاصة بالأنبياء من قبل كما تقدم في قوله تعالى:

{ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون }[البقرة: 132]، وتقدم قوله تعالى: { وخروا له سجداً } في سورة [يوسف: 100]. وكان ركوع داود عليه السلام تضرعاً لله تعالى ليقبل استغفاره.

والإِنابة: التوبة: يقال: أناب، ويقال: نَاب. وتقدم عند قوله تعالى:

{ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب } في سورة [هود: 75]. وعند قوله: { منيبين إليه } في سورة [الروم: 31].

وهنا موضع سجدة من سجود القرآن من العزائم عند مالك لثبوت سجود النبي صلى الله عليه وسلم عندها. ففي «صحيح البخاري» عن مجاهد «سألتُ ابن عباس عن السجدة في ص فقال: أوَ ما تقرأ

{ ومن ذريته داوود وسليمان }[الأنعام: 84] إلى قوله: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده }[الأنعام: 90] فكان داود ممن أُمر نبيئكم أن يقتدِيَ به فسجدها داود فسجدها رسول الله». وفي «سنن أبي داود» عن ابن عباس «ليس ص من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها». وفيه عن أبي سعيد الخُدْري قال: قرأ رسول الله وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ الناس للسجود (أي تهيّأَوا وتحركوا لأجله) فقال رسول الله: إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزَّنْتم للسجود فنزل فسجد وسجدوا، وقول أبي حنيفة فيها مثل قول مالك ولم يرَ الشافعي سجوداً في هذه الآية إمَّا لأجل قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي توبة نبي فرجع أمرُها إلى أنها شرْعُ من قبلنا، والشافعي لا يرى شرع من قبلنا دليلاً.

ووجه السجود فيها عند من رآه أن ركوع داود هو سجود شريعتهم فلما اقتدى به النبي صلى الله عليه وسلم أتى في اقتدائه بما يساوي الركوع في شريعة الإِسلام وهو السجود. وقال أبو حنيفة: الركوع يقوم مقام سجود التلاوة أخذاً من هذه الآية.

واسم الإِشارة في قوله: {فغفرنا له ذٰلك} إلى ما دلت عليه خصومة الخصمين من تمثيل ما فعله داود بصورة قضية الخصمين، وهذا من لطائف القرآن إذ طوى القصة التي تمثَّل له فيها الخصمان ثم أشار إلى المطوي باسم الإِشارة، وأتبع الله الخبر عن الغفران له بما هو أرفع درجة وهو أنه من المقرّبين عند الله المرضيّ عنهم وأنه لم يوقف به عند حد الغفران لا غير. والزلفى: القربى، وهو مصدر أو اسم مصدر. وتأكيد الخبر لإِزالة توهم أن الله غضب عليه إذ فتنه تنزيلاً لمقام الاستغراب منزلة مقام الإِنكار.

والمئاب: مصدر ميمي بمعنى الأوْب. وهو الرجوع. والمراد به: الرجوع إلى الآخرة. وسمي رجوعاً لأنه رجوع إلى الله، أي إلى حكمة البحْت ظاهراً وباطناً قال تعالى:

{ إليه أدعو وإليه مئاب }[الرعد: 36].

وحسن المئاب: حسن المرجع، وهو أن يرجع رجوعاً حسناً عند نفسه وفي مرأى الناس، أي له حسن رجوع عندنا وهو كرامة عند الله يوم الجزاء، أي الجنة يؤوب إليها.

يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ۝٢٦

مقول قول محذوف معطوف على

{ فغفرنا له ذلك }[ص:25] أي صفَحنا عنه وذكرناه بنعمة المُلك ووعظناه، فجمع له بهذا تنويهاً بشأنه وإرشاداً للواجب. وافتتاح الخطاب بالنداء لاسترعاء وَعْيه واهتمامه بما سيقال له.

