انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يوسف

تفسير البغويالآيات 1–32

تفسير سورة يوسف آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓر تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ ۝١ إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۝٢ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَٰفِلِينَ ۝٣

{الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}، أي: البيِّن حلالُه وحرامه، وحدوده وأحكامه.

قال قتادة: مبين ـ والله ـ بركتُه وهداه ورشدُه، فهذا مِنْ بان أي: ظهر.

وقال الزجَّاج: مبيّنٌ الحَقَّ من الباطل والحلال من الحرام، فهذا من أبان بمعنى أظهر.

{إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ} يعني الكتاب، {قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، أي: أنزلناه بلغتكم، لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه.

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ}، أي: نقرأ، {أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ}، والقاصُّ هو الذي يتبع الآثار ويأتي بالخبرعلى وجهه.

معناه: نبيّن لك أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية أحسن البيان.

وقيل: المراد منه: قصة يوسف عليه السلام خاصة، سمّاها أحسن القصص لِمَا فيها من العِبَر والحِكَمِ والنُّكَتِ والفوائد التي تصلح للدِّين والدنيا، من سِيَرِ الملوك والمماليك، والعلماء، ومكر النساء، والصبر على أذى الأعداء، وحسن التجاوز عنهم بعد الالتقاء، وغير ذلك من الفوائد.

قال خالد ابن معدان: سورة يوسف وسورة مريم يتفكه بهما أهل الجنة في الجنة.

وقال ابن عطاء: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح لها.

قوله عز وجل: {بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ}، «ما» المصدر، أي: بإيحائنا إليك، {هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ}، وقد كنت، {مِن قَبْلِهِ}، أي: قبل وحينا، {لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ}، لمن الساهين عن هذه القصة لاتعلمها.

قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زماناً فقالوا: يارسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله عزّ وجلّ:

{ { ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ } } [الزمر:23]، فقالوا: يارسول الله لو قصصتَ علينا، فأنزل الله عزّ وجلّ: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ}، فقالوا: يا رسول الله لو ذكرتنا، فأنزل الله عزّ وجلّ: { { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ } } [الحديد:16].

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَٰجِدِينَ ۝٤

قوله عزّ وجلّ: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ}، أي: واذكر إذْ قال يوسف لأبيه، ويوسف اسم عبري عُرِّب، ولذلك لا يجري عليه الإِعراب وقيل هو عربي.

سئل أبو الحسن الأقطع عن يوسف؟ فقال: الأسف في اللغة: الحزن، والأسيف: العبد، واجتمعا في يوسف عليه السلام فسُمّي به.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: قال عبدالله بن محمد، حدثنا عبدالصمد، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار، عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إنَّ الكريمَ ابن الكريمِ ابن الكريم ابن الكريم يوسفُ بن يعقوبَ بن إسحاق بن إبراهيم «.

{يَٰأَبَتِ}، قرأ أبو جعفر وابن عامر {يا أبتَ} بفتح التاء في جميع القرآن على تقدير: يا أبتاه.

وقرأ الآخرون: {يا أبتِ} بكسر التاء لأن أصله: يا أبتْ، والجزم يحرك إلى الكسر.

{إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً}، أي: نجماً من نجوم السماء، ونصب الكواكب على التفسير.

{وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} ولم يقل رأيتها إليَّ ساجدة، والهاء والميم والياء والنون من كنايات من يعقل، لأنه لمّا أخبر عنها بفعل من عبر عنها بكناية من يعقل كقوله تعالى:

{ { يَٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُم } } [النمل:18]

وكأن النجوم في التأويل أخواته، وكانوا أحد عشر رجلاً، يستضاء بهم كما يستضاء بالنجوم، والشمس أبوه، والقمر أمه. قاله قتادة.

وقال السدي: القمر خالته، لأن أمه راحيل كانت قد ماتت.

وقال ابن جريج: القمر أبوه والشمس أمه لأن الشمس مؤنثة والقمر مذكر.

وكان يوسف عليه السلام ابن اثنتي عشرة سنة حين رأى هذه الرؤيا.

وقيل: رآها ليلة الجمعة ليلة القدر فلما قصّها على أبيه.

قَالَ يَٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لِلْإِنسَٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ۝٥

{قَالَ يَٰبُنَىَّ لاَ تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ}، وذلك أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي فعلم يعقوب أن الأخوة إذا سمعوها حسدوه فأمره بالكتمان، {فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً}، فيحتالوا في إهلاكك لأنهم لا يعلمون تأويلها فيحسدونك. واللام في قوله: «لك» صلة، كقوله تعالى:

{ { لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } } [الأعراف:154].

وقيل: هو مثل قولهم نصحتك ونصحت لك، وشكرتك وشكرت لك. {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلإِنْسَـٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}، أي: يزين لهم الشيطانُ، ويحملهم على الكيد لعداوته القديمة.

أخبرنا عبدالواحد ابن أحمد المليحي، أنبأنا عبدالرحمن بن أبي شريح، أنبأنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة عن عبد ربه بن سعيد قال:

سمعتُ أبا سلمة قال: كنتُ أرى الرؤيا تهمّني حتى سمعتُ أبا قتادة يقول: كنت أرى الرؤيا فتمرضني، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «الرؤيا الصالحة من الله تعالى، والحُلْمُ من الشَّيطانِ، فإذا رأى أحدُكم ما يحبُّ فلا يحدٍّثْ به إلاّ من يحبُّ، وإذا رأى ما يكره فليتعوذْ بالله شرِّها، ومن شرِّ الشيطان وَلْيَتْفُلْ ثلاثاً، ولا يحدِّثْ به أحداً فإنها لنْ تضرّ».

وأخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا عبدالرحمن بن أبي شريح، أنبأنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين العقيلي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الرؤيا جزءٌ من أربعينَ أو ستةٍ وأربعينَ جزءاً من النبوة وهي على رِجْل طائرٍ فإذا حدث بها وقعت، وأَحْسِبُهُ قال:لا تُحدَّثْ بها إلا حبيباً أو لبيباً".

وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝٦

قوله عزّ وجلّ: {وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}، يصطفيك ربك يقوله يعقوب ليوسف، أي: كما رفع منزلتك بهذه الرؤيا، فكذلك يصطفيك ربُّك، {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ}، يريد تعبير الرؤيا، سمي تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رأى في منامه، والتأويل ما يؤول إليه عاقبة الأمر، {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ}، يعني: بالنبوة، {وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ}، أي: على أولاده فإنّ أولاده كلهم كانوا أنبياء، {كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ} فجعلهما نبيين، {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.

وقيل: المراد من إتمام النعمة على إبراهيم الخلّة.

وقيل: إنجاؤه من النار، وعلى إسحاق إنجاؤه من الذبح.

وقيل: بإخراج يعقوب والأسباط من صلبه.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين رؤيا يوسف هذه وبين تحقيقها بمصر أبويه وإخوته إليه أربعون سنة، وهو قول أكثر أهل التفسير.

وقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة. فلما بلغت هذه الرؤيا إخوة يوسف حسدوه، وقالوا: ما رضي أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه فَبَغَوْهُ.

لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٌ لِّلسَّآئِلِينَ ۝٧

يقول الله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ}، أي: في خبره وخبر إخوته. وأسماؤهم: روبيل، وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وزيالون، وقيل: زبلون، وآشر، وأمهم ليا بنت ليان وهي ابنة خال يعقوب عليه السلام، ووُلِدَ له من سريتين له، اسم إحداهما زلفة والأخرى يلهمة أربعة أولاد: دان، ونفتالي، وقيل: نفتولي، وجاد، وأشير. ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب عليه السلام أختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين. وقيل: وابن يامين، فكان بنو يعقوب عليه السلام اثني عشر رجلاً.

{ءَايَاتٌ}، قرأ ابن كثير {آية} على التوحيد، أي: عظة وعبرة، وقيل: عجب.

وقرأ الآخرون: {آيات} على الجمع.

{لِّلسَّآئِلِينَ}، وذلك أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف عليه السلام

وقيل: سألوه عن سبب انتقال ولد يعقوب من كنعان إلى مصر. فذكر لهم قصة يوسف، فوجدوها موافقة لما في التوراة فتعجبوا منها. فهذا معنى قوله: {ءَايَـٰتٌ لِّلسَّآئِلِينَ}. أي: دلالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: آيات للسائلين ولمن لم يسأل، كقوله:

{ { سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ } } [فصلت:10]. وقيل: معناه عبرة للمعتبرين، فإنها تشتمل على حسد إخوة يوسف، وما آل إليه أمرُهم في الحسد، وتشتمل على رؤياه، وما حقق الله منها، وتشتمل على صبر يوسف عليه السلام عن قضاء الشهوة، وعلى الرق وفي السجن، وما آل أمره من الملك، وتشتمل على حزن يعقوب وصبره وما آل إليه أمره من الوصول إلى المراد وغير ذلك من الآيات.

إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٨

{إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ}، اللام فيه جواب القسم تقديره: والله ليوسف، {وَأَخُوهُ}، بنيامين، {أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا}، كان يوسف عليه السلام وأخوه بنيامين من أم واحدة، وكان يعقوب عليه السلام شديد الحب ليوسف عليه السلام، وكان إخوته يرون منه من الميل إليه مالا يرونه مع أنفسهم فقالوا هذه المقالة، {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ}، جماعة وكانوا عشرة.

قال الفراء: العصبة هي العشرة فما زاد.

وقيل: العصبة ما بين الواحد إلى العشرة.

وقيل: ما بين الثلاثة إلى العشرة.

وقال مجاهد: ما بين العشرة إلى الخمسة عشر.

وقيل: ما بين العشرة إلى الأربعين.

وقيل: جماعة يتعصب بعضها لبعض لا واحد لها من لفظها كالنَّفَرِ والرَّهْط.

{إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ}، أي خطأ بيِّنٍ في إيثاره يوسف وأخاه علينا، وليس المراد منه الضلال عن الدين، ولو أرادوا لكفروا به، بل المراد منه: الخطأ في تدبير أمر الدنيا، يقولون: نحن أنفع له في أمر الدنيا وإصلاح أمر معاشه ورعي مواشيه، فنحن أولى بالمحبة منه، فهو مخطىء في صرف محبته إليه.

ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا صَٰلِحِينَ ۝٩ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ ۝١٠

{ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ}، اختلفوا في قائل هذا القول؛ فقال وهب: قاله شمعون. وقال كعب: قاله دان.

{أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً}، أي: إلى أرض يُبْعدُ عن أبيه. وقيل: في أرض تأكله السباع.

{يَخْلُ لَكُمْ}، يخلصْ لكم ويَصْفُ لكم، {وَجْهُ أَبِيكُمْ}، عن شغله بيوسف، {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ}، من بعد قتل يوسف، {قَوْماً صَـٰلِحِينَ}، تائبين، أي: توبوا بعدما فعلتم هذا يعفُ الله عنكم. وقال مقاتل: يُصْلِحْ أمركم فيما بينكم وبين أبيكم.

{قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ} وهو يهوذا، وقال قتادة: روبيل، وكان ابن خالة يوسف، وكان أكبرهم سناً وأحسنهم رأياً فيه. والأول أصح أنه يهوذا، نهاهم عن قتله وقال: القتل كبيرة عظيمة. {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ}، قرأ أبو جعفر، ونافع: «غيابات الجب» على الجمع في الحرفين، وقرأ الباقون «غيابة الجب» على الواحد، أي: في أسفل الجب وظلمته. والغيابةُ: كلُّ موضعٍ ستر عنك الشيء وغيَّبه. والجُبُّ: البئر غير المطوية لأنه جُبَّ، أي: قطع ولم يطوَ.

