انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ص

التحرير والتنويرالآيات 45–70

تفسير سورة ص آية آية، من التحرير والتنوير.

وَٱذْكُرْ عِبَٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَٰرِ ۝٤٥ إِنَّآ أَخْلَصْنَٰهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ ۝٤٦ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلْأَخْيَارِ ۝٤٧

القول فيه كالقول في نظائره لغةً ومعنى. وذِكر هؤلاء الثلاثة ذكر اقتداء وائتساء بهم، فأما إبراهيم عليه السّلام فيما عرف من صبره على أذى قومه، وإلقائه في النار، وابتلائه بتكليف ذبح ابنه، وأما ذِكر إسحاق ويعقوبَ فاستطراد بمناسبة ذكر إبراهيم ولما اشتركا به من الفضائل مع أبيهم التي يجمعها اشتراكهم في معنى قوله: {أُولي الأيدِي والأبصارِ} ليقتدي النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثتهم في القوة في إقامة الدين والبصيرة في حقائق الأمور.

وابتدىء بإبراهيم لتفضيله بمقام الرسالة والشريعة، وعطف عليه ذكر ابنه وعطف على ابِنه ابنه يعقوب. وقرأ الجمهور {واذكر عبادنا} بصيغة الجمع على أن {إبراهيم} ومن عطف عليه كله عطف بيان. وقرأ ابن كثير {عَبدنا} بصيغة الإفراد على أن يكون {إِبْرَاهِيمَ}عطف بيان من {عبدنا} ويكون {إسحاق ويعقوب} عطف نسق على {عبدنا}. ومآل القراءتين متّحد.

و {الأيدي}: جمع يد بمعنى القوة في الدين. كقوله تعالى:

{ والسماء بنيناها بأيد } في سورة [الذاريات: 47].

و {الأبصار}: جمع بصر بالمعنى المجازي، وهو النظر الفكري المعروف بالبصيرة، أي التبصر في مراعاة أحكام الله تعالى وتوخّي مرضاته.

وجملة {إنَّا أخلصناهُم} علة للأمر بذكرهم لأن ذكرهم يكسب الذاكر الاقتداء بهم في إخلاصهم ورجاء الفوز بما فازوا به من الاصطفاء والأفضلية في الخير. و {أخْلَصْناهُم}: جعلناهم خالصين، فالهمزة للتعدية، أي طهرناهم من درَن النفوس فصارت نفوسهم نقية من العيوب العارضة للبشر، وهذا الإِخلاص هو معنى العصمة اللازمة للنبوءة.

والعصمة: قوة يجعلها الله في نفس النبي تَصْرِفُه عن فعل ما هو في دينه معصية لله تعالى عمداً أو سهواً، وعمّا هو موجب للنفرة والاستصغار عند أهل العقول الراجحة من أمة عصره. وأركان العصمة أربعة:

الأول: خاصية للنفس يخلقها الله تعالى تقتضي ملكة مانعة من العصيان.

الثاني: حصول العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات.

الثالث: تأكد ذلك العلم بتتابع الوحي والبيان من الله تعالى

الرابع: العتاب من الله على ترك الأوْلى وعلى النسيان.

وإسناد الإِخلاص إلى الله تعالى لأنه أمر لا يحصل للنفس البشرية إلا بجعل خاص من الله تعالى وعناية لَدُنِيّة بحيث تنزع من النفس غلبة الهوى في كل حال وتصرف النفس إلى الخير المحض فلا تبقى في النفس إلا نزعات خفيفة تُقلع النفس عنها سريعاً بمجرد خطورها، قال النبي صلى الله عليه وسلم

إني لُيَغَانُ على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة

والباء في {بخالصةٍ} للسببية تنبيهاً على سبب عصمتهم. وعبر عن هذا السبب تعبيراً مجملاً تنبيهاً على أنه أمر عظيم دقيق لا يتصور بالكنه ولكن يعرف بالوجه، ولذلك استحضر هذا السبب بوصف مشتق من فعل {أخلصناهم} على نحو قول

النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن اقْتناعه من أكل لحم الضبّ "أني تحضرني من اللَّه حاضرة" أي حاضرة لا توصف، ثم بُيّنت هذه الخالصة بأقصى ما تعبر عنه اللغة وهي أنها {ذِكرى الدَّارِ}.

والذكرى: اسم مصدر يدل على قوة معنى المصدر مثل الرّجعى والبُقيا لأن زيادة المبنَى تقتضي زيادة المعنى. والدار المعهودة لأمثالهم هي الدار الآخرة، أي بحيث لا ينسون الآخرة ولا يقبلون على الدنيا، فالدار التي هي محلّ عنايتهم هي الدار الآخرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم

فأقول مَا لي وللدنيا

. وأشار قوله تعالى: {بخالصةٍ ذكرى الدَّارِ} إلى أن مبدأ العصمة هو الوحي الإِلهي بالتحذير مما لا يرضي الله وتخويف عذاب الآخرة وتحبيب نعيمها فتحدث في نفس النبي صلى الله عليه وسلم شدة الحذر من المعصية وحبُّ الطاعة ثم لا يزال الوحي يتعهده ويوقظه ويجنبه الوقوع فيما نُهي عنه فلا يلبث أن تصير العصمة ملكة للنبي يكره بها المعاصي، فأصل العصمة هي منتهى التقوى التي هي ثمرة التكليف، وبهذا يمكن الجمع بين قول أصحابنا: العصمة عدم خَلق المعصية مع بقاء القدرة على المعصية، وقولِ المعتزلة: إنها ملكة تمنع عن إرادة المعاصي، فالأولون نظروا إلى المبدأ والأخيرون نظروا إلى الغاية، وبه يظهر أيضاً أن العصمة لا تنافي التكليف وترتَّب المدحِ على الطاعات.

وقرأ نافع وهشام عن ابن عامر وأبو جعفر «خالصة» بدون تنوين لإِضافته إلى {ذكرى الدارِ} والإضافة بيانية لأن {ذِكرى الدَّارِ} هي نفس الخالصة، فكأنه قيل: بذكرى الدار، وليست من إضافة الصفة إلى الموصوف ولا من إضافة المصدر إلى مفعوله ولا إلى فاعله، وإنما ذكر لفظ «خالصة» ليقع إجمال ثم يفصل بالإِضافة للتنبيه على دقة هذا الخلوص كما أشرنا إليه. والتعريفُ بالإِضافة لأنها أقصى طريق للتعريف في هذا المقام. وقرأ الجمهور بتنوين «خالصةً» فيكون {ذكرى الدار} عطف بيان أو بدلاً مطابقاً. وغرض الإجمال والتفصيل ظاهر. وإضافة «خالصة» إلى {ذِكرى الدَّارِ} في قراءة نافع من إضافة الصفة إلى الموصوف وإبدالها منها في قراءة الجمهور من إبدال الصفة من الموصوف. ويجوز أن يكون {ذِكرى} مرادف الذكر بكسر الذال، أي الذكر الحسن، كقوله تعالى:

{ وجعلنا لهم لسان صدق علياً }[مريم: 50] وتكون {الدَّارِ} هي الدار الدنيا. ويجوز أن يكون مرادفاً للذُّكر بضم الذال وهو التذكر الفكري ومراعاة وصايا الدين. و {الدار}: الدار الآخرة.