والخليفة: الذي يخلف غيره في عملٍ، أي يقوم مقامه فيه، فإن كان مع وجود المخلوف عنه قيل: هو خليفة فُلان، وإن كان بعدما مضى المخلوف قيل: هو خليفة مِن فلان. والمراد هنا: المعنى الأول بقرينة قوله: {فاحكم بين الناس بالحق}.

فالمعنى: أنه خليفة الله في إنفاذ شرائعه للأمة المجعول لها خليفة مما يوحي به إليه ومما سبق من الشريعة التي أوحي إليه العمل بها. وخليفةٌ عن موسى عليه السلام وعن أحبار بني إسرائيل الأولين المدعوين بالقُضاة، أو خليفة عمن تقدمه في الملك وهو شاول.

و {الأرض}: أرض مملكته المعهودة، أي جعلناك خليفة في أرض إسرائيل. ويجوز أن يجعل الأرض مراداً به جميع الأرض فإن داود كان في زمنه أعظم ملوك الأرض فهو متصرف في مملكته ويَخاف بأسَه ملوكُ الأرض فهو خليفة الله في الأرض إذ لا ينفلت شيء من قبضته، وهذا قريب من الخلافة في قوله تعالى:

{ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم }[يونس: 14] وقوله: { ويجعلكم خلفاء الأرض } [النمل: 62].

وهذا المعنى خلاف معنى قوله تعالى:

{ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة }[البقرة: 30] فإن الأرض هنالك هي هذه الكرة الأرضية. قال ابن عطية: ولا يقال خليفة الله إلا لرسوله صلى الله عليه وسلم وأما الخلفاء فكل واحد منهم خليفةُ الذي قبلَه، ألاَ ترى أن الصحابة رضي الله عنهم حرّروا هذا المعنى فقالوا لأبي بكر رضي الله عنه: يا خليفة رسول الله، وبهذا كان يدعى بذلك مدة حياته، فلما ولي عمر قالوا: يا خليفةَ خليفة رسول الله فطال ورأوْا أنه سيطول أكثر في المستقبل إذا ولي خليفة بعد عمر فدعوا عُمر أميرَ المؤمنين، وقصر هذا على الخلفاء، وما يجيء في الشعر من دعاء أحد الخلفاء خليفة الله فذلك تجوّز كما قال ابنُ قيسِ الرقياتِ:

خليفة الله في بريتهجَفَّت بذاك الأقلام والكتب

وفُرع على جعله خليفة أمرُه بأن يحكم بين الناس بالحق للدلالة على أن ذلك واجبه وأنه أحق الناس بالحكم بالعدل، ذلك لأنه هو المرجع للمظلومين والذي تُرفع إليه مظالم الظلمة من الولاة فإذا كان عادلاً خشيهُ الولاة والأمراء لأنه ألف العدل وكره الظلم فلا يُقر ما يجري منه في رعيته كلما بلغه فيكون الناس في حذر من أن يصدر عنهم ما عسى أن يرفع إلى الخليفة فيقتص من الظالم، وأمّا إن كان الخليفة يظلم في حكمه فإنه يألف الظلم فلا يُغضبه إذا رفعت إليه مظلمة شخص ولا يحرص على إنصاف المظلوم.

وفي «الكشاف»: أن بعض خلفاء بني أمية قال لعمر بن عبد العزيز أو للزهري: هل سمعتَ ما بلغَنا؟ قال: وما هو؟ قال: بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا تُكتب له معصية، فقال: يا أمير المؤمنين، الخلفاء أفضل أم الأنبياء، ثم تلا هذه الآية. والمراد بــــ {النَّاسِ} ناس مملكته فالتعريف للعهد أو هو للاستغراق العرفي.

والحق: هو ما يقتضيه العدل الشرعي من معاملة الناس بعضهم بعضاً وتصرفاتهم في خاصّتهم وعامّتهم ويتعين الحق بتعيين الشريعة. والباء في {بالحَقِّ} باء المجازية، جعل الحق كالآلة التي يعمل بها العامل في قولك: قطعه بالسكين، وضربه بالعصا.