{يَلْتَقِطْهُ}، يأخذه، والالتقاط: أخذ الشيء من حيث لا يحتسبه، {بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ}، أي: بعض المسافرين، فيذهب به إلى ناحية أخرى، فتستريحوا منه، {إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ}، أي: إن عزمتم على فعلكم، وهم كانوا يومئذ بالغين، ولم يكونوا أنبياء بعد.

وقيل: لم يكونوا بالغين، وليس بصحيح؛ بدليل أنهم قالوا: «وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَـٰلِحِينَ».

و«قَالُواْ يَٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ» والصغير لا ذنب له.

وقال محمد بن إسحاق: اشتمل فعلهم على جرائم من: قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وقلة الرأفة بالصغير، الذي لا ذنب له، والغدر بالأمانة، وترك العهد، والكذب مع أبيهم. وعفا الله عنهم ذلك كله حتى لا ييأس أحدٌ من رحمة الله.

وقال بعض أهل العلم: إنهم عزموا على قتله وعصمهم الله رحمة بهم، ولو فعلوا لهلكوا أجمعين، وكل ذلك كان قبل أن أنبأهم الله تعالى

وسئل أبو عمرو بن العلاء: كيف قالوا "نرتع ونلعب" وهم أنبياء؟ قال: كان ذلك قبل أن نبّأهم الله تعالى، فلما أجمعوا على التفريق بينه وبين والده بضرب من الحيل.

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ ۝١١

{قَالُواْ}، ليعقوب، {يَـٰأَبَانَا مَالَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ عَلَى يُوسُفَ}، قرأ أبو جعفر: {تَأْمَنَّا} بلا إشمام، وهو رواية عن نافع، وقرأ الباقون: {تأمنّا} بإشمام الضمة في النون الأولى المدغمة، وهو إشارة إلى الضمة، من غير إمحاض، ليعلم أن أصله: لا تأمنُنا بنونين على تفعلنا، فأدغمتِ النون الأولى في الثانية، بدؤوا بالإِنكار عليه في ترك إرساله معهم كأنهم قالوا: إنك لا ترسله معنا أتخافنا عليه؟.

{وَإِنَّا لَهُ لَنَـٰصِحُونَ}، قال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وذلك أنهم قالوا لأبيهم: «أرسله معنا» فقال أبوهم: «إني ليحزنني أن تذهبوا به» فحينئذ قالوا: {يَـٰأَبَانَا مَالَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَـٰصِحُونَ}، النصح هاهنا هو: القيام بالمصلحة، وقيل: البر والعطف، معناه: إنا عاطفون عليه، قائمون بمصلحته، نحفظه حتى نردّه إليك.

أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ۝١٢ قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِىٓ أَن تَذْهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَٰفِلُونَ ۝١٣ قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًا لَّخَٰسِرُونَ ۝١٤ فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝١٥

{أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً}، إلى الصحراء، {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ}، قرأ أبو عمرو، وابن عامر، بالنون فيهما وجزم العين في «نرتع»، وقرأ أهل الكوفة بالياء فيهما وجزم العين من «يرتع» يعني يوسف، وقرأ يعقوب: «نرتع» بالنون «ويلعب» بالياء.

والرتع هو الاتساع في الملاذ. يقال: رتع فلان في ماله إذا أنفقه في شهواته، يريد ونتنعم ونأكل ونشرب ونلهو وننشط.

وقرأ أهل الحجاز: {يرتع} بكسر العين، وهو يفتعل من الرعي.

ثم ابن كثير قرأ بالنون فيهما أي: نتحارس ويحفظ بعضُنا بعضاً.

وقرأ أبو جعفر ونافع بالياء إخباراً عن يوسف، أي: يرعى الماشية كما نرعى نحن.

{وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ}.

{قَالَ} لهم يعقوب، {إِنِّى لَيَحْزُنُنِىۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ}، أي: يحزنني ذهابكم به، والحزن هاهنا: ألم القلب بفراق المحبوب، {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَـٰفِلُونَ}، وذلك أن يعقوب كان رأى في المنام كأن ذئباً شدّ على يوسف، فكان يخاف من ذلك، فمن ثم قال: هذه المقالة.

{قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ}، عشرة، {إِنَّآ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ}، عجزة ضعفاء.

{فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ}، أي: عزموا، {أَن يَجْعَلُوهُ}، يلقوه، {فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ}، هذه الواو زائدة، تقديره: أوحينا إليه، كقوله تعالى:

{ { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ } } [الصافات: 103] أي: ناديناه، {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}، أي: أوحينا إلى يوسف عليه السلام لتصدقنّ رؤياك ولتخبرنّ إخوتك بصنيعهم هذا وهم لا يشعرون بوحي الله وإعلامه إيّاه ذلك، قاله مجاهد.

وقيل: معناه: وهم لا يشعرون يوم تخبرهم أنك يوسف، وذلك حين دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون.

وذكر وَهْبٌ وغيره: أنهم أخذوا يوسف عليه السلام بغاية الإِكرام وجعلوا يحملونه، فلما برزوا إلى البرية ألقوه وجعلوا ضربونه فإذا ضربه واحد منهم استغاث بالآخر فضربه الآخر، فجعل لا يرى منهم رحيماً فضربوه حتى كادوا يقتلونه وهو يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإِماء، فلما كادوا أن يقتلوه قال لهم يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فانطلقوا به إلى الجُبِّ ليطرحوه فيه، وكان ابن اثنتي عشرة سنة - وقيل: ثمانية عشرة سنة ـ فجاؤا به إلى بئر على غير الطريق واسعة الأسفل ضيقة الرأس. قال مُقاتل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام. وقال كعب: بين مدين ومصر. وقال وهب بأرض الأردن. وقال قتادة: هي بئر بيت المقدس فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال: يا إخوتاه رُدّوا عليّ القميص أتوارى به في الجب، فقالوا: ادعُ الشمسَ والقمرَ والكواكِبَ تواريك، قال: إني لم أرَ شيئاً، فألقوه فيها.