وعطف عليه: {إنهم عندنا لمن المصطفَيْن الأخيار} لأنه مما يبعث على ذكرهم بأنهم اصطفاهم الله من بين خلقه فقربهم إليه وجعلهم أخياراً.

و{الأخيار}: جمع خيّر بتشديد الياء، أو جمع خيْر بتخفيفها مثل الأموات جمعاً لميّت وميْت، وكلتا الصيغتين تدل على شدة الوصف في الموصوف.

وَٱذْكُرْ إِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ ۝٤٨

فُصل ذكر إسماعيل عن عدّه مع أبيه إبراهيم وأخيه إسحاق لأن إسماعيل كان جد الأمة العربية، أي معظمِها فإنه أبو العدنانيين. وجدّ للأم لمعظم القحطانيين لأن زوج إسماعيل جُرْهُميّة فلذلك قطع عن عطفه على ذكر إبراهيم وعاد الكلام إليه هنا.

وأمّا قرنه ذِكرَه بذكر اليسَع وذي الكفل بعطف اسميهما على اسمه فوجهه دقيق في البلاغة وليس يكفي في توجيهه ما تضمنه قوله: {وكُلٌّ مِنَ الأخيارِ}، لأن التماثل في الخيريّة والاصطفاء ثابت لجميع الأنبياء والمرسلين، فلا يكون ذكرُهما بعد ذكر إسماعيل أولى من ذكر غيرهما من ذوي الخيرية الذين شملهم لفظ الأخيار والاصطفاء، فإن شرط قبول العطف بالواو أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه جامع عقلي أو وهمي أو خيالي كما قال في «المفتاح»، قال ومن هنا عابوا أبا تمام في قوله:

لا والذي هو عالم أن النوىصبر وأن أبا الحسين كريم

حيث جمع بين مرارة النوى وكرم أبي الحسين وإن كانا مقترنين في تعلق علم الله بهما وذلك مساوٍ لاقتران إسماعيل واليسع وذي الكفل في أنهم من الأخيار في هذه الآية.

فبنا أن نطلب الدقيقة التي حسّنت في هذه الآية عطف اليسع وذي الكفل على إسماعيل. فأما عطف اليسع على إسماعيل فلأن اليسع كان مقامه في بني إسرائيل كمقام إسماعيل في بني إبراهيم لأن اليسع كان بمنزلة الابن للرسول إلياس (إيليا) وكان إلياس يدافع ملوك يهوذا وملوكَ إسرائيل عن عبادة الأصنام، وكان اليسع في إعانته كما كان إسماعيل في إعانة إبراهيم، وكان إلياس لما رفع إلى السماء قام اليسع مقامه كما هو مبيّن في سفر «الملوك الثاني» الإصحاح (1 ــــ 2).

وأما عطف ذي الكفل على إسماعيل فلأنه مماثل لإسماعيل في صفة الصبر قال الله تعالى في سورة الأنبياء (85)

{ وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين }}. وقرأ الجمهور {الْيسع} بهمزة وصل وبلام واحدة وهي من أصل الاسم في اللغة العبرانية فعربته العرب باللام وليست لام التعريف، فدع عنك ما أطالوا به. وقرأه حمزة والكسائي بهمزة وصل وبلامين وتشديد الثانية وهو أقرب إلى أصله العبراني وهو اسم أعجميّ معرب، والهمزة واللام، أوْ واللامان أصلية.

وتنوين {كلٌ} في قوله: {وكُلٌّ من الأخيارِ} عوض عن المضاف إليه، أي وكل أولئك الثلاثة من الأخيار. وتقدم ذكر اليَسع في سورة الأنعام، وذكر ذي الكفل في سورة الأنبياء.

هَٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍ ۝٤٩ جَنَّٰتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ ۝٥٠ مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ۝٥١ وَعِندَهُمْ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ ۝٥٢

{هٰذَا ذِكْرٌ} جملة فَصلت الكلامَ السابق عن الكلام الآتي بعدها قصداً لانتقال الكلام من غرض إلى غرض مثل جملة: أما بعد فكذا ومثل اسم الإِشارة المجرّد نحو

{ هذا وإن للطاغين لشر مآب }[ص: 55]، وقوله: { ذلك ومن يعظم حرمات الله }[الحج: 30]، { وذلك ومن يعظم شعائر الله }}، في سورة [الحج: 32]. قال في «الكشاف»: وهو كما يقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر: هذا وقد كان كيْتَ وكَيت اهــــ. وهذا الأسلوب من الانتقال هو المسمى في عرف علماء الأدب بالاقتضاب وهو طريقة العرب ومن يليهم من المخضرمين، ولهم في مثله طريقتان: أن يذكروا الخبر كما في هذه الآية وقولِ المؤلفين: هذا باب كذا، وأن يحذفوا الخبر لدلالة الإِشارة على المقصود، كقوله تعالى: { ذلك ومن يعظم حرمات الله }[الحج: 30]، أي ذلك شأن الذين عمِلوا بما دعاهم إليه إبراهيم وذكروا اسم الله على ذبائحهم ولم يذكروا أسماء الأصنام، وقوله: { ذلك ومن يعظم شعائر الله }}، [الحج: 32] أي ذلك مثل الذين أشركوا بالله، وقوله بعد آيات { هذا وإن للطاغين لشر مئاب }[ص: 55] أي هذا مآب المتقين، ومنه قول الكاتب: هذا وقد كان كَيْت وكَيْتتِ، وإنما صرح بالخبر في قوله: {هٰذَا ذِكرٌ} للاهتمام بتعيين الخبر، وأن المقصود من المشار إليه التذكر والاقتداء فلا يأخذ السامع اسم الإِشارة مأخذ الفصل المجرَّد والانتقالِ الاقتضابي، مع إرادة التوجيه بلفظ {ذكر} بتحميله معنى حُسن السمعة، أي هذا ذكر لأولئك المسمَّيْن في الآخرين مع أنه تذكرة للمقتدِين على نحو المعْنَيَيْن في قوله تعالى: { وإنه لذكر لك ولقومك } في سورة الدخان [الزخرف: 44].

ومن هنا احتمل أن تكون الإِشارة بــــ {هذا}إلى القرآن، أي القرآن ذِكر، فتكون الجملة استئنافاً ابتدائياً للتنويه بشأن القرآن رَاجعاً إلى غَرض قوله تعالى:

{ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب } [ص: 29].

والواو في {وإن للمتقين} الخ، يجوز أن تكون للعطف الذكري، أي انتهى الكلام السابق بقولنا {هذا} ونعطف عليه {إنَّ للمُتَّقينَ} الخ. ويجوز أن تكون واو الحال. وتقدم معنى {حسن مئاب}. واللام في {للمُتَّقينَ} لام الاختصاص، أي لهم حسن مآب يوم الجزاء. وانتصب {جنَّاتِ عدنٍ} على البيان من {حسن مئاب}. والعدن: الخلود.