وقوله: {ولا تَتَّبِعِ الهوىٰ} معطوف على التفريع، ولعله المقصود من التفريع. وإنما تقدم عليه أمره بالحكم بالحق ليكون توطئة للنهي عن اتباع الهوى سَدًّا لذريعة الوقوع في خطأ الحق فإن داود ممن حكم بالحق فأمره به باعتبار المستقبل. والتعريف في {الهوىٰ} تعريف الجنس المفيد للاستغراق، فالنهي يعمّ كل ما هو هوى، سواء كان هوى المخاطب أو هوى غيره مثل هوى زوجه وولده وسيده، وصديقه، أو هوى الجمهور:

{ قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون } [الأعراف: 138].

ومعنى الهوى: المحبة، وأطلق على الشيء المحبوب مبالغة، أي ولو كان هوى شديداً تعلقُ النفس به. والهوى: كناية عن الباطل والجور والظلم لِما هو متعارف من الملازمة بين هذه الأمور وبين هوى النفوس، فإن العدل والإنصاف ثقيل على النفوس فلا تهواه غالباً، ومن صارت له محبة الحق سجية فقد أوتي العلم والحكمة وأيّد بالحِفظ أو العصمة.

والنهي عن اتباع الهوى تحذير له وإيقاظ ليحذّر من جراء الهوى ويتّهم هوى نفسه ويتعقبه فلا ينقاد إليه فيما يدعوه إليه إلا بعد التأمل والتثبت، وقد قال سهل بن حُنيْف رضي الله عنه: «اتهموا الرَّأي»، ذلك أن هوى النفس يكون في الأمور السهلة عليها الرائقة عندها ومعظم الكمالات صعبة على النفس لأنها ترجع إلى تهذيب النفس والارتقاء بها عن حضيض الحيوانية إلى أوج المَلكية، ففي جميعها أو معظمها صرف للنفس عما لاصَقَها من الرغائب الجسمانية الراجع أكثرها إلى طبع الحيوانية لأنها إما مدعوة لِداعي الشهوة أو داعي الغضب فالاسترسال في اتباعها وقوع في الرذائل في الغالب، ولهذا جُعل هنا الضلال عن سبيل الله مسبباً على اتباع الهوى، وهو تسبب أغلبي عرفي، فشبه الهوى بسائرٍ في طريق مهلكة على طريقة المكنية ورمز إليه بلازم ذلك وهو الإضلال عن طريق الرشاد المعبر عنه بسبيل الله، فإن الذي يتبع سائراً غيرَ عَارف بطريق المنازل النافعة لا يلبث أن يجد نفسه وإياه في مهلكة أو مَقطعة طريق.

واتّباع الهوى قد يكون اختياراً، وقد يكون كرهاً. والنهي عن اتباعه يقتضي النهي عن جميع أنواعه؛ فأما الاتّباع الاختياري فالحذر منه ظاهر، وأما الاتباع الاضطراري فالتخلص منه بالانسحاب عما جرّه إلى الإِكراه، ولذلك اشترط العلماء في الخليفة شروطاً كلّها تحوم حول الحيلولة بينه وبين اتباع الهوى وما يوازيه من الوقوع في الباطل، وهي: التكليف، والحُرّية، والعدالة، والذكورة، وأما شرط كونه من قريش عند الجمهور فلئلا يضعف أمام القبائل بغضاضة.

وانتصب {فَيُضِلَّكَ} بعد فاء السببية في جواب النهي. ومعنى جواب النهي جواب المنهي عنه فهو السبب في الضلال وليس النهي سبباً في الضلال. وهذا بخلاف طريقة الجزم في جواب النهي.

و{سبيل الله}: الأعمال التي تحصُل منها مرضاته وهي الأعمال التي أمر الله بها ووعد بالجزاء عليها، شُبّهت بالطريق الموصل إلى الله، أي إلى مرضاته. وجملة: {إنَّ الذين يضلون عن سبيل الله} إلى آخرها يظهر أنها مما خاطب الله به داود، وهي عند أصحاب العدد آية واحدة من قوله: {ياداود إنَّا جعلناك خليفة في الأرض} إلى {يومَ الحِسَابِ}، فهي في موقع العلة للنهي، فكانت (إنّ) مغنية عن فاء التسبب والترتب، فالشيء الذي يفضي إلى العذاب الشديد خليق بأن يُنهى عنه، وإن كانت الجملة كلاماً منفصلاً عن خطاب داود كانت معترضة ومستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان خطر الضلال عن سبيل الله.

