انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يوسف

التحرير والتنويرالآيات 1–10

تفسير سورة يوسف آية آية، من التحرير والتنوير.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓر تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ ۝١

{الۤر}.

تقدم الكلام على نظاير {الر} ونحوها في أوّل سورة البقرة.

{الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}

الكلام على {تلك آيات الكتاب} مضى في سورة يونس. ووُصف الكتاب هنا بـــ {المبين} ووصف به في طالعة سورة يونس بـــ {الحكيم} لأنّ ذكر وصف إبانته هنا أنسب، إذ كانت القصّة التي تضمّنتها هذه السّورة مفصّلة مبيّنة لأهمّ مَا جرى في مدة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بمصر. فقصّة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ لم تكن معروفة للعرب قبل نزول القرآن إجمالاً ولا تفصيلاً، بخلاف قصص الأنبياء: هود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب ـــ عليهم السّلام أجمعين ـــ، إذ كانت معروفة لديهم إجمالاً، فلذلك كان القرآن مبيّناً إيّاها ومفصّلاً.

ونزولها قبل اختلاط النبي صلى الله عليه وسلم باليهود في المدينة معجزة عظيمة من إعلام الله تعالى إيّاه بعلوم الأوّلين، وبذلك ساوى الصحابةُ علماءَ بني إسرائيل في علم تاريخ الأديان والأنبياء وذلك من أهم ما يعلمه المشرعون.

فالمبين: اسم فاعل من أبان المتعدي. والمراد: الإبانة التامّة باللفظ والمعنى.

إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۝٢

استئناف يفيد تعليل الإبانة من جهتي لفظه ومعناه، فإنّ كونه قرآناً يدل على إبانة المعاني، لأنّه ما جعل مقروءاً إلاّ لما في تراكيبه من المعاني المفيدة للقارىء.

وكونه عربياً يفيد إبانة ألفاظه المعانيَ المقصودة للّذين خوطبوا به ابتداء، وهم العرب، إذ لم يكونوا يتبيّنون شيئاً من الأمم التي حولهم لأنّ كتبهم كانت باللغات غير العربية.

والتّأكيد بـــ (إنّ) متوجّه إلى خبرها وهو فعل {أنزلناه} ردّاً على الذين أنكروا أن يكون منزلاً من عند الله.

وضمير {أنزلناه} عائد إلى {الكتاب} في قوله: {الكتاب المبين} [سورة يوسف: 1].

و{قرآناً} حال من الهاء في {أنزلناه}، أي كتاباً يقرأ، أي منظماً على أسلوب معدّ لأنْ يقْرأ لا كأسلوب الرسائل والخطب أو الأشعار، بل هو أسلوب كتاب نافع نفعاً مستمراً يقرأه الناس.

و{عربيّاً} صفة لـــ {قرآناً}. فهو كتاب بالعربيّة ليس كالكتب السّالفة فإنّه لم يسبقه كتاب بلغة العرب.

وقد أفصح عن التعليل المقصود جملة {لعلّكم تعقلون}، أي رجاء حصول العلم لكم من لفظه ومعناه، لأنّكم عرب فنزوله بلغتكم مشتملاً على ما فيه نفعكم هو سبب لعقلكم ما يحتوي عليه، وعُبّرَ عن العلم بالعقل للإشارة إلى أنّ دلالة القرآن على هذا العلم قد بلغت في الوضوح حدّ أن ينزّل من لم يَحصل له العلم منها منزلة من لا عقل له، وأنّهم ما داموا معرضين عنه فهم في عداد غير العقلاء.

وحذف مفعول {تعقلون} للإشارة إلى أنّ إنزاله كذلك هو سبب لحصول تعقل لأشياء كثيرة من العلوم من إعجاز وغيره.

وتقدّم وَجه وقوع (لعلّ) في كلام الله تعالى، ومحمل الرجاء المفاد بها على ما يؤول إلى التعليل عند قوله تعالى:

{ { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلّكم تشكرون } } في سورة البقرة (52)، وفي آيات كثيرة بعدها بما لا التباس بعده.

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَٰفِلِينَ ۝٣

هذه الجملة تتنزل من جملة

{ { إنّا أنزلناه قرآناً عربيّاً } } [سورة يوسف: 2] منزلة بدل الاشتمال لأنّ أحسن القصص ممّا يشتمل عليه إنزال القرآن. وكون القصص من عند الله يتنزّل منزلة الاشتمال من جملة تأكيد إنزاله من عند الله.

وقوله: {بما أوحينا إليك هذا القرآن} يتضمّن رابطاً بين جملة البدل والجملة المبدل منها.

وافتتاح الجملة بضمير العظمة للتّنويه بالخبر، كما يقول كتّاب «الديوان»: أمير المؤمنين يأمر بكذا.

وتقديم الضمير على الخبر الفعليّ يفيد الاختصاص، أي نحن نقصّ لا غيرُنا، ردّاً على من يطعن من المشركين في القرآن بقولهم:

{ { إنّما يعلمه بشرٌ } } [سورة النحل: 103] وقولهم: { { أساطير الأولين اكتتبها } } [سورة الفرقان: 5] وقولهم: يُعلمه رجل من أهل اليمامة اسمه الرّحمان. وقول النضر بن الحارث المتقدّم ديباجة تفسير هذه السورة.

وفي هذا الاختصاص توافُق بين جملة البدل والجملة المبدل منها في تأكيد كون القرآن من عند الله المفاد بقوله:

{ { إنّا أنزلناه قرآناً عربيّاً } } [سورة يوسف: 2].

ومعنى {نَقُصُّ} نخبر الأخبار السّالفة. وهو منقول من قَصّ الأثر إذا تتبّع مواقع الأقدام ليتعرّف منتهى سير صاحبها. ومصدره: القصّ بالإدغام، والقصص بالفكّ. قال تعالى:

{ { فارتدّا على آثارهما قصصاً } } [سورة الكهف: 64]. وذلك أنّ حكاية أخبار الماضين تشبه اتّبَاعَ خطاهم، ألاَ ترى أنّهم سمّوا الأعمال سِيرة وهي في الأصل هيئة السّير، وقالوا: سار فلان سِيرة فلان، أي فعل مثل فعله، وقد فرّقوا بين هذا الإطلاق المجازي وبين قصّ الأثر فخصّوا المجازي بالصّدر المفكّك وغلبوا المصدر المدغم على المعنى الحقيقيّ مع بقاء المصدر المفكك أيضاً كما في قوله: {فارتدّا على آثارهما قَصصاً}.

فـــ {أحسن القصص} هنا إمّا مفعول مطلق مبيّن لنوع فعله، وإمّا أن يكون القصص بمعنى المفعول من إطلاق المصدر وإرادة المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق، وهو إطلاق للقصص شائع أيضاً. قال تعالى:

{ { لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب } } [سورة يوسف: 111]. وقد يكون وزن فَعْل بمعنى المفعول كالنّبأ والخبر بمعنى المنبّأ به والمخبّر به، ومثله الحَسب والنقَض.