و {مُفَتَحَةً} حال من {جنَّاتِ عدنٍ}، والعامل في الحال ما في {للمُتَّقينَ} من معنى الفعل وهو الاستقرار فيكون (ال) في {الأبوابُ} عوضاً عن الضمير. والتقدير: أبوابها، على رأي نحاة الكوفة، وأما عند البصريين فــــ{الأبواب} بدل من الضمير في {مُفتَّحَةً} على أنه بدل اشتمال أو بعض والرابط بينه وبين المبدل منه محذوف تقديره: الأبواب منها. وتفتيح الأبواب كناية عن التمكين من الانتفاع بنعيمها لأن تفتيح الأبواب يستلزم الإِذن بالدخول وهو يستلزم التخلية بين الداخل وبين الانتفاع بما وراء الأبواب.

وقوله {مُتَّكِئينَ فيها} تقدم قريب منه في سورة يس.

و {يَدْعُونَ}: يَأمرون بأن يجلب لهم، يقال: دعا بكذا، أي سأل أن يحضر له. والباء في قولهم: دعا بكذا، للمصاحبة، والتقدير: دعا مدعُوَّاً يصاحبه كذا، قال عدي بن زيد:

ودعَوا بالصَّبوح يوماً فجاءتقينَة في يمينها إبريق

قال تعالى في سورة [يس: 57] { لهم فيها فاكهة ولهم ما يَدّعون }

وانتصب {مُتَّكِئينَ} على الحال من «المتقين» وهي حال مقدرة. وجملة {يَدْعُونَ} حال ثانية مقدرة أيضاً.

والشراب: اسم للمشروب، وغلب إطلاقه على الخمر إذا لم يكن في الكلام ذكر للماء كقوله آنفاً

{ هذا مغتسَل بارد وشراب }[ص: 42]. وتنوين {شراب} هنا للتعظيم، أي شراب نفيس في جنسه، كقول أبي خراش الهذلي:

لقد وقعت على لحم

و {عندهم قاصِراتُ الطَّرْفِ} {عند} ظرف مكان قريب و {قَاصِرات الطرف} صفة لموصوف محذوف، أي نساء قاصرات النظر. وتعريف {الطرف} تعريف الجنس الصادقُ بالكثير، أي قاصرات الأطراف. و {الطرف}: النظر بالعَين، وقصر الطرف توجيهه إلى منظور غير متعدد، فيجوز أن يكون المعنى: أنهن قاصرات أطرافَهن على أزواجهن. فالأطراف المقصورة أطرافهن. وإسناد {قاصرات} إلى ضميرهن إسناد حقيقي، أيْ لا يوجّهْن أنظارهن إلى غيرهم وذلك كناية عن قصر محبتهن على أزواجهن.

ويجوز أن يكون المعنى: أنهن يقصرن أطرافَ أزواجهن عليهن فلا تتوجه أنظار أزواجهن إلى غيرهن اكتفاء منهم بحسنهن وذلك كناية عن تمام حسنهن في أنظار أزواجهن بحيث لا يتعلق استحسانهم بغيرهن، فالأطراف المقصورة أطراف أزواجهن، وإسناد {قاصرات} إليهن مجاز عقلي إذْ كان حسنهن سببَ قصْر أطراف الأزواج فإنهن ملابسات سَبب سَبَبِ القصر.

و {أَتراب}: جمع تِرْب بكسر التاء وسكون الراء، وهو اسم لمن كان عمره مساوياً عُمرَ من يُضاف إليه، تقول: هو تِرب فلان، وهي ترب فلانة، ولا تلحق لفظَ ترب علامةُ تأنيث. والمراد: أنهن أتراب بعضُهن لبعض، وأنهن أتراب لأزواجهن لأن التحابَّ بين الأقران أمكن.

والظاهر أن {أتْرَابٌ} وصف قائم بجميع نساء الجنة من مخلوقاتِ الجنةِ ومن النساء اللاتي كنّ أزواجاً في الدنيا لأصحاب الجنة، فلا يكون بعضهن أحسن شباباً من بعض فلا يلحق بعضَ أهل الجنة غَضّ إذا كانت نساء غيره أجدّ شباباً، ولئلا تتفاوت نساء الواحد من المتقين في شرخ الشباب، فيكون النعيم بالأقل شباباً دون النعيم بالأجدّ منهن. وتقدم الكلام على

{ وعندهم قاصرات الطرف عين } في سورة [الصافات: 48].

هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ۝٥٣

استئناف ابتدائي فيجوز أن يكون كلاماً قيل للمتقين وقت نزول الآية فهو مؤكِّد لمضمون جملة

{ وإن للمتقين لحسن مئابٍ } [ص: 49] والإِشارة إذن إلى ما سبق ذكره من قوله: {لحسن مئاب} فاسم الإِشارة هنا مغاير لاستعماله المتقدم في قوله: { هذا ذِكرٌ }[ص:49]. وجيء باسم الإِشارة القريب تنزيلاً للمشار إليه منزلة المشار إليه الحاضر إيماء إلى أنه محقق وقوعه تبشيراً للمتقين. والتعبير بالمضارع في قوله: {تُوعَدُونَ} على ظاهره.

ويجوز أن يكون كلاماً يقال للمتقين في الجنة فتكون الجملة مقولَ قول محذوف هو في محل حال ثانية من «المتقين». والتقدير: مقولاً لهم: هذا ما توعدون ليوم الحساب. والقول: إما من الملائكة مثل قوله تعالى:

{ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون }[النحل: 32]، وإما من جانب الله تعالى نظير قوله لضدهم: { ونقول ذوقوا عذاب الحريق } [آل عمران: 181].

والإِشارة إذن إلى ما هو مشاهد عندهم من النعيم.

وقرأ الجمهور: {تُوعَدُونَ} بتاء الخطاب فهو على الاحتمال الأول التفات من الغيبة إلى الخطاب لتشريف المتقين بعزّ الحضور لخطاب الله تعالى، وعلى الاحتمال الثاني الخطاب لهم على ظاهره. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحده «يوعدون» بياء الغيبة فهو على الاحتمال الأول التفات عن توجيه الخطاب إليهم إلى توجيهه للطاغين لزيادة التنكيل عليهم. والإِشارةُ إلى المذكور من «حسن المئاب»، وعلى الاحتمال الثاني كذلك وُجّه الكلام إلى أهل المحشر لتنديم الطاغين وإدخال الحسرة والغمّ عليهم. والإِشارة إلى النعيم المشاهد.

واللام في {لِيَوْمِ الحِسَابِ} لام العلة، أي وعدتموه لأجل يوم الحساب. والمعنى لأجل الجزاء يوم الحساب، فلما كان الحساب مؤذناً بالجزاء جعل اليوم هو العلة. وهذه اللام تفيد معنى التوقيت تبعاً كقوله تعالى:

{ أقم الصلاة لدلوك الشمس }[الإسراء: 78] تنزيلاً للوقت منزلة العلة. ولذلك قال الفقهاء: أوقات الصلوات أسباب.

إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ۝٥٤

يجري محمل اسم الإِشارة هذا على الاحتمالين المذكورين في الكلام السابق.

والعدول عن الضمير إلى اسم الإِشارة لكمال العناية بتمييزه وتوجيه ذهن السامع إليه. وأطلق الرزق على النعمة كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم

لو أن أحدهم قال حين يضاجع أهله: اللهم جنّبنا الشيطانَ وجنّب الشيطان ما رزَقْتنا ثم وُلِد لهما ولد لم يمسه شيطان أبداًفسمّى الولد رزقاً.

والتوكيد بــــ {إن} للاهتمام. والنفاد: الانقطاع والزوال.