والعموم الذي في قوله {الذين يضلون عن سبيل الله} يُكسب الجملة وصف التذييل أيضاً وكلا الاعتبارين موجب لعدم عطفها. وجيء بالموصول للإِيماء إلى أن الصلة علة لاستحقاق العذاب. واللام في {لهُم عَذَابٌ} للاختصاص، والباء في {بِما نسُوا يومَ الحِسَابِ} سببية.

و (ما) مصدرية، أي بسبب نسيانهم يوم الحساب، وتتعلق الباء بالاستقرار الذي ناب عنه المجرور في قوله: {لَهُم عَذَابٌ}.

والنسيان: مستعار للإِعراض الشديد لأنه يشبه نسيان المعرض عنه كما في قوله تعالى:

{ نسوا الله فنسيهم }[التوبة: 67]، وهو مراتب أشدها إنكار البعث والجزاء، قال تعالى: { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم }[السجدة: 14]. ودونه مراتب كثيرة تكون على وفق مراتب العذاب لأنه إذا كان السبب ذا مراتب كانت المسببات تبعاً لذلك.

والمراد بــــ {يَوْمَ الحسابِ}ما يقع فيه من الجزاء على الخير والشر، فهو في المعنى على تقدير مضاف، أي جزاء يوم الحساب على حدّ قوله تعالى:

{ ونسي ما قدمت يداه }[الكهف: 57]، أي لم يفكر في عاقبة ما يقدمه من الأعمال. وفي جعل الضلال عن سبيل الله ونسيان يوم الحساب سببين لاستحقاق العذاب الشديد تنبيه على تلازمهما فإن الضلال عن سبيل الله يفضي إلى الإِعراض عن مراقبة الجزاء. وترجمة داود تقدمت عند قوله تعالى: { ومن ذريته داوود } في [الأنعام: 84] وقوله: { وآتينا داوود زبوراً } في [النساء: 163].

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَٰطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ ۝٢٧

لما جرى في خطاب داود ذكرُ نسيان يوم الحساب وكان أقصى غايات ذلك النسيان جحودُ وقوعه لأنه يفضي إلى عدم مراعاته ومراقبته أبداً اعتُرِض بين القصتين بثلاث آيات لبيان حكمة الله تعالى في جعل الجزاء ويومه احتجاجاً على منكريه من المشركين.

والباطل: ضد الحق، فكل ما كان غير حقّ فهو الباطل، ولذلك قال تعالى في الآية الأخرى:

{ ما خلقناهما إلا بالحق } [الدخان: 39].

والمراد بالحقّ المأخوذِ من نفي الباطل هنا، هو أن تلك المخلوقات خلقت على حالة لا تخرج عن الحق؛ إمّا حَالاً كخلق الملائكة والرسل والصالحين، وإمّا في المآل كخلق الشياطين والمفسدين لأن إقامة الجزاء عليهم من بعد استدراك لمقتضى الحق.

وقد بنيت هذه الحجة على الاستدلال بأحوال المشاهدات وهي أحوال السماوات والأرض وما بينهما، والمشركون يعلمون أن الله هو خالق السماوات والأرض وما بينهما، فأقيم الدليل على أساس مقدمة لا نزاع فيها، وهي أن الله خلق ذلك وأنهم إذا تأملوا أدنى تأمل وجدوا من نظام هذه العوالم دلالةً تحصل بأدنى نظر على أنه نظام على غاية الإِحكام إحكاماً مطرداً، وهو ما نبههم الله إليه بقوله: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً}.