وجعل هذا القَصص أحسن القصص لأنّ بعض القصص لا يخلو عن حسن ترتاح له النفوس. وقصص القرآن أحسن من قصص غيره من جهة حسن نظمه وإعجاز أسلوبه وبما يتضمّنه من العبر والحكم، فكلّ قصص في القرآن هو أحسن القصص في بابه، وكلّ قصة في القرآن هي أحسن من كلّ ما يقصّه القاصّ في غير القرآن. وليس المراد أحسن قصص القرآن حتى تكون قصّة يوسف عليه السّلام أحسن من بقيّة قصص القرآن كما دلّ عليه قوله: {بما أوحينا إليك هذا القرآن}.

والباء في {بما أوحينا إليك} للسببيّة متعلّقة بـــ {نقُصُّ}، فإنّ القصص الوارد في القرآن كان أحسن لأنّه وارد من العليم الحكيم، فهو يوحي ما يعلم أنّه أحسن نفعاً للسّامعين في أبدع الألفاظ والتراكيب، فيحصل منه غذاء العقل والروح وابتهاج النفس والذّوق ممّا لا تأتي بمثله عقول البشر.

واسم الإشارة لزيادة التمييز، فقد تكرّر ذكر القرآن بالتّصريح والإضمار واسم الإشارة ستّ مرّات، وجمع له طرق التعريف كلّها وهي اللاّم والإضمار والعلمية والإشارة والإضافة.

وجملة {وإن كنتَ من قبله لمن الغافلين} في موضع الحال من كاف الخطاب. وحرف {إنْ} مخفّف من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف.

وجملة {كنتَ من قبله لمن الغافلين} خبر عن ضمير الشأن المحذوف واللاّم الدّاخلة على خبر {كنتَ} لام الفرق بين {إنْ} المخففة و(إنْ) النافية.

وأدخلت اللاّم في خبر كان لأنه جزء من الجملة الواقعة خبراً عن (إن).

والضمير في {قبله} عائد إلى القرآن. والمراد من قبل نزوله بقرينة السياق.

والغفلة: انتفاء العلم لعدم توجّه الذهن إلى المعلوم، والمعنى المقصود من الغفلة ظاهر. ونكتة جعله من الغافلين دون أن يوصف وحده بالغفلة للإشارة إلى تفضيله بالقرآن على كل من لم ينتفع بالقرآن فدخل في هذا الفضل أصحابه والمسلمون على تفاوت مراتبهم في العلم.

ومفهوم {من قبله} مقصود منه التعريض بالمشركين المُعْرضين عن هدي القرآن. قال النبي صلى الله عليه وسلم

مَثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نَقية قبِلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشُب الكثير، وكانت منها أجادب أمسَكَتْ الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقَوا وزَرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى إنّما هي قيعان لا تُمسك ماء ولا تُنبت كلأ. فذلك مَثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِم وعلّم. ومثَل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلتُ به، أي المشركين الذين مثَلُهم كمثل من لا يرفع رأسه لينظر.

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَٰجِدِينَ ۝٤

{إذ قال} بدل اشتمال أو بَعْض من

{ { أحْسَن القصص } } [سورة يوسف: 3] على أن يكون أحسن القصص بمعنى المفعول، فإنّ أحسن القصص يشتمل على قصَص كثير، منه قَصص زمان قول يوسفَ عليه السّلام لأبيه {إني رأيت أحَدَ عَشَرَ كوكباً} وما عقب قوله ذلك من الحوادث. فإذا حمل { { أحسن القصص } } [سورة يوسف: 3] على المصدر فالأحسن أن يكون {إذْ} منصوباً بفعل محذوف يدلّ عليه المقام، والتّقدير: اذْكر.

ويُوسف اسم عبراني تقدم ذكر اسمه عند قوله تعالى:

{ { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } } الخ في سورة الأنعام (83). وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق من زوجه (راحِيل). وهو أحد الأسباط الذين تقدم ذكرهم في سورة البقرة. وكان يوسف أحب أبناء يعقوب ـــ عليهما السّلام ـــ إليه وكان فَرْط محبة أبيه إياه سَببَ غيرة إخوته منه فكادُوا له مكيدة فسألوا أباهم أن يتركه يخرج معهم. فأخرجوه معهم بعلّة اللعب والتفسح، وألقَوْهُ في جبّ، وأخبروا أباهم أنّهم فقدوه، وأنهم وجدوا قميصه ملوّثاً بالدّم، وأروه قميصه بعد أن لطّخوه بدم، والتقطه من البئر سيارة من العرب الإسماعيليين كانوا سائرين في طريقهم إلى مصر، وباعوه كرقيق في سوق عاصمة مصر السفلى التي كانت يومئذٍ في حكم أمّة من الكنعانيين يعرفون بالعمالقة أو (الهكْصوص). وذلك في زمن الملك (أبو فيس) أو (ابيبي). ويقرب أن يكون ذلك في حدود سنة تسع وعشرين وسبعمائة وألف قبل المسيح ـــ عليه السّلام ـــ فاشتراه (فوطيفار) رئيس شرطة فرعون الملقّبُ في القرآن بالعزيز، أي رئيس المدينة. وحدثت مكيدة له من زوج سيّده ألقي بسببها في السجن. وبسبب رؤيا رآها الملِكُ وعَبّرها يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وهو في السِجن، قَرّبه الملك إليه زُلفى، وأولاه على جميع أرض مصر، وهو لقب العزيز وسَمّاه (صفنات فعنيج)، وزوّجه (أسنات) بنت أحد الكهنة وعمره يومئذٍ ثلاثون سنة. وفي مدة حكمه جَلَب أباه وأقاربه من البريّة إلى أرض مصر، فذلك سبب استيطان بني إسرائيل أرض مصر. وتوفي بمصر في حدود سنة خمس وثلاثين وستمائة وألف قبل ميلاد عيسى ـــ عليه السّلام ـــ. وحنّط على الطريقة المصرية. ووُضع في تابوت، وأوصى قبل موته قومه بأنهم إذا خرجوا من مصر يرفعون جسده معهم. ولمّا خرج بنو إسرائيل من مصر رفعوا تابوت يوسف ـــ عليه السّلام ـــ معهم وانتقلوه معهم في رحلتهم إلى أن دفنوه في (شكِيم) في مدة يوشع بن نون.

والتاء في (أبَت) تاء خاصّة بكلمة الأب وكلمة الأم في النداء خاصة على نية الإضافة إلى المتكلم، فمفادها مفاد: يا أبي، ولا يكاد العرب يقولون: يا أبي. وورد في سَلام ابن عمر على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه حين وقف على قبورهم المنوّرة. وقد تحيّر أيمّة اللغة في تعليل وصلها بآخر الكلمة في النداء واختاروا أن أصلها تاء تأنيث بقرينة أنهم قد يجعلونها هاء في الوقف، وأنها جعلت عوضاً عن ياء المتكلم لِعلة غير وجيهة. والذي يظهر لي أنّ أصلها هاء السكت جلبوها للوقف على آخر الأب لأنّه نقص من لام الكلمة، ثم لما شابهت هاء التأنيث بكثرة الاستعمال عوملت معاملة آخر الكلمة إذا أضافوا المنادى فقالوا: يا أبتي، ثم استغنوا عن ياء الإضافة بالكسرة لكثرة الاستعمال. ويدل لذلك بقاء الياء في بعض الكلام كقول الشاعر الذي لا نعرفه:

أيَا أبتي لا زلتَ فينا فإنّمَالنا أملٌ في العيْش ما دمت عائشاً

ويجوز كسر هذه التّاء وفتحها، وبالكسر قرأها الجمهور، وبفتح التّاء قرأ ابن عامر وأبو جعفر.