هَٰذَا وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٍ ۝٥٥ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ۝٥٦

اسم الإِشارة {هذا} مستعمل في الانتقال من غرض إلى غرض تنهية للغرض الذي قبله. والقول فيه كالقول في

{ هٰذَا ذِكرٌ وإنَّ للمتقين لحُسنَ مآبٍ }[ص: 49]. والتقدير: هذا شأن المتقين، أو هذا الشأن، أو هذا كما ذُكر.

وجملة {يَصْلَونَهَا} حال من {جَهَنَّمَ} وهي حال مؤكدة لمعنى اللام الذي هو عامل في «الطاغين» فإن معنى اللام أنهم تختصّ بهم جهنم واختصاصها بهم هو ذَوْق عذابها لأن العذاب ذاتي لجهنم.

والطاغي: الموصوف بالطغيان وهو: مجاوزة الحد في الكِبر والتعاظم. والمراد بهم عظماء أهل الشرك لأنهم تكبَّروا بعظمتهم على قبول الإِسلام، وأعرضوا عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بكبر واستهزاء، وحكموا على عامة قومهم بالابتعَاد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين وعن سماع القرآن، وهم: أبو جهل وأميةُ بن خلف، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، والعاصي بن وائل وأضرابهم.

والفاء في {فَبِئْسَ المِهَادُ} لترتيب الإِخبار وتسببه على ما قبله، نظير عطف الجمل بــــ (ثُمّ) وهي كالفاء في قوله تعالى:

{ فلم تقتلوهم }[الأنفال: 17] بعد قوله: { فلا تولوهم الأدبار } في سورة [الأنفال: 15]. وهذا استعمال بديع كثير في القرآن وهو يندرج في استعمالات الفاء العاطفة ولم يكشف عنه في «مغني اللبيب».

والمعنى: جهنم يصلونها، فيتسبب على ذلك أن نذكر ذَم هذا المقرّ لهم، وعبر عن جهنم بــــ {المِهَادُ} على وجه الاستعارة، شبه ما هم فيه من النار من تحتهم بالمهاد وهو فراش النائم كقوله تعالى:

{ لهم من جهنم مهاد }[الأعراف: 41].

هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ۝٥٧ وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِۦٓ أَزْوَٰجٌ ۝٥٨

اسم الإِشارة هنا جار على غالب مواقعه وهو نظير قوله:

{ هذا ما توعدون ليوم الحساب }[ص: 53] والقول فيه مثله. وإشارة القريب لتقريب الإِنذار والمشار إليه ما تضمنه قوله: { جهنَّم يصلونها }[ص: 56] من الصلي ومن معنى العذاب، أو الإِشارة إلى شرّ من قوله: { لَشَرَّ مآبٍ } [ص: 55].

و{حميم} خبر عن اسم الإِشارة. ومعنى الجملة في معنى بدل الاشتمال لأن شر المآب أو العذاب مشتمل على الحميم والغساق وغيرِه من شكله، والمعنى: أن ذلك لهم لقوله:

{ وإنّ للطاغِينَ لشرَّ مَآبٍ }[ص: 55] فما فُصل به شر المآب وعذاب جهنم فهو في المعنى معمول للام. والحميم: الماء الشديد الحرارة.

والغَساق: قرأه الجمهور بتخفيف السين. وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بتشديدها. قيل هما لغتان وقيل: غَسَّاق بالتشديد مبالغة في غَاسق بمعنى سائل، فهو على هذا وصف لموصوف محذوف وليس اسماً لأن الأسماء التي على زنة فَعَّال قليلة في كلامهم.

والغساق: سائل يسيل في جهنم، يقال: غَسَق الجُرح، إذا سال منه ماء أصفر. وأحسب أن هذا الاسم بهذا الوزن أطلقه القرآن على سائل كريه يُسْقَوْنه كقوله:

{ بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب }[الكهف: 29]. وأحسب أنه لم تكن هذه الزنة من هذه المادة معروفة عند العرب، وبذلك يومىء كلام الراغب. وهذا سبب اختلاف المفسرين في المراد منه. والأظهر: أنه صيغ له هذا الوزن ليكون اسماً لشيء يشبه ما يغسِقَ به الجرح، ولذلك سمّي بالمهل والصديد في آيات أخرى.

وجملة {فَلْيَذُوقُوهُ} معترضة بين اسم الإِشارة والخبر عنه، وهذا من الاعتراض المقترن بالفاء دون الواو، والفاء فيه كالفاء في قوله:

{ فبئس المِهادُ }[ص: 56] وقد تقدمت آنفاً.

وموقع الجملة كموقع قوله:

{ فامنن أو أمسك }[ ص: 39] كما تقدم آنفاً.

وقوله: {وءَاخَرُ} صفة لموصوف محذوف دلت عليه الإِشارة بقوله: {هذا} وضمير {فليذوقوه} وصفُ آخر يدل على مغاير. وقوله: {مِن شَكلِهِ} يدل على أنه مغاير له بالذات وموافق في النوع، فحصل من ذلك أنه عذاب آخر أو مذوق آخر.

والشَّكل بفتح الشين: المثل، أي المماثل في النوع، أي وعذاب آخر غير ذلك الذي ذاقوه من الحميم والغساق هو مثل ذلك المشار إليه أو مثل ذلك الذوق في التعذيب والألم. وأفرد ضمير {شَكلهِ} مع أن معاده {حَميمٌ وغسَّاقٌ} نظراً إلى إفراد اسم الإِشارة، أو إلى إفراد (مذوق) المأخوذ من (يذوقوه)، فقوله: {مِن شكلهِ} صفة لــــ {آخر}.

والأزواج: جمع زوج بمعنى النوع والجنس، وقد تقدم عند قوله:

{ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } في سورة [الرعد: 3].

والمعنى: وعذاب آخر هو أزواج أصناف كثيرة. ولما كان اسماً شائعاً في كل مغاير صحّ وصفه بــــ {أزْوٰجٌ} بصيغة الجمع.

وقرأ الجمهور: {وءَاخَرُ} بصيغة الإِفراد. وقرأه أبو عمرو ويعقوب {وأُخَر} بضم الهمزة جمع أخرى على اعتبار تأنيث الموصوف، أي وأزواج أخر من شكل ذلك العذاب.

هَٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا۟ ٱلنَّارِ ۝٥٩

ابتداء كلام حكي به تخاصم المشركين في النار فيما بينهم إذا دخلوها كما دل عليه قوله تعالى في آخره:

{ إن ذلك لحق تخاصم أهل النار }[ص:64]، وبه فسر قتادة وابن زيد، وجريانه بينهم ليزدادوا مقتاً بأن يضاف إلى عذابهم الجسماني عذاب أنفسهم برجوع بعضهم على بعض بالتنديم وسوء المعاملة.