ومصب النفي الحالُ وهو قوله: {باطِلاً} فهو عام لوقوعه في سياق النفي، وبعد النظر يعلم الناظر أن خالقها حكيم عادل وأن تصرفات الفاعل يستدل بالظاهرِ منها على الخَفي، فكان حقاً على الذين اعتادوا بتحكيم المشاهدات وعدم تجاوزها أن ينظروا بقياس من خفي عنهم على ما هو مشاهد لهم، فلما استقرّ أن نظام السماء والأرض وما بينهما كان جارياً على مقتضى الحكمة وكامل النظام، فعليهم أن يتدبّروا فيما خفي عنهم من وقوع البعث والجزاء فإن جميع ما في الأرض جارٍ على نظام بديع إلا أعمال الإِنسان، فمن المعلوم بالمشاهدة أن من الناس صالحين نافعين، ومنهم دون ذلك إلى صنف المجرمين المفسدين، وإن من الصالحين كثيراً لم ينالوا من حظوظ الخيرات الدنيوية شيئاً أو إلاّ شيئاً قليلاً هو أقلّ مما يستحقه صلاحه وما جاهده من الارتقاء بنفسه إلى معارج الكمال. ومن المفسدين من هم بعكس ذلك.

والفساد: اختلال اجتلبه الإِنسان إلى نفسه باتِّباعه شهواته باختياره الذي أودعه الله فيه، وبقواه الباطنية قال تعالى:

{ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات }[التين: 4 - 6] وفي هذه المراتب يدنو الناس دُنُوّاً متدرّجاً إلى مراتب الملائكة أو دُنُوًّا متدلِّياً إلى أحضية الشياطين فكانت الحكمة الإِلٰهية تقتضي أن يلتحق كل فريق بأشباهه في النعيم الأبدي أو الجحيم السرمدي.

ولولا أن حكمة نظام خلق العوالم اقتضت أن يُـحال بين العوالم الزائلة والعوالم السرمدية في المدة المقدرة لبقاء هذه الأخيرة لأطار الله الصالحين إلى أوج النعيم الخالد، ولَدَسّ المجرمين في دركات السعير المؤبد، لعلل كثيرة اقتضت ذلك جُماعها رْعيُ الإِبقاء على خصائص المخلوقات حتى تؤدي وظائفها التي خلقت لها، وهي خصائص قد تتعارض فلو أوثر بعضها على غيره بالإِبقاء لأفضى إلى زوال الآخر، فمكّن الله كل نوع وكل صنف من الكدَح لنوال ملائمه وأرشد الجميع إلى الخير وأمر ونهى وبيّن وحدد. وجعل لهم من بعد هذا العالم الزائل عالَماً خالداً يكون فيه وجود الأصناف محوطاً بما تستحقه كمالاتُها وأضدادُها من حُسْن أو سوء، ولو لم يجعل الله العالمَ الأبدي لذهب صلاح الصالحين باطلاً أجهدوا فيه أنفسهم وأضاعوا في تحصيله جمّاً غفيراً من لذائذهم الزائلة دون مقابل، ولعاد فساد المفسدين غُنما أرضَوْا به أهواءَهم ونالوا به مشتهاهم فذهب ما جَرُّوه على الناس من أرزاء باطلاً، فلا جرم لو لم يكن الجزاء الأبدي لعاد خلق الأرض باطلاً ولفاز الغويّ بغوايته.

فإذا استقرت هذه المقدمة تعين أن إنكار البعث والجزاء يلزمه أن يكون منكرُه قائلاً بأن خلق السماء والأرض وما بينهما شيء من الباطل، وقد دلّت الدلائل الأخرى أن لا يكون في خلق ذلك شيء من الباطل بقياس الخفي على الظاهر، فبطل ما يفضي إلى القول بأن في خلق بعض ما ذكر شيء من الباطل.