والنداء في الآية مع كون المنادى حاضراً مقصود به الاهتمام بالخبر الذي سيلقى إلى المخاطب فينزل المخاطب منزلة الغائب المطلوب حضوره، وهو كناية عن الاهتمام أو استعارة له.

والكوكب: النجم، تقدّم عند قوله تعالى:

{ { فلمّا جن عليه الليل رأى كوكباً } } في سورة الأنعام (76).

وجملة {رأيتهم} مؤكدة لجملة {رأيتُ أحدَ عَشَرَ كوكباً}، جيء بها على الاستعمال في حكاية المرائي الحلمية أن يعاد فعل الرؤية تأكيداً لفظياً أو استئنافاً بيانياً، كأن سامع الرؤيا يستزيد الرائي أخباراً عمّا رأى.

ومثال ذلك ما وقع في «الموطّأ» أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

أراني الليلة عند الكعبة فرأيت رجلاً آدمالحديث.

وفي البخاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

رأيت في المنام أني أهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل، ورأيت فيها بقرا تذبح، ورأيت.. واللّهُ خير. وقد يكون لفظ آخر في الرؤيا غير فعلها كما في الحديث الطّويلإنّه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنّهما قالا لي: انطلق، وإنّي انطلقت معهما، وإنّا أتينا على رجل مضطجعالحديث بتكرار كلمة (إنّ) وكلمة (إنّا) مراراً في هذا الحديث.

وقرأ الجمهور {أحَدَ عَشَرَ} ـــ بفتح العين ـــ من {عَشَرَ}. وقرأه أبو جعفر ـــ بسكون العين ـــ.

واستعمل ضمير جمع المذكر للكواكب والشمس والقمر في قوله: {رأيتهم لي ساجدين}، لأن كون ذلك للعقلاء غالب لا مطرد، كما قال تعالى في الأصنام

{ { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } } [سورة الأعراف: 198]، وقال: { { يا أيها النمل ادخلوا } } [سورة النمل: 18].

وقال جماعة من المفسّرين: إنه لمّا كانت الحالة المرئية من الكواكب والشمس والقمر حالة العقلاء، وهي حالة السجود نزّلها منزلة العقلاء، فأطلق عليها ضمير (هم) وصيغة جمعهم.

وتقديم المجرور على عامله في قوله: {لي ساجدين} للاهتمام، عبّر به عن معنى تضمّنه كلام يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بلغته يدل على حالة في الكواكب من التعظيم له تقتضي الاهتمام بذكره فأفاده تقديم المجرور في اللغة العربيّة.

وابتداء قصة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بذكر رؤياه إشارة إلى أنّ الله هيّأ نفسه للنبوءة فابتدأه بالرؤيا الصّادقة كما جاء في حديث عائشة «أنّ أوّلَ ما ابتدىء رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فَلق الصبح». وفي ذلك تمهيد للمقصود من القصة وهو تقرير فضل يوسف ـــ عليه السّلام ـــ من طهارة وزكاء نفس وصبر. فذكر هذه الرؤيا في صدر القصّة كالمقدّمة والتّمهيد للقصّة المقصودة.

وجعل الله تلك الرؤيا تنبيهاً ليوسف ـــ عليه السّلام ـــ بعلو شأنه ليتذكرها كلما حلت به ضائقة فتطمئن بها نفسه أن عاقبتهُ طيبة.

وإنما أخبر يوسف ـــ عليه السّلام ـــ أباه بهاته الرؤيا لأنّه علم بإلهام أو بتعليم سابق من أبيه أن للرؤيا تعبيراً، وعلم أنّ الكواكب والشّمس والقمر كناية عن موجودات شريفة، وأنّ سجود المخلوقات الشّريفة له كناية عن عظمة شأنه. ولعلّهُ علم أنّ الكواكب كناية عن موجودات متماثلة، وأنّ الشمس والقمر كناية عن أصلين لتلك الموجودات فاستشعر على الإجمال دلالة رؤياه على رفعة شأنه فأخبر بها أباه.

وكانوا يعدّون الرؤيا من طرق الإنباء بالغيب، إذا سلمت من الاختلاط وكان مزاج الرائي غير منحرف ولا مضطرب، وكان الرائي قد اعتاد وقوع تأويل رؤياه، وهو شيء ورثوه من صفاء نفوس أسلافهم إبراهيم وإسحاق ـــ عليهم السّلام ـــ. فقد كانوا آل بيت نبوءة وصفاء سريرة.

ولمّا كانت رؤيا الأنبياء وَحْياً، وقد رأى إبراهيم ـــ عليه السّلام ـــ في المنام أنّه يذبح وَلَدَه فلمّا أخبره

{ { قال يا أبت افْعل ما تؤمَر } } [سورة الصافات: 102]. وإلَى ذلك يشير قول أبي يوسف عليه السّلام: { { ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق } } [سورة يوسف: 6]. فلا جرم أن تكون مرائي أبنائهم مكاشفة وحديثاً ملكياً.

وفي الحديث:

لم يَبق من المبشرات إلاّ الرؤيا الصّالحة يراها المسلم أو ترى له

والاعتداد بالرؤيا من قديم أمور النبوءة. وقد جاء في التّوراة أن الله خاطب إبراهيم عليه السّلام في رؤيا رآها وهو في طريقه ببلاد شاليم بلد ملْكي صَادق وبشّره بأنه يهبه نسلاً كثيراً، ويعطيه الأرض التي هو سائر فيها (في الإصحاح 15 من سفر التكوين).

أما العرب فإنهم وإن لم يرد في كلامهم شيء يفيد اعتدادهم بالأحلام، ولعل قول كعب بن زهير:

إن الأماني والأحلام تضليل

يفيد عدم اعتدادهم بالأحلام، فإن الأحلام في البيت هي مرائي النوم.

ولكن ذكر ابن إسحاق رؤيا عبد المطلب وهو قائم في الحِجْر أنه أتاه آت فأمره بحفر بئر زمزم فوصَف له مكانها، وكانت جرهم سَدَموها عند خروجهم من مكة. وذكر ابن إسحاق رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب أن: راكباً أقبل على بعير فوقف بالأبطح ثم صرخ: يا آل غُدَر أُخرُجوا إلى مصارعكم في ثلاث فكانت وقعة بدر عقبها بثلاث ليال.