وقيل: جعلوه في دلو وأرسلوه فيها حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت فكان في الئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها.

إنهم لمّا ألقوه فيها جعل يبكي فنادوه فظن أن رحمةً أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه، فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام، وبقي فيها ثلاثَ ليالٍ.

{وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا}. الأكثرون على أن الله تعالى أوحى إليه بهذا وبعث إليه جبريل عليه السلام يؤنسه ويبشره بالخروج، ويخبره أنه ينبئهم بما فعلوه ويجازيهم عليه وهم لا يشعرون.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ثم إنهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص يوسف عليه السلام

وَجَآءُوٓ أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ ۝١٦ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَٰدِقِينَ ۝١٧ وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ۝١٨

{وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ}، قال أهل المعاني: جاؤوا في ظلمة العِشاء ليكونوا أجرأ على الاعتذار بالكذب. ورُوي أن يعقوب عليه السلام سمع صياحهم وعويلهم فخرج، وقال: مالكم يا بَنِيَّ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما أصابكم وأين يوسف؟؟.

{قَالُواْ يَـٰأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ}، أي: نترامى وننتضل، وقال السدي: نشتدُّ على أقدامنا. {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا}، أي: عند ثيابنا وأقمشتنا. {فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا}، بمصدق لنا، {وَلَوْ كُنَّا}، وإن كنّا، {صَـٰدِقِينَ}.

فإن قيل: كيف قالوا ليعقوب أنت لا تصدق الصادق؟.

قيل: معناه إنك تتهمنا في هذا الأمر لأنك خفتنا عليه في الابتداء واتهمتنا في حقه.

وقيل: معناه لا تصدقنا لأنه لا دليل لنا على صدقنا وإن كنّا صادقين عند الله.

{وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ}، أي: بدمٍ هو كذب، لأنه لم يكن دم يوسف. وقيل: بدم مكذوب فيه، فوضع المصدر موضع الاسم.

وفي القصة: أنهم لطخوا القميص بالدم ولم يشقُّوه، فقال يعقوب عليه السلام: كيف أكله الذئب ولم يشق قميصه؟ فاتهمهم.

{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ}، زيَّنت، {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}، معناه: فأمري صبر جميل أو فعلي صبرٌ جميل.

وقيل: فصبر جميل أختاره.

والصبر الجميل الذي لا شكوى فيه ولا جزع.

{وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}، أي: أستعين بالله على الصبر، على ما تكذبون.

وفي القصة: أنهم جاؤُا بذئب وقالوا هذا الذي أكله فقال له يعقوب ياذئب أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي؟ فأنطقه الله عزّ وجلّ، فقال: تالله ما رأيت وجه ابنك قط.

قال: كيف وقعت بأرض كنعان؟.

قال: جئت لصلة قرابة فصادني هؤلاء فمكث يوسف في البئر ثلاثة أيام.

وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا۟ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُۥ قَالَ يَٰبُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةً وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ۝١٩

{وَجآءَتْ سَيَّارَةٌ}، وهم القوم المسافرون، سُمّوا سيارة لأنهم يسيرون في الأرض، كانت رفقة من مدين تريد مصر، فأخطأوا الطريق فنزلوا قريباً من الجب، وكان الجب في [قفرٍ بعيدٍ] من العمران للرعاة والمارة، وكان ماؤه مالحاً فعذب حين ألقي يوسف عليه السلام فيه، فلما نزلوا أرسلوا رجلاً من أهل مدين يقال له مالك بن ذعر، لطلب الماء فذلك قوله عزّ وجلّ: {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} والوارد الذي يتقدم الرفقة إلى الماء فيهيىء الأرشية والدلاء.

{فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ}، أي: أرسلها في البئر، يقال: أدليتُ الدلو إذا أرسلتها في البئر، ودلوتها إذا أخرجتها، فتعلق يوسف بالحبل فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

أُعطيَ يوسفُ شطر الحُسْن «.

ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة، وكانت قد أُعطيت سُدسَ الحُسنِ.

قال ابن إسحاق ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن.

فلما رآه مالك بن ذعر، {قَالَ يَٰبُشْرَىٰ}، قرأ الأكثرون هكذا بالألف وفتح الياء، بشّر المستقي أصحابه يقول: أبشروا. وقرأ أهل الكوفة: يابشرى، بغير إضافة، يريد نادى المستقي رجلاً من أصحابه اسمه بشرى. {هَـٰذَا غُلاَمٌ} وروى ابن مجاهد عن أبيه: أن جدران البئر كانت تبكي على يوسف حين أخرج منها. {وَأَسَرُّوهُ}، أَخْفَوْهُ، {بِضَـٰعَةً}، قال مجاهد: أسره مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين معهم وقالوا هو بضاعة استبضعها بعض أهل الماء إلى مصر خيفة أن يطلبوا منهم فيه المشاركة. وقيل: أراد أن إخوة يوسف أسروا شأن يوسف وقالوا هو عبد لنا أبِقَ.

قال الله تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}، فأتى يهوذا يوسفَ بالطعام فلم يجده في البئر، فأخبر بذلك إخوته، فطلبوه فإذا هم بمالك وأصحابه نزولاً، فأتوهم فإذا هم بيوسف، فقالوا هذا عبد آبق منّا. ويقال: إنهم هدّدوا يوسف حتى لم يعرف حاله. وقال مثل قولهم، ثم باعوه.

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ۝٢٠

فذلك قوله عزّ وجلّ: {وَشَرَوْهُ}، أي: باعوه، {بِثَمَنٍ بَخْسٍ}، قال الضحاك، ومقاتل، والسدي: حرام لأن ثمن الحرِّ حرام، وسُمي الحرام بخساً لأنه مبخوس البركة.