والمشركون وإن لم يصدر منهم ذلك ولا اعتقدوه لكنهم آيلون إلى لزومه لهم بطريق دلالة الالتزام لأن من أنكر البعث والجزاء فقد تقلد أن ما هو جارٍ في أحوال الناس باطل، والناس من خلق الله فباطلهم إذا لم يؤاخِذهم خالقهم عليه يكون مما أقرّه خالقهم، فيكون في خلق السماء والأرض وما بينهما شيء من الباطل، فتنتقض كلية قوله: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً}، وهو ما ألزمهم إياه قوله تعالى: {ذٰلِكَ ظنُّ الذين كفروا}. والإِشارة إلى القضية المنفية لا إلى نفيها، أي خَلق المذكورات باطلاً هو ظن الذين كفروا، أي اعتقادهم. وأُطلق الظن على العلم لأن ظنهم علم مخالف للواقع فهو باسم الظن أجدر لأن إطلاق الظن يقع عليه أنواع من العلم المُشْبِه والباطل. وفي هذه الآية دليل على أن لازم القول يعتبر قولاً، وأن لازم المذهب مذهب وهو الذي نحاه فقهاء المالكية في موجبات الردة من أقوال وأفعال.

وفرع على هذا الاستدلال وعدمِ جري المشركين على مقتضاه قوله: {فويلٌ للذين كفروا مِنَ النَّارِ} أي نار جهنم. وعُبر عنهم بالموصول لما تشير إليه الصلة من أنهم استحقوا العقاب على سوء اعتقادهم وسوء أعمالهم، وأن ذلك أيضاً من آثار انتفاء الباطل عن خلق السماوات والأرض وما بينهما، لأنهم كانوا على باطل في إعراضهم عن الاستدلال بنظام السماوات والأرض، وفي ارتكابهم مفاسد عوائد الشرك وملته، وقد تمتّعوا بالحياة الدنيا أكثر مما تمتع بها الصالحون فلا جرم استحقوا جزاء أعمالهم.

ولفظ: «وَيل» يدل على أشدّ السوء. وكلمة: وَيْلٌ له، تقال للتعجيب من شدة سوء حالة المتحدث عنه، وهي هنا كناية عن شدة عذابهم في النار. و {من} ابتدائية كما في قوله تعالى:

{ فويل لهم مما كتبت أيديهم }[البقرة: 79]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن الزبير حين شرب دم حِجامته: ويل لك من الناس وويل للناس منك».

أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ ۝٢٨

{أم} منقطعة أفادت إضراباً انتقالياً وهو ارتقاء في الاستدلال على ثبوت البعث وبيان لما هو من مقتضى خلق السماء والأرض بالحق، بعد أن سيق ذلك بوجه الاستدلال الجُمليّ، وقد كان هذا الانتقال بناء على ما اقتضاه قوله:

{ ذٰلِكَ ظنُّ الذين كفروا }[ص: 27] فلأجْل ذلك بني على استفهام مقدر بعد {أم} وهو من لوازم استعمالها، وهو استفهام إنكاري. والمعنى: لو انتفى البعث والجزاء كما تزعمون لاستوت عند الله أحوال الصالحين وأحوال المفسدين.

والتشبيه في قوله: {كالمُفْسِدِينَ} للتسوية. والمعنى: إنكار أن يكونوا سواء في جعل الله، أي إذا لم يُجاز كلَّ فريق بما يستحقه على عمله، فالمشاهد في هذه الحياة الدنيا خلاَفُ ذلك فتعين أن يكون الجزاء في عالم آخر وهو الذي يسلك له الناس بعد البعث. وقد أُخذ في الاستدلال جانبُ المساواة بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين في الأرض، لأنه يوجد كثير من الفريقين متساوِينَ في حالة الحياة الدنيا في النعمة أو في التوسط أو في البؤس والخصاصة، فحالة المساواة كافية لتكون مناط الاستدلال على إبطال ظن الذين كفروا بقطع النظر عن حالة أخرى أولى بالدلالة، وهي المقابلة بين فريق المفسدين أولي النعمة وفريق الصالحين أولي البؤس، وعن حالة دون ذلك وهي فريق المفسدين أصحاب البؤس والخصاصة وفريق الصالحين أولي النعمة لأنها لا تسترعي خاطر الناظر.

