انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحج

تفسير الطبريالآيات 30–36

تفسير سورة الحج آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الحج

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:03:54

  1. 1 الآيات 19–37في هذه الصفحة 15:38

التفسير الصوتي لسورة الحج كاملًا (4 مقاطع)

ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلْأَنْعَٰمُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَٰنِ وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ ۝٣٠

يعنـي تعالـى ذكره بقوله{ ذلكَ}: هذا الذي أمر به من قضاء التفث والوفـاء بـالنذور والطواف بـالبـيت العتـيق، هو الفرض الواجب علـيكم يا أيها الناس فـي حجكم.{ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْد رَبِّهِ } يقول: ومن يجتنب ما أمره الله بـاجتنابه فـي حال إحرامه تعظيـماً منه لـحدود الله أن يواقعها وحُرَمه أن يستـحلها، فهو خير له عند ربه فـي الآخرة. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مـجاهد، فـي قوله:{ ذلكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ } قال: الـحُرْمة: مكة والـحجّ والعُمرة، وما نَهَى الله عنه من معاصيه كلها.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ } قال: الـحرمات: الـمَشْعَر الـحرام، والبـيت الـحرام، والـمسجد الـحرام، والبلد الـحرام هؤلاء الـحرمات.

وقوله:{ وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعامُ} يقول جلّ ثناؤه: وأحلّ الله لكم أيها الناس الأنعام أن تأكلوها إذا ذكَّيتموها، فلم يحرّم علـيكم منها بحيرة، ولا سائبة، ولا وَصِيـلة، ولا حاما، ولا ما جعلتموه منها لآلهتكم.{ إلاَّ ما يُتْلَى عَلَيْكُمْ } يقول: إلا ما يتلى عليكم في كتاب الله، وذلك: الميتة، والدم، ولـحم الـخنزير، وما أهلّ لغير الله به، والـمنـخنقة، والموقوذة، والمتردّية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذُبح علـى النُّصب فإن ذلك كله رجس. كما:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة:{ إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } قال: إلا الـميتة، وما لـم يذكر اسم الله علـيه.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

وقوله:{ فـاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثانٍ } يقول: فـاتقوا عبـادة الأوثان، وطاعة الشيطان فـي عبـادتها فإنها رجس.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ فـاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ } يقول تعالـى ذكره: فـاجتنبوا طاعة الشيطان فـي عبـادة الأوثان.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج فـي قوله:{ الرّجْسَ مِنَ الأوْثانِ} قال: عبـادة الأوثان.

وقوله:{ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } يقول تعالـى ذكره: واتقوا قول الكذب والفرية علـى الله بقولكم فـي الآلهة:{ ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِـيُقَرّبُونا إلـى اللَّهِ زُلْفَـى} وقولكم للـملائكة: هي بنات الله، ونـحو ذلك من القول، فإن ذلك كذب وزور وشرك بـالله.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ قَوْلَ الزُّورِ } قال: الكذب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنـي عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبـاس: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفـاءَ لِلَّهِ غيرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} يعنـي: الافتراء على الله والتكذيب.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن عاصم، عن وائل بن ربـيعة، عن عبد الله، قال: تعدل شهادة الزور بـالشرك. وقرأ: {فـاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، عن وائل بن ربـيعة، قال: عُدِلت شهادة الزور الشرك. ثم قرأ هذه الآية:{ فـاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو أُسامة، قال: ثنا سفـيان العصفري، عن أبـيه، عن خُرَيـم بن فـاتك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عُدِلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ بـالشِّرْكِ بـاللَّهِ. ثم قرأ:{ فـاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن سفـيان العُصفريّ، عن فـاتك بن فضالة، عن أيـمن بن خريـم، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قام خطيبـاً فقال:

أيُّها النَّاسُ عُدِلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ بـالشِّرْكِ بـاللَّهِ مرّتـين. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ فـاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}.

ويجوز أن يكون مرادا به: اجتنبوا أن ترجسوا أنتـم أيها الناس من الأوثان بعبـادتكم إياها.