وأسلوب الكلام يقتضي متكلماً صادراً منه، وأسلوبُ المقاولة يقتضي أن المتكلم به هم الطاغون الذين لهم شر المآب لأنهم أساس هذه القضية. فالتقدير: يقولون، أي الطاغون بعضهم لبعض: هذا فوج مقتحم معكم، أي يقولون مشيرين إلى فوج من أهل النار أُقحم فيهم لَيسوا من أكفائهم ولا من طبقتهم وهم فوج الأتباع من المشركين الذين اتبعوا الطاغين في الحياة الدنيا، وذلك ما دل عليه قوله:

{ أنتم قدمتموه لنا }[ص: 60] أي أنتم سبب إحضار هذا العذاب لنا. وهو الموافق لمعنى نظائره في القرآن كقوله تعالى: { كلما دخلت أمة لعنت أختها }[الأعراف: 38] إلى قوله: { بما كنتم تكسبون } في سورة [الأعراف: 39]، وقوله: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } في سورة [البقرة: 166]، وقوله: { وأَقْبَلَ بَعْضُهُم عَلىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ } الآيات من سورة {الصافات: 27]. وأوضحُ من ذلك كله قوله تعالى في آخر هذه الآية { إنَّ ذٰلِكَ لحقٌّ تخاصم أهلِ النَّارِ } [ص: 64].

فجملة القول المحذوف في موضع الحال من الطّاغين. وجملة {هذا فوجٌ} إلى آخرها مقول القول المحذوف.

والفوج: الجماعة العظيمة من الناس، وتقدم في قوله:

{ ويوم نحشر من كل أمة فوجاً } في سورة [النمل: 83].

والاقتحام: الدخول في الناس، و (مع) مؤذنة بأن المتكلمين متبوعون، وأن الفوج المقتحم أتباع لهم، فأدخلوا فيهم مدخل التابع مع المتبوع بعلامات تشعر بذلك.

وجملة: {لا مرحباً بهم} معترضة مستأنفة لإِنشاء ذم الفوج. و {لاَ مَرْحَباً} نفيٌ لكلمةٍ يقولها المزور لزائره وهي إنشاء دعاء الوافد. و{مرحباً} مصدر بوزن المفعل، وهو الرُّحب بضم الراء وهو منصوب بفعل محذوف دل عليه معنى الرحب، أي أتيت رحباً، أي مكاناً ذا رحب، فإذا أرادوا كراهية الوافد والدعاء عليه قالوا: لا مرحباً به، كأنهم أرادوا النفي بمجموع الكلمة:

لا مرحباً بِغَدٍ ولا أهلاً بهإن كان تفريق الأحبة في غدِ

وذلك كما يقولون في المدح: حبّذا، فإذا أرادوا ذمّاً قالوا: لا حبّذا. وقد جمعهما قول كنزة أمّ شملة المنقري تهجو فيه صاحبة ذي الرمة:

ألا حبّذا أهل الملا غير أنهإذا ذكرت ميَّ فلا حبّذا هيا

ومعنى الرحب في هذا كله: السعة المجازية، وهي الفرح ولقاء المرغوب في ذلك المكان بقرينة أن نفس السعة لا تفيد الزائر، وإنما قالوا ذلك لأنهم كرهوا أن يكونوا هم وأتباعهم في مكان واحد جرياً على خلق جاهليتهم من الكبرياء واحتقار الضعفاء.

وجملة {إنهم صَالُوا النَّارِ} خبر ثان عن اسم الإِشارة، والخبر مستعمل في التضجّر منهم، أي أنهم مضايقوننا في مضيق النار كما أومأ إليه قولهم: {مقتحِم معكم لا مرحباً بهم}.

قَالُوا۟ بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ۝٦٠

فسَمِعَهُم الأتباع فيقولون: {بل أنتم لا مرحباً بكم} إضراباً عن كلامهم. وجيء بحكاية قولهم على طريقة المحاورات فلذلك جرّد من حرف العطف، أي أنتم أولى بالشتم والكراهية بأن يقال: لاَ مرحباً بِكم، لأنكم الذين تسببتم لأنفسكم ولنا في هذا العذاب بإغرائكم إيانا على التكذيب والدوام على الكفر. و {بل} للإِضراب الإِبطالي لردّ الشتم عليهم وأنهم أولى به منهم.

وذكر ضمير المخاطَبين في قوله: {أنتُم لا مرحَباً بكم} للتنصل من شتمهم، أي أنتم المشتومون، أي أولى بالشتم منا، وقد استفيد هذا المعنى من حرف الإِبطال لا من الضمير لأن الضمير لا مفهوم له ولأن موقعه هنا لا يقتضي حصراً ولا تقَوِّياً لأنه مخبر عنه بجملة إنشائية، أي أنتم يقال لكم: لا مرحباً بكم.

وإذا قد كان قول: مَرْحباً، إنشاءَ دعاء بالخير، وكان نفيُه إنشاءَ دعاء بضده، كان قوله «بهم» بياناً لمن وُجّه الدعاء لهم، أي إيضاحاً للسامع أن الدعاء على أصحاب الضمير المجرور بالباء فكانت الباء فيه للتبيين. قال في «الكشاف»: و «بهم» بيان لمدعوّ عليهم. وقال الهمذاني في شرحه «للكشاف»: يعني: البيان المصطلح، كأن قائلاً يقول: بمن يحصل هذا الرحب؟ فيقول: بهم. وهذا كما في

{ هيتَ لك }[يوسف: 23]. يعني أن الباء فيه بمعنى لام التبيين. وهذا المعنى أغفله ابن هشام في معاني الباء. وأشار الهمذاني إلى أنه متولد من معنى السببية. والأحسن عندي أن يكون متولداً من معنى المصاحبة بطريق الاستعارة التبعية ثم غلب استعمال الباء في مثله في كلامهم فصار كالحقيقة لأنه لما صار إنشاء دعاء لم تبق معه ملاحظة الإِخبار بحصول الرحب معهم أو بسببهم كما يتجه بالتأمل.

وجملة {أنتم قدتمتوهُ لنا} علة لقلب سبب الشتم إليهم، أي لأنكم قدمتم العذاب لنا، فضمير النصب في {قدَّمْتُمُوهُ} عائد إلى العذاب المشاهد، وهو حاضر في الذهن غير مذكور في اللفظ، مثل

{ حتى توارت بالحجاب }[ص: 32]. ووقوع {أنتُمْ} قبل {قدَّمْتُمُوهُ} المسندِ الفعلي يفيد الحصر، أي لم يُضلنا غيركم فأنتم أحقّاء بالعذاب.

والتقديم: جعل الشيء قُدَّام غيره، قال تعالى:

{ ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم }[آل عمران: 181، 182]. فتقديم العذاب لهم جعله قُدامهم، أي جعله حيث يجدونه عند وصولهم. وإسناد تقديم العذاب إلى المخاطبين مجاز عقلي لأن الرؤساء كانوا سبباً في تقديم العذاب لأتباعهم بإِغوائِهم وكان العذاب جزاءً عن الغواية. وجُعل العذاب مقدماً وإنما المقدم العمل الذي استحق العذاب، وهذا مجاز عقلي في المفعول فاجتمع في قوله: {قدَّمْتُمُوهُ} مجازان عقليان.

وقوله: {فَبِئْسَ القَرَارُ} موقعه كموقع قوله آنفاً

{ فبئس المهاد }[ص: 56]. وهو ذَم لإِقامتهم في جهنم تشنيعاً عليهم فيما تسببوا لأنفسهم فيه. والمعنى: فبئس القرار ما قدَّمتموه لنا، أي العذاب. والقرار: المكث.