و {أم} الثانية منقطعة أيضاً ومفادها إضراب انتقال ثانٍ للارتقاء في الاستدلال على أن الحكمة الربانية بمراعاة الحق وانتفاع الباطل في الخلق تقتضي الجزاء والبعثَ لأجله.

ومعنى الاستفهام الذي تقتضيه {أم} الثانية: الإِنكار كالذي اقتضته {أم} الأولى. وهذا الارتقاء في الاستدلال لقصد زيادة التشنيع على منكري البعث والجزاء بأن ظنهم ذلك يقتضي أن جعل الله المتقين مُساوين للفجّار في أحوال وجود الفريقين، وتقريره مِثلَ ما قُرّر به الاستدلال الأول.

والمتّقون: هم الذين كانت التقوى شعارهم. والتقوى: ملازمة اتباع المأمورات واجتناب المنهيات في الظاهر والباطن، وقد تقدم في أول سورة البقرة.

والفجّار: الذين شعارهم الفجور، وهو أشد المعصية، والمراد به: الكفر وأعماله التي لا تراقب أصحابها التقوى كما في قوله تعالى:

{ أولئك هم الكفرة الفجرة }[عبس: 42] وقد تقدم تفصيل من هذا عند قوله تعالى: { إنه يبدأ الخلق ثم يُعيدُهُ لِيَجْزِي الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحَاتِ بالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهُم شَرَابٌ مِنْ حَمِيممٍ وعَذَابٌ أَلِيمٌ بِما كَانُوا يَكْفُرُونَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمس ضياءَ }[يونس: 4] إلى قوله: { مَا خَلَقَ الله ذٰلِكَ إلاَّ بِالحَقِّ } [يونس: 5].

والمقصود من هذا الإِطناب زيادة التهويل والتفظيع على الذين ظنوا ظنّاً يفضي إلى أن الله خلق شيئاً من السماء والأرض وما بينهما باطلاً فإن في الانتقال من دلالة الأضعف إلى دلالة الأقوى وفي تكرير أداة الإِنكار شأناً عظيماً من فضح أمر الضالين.

كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٢٩

عقب الإمعان في تهديد المشركين وتجهيلهم على إعراضهم عن التدبر بحكمة الجزاء ويوم الحساب عليه والاحتجاج عليهم، أعرض الله عن خطابهم ووجّه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالثناء على الكتاب المنزل عليه، وكان هذا القرآن قد بيّن لهم ما فيه لهم مقنع، وحجاجاً هو لشبهاتهم مقلع، وأنه إن حَرَم المشركون أنفسهم من الانتفاع به فقد انتفع به أولو الألباب وهم المؤمنون. وفي ذلك إدماجُ الاعتزاز بهذا الكتاب لمن أنزل عليه ولمن تمسك به واهتدى بهديه من المؤمنين. وهذا نظير قوله تعالى عقب ذكر خلق الشمس والقمر:

{ مَا خَلَقَ الله ذٰلِكَ إلاَّ بالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَعْلَمُون } في أول سورة [يونس: 5].

والجملة استئناف معتَرضٍ وفي هذا الاستئناف نظر إلى قوله في أول السورة

{ والقُرآنِ ذي الذِكرِ }[ص: 1] إعادة للتنويه بشأن القرآن كما سيعاد ذلك في قوله تعالى: { هذا ذكر } [ص: 49].

فقوله: {كِتابٌ} يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هذا كتاب، وجملة {أنزلناهُ} صفة {كِتابٌ}. ويجوز أن يكون مبتدأ وجملة {أنزلناهُ} صفة {كِتاب} و {مُبارَكٌ} خبراً عن {كِتابٌ}.