وقد عدت المرائي النوميّة في أصول الحكمة الإشراقية وهي من تراثها عن حكمة الأديان السّالفة مثل الحنيفية. وبالغ في تقريبها بالأصول النفسية شهاب الدّين الحكيم السهروردي في هياكل النور وحكمة الإشراق، وأبو علي بن سينا في الإشارات بما حاصله: وأصله: أنّ النفس الناطقة (وهي المعبّر عنها بالروح) هي من الجواهر المجرّدة التي مَقرها العالم العلوي، فهي قابلة لاكتشاف الكائنات على تفاوت في هذا القبول، وأنّها تودع في جسم الجنين عند اكتمال طور المضغة، وأنّ للنفس الناطقة آثاراً من الانكشافات إذا ظهرت فقد ينتقش بعضها بمدارك صاحب النفس في لوح حسّه المشترك، وقد يصرفه عن الانتقاش شاغلان: أحدهما حِسّيّ خارجيّ، والآخر باطنيّ عقليّ أو وهميّ، وقوَى النفس متجاذبة متنازعة فإذا اشتدّ بعضُها ضعف البعضُ الآخر كما إذا هاج الغضب ضعفت الشهوة، فكذلك إنْ تَجَرّدَ الحس الباطن للعمل شغل عن الحسّ الظاهر، والنوم شاغل للحسّ، فإذا قلّت شواغل الحواس الظاهرة فقد تتخلّص النفس عن شغل مخيلاتها، فتطلّع على أمور مغيبة، فتكونُ المنامات الصادقة.

والرؤيا الصادقةُ حالةٌ يكرم الله بها بعض أصْفيائه الذين زكت نفوسهم فتتّصل نفوسهم بتعلّقات من علم الله وتعلّقات من إرادته وقدرته وأمره التكوينيّ فتنكشف بها الأشياء المغيبة بالزّمان قبل وقوعها، أو المغيبة بالمكان قبل اطلاع الناس عليها اطلاعاً عاديّاً، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم

الرؤيا الصالحة من الرّجل الصالح جزء من ستّة وأربعين جزءاً من النبوءة. وقد بُيّن تحديد هذه النسبة الواقعة في الحديث في شروح الحديث. وقال:لم يبق من النبوءة إلاّ المبشّرات وهي الرؤيا الصّالحة للرجل الصالح يراها أو ترى له

وإنّما شرطت المرائي الصادقة بالنّاس الصّالحين لأنّ الارتياض على الأعمال الصّالحة شاغل للنفس عن السيّئات، ولأنّ الأعمال الصّالحات ارتقاءات وكمالات فهي معينة لجوهر النفس على الاتّصال بعالَمها الذي خلقت فيه وأنزلت منه، وبعكس ذلك الأعمال السيّئة تبعدها عن مألوفاتها وتبلدها وتذبذبها.

والرؤيا مراتب:

منها أن: ترى صور أفعال تتحقّق أمثالها في الوجود مثل رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهاجر من مكّة إلى أرض ذات نخل، وظنّه أنّ تلك الأرض اليمامة فظهر أنّها المدينة، ولا شك أنّه لمّا رأى المدينة وجَدَها مطابقة للصّورة التي رآها، ومثل رؤياه امرأة في سَرَقَة من حرير فقيل له اكشِفْها فهي زوجك فكشف فإذا هي عائشة، فعلم أن سيتزوجها. وهذا النوع نادر وحالة الكشف فيه قوية.

ومنها أن ترى صُورٌ تكون رموزاً للحقائق التي ستحصل أو التي حصلت في الواقع، وتلك من قبيل مكاشفة النفس للمعاني والمواهي وتشكيل المخيّلة تلك الحقائق في أشكال محسوسة هي من مظاهر تلك المعاني، وهو ضرب من ضروب التشبيه والتمثيل الذي تخترعه ألباب الخطباء والشعراء، إلاّ أنّ هذا تخترعه الألباب في حالة هدوّ الدمَاغ من الشواغل الشاغلة، فيكون أتقن وأصدق. وهذا أكثر أنواع المرائي. ومنه رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنّه يشرب من قدح لَبن حتى رأى الريّ في أظفاره ثم أعطَى فضلَه عمرَ بن الخطّاب ـــ رضي الله عنه ـــ. وتعبيره ذلك بأنّه العلم.

وكذلك رؤياه امرأة سوداء ناشرة شَعَرَهَا خارجة من المدينة إلى الجحفة، فعبّرها بالحمى تنتقل من المدينة إلى الجحفة، ورئِيَ عبد الله بن سلام أنه في روضة، وأنّ فيها عموداً، وأنّ فيه عروة، وأنّه أخذ بتلك العروة فارتقى إلى أعلى العمود، فعبّره النبي صلى الله عليه وسلم بأنّه لا يزال آخذاً بالإيمان الذي هو العروة الوثقى، وأنّ الروضة هي الجنّة، فقد تَطابَق التمثيل النوميّ مع التمثيل المتعارف في قوله تعالى:

{ { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } } [سورة البقرة: 256]، وفي قول النبي:ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة

وسيأتي تأويل هذه الرؤيا عند قوله تعالى:

{ { وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل } } [سورة يوسف: 100].

قَالَ يَٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لِلْإِنسَٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ۝٥

جاءت الجملة مفصولة عن التي قبلها على طريقة المحاورات. وقد تقدّمت عند قوله تعالى:

{ { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } } في سورة البقرة (30).

والنّداء مع حضور المخاطب مستعمل في طلب إحضار الذهن اهتماماً بالغرض المخاطب فيه.

و{بُنَيّ} ـــ بكسر الياء المشدّدة ـــ تصغير ابن مع إضافته إلى ياء المتكلم وأصله بُنَيْوي أو بُنَيْيي على الخلاف في أنّ لام ابن الملتزمَ عدمُ ظهورها هي واو أم ياء. وعلى كلا التقديرين فإنّها أدغمت فيها ياء التصغير بعد قلب الواو ياء لتقارب الياء والواو، أو لتمَاثلهما فصار (بنَيّي). وقد اجتمع ثلاث ياءات فلزم حذف واحدة منها فحذفت ياء المتكلم لزوماً وألقيت الكسرة التي اجتلبت لأجلها على ياء التصغير دلالة على الياء المحذوفة. وحذفُ ياء المتكلم من المنادى المضاف شائع، وبخاصة إذا كان في إبقائها ثقل كما هنا، لأنّ التقاء ياءات ثلاث فيه ثقل.

وهذا التّصغير كناية عن تحبيب وشفقة. نزل الكبير منزلة الصغير لأنّ شأن الصغير أن يحب ويشفق عليه. وفي ذلك كناية عن إمحاض النصح له.

والقصّ: حكاية الرؤيا. يقال: قص الرؤيا إذا حكاها وأخبر بها. وهو جاءٍ من القصص كما علمت آنفاً.

والرؤيا ـــ بألف التأنيث ـــ هي: رؤية الصور في النوم، فرّقوا بينها وبين رؤية اليقظة باختلاف علامتي التأنيث، وهي بوزن البشرى والبقيَا.

وقد علم يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ أن إخوة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ العشرة كانوا يغارون منه لفرط فضله عليهم خَلقا وخلقا، وعلم أنّهم يعبرون الرؤيا إجمالاً وتفصيلاً، وعلم أن تلك الرؤيا تؤذن برفعة ينالها يوسف ـــ عليه السّلام ـــ على إخوته الذين هم أحدَ عَشَرَ فخشي إن قصّها يوسف ــــ عليه السلام ــــ عليهم أن تشتد بهم الغيرة إلى حدّ الحسد، وأن يعبّروها على وجهها فينشأ فيهم شرّ الحاسد إذا حسد، فيكيدوا له كيداً ليسلموا من تفوقّه عليهم وفضله فيهم.