قَالُوا۟ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِى ٱلنَّارِ ۝٦١

{قالوا} أي الفوج المقتحم وهو فوج الأتباع، فهذا من كلام الذين قالوا

{ بل أنتم لا مرحباً بكم }[ص: 60] لأن قولهم: {من قدَّم لنا هذا} يعين هذا المحمل. ولذلك حق أن يتساءل الناظر عن وجه إعادة فعل {قالوا} وعن وجه عدم عطفه على قولهم الأول.

فأما إعادة فعل القول فلإِفادة أن القائلين هم الأتباع فأعِيد فعل القول تأكيداً للفعل الأول لقصد تأكيد فاعل القول تبعاً لأنه محتمل لضمير القائلين.

والمقصود من حكاية قولهم: {هٰذَا} تحذير كبراء المشركين من عواقب رئاستهم وزعامتهم التي يجرون بها الويلات على أتباعهم فيوقعونهم في هاوية السوء حتى لا يجد الأتباع لهم جزاء بعد الفوت إلا طلب مضاعفة العذاب لهم. وأما تجريد فعل {قالوا} عن العاطف فلأنهُ قصد به التوكيد اللفظي والتوكيد اللفظي يكون على مثال الموكَّد.

ولا تلتبس حكاية هذا القول على هذه الكيفية بحكاية المحاورات فيحسب أنه من كلام الفريق الآخر لأن الدعاء بعنوان {من قدَّم لنا هذا} يعين أن قائليه هم القائلون

{ أنتُم قدَّمْتُمُوهُ لَنَا }[ ص:60]، وأن الذين قدّموا لهم هم الطاغون. وفي معنى هذه الآية آية سورة [الأعراف: 38] { قالت أُخراهم لأُولاهم ربنا هؤلاء أضلّونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار }

و {مَن} في قوله: {من قدَّمَ لنا هذَا} موصولة، وجملة {فَزِدْهُ} خبر عن {مَن}، واقتران الخبر بالفاء جرى على معاملة الموصول معاملة الشرط في قرن خبره بالفاء وهو كثير، وتقدم عند قوله تعالى:

{ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللَّه فبشرهم بعذاب أليم } في سورة [براءة: 34].

والضعف، بكسر الضاد: يستعمل اسم مصدر ضَعَّف وضاعف، فهو اسم التضعيف والمضاعفة، أي تكرير المقدار وتكرير القوة، وهو من الألفاظ المتضايفة المعاني كالنصف والزوج.

ويستعمل اسماً بمعنى الشيء المضاعف، وهذا هو قياس زنة فِعْل بكسر الفاء وسكون العين، فهو بمعنى: الشيء الذي ضوعف لأن زنه فِعْل تدلّ على ما سلط عليه فعل نحو ذِبْح، أي مذبوح.

وَقَالُوا۟ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلْأَشْرَارِ ۝٦٢ أَتَّخَذْنَٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَٰرُ ۝٦٣

عطف على

{ هذا فوجٌ مُقتحمٌ معكُم }[ص: 59] على ما قدّر فيه من فعلِ قَول محذوفٍ كما تقدم، فهذا من قول الطاغين فإنهم الذين كانوا يحقِّرون المسلمين.

والاستفهام في {ما لنا لا نرى رِجالاً} استفهام يلقيه بعضهم لبعض تلهّفاً على عدم رؤيتهم من عرفوهم من المسلمين مكنًّى به عن ملام بعضهم لبعض على تحقيرهم المسلمين واعترافهم بالخطأ في حسبانهم. فليس الاستفهام عن عدم رؤيتهم المسلمين في جهنم استفهاماً حقيقياً ناشئاً عن ظن أنهم يجدون رجال المسلمين معهم إذ لا يخطر ببال الطاغين أن يكون رجال المسلمين معهم، كيف وهم يعلمون أنهم بضد حالهم فلا يتوهمونهم معهم في العذاب، ويجوز أن يكون الاستفهام حقيقياً استفهموا عن مصير المسلمين لأنهم لم يروهم يومئذٍ، إذ قد علموا أن الناس صاروا إلى عالَم آخر وهو الذي كانوا يُنذرون به، ويكون قولهم: {ما لنا لا نرى رِجالاً} الخ تمهيداً لقولهم: {أتخذناهم سخرِيّاً} على كلتا القراءتين الآتي ذكرهما.

و {الأشرار}: جمع شرَ الذي هو بمعنى الأشر، مثل الأخيار جمع خَيْر بمعنى الأَخْيَر، أو هو: جمع شِرِّير ضد الخيِّر، أي الموصوفين بشر الحالة، أي كُنا نحسبهم أشقياء قد خسروا لذة الحياة باتّباعهم الإِسلام ورضاهم بشظف العيش، وهم يعنون أمثال بلال، وعمار بن ياسر، وصهيب، وخباب، وسلمان. وليس المراد أنهم يعدونهم أشراراً في الآخرة مستحقين العذاب فإنهم لم يكونوا يؤمنون بالبعث.

وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم {أَتَّخَذْناهُم} بهمزة قطع هي همزة الاستفهام، وحذفت همزة الوصل من فعل (اتخذنا) لأنها لا تثبت مع همزة الاستفهام لعدم صحة الوقف على همزة الاستفهام، فجملة {أتخذناهم} بدل من جملة {ما لنا لا نرىٰ رِجالاً}. و {أم} حرف إضراب، والتقدير: بل زاغت عنهم أبصارنا.

والزيغ: الميل عن الجهة، أي مالت أبصارنا عن جهتهم فلم تنظرهم.

و (أل) في {الأبْصَارُ} عوض عن المضاف إليه، أي أبصارنا، فيكون المعنى: أكان تحقيرنا إياهم في الدنيا خطأ. وكنّى عنه باتخاذهم سخرياً لأن في فعل {أتخذناهم} إيماء إلى أنهم ليسوا بأهل للسخرية، وهذا تندم منهم على الاستسخار بهم.

وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف {أتخَذْناهُم} بهمزة وصل على أن الجملة صفة {رِجَالاً} ثانية وعليه تكون أم منقطعة للإِضراب عن قولهم {اتخذناهم سِخرياً} أي بل زاغت عنهم الأبصار.

والسخريَّ: اسم مصدر سَخِر منه، إذا استهزأ به، فالسخريُّ الاستهزاء، وهو دال على شدة الاستهزاء لأن ياءَه في الأصل ياء نسب وياء النسب تأتي للمبالغة في الوصف. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف بضم السين. وقرأه الباقون بكسر السين كما تقدم في سورة المؤمنين.

إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ ۝٦٤

تذييل وتنهية لوصف حال الطاغين وأتباعهم، وعذابهم، وجدالهم. وتأكيد الخبر بحرف التوكيد منظور فيه لما يلزم الخبر من التعريض بوعيد المشركين وإثبات حشرهم وجزائهم بأنه حق، أي ثابت كقوله:

{ وإن الدين لواقع } [الذاريات: 6].

والإِشارة إلى ما حُكي عنهم من المقاولة. وسميت المقاولة تخاصماً، أي تجادلاً وإن لم تقع بينهم مجادلة، فإن الطاغين لم يجيبوا الفوج على قوله:

{ بلْ أنتم لا مرحباً بكم }[ ص: 60]، ولكن لمّا اشتمَلت المقاولة على ما هو أشد من الجدال وهو قول كل فريق للآخر {لا مرحباً بكم} كان الذم أشد من المخاصمة فأطلق عليه اسم التخاصم حقيقة. وتقدم ذكر الخصام عند قوله تعالى: { هذان خصمان } في سورة [الحج: 19].