وتنكير كِتابٌ للتعظيم، لأن الكتاب معلوم فما كان تنكيره إلا لتعظيم شأنه وهو مبتدأ سوغ الابتداء به وصفه بجملة {أنزلناهُ} و {مُبارَكٌ} هو الخبر. ولك أن تجعل ما في التنكير من معنى التعظيم مسوغاً للابتداء وتجعل جملة {أنزلناهُ} خبراً أول و {مُبارَكٌ} خبراً ثانياً و{لِيدَّبَّرُوا} متعلق بــــ {أنزلناهُ} ولكن لا يجعل {كِتابٌ} خبر مبتدأ محذوف وتقدره: هذا كتاب، إذ ليس هذا بمحَزّ كبير من البلاغة.

والمبارك: المُنبَثّة فيه البركة وهي الخير الكثير، وكل آيات القرآن مبارك فيها لأنها: إمّا مرشدة إلى خير، وَإمّا صارفة عن شرّ وفساد، وذلك سبب الخير في العاجل والآجل ولا بركة أعظم من ذلك.

والتدبر: التفكر والتأمل الذي يبلغ به صاحبه معرفة المراد من المعاني، وإنما يكون ذلك في كلام قليل اللفظ كثير المعاني التي أودعت فيه بحيث كلما ازداد المتدبر تدبراً انكشفت له معان لم تكن بادية له بادىء النظر. وأقربُ مثل للتدبر هنا هو ما مر آنفاً من معاني قوله تعالى:

{ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً } [ص: 27] إلى قوله: { أم نجعل المتقين كالفجار }[ ص: 28]، وتقدم عند قوله تعالى: { أفلا يتدبرون القرآن } في سورة [النساء: 82].

وقرأ الجمهور: {ليَدَّبَّرُوَا} بياء الغيبة وتشديد الدال. وأصل «يدبروا» يتدبروا، فقلبت التاء دالاً لقرب مخرجيهما ليتأتى الإِدغام لتخفيفه وهو صيغة تكلف مشتقة من فعل: دَبَرَ بوزن ضرب، إذا تبع، فتدبَّره بمنزلة تتبَّعه، ومعناه: أنه يتعقب ظواهر الألفاظ ليعلم ما يَدْبر ظواهرها من المعاني المكنونة والتأويلات اللائقة، وتقدم عند قوله تعالى:

{ أفلم يدبروا القول } في سورة [المؤمنين: 68].

وقرأ أبو جعفر {لتَدَبروا} بتاء الخطاب وتخفيف الدال وأصلها: لتتدبروا فحذفت إحدى التاءين اختصاراً، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين.

والتذكُّر: استحضار الذهن ما كان يعلمه وهو صادق باستحضار ما هو منسي وباستحضار ما الشأن أن لا يُغفل عنه وهو ما يهمّ العلم به، فجُعل القرآن للناس ليتدبروا معانيه ويكشفوا عن غوامضه بقدر الطاقة فإنهم على تعاقب طبقات العلماء به لا يصلون إلى نهاية من مكنونه ولتذكرهم الآية بنظيرها وما يقاربها، وليتذكروا ما هو موعظة لهم وموقظ من غفلاتهم.

وضمير «يدبروا» على قراءة الجمهور عائد إلى {أولوا الألباب} على طريقة الإِضمار للفعل المهمل عن العمل في التنازع، والتقدير: ليدَبَّر أولو الألباب آياته ويتذكروا، وأما على قراءة أبي جعفر فإسناد «يتذكر» إلى {أُولُوا الألبابِ} اكتفاء عن وصف المتدبرين بأنهم أولو الألباب لأن التدبر مُفْضٍ إلى التذكر. والتذكر من آثار التدبر فوصف فاعل أحد الفعلين يُغني عن وصف فاعل الفعل الآخر.

و {أولوا الألباب}: أهل العقول وفيه تعريض بأن الذين لم يتذكروا بالقرآن ليسوا من أهل العقول، وأن التذكر من شأن المسلمين الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، فهم ممن تدبروا آياته فاستنبطوا من المعاني ما لم يعلموا، ومن قرأه فتذكر به ما كان علمه وتذكر به حقاً كان عليه أن يرعاه، والكافرون أعرضوا عن التدبر فلا جرم فاتهم التذكر.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