وعن ابن عباس وابن مسعود: بخس أي زيوف.

وقال عكرمة والشعبي: بثمن قليل.

{دَرَٰهِمَ}، بدل من الثمن، {مَعْدُودَةٍ}، ذكَّر العدد عبارة عن قلتها.

وقيل: إنما قال معدودة لأنّهم كانوا في ذلك الزمان لا يَزْنُون ما كان أقل من أربعين درهماً، إنما كانوا يعدُّونها عدَّاً، فإذا بلغت أوقية وزنوها.

واختلفوا في عدد تلك الدراهم: فقال ابن عباس وابن مسعود وقتادة: عشرون درهماً، فاقتسموها درهمين درهمين.

وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهماً.

وقال عكرمة: أربعون درهماً.

{وَكَانُواْ}، يعني: إخوة يوسف، {فِيهِ}، أي: في يوسف {مِنَ ٱلزَٰهِدِينَ} لأنهم لم يعلموا منزلته عند الله.

وقيل: كانوا في الثمن من الزاهدين، لأنهم لم يكن قصدهم تحصيل الثمن، إنما كان قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه.

ثم انطلق مالك بن ذعر وأصحابه بيوسف، فتبعهم إخوته يقولون: استوثقوا منه لا يأبق، قال: فذهبوا به حتى قدموا مصر، وعرضه مالك على البيع فاشتراه قطفير قاله ابن عباس:

وقال: إظفير صاحب أمر الملك، وكان على خزائن مصر يسمى العزيز، وكان الملك يومئذ بمصر ونواحيها الريان بن الوليد بن شروان من العمالقة.

وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتَّبعَ يوسف على دينه، ثم مات ويوسف حي.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: لمّا دخلوا مصر تلقى قطفير مالك بن ذعر فابتاع منه يوسف بعشرين ديناراً وزوج نعل وثوبين أبيضين.

وقال وهب بن منبه: قدمت السيارة بيوسف مصر فدخلوا به السوق يعرضونه للبيع، فترافع الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه ذهباً ووزنه فضة ووزنه مسكاً وحريراً، وكان وزنه أربعمائة رطل، وهو ابن ثلاث عشرة سنة فابتاعه قطفير من مالك بن ذعر بهذا الثمن.

وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٢١

فذلك قوله تعالى:{وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ}، واسمها: راعيل، وقيل: زليخا، {أَكْرِمِى مَثْوَاهُ}، أي: منزله ومقامه، والمثوى: موضع الإِقامة.

وقيل: أكرميه في المطعم والملبس والمقام.

وقال قتادة وابن جريج: منزلته.

{عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ}. أي: نبيعه بالربح إن أردنا البيع، أو يكفينا إذا بلغ بعض أمورنا.

{أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً}، أي: نتبنَّاه.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: أفرسُ الناس ثلاثة: العزيز في يوسف، حيث قال لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا، وابنة شعيب عليه السلام حيث قالت لأبيها في موسى عليه السلام: يا أبتِ استأجْره، وأبو بكر في عمر رضي الله عنهما حيث استخلفه.

{وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلأَرْضِ}، أي: في أرض مصر أي: كما أنقذنا يوسف من القتل وأخرجناه من الجب، كذلك مكّنّا له في الأرض فجعلناه على خزائنها.

{وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ}، أي: مكّنّا له في الأرض لكي نعلمه تأويل الأحاديث، وهي عبارة عن الرؤيا.

{وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ}، قيل: الهاء في أمره كناية عن الله تعالى، يقول: إن الله غالب على أمره يفعل ما يشاء، لا يغلبه شيء ولا يردُّ عليه حكمه رادّ.

وقيل: هي راجعة إلى يوسف عليه السلام معناه: إن الله مستول على أمر يوسف بالتدبير والحياطة لاَ يَكِلُه إلى أحد حتى يبلغه منتهى علمه فيه.

{وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}، ما الله به صانع.

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٢٢

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ}، منتهى شبابه وشدته وقوته. قال مجاهد: ثلاثاً وثلاثين سنة.

وقال السدي: ثلاثين سنة.

وقال الضحاك: عشرين سنة.

وقال الكلبي: الأشُدُّ ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة.

وسئل مالك رحمه الله عن الأشد قال: هو الحلم.

{آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً}، فالحكم: النبوة، والعلم: الفقه في الدين.

وقيل: حكماً يعني: إصابة في القول: وعلماً: بتأويل الرؤيا.

وقيل: الفرق بين الحكيم والعالم، أن العالم: هو الذي يعلم الأشياء، والحكيم: الذي يعمل بما يوجبه العلم.

{وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: المؤمنين، وعنه أيضاً المهتدين. وقال الضحاك: الصابرين على النوائب كما صبر يوسف عليه السلام

وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٢٣

{وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ}، يعني: امرأة العزيز. والمراودةُ: طلب الفعل، والمراد هاهنا أنها دعته إلى نفسها ليواقعها، {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ}، أي: أطبقتها، وكانت سبعة، {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ}، أي: هلمَّ وأَقْبِلْ.

قرأه أهل الكوفة والبصرة: هَيْتَ لك بفتح الهاء والتاء.

وقرأ أهل المدينة والشام: هِيْتَ بكسر الهاء وفتح التاء.

وقرأ ابن كثير: (هَيْتُ) بفتح الهاء وضم التاء.

وقرأ السلمي وقتادة: (هِئْتُ لك) بكسر الهاء وضم التاء مهموزاً، يعني: تهيأتُ لك، وأنكره أبو عمرو والكسائي، وقالا: لم يُحْكَ هذا عن العرب.

والأول هو المعروف عند العرب.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم: {هيت لك}.

قال أبو عبيدة كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حوران رفعت إلى الحجاز معناها إليَّ تعالَ.

وقال عكرمة: هي أيضاً بالحورانية هلم.

وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية وهي كلمة حثّ وإقبال على الشيء.

قال أبو عبيد: إن العرب لا تثني {هيت} ولا تجمع ولا تؤنث، وإنها بصورة واحدة في كل حال.

{قَالَ} يوسف لها عند ذلك: {مَعَاذَ ٱللَّهِ}، أي: أعوذ بالله وأعتصم بالله مما دعوتِني إليه، {إِنَّهُ رَبِّىۤ} يريد أن زوجك قطفير سيدي {أَحْسَنَ مَثْوَاىَ}، أي: أكرم منزلي. هذا قول أكثر المفسرين. وقيل: الهاء راجعة إلى الله تعالى يريد: أن الله تعالى ربّي أحسن مثوايَ، أي: آواني، ومن بلاء الجبِّ عافاني.

{إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}، يعني: إن فعلت هذا فخنته في أهله بعد ما أكرم مثواي فأنا ظالم، ولا يفلح الظالمون.

وقيل: لا يفلح الظالمون أي لا يسعد الزناة.

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَٰنَ رَبِّهِۦ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ ۝٢٤

{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا}، والهمُّ هو: المقاربة من الفعل من غير دخول فيه، فهمُّها: عزمُها على المعصية والزنا.

وأمّا همُّه: فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حلّ الهميان وجلس منها مجلس الخائن.

وعن مجاهد قال: حلّ سراويله وجعل يعالج ثيابه. وهذا قول أكثر المتقدمين مثل سعيد ابن جبير والحسن.

وقال الضحاك: جرى الشيطان فيما بينهما فضرب بإحدى يديه إلى جيد يوسف وباليد الأخرى إلى جيد المرأة حتى جمع بينهما.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: قد أنكر قوم هذا القول، والقول ما قال متقدمو هذه الأمة، وهم كانوا أعلم بالله أن يقولوا في الأنبياء عليهم السلام من غير علم.

وقال السدي وابن إسحاق: لما أرادت امرأة العزيز مراودة يوسف عليه السلام عن نفسه جعلت تذكر له محاسن نفسه وتشوِّقه إلى نفسها، فقالت: يايوسف ما أحسن شعرك! قال: هو أول ما ينتثر من جسدي.

قالت: ما أحسن عينيك!

قال: هي أول ما تسيل على وجهي في قبري.

قالت: ما أحسن وجهك!

قال: هو للتراب يأكله.

وقيل: إنها قالت: إن فراش الحرير مبسوط، فقم فاقض حاجتي.

قال: إذاً يذهب نصيبي من الجنة.

فلم تزل تطمعه وتدعوه إلى اللذة، وهو شاب يجد من شبق الشباب ما يجده الرجل، وهي امرأة حسناء جميلة، حتى لان لها ممَّا يرى من كلفها، وهمَّ بها، ثم إن الله تعالى تدارك عبده ونبيه بالبرهان الذي ذكره.

وزعم بعض المتأخرين: أن هذا لا يليق بحال الأنبياء عليهم السلام، قال: تمّ الكلام عند قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ}، ثم ابتدأ الخبر عن يوسف عليه السلام فقال: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}، على التقديم والتأخير، أي: لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، ولكنه رأى البرهان فلم يهم.

وأنكره النحاة، وقالوا: إن العرب لا تُؤخّر لولا عن الفعل، فلا تقول: لقد قمت لولا زيد، وهو يريد لولا زيد لَقُمْتُ.

وقيل: همت بيوسف أن يفترشها، وهمّ بها يوسف أي: تمنى أن تكون له زوجة.

وهذا التأويل وأمثاله غير مرضية لمخالفتها أقاويل القدماء من العلماء الذين يؤخذ عنهم الدين والعلم.

وقال بعضهم: إن القدر الذي فعله يوسف عليه السلام كان من الصغائر، والصغائر تجوز على الأنبياء عليهم السلام.

روي أن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك حين خرج من السجن وأقرَّتِ المرأة، قال يوسف: {ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} قال له جبريل: ولا حين هممتَ بها يا يوسف؟ فقال يوسف عند ذلك: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} الآية.

وقال الحسن البصري: إن الله تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء عليهم السلام في القرآن ليعيَّرهم، ولكن ذكرها ليبيّن موضع النعمة عليهم، ولئلا ييأس أحد من رحمته.

وقيل: إنه ابتلاهم بالذنوب ليتفرد بالطهارة والعزة، ويلقاه جميع الخلق يوم القيامة على انكسار المعصية.

وقيل: ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة وترْك الإِياس من المغفرة والعفو.

وقال بعض أهل الحقائق: الهمُّ هَمَّان: همٌّ ثابتٌ، وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضى، مثل همِّ امرأة العزيز، والعبد مأخوذ به، وهمٌّ عارضٌ وهو الخطرة، وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم، مثل همّ يوسف عليه السلام، فالعبد غير مؤاخذ به مالم يتكلم أو يعمل.

أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد محمش الزيادي، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبدالرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال الله عزّ وجلّ: إذا تحدث عبدي بأنْ يعملَ حَسنةً فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له، مالم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها «. قوله عزّ وجلّ: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}، اختلفوا في ذلك البرهان: قال قتادة وأكثر المفسرين: إنه رأى صورة يعقوب، وهو يقول له: يايوسف تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء!

وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك: انفرج له سقف البيت فرأى يعقوب عليه السلام عاضَّاً على أصبعه.

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: مُثِّل له يعقوب عليه السلام فضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله.

وقال السدي: نُودي يايوسف تواقعها! وإنما مثلك مالم تواقعها مثل الطير في جوف السماء لا يطاق، ومثلك إن تواقعها مثله إذا مات ووقع على الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومثلك مالم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يطاق، ومثلك إن واقعتها مثل الثور يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفعه عن نفسه.

عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَهَمَّ بِهَا}، قال: حلّ سراويله وقعد منها مقعد الرجل من امرأته، فإذا بكفٍّ قد بدت بينهما بلا معصم ولا عضد مكتوب عليها

{ { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } } [الانفطار:11]، فقام هارباً وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد فظهرت تلك الكف مكتوباً عليها: { { وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً } } [الاسراء: 32] فقام هارباً وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، فظهر، ورأى تلك الكف مكتوباً عليها: { { وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } } [البقرة:281] فقام هارباً وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، فقال الله عز وجل لجبريل عليه السلام: أَدْرِكْ عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحطَّ جبريل عليه السلام عاضَّاً على أصبعه، يقول: يا يوسف تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء.

ورُوي أنه مسحه بجناحه فخرجت شهوته من أنامله.

وقال محمد بن كعب القرظي: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت حين همّ بها فرأى كتاباً في حائط البيت: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً}.

وروى عطية عن ابن عباس: في البرهان أنه رأى مثال الملك.

وقال جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما: البرهان النبوة التي أودعها الله في صدره حالت بينه وبين ما يسخط الله عزّ وجلّ.

وعن علي بن الحسين قال: كان في البيت صنم فقامت المرأة وسترته بثوب، فقال لها يوسف: لِمَ فعلتِ هذا؟.

فقالت: استحييتُ منه أن يراني على المعصية.

فقال يوسف: أتستحين مما لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه؟ فأنا أحق أن أستحي من ربّي، وهرب.

قوله عزّ وجلّ:{لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}، جواب لولا محذوف، تقديره: لولا أن رأى برهان ربِهِ لواقع المعصية.

{كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ}، فالسوءُ: الإِثم. وقيل: السوء القبيح. والفحشاء: الزنا.

{إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ}، قرأ أهل المدينة والكوفة: {ٱلْمُخْلَصِينَ} بفتح اللام حيث كان إذا لم يكن بعده ذكر الدِّين، زاد الكوفيون {مُخْلِصاً} في سورة مريم ففتحوا.

ومعنى {ٱلْمُخْلَصِينَ} المختارين للنبوة، دليله:

{ { إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ } } [ص:146].

وقرأ الآخرون بكسر اللام، أي: المخلِصين لله الطاعة والعبادة.

وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٢٥ قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٢٦

{وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ}، وذلك أن يوسف لمّا رأى البرهان قام مبادراً إلى باب البيت هارباً، وتبعته المرأة لتمسك الباب حتى لا يخرج يوسف، فسبق يوسف، وأدركته المرأة، فتعلَّقت بقميصه من خلفه، فجذبته إليها حتى لا يخرج.

{وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ} أي: فشقته {مِن دُبُرٍ}، أي: من خلف، فلما خرجا لقيا العزيز، وهو قوله: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَىٰ ٱلْبَابِ}، أي: وجدا زوج المرأة قطفير عند الباب جالساً مع ابن عمٍ لراعيل، فلما رأته هابته و{قَالَتْ} سابقةً بالقول لزوجها {مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءاً}، يعني: الزنا، ثم خافت عليه أن يقتله فقالت: {إِلاَّ أَن يُسْجَنَ}، أي: يحبس، {أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، أي: ضرب بالسياط، فلما سمع يوسف مقالتها.

{قَالَ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى}، يعني: طلبت مني الفاحشة فأبيت وفررت.

قيل: ما كان يريد يوسف أن يذكره، فلما قالت المرأة: ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً؟ ذكره، فقال: هي راودتني عن نفسي.

{وَشَهِدَ شَاهِدٌ}، وحكم حاكم، {مِّنْ أَهْلِهَآ}، اختلفوا في ذلك الشاهد:

فقال سعيد بن جبير، والضحاك: كان صبياً في المهد، أنطقه الله عزّ وجلّ، وهو رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

تكلّم في المهد أربعة وهم صغار: ابن ماشطة ابنة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم عليه السلام «.

وقيل: كان ذلك الصبي ابن خال المرأة.

وقال الحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: لم يكن صبياً ولكنه كان رجلاً حكيماً ذا رأي.

قال السدي: هو ابن عم راعيل، فحكم فقال: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ}، أي: من قدّام، {فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ}.

وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٢٧ فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ۝٢٨ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ ۝٢٩

{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ}

{فَلَمَّا رَّأَى}، قطفير، {قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ} عرف خيانة امرأته وبراءة يوسف عليه السلام، {قَالَ} لها {إِنَّهُ}، أي: هذا الصنيع، {مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}، وقيل: إن هذا من قول الشاهد ثم أقبل قطفيرعلى يوسف فقال:

{يُوسُفُ}، أي: يايوسفُ، {أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا} أي: عن هذا الحديث، فلا تذكره لأحدٍ حتى لا يشيع.

وقيل: معناه لا تكترث له، فقد بان عذرُك وبراءَتُك.

ثم قال لامرأته: {وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنبِكِ}، أي: توبي إلى الله، {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَـٰطِئِينَ}.

وقيل: إن هذا من قول الشاهد ليوسف ولراعيل.

أراد بقوله: (واستغفري لذنبك)، أي سلي زوجك أن لا يعاقبك ويصفح عنك، {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَـٰطِئِينَ} من المذنبين، حتى راودتِ شابّاً عن نفسه وخُنْتِ زوجك، فلما استعصم كذبتِ عليه، وإنما قال: "من الخاطئين" ولم يقل: من الخاطئات، لأنه لم يقصد به الخبر عن النساء بل قصد به الخبر عمن يفعل ذلك، تقديره: من القوم الخاطئين، كقوله تعالى:

{ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَٰنِتِينَ }[التحريم:12] بيانه قوله تعالى: { { إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَٰفِرِينَ } } [النمل:43].

وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٣٠ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ۝٣١

قوله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ} الآية.