وأضيف هذا التخاصم إلى أهل النار كلهم اعتباراً بغالب أهلها لأن غالب أهل النار أهل الضلالات الاعتقادية وهم لا يَعدون أن يكونوا دعاة للضلال أو أتباعاً للدعاة إليه فكلهم يجري بينهم هذا التخاصم، أما من كان في النار من العصاة فكثير منهم ليس عصيانه إلا تبعاً لهواه مع كونه على علم بأن ما يأتيه ضلالة لم يُسَوّله له أحد.

و {أهْلِ النَّارِ} هم الخالدون فيها، كقولهم: أهل قرية كذا، فإنه لا يشمل المغترب بينهم، على أن وقت نزول هذه الآية لم يكن في مكة غير المسلمين الصالحين وغير المشركين، فوصف أهل النار يومئذٍ لا يتحقق إلا في المشركين دون عصاة المسلمين. وقوله: {تخاصُمُ أهلِ النارِ} إمّا خبرُ مبتدأ محذوف، تقديره: هو تخاصم أهل النار، والجملة استئناف لزيادة بيان مدلول اسم الإِشارة، أو هو مرفوع على أنه خبر ثان عن {إنّ}، أو على أنه بدل من {لَحَقٌّ}.

قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ۝٦٥ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّٰرُ ۝٦٦

هذا راجع إلى قوله:

{ وقال الكافرونَ هٰذَا ساحِرٌ كذَّابٌ }[ص: 4] إلى قوله: { أأُنزِلَ عليهِ الذكرُ من بيننا }[ص: 8]، فلما ابتدرهم الجواب عن ذلك التكذيب بأن نظَّر حالهم بحال الأمم المكذبة من قبلهم ولتنظير حال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال الأنبياء الذين صبروا، واستوعب ذلك بما فيه مقنع عاد الكلام إلى تحقيق مقام الرسول صلى الله عليه وسلم من قومه فأمره الله أن يقول: {إنمَّا أنا مُنذِرٌ} مقابل قولهم: {هٰذَا ساحِرٌ كذَّابٌ}، وأن يقول: {ما من إله إلا الله} مقابل إنكارهم التوحيد كقولهم: { أجَعَلَ الآلهة إلٰهاً واحداً }[ص: 5] فالجملة استئناف ابتدائي. وذكر صفة الواحد تأكيد لمدلول {ما من إله إلا الله} إماء إلى رد إنكارهم. وذكر صفة {القهّار} تعريض بتهديد المشركين بأن الله قادر على قهرهم، أي غلبهم. وتقدم الكلام على القهر عند قوله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده } في سورة [الأنعام: 18].

وإتباع ذلك بصفة رَبُّ السمواتِ والأرضِ وما بينهما} تصريح بعموم ربوبيته وأنه لا شريك له في شيء منها. ووصف {العزيزُ} تمهيد للوصف بــــ {الغَفَّارُ}، أي الغفّار عن عزّة ومقدرة لا عن عجز وملق أو مراعاة جانب مساو. والمقصود من وصف {الغفَّارُ} هنا استدعاء المشركين إلى التوحيد بعد تهديدهم بمفاد وصف {القهَّارُ} لكي لا ييأسوا من قبول التوبة بسبب كثرة ما سيق إليهم من الوعيد جرياً على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب والعكس.

قُلْ هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ ۝٦٧ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ۝٦٨ مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍۭ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ۝٦٩ إِن يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٧٠

إعادة الأمر بالقَول هنا مستأنَفاً. والعدولُ عن الإِتيان بحرف يعطف المقول أعني {هُوَ نَبؤٌا عَظِيمٌ}على المقول السابق أعني

{ أنا مُنذِرٌ }[ص: 65]، عدول يشعر بالاهتمام بالمقول هنا كي لا يؤتى به تابعاً لمقولٍ آخر فيضعف تصدي السامعين لوعيه.

وجملة {قُلْ هو نبؤا عظيمٌ أنتُم عنه مُعرضونَ} يجوز أن تكون في موقع الاستئناف الابتدائي انتقالاً من غرض وصف أحوال أهل المحشر إلى غرض قصة خلق آدم وشقاء الشيطان، فيكون ضمير {هُوَ} ضميرَ شأن يفسره ما بعده وما يُبيّن به ما بعده من قوله:

{ إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين }[ص: 71] جعل هذا كالمقدمة للقصة تشويقاً لتلقّيها فيكون المراد بالنبأ نبأَ خَلق آدم وما جرى بعده، ويكون ضمير {يَخْتصِمُونَ} عائداً إلى الملأ الأعلى لأن الملأ جماعة. ويراد بالاختصام الاختلاف الذي جرى بين الشيطان وبين من بلَّغ إليه من الملائكة أمرَ الله بالسجود لآدم، فالملائكة هم الملأ الأعلى وكان الشيطان بينهم فعُدّ منهم قبل أن يطرد من السماء.

ويجوز أن تكون جملة {قُلْ هو نبؤا عظيمٌ} الخ تذييلاً للذي سبق من قوله:

{ وإنَّ للمتَّقينَ لحُسنَ مآبٍ }[ص: 49] إلى هنا، تذييلاً يشعر بالتنويه به وبطلب الإِقبال على التدبر فيه والاعتبار به. وعليه يكون ضمير {هُوَ} ضميراً عائداً إلى الكلام السابق على تأويله بالمذكور فلذلك أُتِي لتعريفه بضمير المفرد.

والمراد بالنبأ: خبر الحشر وما أُعد فيه للمتقين من حسن مآب، وللطاغين من شر مآب، ومن سوء صحبة بعضهم لبعض، وتراشقهم بالتأنيب والخصام بينهم وهم في العذاب، وترددهم في سبب أن لم يجدوا معهم المؤمنين الذين كانوا يَعدّونهم من الأشرار. ووصف النبأ بــــ {عَظِيمٌ} تهويل على نحو قوله تعالى:

{ عمَّ يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون }[النبأ: 1ـــ3]. وعظمة هذا النبأ بين الأنباء من نوعه من أنباء الشر مثل قوله: { فساد كبير }[الأنفال: 73]، فتم الكلام عند قوله تعالى: {أنتم عنه معرضون}.

فتكون جملة {ما كانَ لي مِن علم بالملأ الأعلى} إلى قوله: {نَذِيرٌ مبينٌ} استئنافاً للاستدلال على صدق النبأ بأنه وحي من الله ولولا أنه وحي لما كان للرسول صلى الله عليه وسلم قِبَل بمعرفة هذه الأحوال على حد قوله تعالى:

{ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون }[آل عمران: 44]، ونظائر هذا الاستدلال كثيرة في القرآن.

وتكون جملة

{ إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً }[ ص: 71] إلى آخره استئنافاً ابتدائياً.

وعلى هذا فضمير {يختصمون} عائد إلى أهل النار من قوله:

{ تخاصُمُ أهلِ النارِ }[ص: 64] إذ لا تخاصم بين أهل الملأ الأعلى. والمعنى: ما كان لي من علم بعالَم الغيب وما يجري فيه من الإِخبار بما سيكون إذ يَختصم أهل النار في النار يوم القيامة.