والكيد: إخفاء عمل يضرّ المكيد. وتقدّم عند قوله تعالى:

{ { وأُمْلِي لهم إن كيدي متين } } في سورة الأعراف (183).

واللاّم في {لك} لتأكيد صلة الفعل بمفعوله كقوله: شكرت لك النعمى.

وتنوين {كيداً} للتعظيم والتهويل زيادة في تحذيره من قص الرؤيا عليهم.

وقصد يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ من ذلك نجاة ابنه من أضرار تلحقه، وليس قصده إبطال ما دلّت عليه الرؤيا فإنّه يقع بعد أضرار ومشاق. وكان يعلم أن بنيه لم يبلغوا في العلم مبلغ غوص النظر المفضي إلى أن الرّؤيا إن كانت دالة على خير عظيم يناله فهي خبر إلهي، وهو لا يجوز عليه عدم المطابقة للواقع في المستقبل، بل لعلّهم يحسبونها من الإنذار بالأسباب الطبيعية التي يزول تسببها بتعطيل بعضها.

وقول يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ هذا لابنه تحذير له مع ثقته بأنّ التحذير لا يثير في نفسه كراهة لإخوته لأنّه وثق منه بكمال العقل، وصفاء السريرة، ومكارم الخلق. ومن كان حاله هكذا كان سمحاً، عاذراً، معرضاً عن الزلاّت، عالماً بأثر الصبر في رفعة الشأن، ولذلك قال لإخوته

{ { إنّه من يتّق ويصبر فإنّ الله لا يضيع أجر المحسنين } } [سورة يوسف: 90] وقال: { { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } } [سورة يوسف: 92]. وقد قال أحد ابني آدم عليه السّلام لأخيه الذي قال له لأقتلنّك حسداً { { لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنّي أخاف الله رب العالمين } } [سورة المائدة: 28]. فلا يشكل كيف حذّر يعقوبُ يوسفَ عليهما السّلام من كيد إخوته، ولذلك عقب كلامه بقوله: {إن الشيطان للإنسان عدوّ مبين} ليعلم أنه ما حذّره إلاّ من نزغ الشيطان في نفوس إخوته. وهذا كاعتذار النبي صلى الله عليه وسلم للرّجلين من الأنصار اللذين لقياه ليلاً وهو يشيّع زوجه أمّ المؤمنين إلى بيتها فلمّا رأياه ولّيَا، فقال:على رسلكما إنها صفية، فقالا: سبْحان الله يا رسول الله وأكبرا ذلك، فقال لهما: إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في نفوسكما. فهذه آيةُ عبرة بتوسّم يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ أحوال أبنائه وارتيائه أن يكفّ كيدَ بعضهم لبعض.

فجملة {إن الشيطان للإنسان} الخ واقعة موقع التعليل للنهي عن قصّ الرؤيا على إخوته. وعداوة الشيطان لجنس الإنسان تحمله على أن يدفعهم إلى إضرار بعضهم ببعض.

وظاهر الآية أن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ لم يقص رؤياه على إخوته وهو المناسب لكماله الذي يبعثه على طاعة أمْر أبيه. ووقع في الإسرائيليات أنه قصّها عليهم فحسدوه.

وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝٦

عطف هذا الكلام على تحذيره من قصّ الرؤيا على إخوته إعلاماً له بعلوّ قدره ومستقبل كماله، كي يزيد تملياً من سموّ الأخلاق فيتسع صدره لاحتمال أذى إخوته، وصفحاً عن غيرتهم منه وحسدهم إيّاه ليتمحّض تحذيره للصلاح، وتنتفي عنه مفسدة إثارة البغضاء ونحوها، حكمة نبويّة عظيمة وطبّاً روحانيّاً ناجعاً.

والإشارة في قوله: {وكذلك} إلى ما دلّت عليه الرؤيا من العِناية الربّانيّة به، أي ومثل ذلك الاجتباء يجتبيك ربّك في المستقبل، والتّشبيه هنا تشبيه تعليل لأنّه تشبيه أحد المعلولين بالآخر لاتّحاد العلّة. وموقع الجار والمجرور موقع المفعول المطلق لـــ{يجتبيك} المبيّن لنوع الاجتباء ووجهه.

والاجتباء: الاختيار والاصطفاء. وتقدّم في قوله تعالى:

{ { واجتبيناهم } } في سورة الأنعام (87)، أي اختياره من بين إخوته، أو من بين كثير من خلقه. وقد علم يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ ذلك بتعبير الرؤيا ودلالتها على رفعة شأنه في المستقبل فتلك إذا ضُمّت إلى ما هو عليه من الفضائل آلت إلى اجتباء الله إياه، وذلك يؤذن بنبوءته. وإنّما علم يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ أنّ رفعة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ في مستقبله رفعة إلهية لأنّه عَلِمَ أن نعم الله تعالى متناسبة فلمّا كان ما ابتدأه به من النعم اجتباءً وكمالاً نفسيّاً تعيّن أن يكون ما يلحق بها، من نوعها.

ثم إنّ ذلك الارتقاء النفساني الذي هو من الواردات الإلهية غايته أن يبلغ بصاحبه إلى النبوءة أو الحكمة فلذلك علم يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ أنّ الله سيعلّم يوسف ـــ عليه السّلام ـــ من تأويل الأحاديث، لأنّ مسَبّبَ الشيء مسبّب عن سَبب ذلك الشيء، فتعليم التّأويل ناشىء عن التشبيه الذي تضمنه قوله: {وكذلك}، ولأنّ اهتمام يوسف ـــ عليه السّلام ـــ برؤياه وعرضها على أبيه دلّ أباه على أنّ الله أودع في نفس يوسف ـــ عليه السّلام ـــ الاعتناء بتأويل الرؤيا وتعبيرها. وهذه آية عبرة بحال يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ مع ابنه إذ أشعره بما توسّمه من عناية الله به ليزداد إقبالاً على الكمال بقوله: {ويتمّ نعمته عليك}.

والتّأويل: إرجاع الشيء إلى حقيقته ودليله. وتقدّم عند قوله تعالى:

{ { وما يعلم تأويله إلاّ الله } } [سورة آل عمران: 7].

والأحاديث: يصحّ أن يكون جمع حديث بمعنى الشيء الحادث، فتأويل الأحاديث: إرجاع الحوادث إلى عللها وأسبابها بإدراك حقائقها على التمام. وهو المعنى بالحكمة، وذلك بالاستدلال بأصناف الموجودات على قدرة الله وحكمته، ويصحّ أن يكون الأحاديث جمع حديث بمعنى الخبر المتحدّث به، فالتأويل: تعبير الرؤيا. سمّيت أحاديث لأنّ المرائيَ يتحدثُ بها الراؤون وعلى هذا المعنى حملها بعضُ المفسرين. واستدلوا بقوله في آخر القصة

{ { وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل } } [سورة يوسف: 100]. ولعلّ كِلاَ المعنيين مراد بناء على صحة استعمال المشترك في معنييه وهو الأصح، أو يكون اختيار هذا اللفظ إيجازاً معجزاً، إذ يكون قد حكِي به كلام طويل صَدر من يعقوب عليه السّلام بلغته يعبّر عن تأويل الأشياء بجميع تلك المعاني.