يقول: شاع أمرُ يوسف والمرأة في المدينة مدينة مصر. وقيل: مدينة عين الشمس، وتحدث النساء بذلك وقلن - وهنّ خمس نسوة: امرأة حاجب الملك، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة الخباز، وامرأة الساقي، وامرأة صاحب السجن، قاله مقاتل.

وقيل: هنّ نسوة من أشراف مصر ـ:

{ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَـٰهَا}، أي: عبدها الكنعاني، {عَن نَّفْسِهِ}، أي: تطلب من عبدها الفاحشة، {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً}، أي: عَلِقَها حباً.

قال الكلبي: حجب حبُّه قلبَها حتى لا تعقل سواه.

وقيل: أحبَّتْهُ حتى دخلها حبه شغاف قلبها، أي: داخل قلبها.

قال السدي: الشغاف جلدة رقيقة على القلب، يقول: دخل الحبُّ الجلدَ حتى أصاب القلب. وقرأ الشعبي والأعرج: {شَغَفَهَا} بالعين غير المعجمة، معناه: ذهب الحُبُّ بها كلَّ مذهب. ومنه شعف الجبال وهو رؤوسها. {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}، أي: خطأ ظاهر. وقيل: معناه إنها تركت ما يكون على أمثالها من العفاف والستر.

{فَلَمَّا سَمِعَتْ}، راعيل، {بِمَكْرِهِنَّ}، بقولهن وحديثهن، قاله قتادة والسدي.

وقال ابن إسحاق إنما قلن ذلك مكراً بها لِتُرِيَهُنَّ يوسف، وكان يوصف لهنّ حسنُه وجماله.

وقيل: إنها أفشت إليهنّ سرَّها واستكتمتهن فأفشَيْنَ ذلك، فلذلك سماه مكراً.

{أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ}، قال وهب: اتخذت مأدبة، ودعت أربعين امرأة، منهن هؤلاء اللاتي عَيَّرْنَها. {وَأَعْتَدَتْ}، أي: أعدت، {لَهُنَّ مُتَّكَئاً}، أي: ما يتكأ عليه.

وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومجاهد: متكأ أي: طعاماً، سماه متكأً لأن أهل الطعام إذا جلسوا يتكؤون على الوسائد، فسمّي الطعام متكأ على الاستعارة. يقال: اتكأنا عند فلان أي: طعمنا. ويقال: المتكأ ما اتّكأت عليه للشرب أو الحديث أو الطعام، ويقرأ في الشواذ مَتْكَأ بسكون التاء.

واختلفوا في معناه: فقال ابن عباس: هو الأترج. ويروى عن مجاهد مثله. وقيل: هو الأترج بالحبشة.

وقال الضحاك: هو الرباورد.

وقال عكرمة: هو كل شيء يقطع بالسكين.

وقال أبو زيد الأنصاري: كل ما يجز بالسكين فهو عند العرب متك، والمتك والبتك بالميم والباء: القطع، فزينت المأدبة بألوان الفواكهة والأطعمة، ووضعت الوسائد ودعت النّسوة.

{وَءَاتَتْ}: وأعطت، {كُلَّ وَاحِدَةٍ مَّنْهُنَّ سِكِّيناً}، فكن يأكلنَ اللحم حزّاً بالسكين.

{وَقَالَتْ}، ليوسف، {ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ}، وذلك أنها كانت أجلسته في مجلس آخر، فخرج عليهن يوسف.

قال عكرمة: كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم.

ورُوي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

رأيتُ ليلةَ أُسريَ بي إلى السماء يوسفَ كالقمر ليلة البدر «.

قال إسحاق بن أبي فروة: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألأ وجهه على الجدران.

{فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ}، أعظمنه، قال أبو العالية: هالَهُنّ أمرُه وبُهتنَ. وقيل: أكبرنَه أي: حضن لأجله من جماله. ولا يصح.

{وَقَطَّعْنَ}، أي: حززن بالسكاكين التي معهن، {أَيْدِيَهُنَّ}، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، ولم يجدن الألم لشغل قلوبهن بيوسف.

قال مجاهد: فما أحسسن إلا بالدم.

وقال قتادة أَبَنَّ أيديهنّ حتى ألقينها.

والأصح أنه كان قطعاً بلا إبانة.

وقال وهب: ماتت جماعة منهن.

{وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً}، أي: معاذا الله أن يكون هذا بشراً. قرأ أبو عمرو: حاشى لله، بإثبات الياء في الوصل، وقرأ الآخرون بحذف الياء لكثرة ورودها على الألسن، واتباعاً للكتاب.

وقوله: {مَا هَـٰذَا بَشَراً} نصب بنزع حرف الصفة، أي: ليس هذا ببشر،{إِنْ هَـٰذَآ}، أي: ما هذا، {إِلاَّ مَلَكٌ}، من الملائكة، {كَرِيمٌ}، على الله تعالى

قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ۝٣٢

{قَالَتْ}، يعني: راعيل، {فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ}، أي: في حبه، ثم صرحت بما فعلت، فقالت: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ}، أي: فامتنع، وإنما صرحت به لأنها علمت أن لا ملامة عليها منهنّ وقد أصابهنّ ما أصابها من رؤيته، فقلنَ له: أطِعْ مولاتك. فقالتْ راعيل: {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ}، ولئن لم يطاوعني فيما دعوته إليه، {لَيُسْجَنَنَّ}، أي: ليعاقبن بالحبس، {وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّـٰغِرِينَ}، من الأذلاء. ونون التوكيد تثقيل وتخفف، والوقف على قوله: {لَيُسْجَنَنَّ} بالنون لأنها مشددة، وعلى قوله: {وَلَيَكُوناً} بالألف لأنها مخففة، وهي شبيهة بنون الإِعراب في الأسماء، كقوله: رأيت رجلاً، وإذا وقفت، قلت: رأيت رجلا بالألف، ومثله:

{ { لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ } } [العلق:15، 16]. فاختار يوسف عليه السلام السجن على المعصية حين توعدته المرأة.
الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