وعلى كلا التفسيرين فمعنى {أنتُم عنهُ مُعْرِضُونَ}، أنهم غافلون عن العلم به فقد أُعلموا بالنبأ بمعناه الأول وسيَعلَمون قريباً بالنبأ بمعناه الثاني.

وجيء بالجملة الاسمية في قوله: {أنتُم عنه معرِضُونَ} لإِفادة إثبات إعراضهم وتمكنه منهم، فأما إعراضهم عن النبأ بمعناه الأول فظاهر تمكنُه من نفوسهم لأنه طالما أنذرهم بعذاب الآخِرة ووصفه فلم يكترثوا بذلك ولا ارْعَوَوْا عن كفرهم. وأما إعراضهم عن النبأ بمعناه الثاني، فتأويلُ تمكنه من نفوسهم عدم استعدادهم للاعتبار بمغزاهُ من تحقق أن ما هم فيه هو وسوسة من الشيطان قصداً للشَّرّ بهم.

ولعل هذه الآية من هذه السورة هي أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر قِصة خلق آدم وسجود الملائكة وإباء إبليس من السجود، فإن هذه السورة في ترتيب نزول سور القرآن لا يُوجد ذكر قصة آدم في سورة نزلت قبلَها. فذلك وجهُ التوطئة للقصة بأساليب العناية والاهتمام مما خلا غيرُها عن مثله وبأنها نبأ كانوا معرضين عنه. وأيًّا مَّا كان فقوله: {أنتُم عنْهُ مُعرِضُونَ} توبيخ لهم وتحميق.

وجملة {ما كَانَ لي من علمٍ بالملأ الأعلىٰ إذ يختصمونَ} اعتراض إبلاغ في التوبيخ على الإِعراض عن النبأ العظيم، وحجة على تحقق النبأ بسبب أنه موحىً به من الله وليس للرسول صلى الله عليه وسلم سبيل إلى عمله لولا وحي الله إليه به. وذكر فعل {كان} دال على أن المنفي علمه بذلك فيما مضى من الزمن قبل أن يوحى إليه بذلك كما قال تعالى:

{ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون }[آل عمران: 44] وقوله: { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين } [القصص: 44].

والباء في قوله: {بالمَلأ الأعلىٰ} على كلا المعنيين للنبأ، لتعدية {عِلم} لتضمينه معنى الإِحاطة، وهو استعمال شائع في تعدية العلم. ومنه ما في حديث سؤال الملكين في «الصحيح» "فيقال له: ما علمك بهذا الرجل". ويجوز على المعنى الثاني في النبأ أن تكون الباء ظرفية، أي ما كان لي علم كائن في الملأ الأعلى، أي ما كنت حاضراً في الملأ الأعلى فهي كالباء في قوله:

{ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر } [القصص: 44].

والملأُ: الجماعة ذات الشأن، ووصفه بــــ {الأعْلَىٰ} لأن المراد ملأُ السماوات وهم الملائكة ولهم علوّ حقيقي وعلوّ مجازيّ بمعنى الشرف.

و {إذْ يَخْتَصِمُونَ} ظرف متعلق بفعل {ما كانَ لي من عِلم} أي حين يختصم أهل الملأ الأعلى على أحد التأويلين، أي في حين تنازع الملائكة وإبليس في السماء. والتعبير بالمضارع في موضع المضيّ لقصد استحضار الحالة، أو حين يختصم الطاغون وأتباعهم في النار بين يدي الملأ الأعلى، أي ملائكة النار أو ملائكة المحشر، والمضارع على أصله من الاستقبال.

والاختصام: افتعال من خَصمَه، إذا نازعه وخالفه فهو مبالغة في خَصَم.

وجملة {إن يُوحىٰ إليَّ إلاَّ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ} مبيّنة لجملة {ما كانَ لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون}، أي ما علمتُ بذلك النبأ إلا بوحي من الله وإنما أوحَى الله إليّ ذلك لأكون نذيراً مبيناً.

وقد رُكّبت هذه الجملة من طريقين للقصر: أحدهما طريق النفي والاستثناء، والآخر طريق {أَنما} المفتوحة الهمزة وهي أخت (إنما) المكسورة الهمزة في معانيها التي منها إفادة الحصر، ولا التفات إلى قول من نفوا إفادتها الحصر فإنها مركبة من (أنّ) المفتوحة الهمزة و (ما) الكافّة وليست (أنّ) المفتوحة الهمزة إلا (إِن) المكسورة تُغَيَّر كسرة همزتها إلى فتحة لتفيد معنىً مصدرياً مشرباً بــــ (أَنْ) المصدرية إشراباً بديعاً جعل شعاره فتح همزتها لتشابه (أَنْ) المصدرية في فتح الهمزة وتشابه (أَنَّ) في تشديد النون، وهذا من دقيق الوضع في اللغة العربية. وتكون {أَنما} مفتوحةَ الهمزة إذا جعلت معمولة لعامل في الكلام. والذي يقتضيه مقام الكلام هنا أن فتح همزة {أَنما} لأجل لام تعليل مقدرة مجرور بها {أنما}. والتقدير: إلاّ لأَنما أنا نذير، أي إلا لعلّة الإِنذار، أي ما أوحي إلي نبأ الملأ الأعلى إلا لأنذركم به، أي ليس لمجرد القصص.

فالاستثناء من علل، وقد نُزِّل فعل {يُوحَىٰ} منزلة اللازم، أي ما يوحى إلي وحيٌ فلا يقدّر له مفعول لقلة جدواه وإيثار جدوى تعليل الوحي.

وبهذا التقدير تكمل المناسبة بين موقع هذه الجملة وموقع جملة {ما كانَ لي مِن علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون} المبيّنة بها جملةُ {قُل هُوَ نبؤا عظيم أنتم عنه مُعرضون}، إذ لا مناسبة لو جعل {أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ} مستثنى من نائب فاعل الوحي بأن يقدر: إن يوحى إليّ شيء إلا أنما أنا نذير مبين، أي ما يوحى إليّ شيء إلا كوني نذيراً، وإن كان ذلك التقدير قد يسبق إلى الوهم لكنه بالتأمل يتّضح رجحان تقدير العلة عليه.

فأفادت جملة {إن يُوحىٰ إليَّ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ} حصر حكمة ما يأتيه من الوحي في حصول الإِنذار وحصر صفة الرسول صلى الله عليه وسلم في صفة النذارة، ويستلزم هذان الحصران حصراً ثالثاً، وهو أن إخبار القرآن وحي من الله وليست أساطير الأولين كما زعموا. فحصل في هذه الجملة ثلاثة حصور: اثنان منها بصريح اللفظ، والثالث بكناية الكلام، وإلى هذا المعنى أشار قوله تعالى:

{ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك }[القصص: 46]. وهذه الحصور: اثنان منها إضافيان، وهما قصر ما يوحى إليه على علة النذارة وقصر الرسول صلى الله عليه وسلم على صفة النذارة، وكلاهما قلب لاعتقادهم أنهم يسمعون القرآن ليتخذوه لعباً واعتقادهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ساحر أو مجنون. وعلم من هذا أن ذكر نبأ خلق آدم قصد به الإِنذار من كيد الشيطان. وقرأ أبو جعفر {إلاَّ إنَّما} بكسر همزة {إنما} على تقدير القول، أي ما يوحى إلا هذا الكلام.
الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