وإتمام النعمة عليه هو إعطاؤه أفضل النعم وهي نعمة النبوءة، أو هو ضميمة الملك إلى النبوءة والرسالة، فيكون المراد إتمام نعمة الاجتباء الأخروي بنعمة المجد الدنيوي.

وعلم يعقوب عليه السّلام ذلك من دلالة الرؤيا على سجود الكواكب والنيريْن له، وقد علم يعقوب عليه السّلام تأويل تلك بإخوته وأبويه أو زوج أبيه وهي خالة يوسف عليه السّلام، وعلم من تمثيلهم في الرؤيا أنّهم حين يسجدون له يَكون أخوته قد نالوا النبوءة، وبذلك علم أيضاً أنّ الله يتمّ نعمته على إخوته وعلى زوج يعقوب عليه السّلام بالصديقية إذا كانت زوجة نبي. فالمراد من آل يعقوب خاصتهم وهم أنباؤه وزوجه، وإن كان المراد بإتمام النعمة ليوسف عليه السّلام إعطاءُ الملك فإتمامها على آل يعقوب هو أن زادهم على ما أعطاهم من الفضل نعمة قرابة المَلِك، فيصح حينئذٍ أنْ يكون المراد من آله جميع قرابته.

والتّشبيه في قوله: {كما أتمها على أبويك من قبل} تذكير له بنعم سابقة، وليس ممّا دلت عليه الرؤيا. ثم إن كان المراد من إتمام النعمة النبوءة فالتّشبيه تام، وإن كان المراد من إتمام النعمة الملك فالتشبيه في إتمام النعمة على الإطلاق.

وجعل إبراهيم وإسحاق ـــ عليهما السّلام ـــ أبوين له لأنّ لهما ولادة عليه، فهما أبواه الأعليان بقرينة المقام كقول النبي صلى الله عليه وسلم

أنا ابنُ عبد المطّلب .

وجملة {إنّ ربّك عليم حكيم} تذييل بتمجيد هذه النعم، وأنها كائنة على وفق علمه وحكمته، فعلمه هو علمه بالنفوس الصالحة لهذه الفضائل، لأنّه خلقها لقبول ذلك فعلمه بها سابق، وحكمته وضع النعم في مواضعها المناسبة.

وتصدير الجملة بـــ {إنّ} للاهتمام لا للتّأكيد إذْ لاَ يشك يوسف ـــ عليه السّلام ـــ في علم الله وحكمته. والاهتمام ذريعة إلى إفادة التعليل. والتفريع في ذلك تعريض بالثناء على يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وتأهّله لمثل تلك الفضائل.

لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٌ لِّلسَّآئِلِينَ ۝٧

جملة ابتدائية، وهي مبدأ القصص المقصود، إذ كان ما قبله كالمقدمة له المنبئة بنباهة شأن صاحب القصة، فليس هو من الحوادث التي لحقت يوسف ـــ عليه السّلام ـــ ولهذا كان أسلوب هذه الجملة كأسلوب القصص، وهو قوله:

{ { إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منّا } } [سورة يوسف: 8] نظير قوله تعالى: { { إنْ يوحَى إليّ إلاّ أنّما أنا نذيرٌ مبينٌ إذ قال ربك للملائكة إنّي خالقٌ بشراً من طينٍ } } [سورة ص: 70، 71] إلى آخر القصة.

والظرفية المستفاد من {في} ظرفية مجازية بتشبيه مقارنة الدليل للمدلول بمقارنة المظروف للظرف، أي لقد كان شأن يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وإخوته مقارناً لدلائل عظيمة من العبر والمواعظ، والتعريف بعظيم صنع الله تعالى وتقديره.

والآيات: الدلائل على ما تتطلب معرفته من الأمور الخفية.

والآيات حقيقة في آيات الطريق، وهي علامات يجعلونها في المفاوز تكون بادية لا تغمرها الرمال لتكون مرشدة للسائرين، ثم أطلقت على حجج الصدق، وأدلة المعلومات الدقيقة. وجمع الآيات هنا مراعى فيه تعدّدها وتعدّد أنواعها، ففي قصة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ دلائل على ما للصّبر وحسن الطويّة من عواقب الخير والنصر، أو على ما للحسد والإضرار بالنّاس من الخيبة والاندحار والهبوط.

وفيها من الدلائل على صدق النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ، وأنّ القرآن وحي من الله، إذ جاء في هذه السورة ما لا يعلمه إلاّ أحْبار أهل الكتاب دون قراءة ولا كتاب وذلك من المعجزات.

وفي بلاغة نظمها وفصاحتها من الإعجاز ما هو دليل على أنّ هذا الكلام من صنع الله ألقاه إلى رسوله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ معجزة له على قومه أهل الفصاحة والبلاغة.

والسائلون: مراد منهم مَن يُتوقع منه السؤال عن المواعظ والحكم كقوله تعالى:

{ { في أربعة أيامٍ سواءً للسائلين } } [سورة فصلت: 10]. ومثل هذا يستعمل في كلام العرب للتشويق، والحثّ على تطلب الخبر والقصة. قال طرفة:

سائلوا عنّا الذي يعرفنابقوانا يوم تحلاق اللمم

وقال السموأل أو عبد الملك الحارثي:

سَلي إن جهلت الناسَ عنّا وعنهمفليس سواءً عالمٌ وجهول

وقال عامر بن الطفيل:

طُلّقتِ إن لم تَسْألي أيُّ فارسحَليلك إذ لاَقَى صُداءً وخَثعما

وقال أنيف بن زبان النبهاني:

فلمّا التقينا بين السّيف بيننالسائلة عنا حَفي سؤالها

وأكثر استعمال ذلك في كلامهم يكون توجيهه إلى ضمير الأنثى، لأنّ النساء يُعنين بالسؤال عن الأخبار التي يتحدث الناس بها، ولمّا جاء القرآن وكانت أخباره التي يشوق إلى معرفتها أخبارَ علم وحكمة صُرف ذلك الاستعمال عن التوجيه إلى ضمير النسوة، ووجّه إلى ضمير المذكّر كما في قوله: { { سَأل سائلٌ بعذابٍ واقعٍ } } [سورة المعارج: 1] وقوله: { { عَمّ يتساءلون } } [سورة النبأ: 1].

وقيل المراد بـ (السائلين) اليهود إذ سأل فريق منهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وهذا لا يستقيم لأنّ السورة مكيّة ولم يكن لليهود مخالطة للمسلمين بمكة.

إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٨

{إذْ} ظرف متعلق بـــ (كَان) من قوله:

{ { لقد كَان في يوسف وإخوته آيات للسائلين } } [سورة يوسف: 7]، فإنّ ذلك الزمان موقع من مواقع الآيات فإن في قولهم ذلك حينئذٍ عبرة من عبر الأخلاق التي تنشأ من حسد الإخوة والأقرباء، وعبرة من المجازفة في تغليطهم أباهم، واستخفافهم برأيه غروراً منهم، وغفلة عن مراتب موجبات ميل الأب إلى بعض أبنائه. وتلك الآيات قائمة في الحكاية عن ذلك الزمن.

وهذا القول المحكي عنهم قول تآمر وتحاور.

وافتتاحُ المقول بلام الابتداء المفيدة للتّوكيد لقصد تحقيق الخبر. والمراد: توكيد لازم الخبر إذ لم يكن فيهم من يشك في أنّ يوسف عليه السّلام وأخاه أحبّ إلى أبيهم من بقيّتهم ولكنّهم لم يكونوا سواء في الحسد لهما والغيرة من تفضيل أبيهم إيّاهما على بقيتهم، فأراد بعضهم إقناع بعض بذلك ليتمالؤوا على الكيد ليوسف عليه السّلام وأخيه، كما سيأتي عند قوله: {ونحن عصبة}، وقوله:

{ { قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف } } [سورة يوسف: 10]؛ فقائل الكلام بعض إخوته، أي جماعة منهم بقرينة قوله بعد { { اقتلوا يوسف } } [سورة يوسف: 9] وقولهم: { { قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف } } [سورة يوسف: 10].

وأخو يوسف عليه السّلام أريد به (بنيامين) وإنّما خصّوه بالأخوة لأنّه كان شقيقه، أمهما (راحيل) بنت (لابان)، وكان بقية إخوته إخوة للأب، أمُّ بعضهم (ليئة) بنت (لابان)، وأمّ بعضهم (بلهة) جارية (ليئة) وهبتْها (ليئة) لزوجها يعقوب عليه السّلام.

و{أحب} اسم تفضيل، وأفعل التفضيل يتعدّى إلى المفضّل بـــ (من)، ويتعدّى إلى المفضّل عنده بـــ (إلى).

ودعواهم أنّ يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وأخاه أحبّ إلى يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ منهم يجوز أن تكون دعوى باطلة أثار اعتقادها في نفوسهم شدّةُ الغيرة من أفضليّة يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وأخيه عليهم في الكمالات وربّما سمعوا ثناء أبيهم على يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وأخيه في أعمال تصدر منهما أو شاهدوه يأخذ بإشارتهما أو رأوا منه شفقة عليهما لصغرهما ووفاة أمّهما فتوهّموا من ذلك أنّه أشدّ حبّاً إيّاهما منهم توهماً باطلاً. ويجوز أن تكون دعواهم مطابقة للواقع وتكون زيادة محبّته إيّاهما أمراً لا يملك صرفه عن نفسه لأنّه وجدان ولكنّه لم يكن يؤثرهما عليهم في المعاملات والأمور الظاهريّة ويكون أبناؤه قد علموا فرط محبّة أبيهم إيّاهما من التوسّم والقرائن لا من تفضيلهما في المعاملة فلا يكون يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ مؤاخذاً بشيء يفضي إلى التباغض بين الإخوة.

وجملة {ونحن عصبة} في موضع الحال من {أحبُّ}، أي ونحن أكثر عدداً. والمقصود من الحال التعجّب من تفضيلهما في الحبّ في حال أنّ رجاء انتفاعه من إخوتهما أشدّ من رجائه منهما، بناء على ما هو الشائع عند عامّة أهل البدو من الاعتزاز بالكثرة، فظنوا مدارك يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ مساوية لمدارك الدّهماء، والعقولُ قلما تدرك مراقي ما فوقها، ولم يعلموا أنّ ما ينظر إليه أهل الكمال من أسباب التفضيل غير ما ينظره مَن دونهم.

وتكون جملة {إنّ أبَانَا لفي ضلال مبين} تعليلاً للتعجّب وتفريعاً عليه، وضمير {ونحن عصبة} لجميع الإخوة عَدَا يوسف ـــ عليه السّلام ـــ وأخاه. ويجوز أن تكون جملة {ونحن عصبة} عطفاً على جملة {ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا}. والمقصود لازم الخبر وهو تجرئة بعضهم بعضاً عن إتيان العمل الذي سيغريهم به في قولهم:

{ { اقتلوا يوسف } } [سورة يوسف: 9]، أي إنّا لا يعجزنا الكيد ليوسف عليه السّلام وأخيه فإنّا عصبة والعصبة يهون عليهم العمل العظيم الذي لا يستطيعه العدد القليل كقوله: { { قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنّا إذن لخاسرون } } [سورة يوسف: 14]، وتكون جملة {إنّ أبانا} تعليلاً للإغراء وتفريعاً عليه.

و«العصبة: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل أسماء الجماعات، ويقال: العصابة. قال جمهور اللّغويين: تطلق العصبة على الجماعة من عشرة إلى أربعين». وعن ابن عبّاس أنّها من ثلاثة إلى عشرة، وذهب إليه بعض أهل اللغة وذكروا أنّ في مصحف حفصة قوله تعالى: «إنّ الذين جاءوا بالإفك عصبة أربعةٌ منكم».

وكان أبناء يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ اثني عشر، وهم الأسباط. وقد تقدّم الكلام عليهم عند قوله تعالى:

{ { أم يقولون إنّ إبراهيم } } الآية في سورة البقرة (140).

و«الضلال» إخطاء مسلك الصّواب. وإنّما: أراد وأخطأ التّدبير للعيش لا الخطأ في الدين والاعتقاد. والتخطئة في أحوال الدّنيا لا تنافي الاعتراف للمخطىء بالنبوءة.

ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا صَٰلِحِينَ ۝٩

جملة مستأنفة استئنافاً بيانيّاً لأنّ الكلام المتقدم يثير سؤالاً في نفوس السّامعين عن غرض القائلين ممّا قالوه فهذا المقصود للقائلين. وإنّما جعلوا له الكلام السابق كالمقدمة لتتأثّر نفوس السّامعين فإذا ألقي إليها المطلوب كانت سريعة الامتثال إليه.

وهذا فنّ من صناعة الخطابة أن يفتتح الخطيب كلامه بتهيئة نفوس السّامعين لتتأثّر بالغرض المطلوب. فإنّ حالةَ تأثّر النفوس تغني عن الخطيب غَناء جمَل كثيرة من بيان العلل والفوائد، كما قال الحريري في المقامة الحادية عشرة «فلما دَفنوا الميْت، وفات قول ليت، أشرف شيخٌ من رِباوة، متأبّطاً لهراوة، فقال لمثل هذا فليعمل العاملون». وانهلّ في الخطب.

والأمر مستعمل في الإرشاد. وأرادوا ارتكاب شيء يفرّق بين يوسف وأبيه ـــ عليهما السّلام ـــ تفرقة لا يحاول من جَرّائِهَا اقتراباً بأن يعدموه أو ينقلوه إلى أرض أخرى فيهلك أو يفْتَرَس.

وهذه آية من عبر الأخلاق السيّئة وهي التّخلّص من مزاحمة الفاضل بفضله لمن هو دونه فيه أو مساويه بإعدام صاحب الفضل وهي أكبر جريمة لاشتمالها على الحسد، والإضرار بالغير، وانتهاك ما أمر الله بحفظه، وهم قد كانوا أهل دين ومن بيت نبوءة وقد أصلح الله حالهم من بعد وأثنى عليهم وسمّاهم الأسباط.

وانتصب {أرضاً} على تضمين {اطْرَحوه} معنى أوْدعوه، أو على نزع الخافض، أو على تشبيهه بالمفعول فيه لأنّ {أرضاً} اسم مكان فلما كان غيرَ محدود وزاد إبهاماً بالتّنكير عومِلَ معاملة أسماء الجهات، وهذا أضعف الوجوه. وقد علم أنّ المراد أرض مجهولة لأبيه.

وجَزم {يَخْلُ} في جواب الأمر، أي إنْ فعلتم ذلك يخلُ لكم وجه أبيكم.

والخلوّ: حقيقته الفراغ. وهو مستعمل هنا مجازاً في عدم التوجّه لمن لا يرغبون توجّهه له، فكأنّ الوجه خلا من أشياء كانت حالة فيه.

واللاّم في قوله {لكم} لام العلة، أي يخل وجه أبيكم لأجلكم، بمعنى أنّه يخلو ممّن عداكم فينفرد لكم.

وهذا المعنى كناية تلويح عن خلوص محبّته لهم دون مشارك.

وعطف {وتكونوا من بعده} أي من بعد يوسف ـــ عليه السّلام ـــ على {يخل} ليكون من جملة الجواب للأمر. فالمراد كونٌ ناشيء عن فعل المأمور به فتعيّن أن يكون المراد من الصلاح فيه الصلاح الدنيوي، أيْ صلاح الأحوال في عيشهم مع أبيهم، وليس المراد الصلاح الديني.

وإنّما لم يدبروا شيئاً في إعدام أخي يوسف ـــ عليه السّلام ـــ شفقةً عليه لصغره.

وإقحام لفظ {قوماً} بَيْنَ كان وخبرها للإشارة إلى أنّ صلاح الحال صفة متمكّنة فيهم كأنّه من مقوّمات قوميّتهم. وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى

{ { لآيات لقوم يعقلون } } في سورة البقرة (164) وعند قوله تعالى: { { وما تغني الآيات والنّذر عن قوم لا يؤمنون } } في سورة يونس (101).

وهذا الأمر صدر من قائله وسامعيه منهم قبل اتّصافهم بالنبوءة أو بالولاية لأنّ فيه ارتكاب كبيرة القتل أو التّعذيب والاعتداء، وكبيرة العقوق.

قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ ۝١٠

فصْل جملة {قال قائل} جار على طريقة المقاولات والمحاورات، كما تقدّم في قوله تعالى:

{ { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } } في سورة البقرة (30).

وهذا القائل أحد الإخوة ولذلك وصف بأنّه منهم.

والعدول عن اسمه العَلَم إلى التنكير والوصفيّة لعدم الجدوى في معرفة شخصه وإنّما المهمّ أنّه من جماعتهم. وتجنّباً لما في اسمه العلم من الثقل اللفظي الذي لا داعي إلى ارتكابه. قيل: إنّه (يهوذا) وقيل: (شمعون) وقيل (روبين)، والذي في سفر التّكوين من التّوراة أنه (راوبين) صدّهم عن قتله وأن يهوذا دل عليه السيارة كما في الإصحاح37. وعادة القرآن أن لا يذكر إلاّ اسم المقصود من القصّة دون أسماء الذين شملتهم، مثل قوله:

{ { وقال رجلٌ مؤمنٌ من آل فرعون } } [سورة غافر: 28].

والإلقاء: الرمي.

والغيابات: جمع غيابة، وهي ما غاب عن البصر من شيء. فيقال: غيابة الجبّ وغيابة القبر والمراد قعر الجبّ.

والجبّ: البئر التي تحفر ولا تطوى.

وقرأ نافع، وأبو جعفر غيابات بالجمع. ومعناه جهات تلك الغيابة، أو يجعل الجمع للمبالغة في ماهية الاسم، كقوله تعالى:

{ { أوْ كظلماتٍ في بحرٍ لجّيّ } } [سورة النور: 40] وقرأ الباقون {في غيابت الجبّ} بالإفراد.

والتّعريف في {الجبّ} تعريف العهد الذهني، أي في غيابة جب من الجباب مثل قولهم: ادخل السوق. وهو في المعنى كالنكرة.

فلعلّهم كانوا قد عهدوا جباباً كائنة على أبعاد متناسبة في طرق أسفارهم يأوون إلى قربها في مراحلهم لسقي رواحلهم وشربهم، وقد توخوا أنْ تكون طرائقهم عليها، وأحسب أنّها كانت ينصب إليها ماء السيول، وأنّها لم تكن بعيدة القعر حيث علموا أنّ إلقاءه في الجبّ لا يهشّم عظامه ولا ماء فيه فيغرقه.

و{يلتقطه} جواب الأمر في قوله: {وألقوه}. والتّقدير: إن تلقوه يلتقطه. والمقصود من التسبب الذي يفيده جواب الأمر إظهار أنّ ما أشار به القائل من إلقاء يوسف ـــ عليه السّلام ـــ في غيابة جبّ هو أمثل ممّا أشار به الآخرون من قتله أو تركه بفيفاء مهلكة لأنّه يحصل به إبعاد يوسف ـــ عليه السّلام ـــ عن أبيه إبعاداً لا يرجى بعدَه تلاقيهما دون إلحاق ضرّ الإعدام بيوسف ـــ عليه السّلام ـــ؛ فإنّ التقاط السيّارة إياه أبقى له وأدخل في الغرض من المقصود لهم وهو إبعاده، لأنّه إذا التقطه السيّارة أخذوه عندهم أو باعوه فزاد بعداً على بعد.

والالتقاط: تناول شيء من الأرض أو الطريق، واستعير لأخذ شيء مضاع.

والسيّارة: الجماعة الموصوفة بحالة السّير وكثرته، فتأنيثه لتأويله بالجماعة التي تسير مثل الفلاّحة والبَحّارة.

والتعريف فيه تعريف العهد الذهني لأنّهم علموا أنّ الطريق لا تخلو من قوافل بين الشام ومصر للتّجارة والميرة.

وجملة {إن كنتم فاعلين} شرط حذف جوابه لدلالة {وألقوه}، أي إن كنتم فاعلين إبعاده عن أبيه فألْقوه في غيابات الجبّ ولا تقتلوه.

وفيه تعريض بزيادة التريّث فيما أضمروه لعلّهم يرون الرجوع عنه أولى من تنفيذه، ولذلك جاء في شرطه بحرف الشرط وهو {إنْ} إيماء إلى أنّه لا ينبغي الجزم به، فكَانَ هذا القائل أمثل الإخوة رأياً وأقربهم إلى التّقوى، وقد علموا أنّ السيّارة يقصدون إلى جميع الجباب للاستقاء، لأنّها كانت محتفرة على مسافات مراحل السفر. وفي هذا الرأي عبرة في الاقتصاد من الانتقام والاكتفاء بما يحصل به الغرض دون إفراط.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