فإن قال قائل: وهل من الأوثان ما لـيس برجس حتـى قـيـل: فـاجتنبوا الرجس منها؟ قيل: كلها رجس. ولـيس الـمعنى ما ذهبت إليه فـي ذلك، وإنـما معنى الكلام: فـاجتنبوا الرجس الذي يكون من الأوثان أي عبـادتها، فـالذي أمر جلّ ثناؤه بقوله:{ فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ} منها اتقاء عبادتها، وتلك العبادة هي الرجس علـى ما قاله ابن عبـاس ومن ذكرنا قوله قبل.

حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِۦ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ ۝٣١

يقول تعالى ذكره: اجتنبوا أيها الناس عبادة الأوثان، وقول الشرك، مستقيمين لله علـى إخلاص التوحيد له، وإفراد الطاعة والعبـادة له خالصاً دون الأوثان والأصنام، غير مشركين به شيئاً من دونه فإنه من يُشرك بـالله شيئاً من دونه فمثله فـي بعده من الهدى وإصابة الـحقّ وهلاكه وذهابه عن ربه، مَثل من خرّ من السماء فتـخطفه الطير فهلك، أو هوت به الريح فـي مكان سحيق، يعنـي من بعيد، من قولهم: أبعده الله وأسحقه، وفـيه لغتان: أسحقته الريح وسحقته، ومنه قـيـل للنـخـلة الطويـلة: نـخـلة سحوق ومنه قول الشاعر:

كانَتْ لَنا جارَةٌ فَأزْعَجَها قاذُورَةٌ تَسْحَقُ النَّوَى قُدُمَا

ويُروى: «تُسْحِقُ». يقول: فهكذا مَثل الـمشرك بـالله فـي بُعده من ربه ومن إصابة الـحقّ، كبُعد هذا الواقع من السماء إلـى الأرض، أو كهلاك من اختطفته الطير منهم فـي الهواء.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: {فَكأنَّـمَا خَرَّ منَ السَّماءِ} قال: هذا مَثل ضربه الله لـمن أشرك بـالله فـي بُعده من الهُدى وهلاكه{ فَتَـخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِى بِهِ الرّيحُ فِـي مَكانٍ سَحِيقٍ}.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله:{ فِـي مَكانٍ سَحِيقٍ } قال: بعيد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

وقـيـل:{ فَتَـخْطَفُهُ الطَّيْرُ} وقد قـيـل قبله:{ فكأنَّـمَا خَرَّ منَ السَّماءِ } وخرّ فعل ماض، وتـخطفه مستقبل، فعطف بـالـمستقبل علـى الـماضي، كما فعل ذلك فـي قوله:{ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ } وقد بـيَّنت ذلك هناك.

ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ ۝٣٢

يقول تعالـى ذكره: هذا الذي ذكرت لكم أيها الناس وأمرتكم به من اجتناب الرجس من الأوثان واجتناب قول الزور، حنفـاء لله، وتعظيـم شعائر الله، وهو استـحسان البُدن واستسمانها وأداء مناسك الـحجّ علـى ما أمر الله جلّ ثناؤه، من تقوى قلوبكم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إسماعيـل بن إبراهيـم، قال: ثنا مـحمد بن زياد، عن مـحمد بن أبـي لـيـلـى، عن الـحكم، عن مِقْسم، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فإنَّها مِنْ تَقْوَى القُلوبِ } قال: استعظامها، واستـحسانها، واستسمانها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد ابن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزَّة عن مـجاهد، فـي قوله:{ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ } قال: الاستسمان والاستعظام.

وبه عن عنبسة، عن لـيث، عن مـجاهد، مثله، إلا أنه قال: والاستـحسان.

حدثنا عبد الـحميد بن بـيان الواسطيّ، قال: أخبرنا إسحاق، عن أبـي بشر، وحدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ} قال: استعظام البدن، واستسمانها، واستـحسانها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود بن أبـي هند، عن مـحمد بن أبـي موسى، قال: الوقوف بعرفة من شعائر الله، وبجَمْع من شعائر الله، ورمي الـجمار من شعائر الله، والبُدْن من شعائر الله، ومن يعظمها فإنها من شعائر الله فـي قوله:{ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ} فمن يعظمها فإنها من تقوى القلوب.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ } قال: الشعائر: الـجمار، والصفـا والـمروة من شعائر الله، والـمَشْعَر الـحرام والـمزدلفة، قال: والشعائر تدخـل فـي الـحرم، هي شعائر، وهي حرم.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب: أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر أن تعظيـم شعائره، وهي ما جعله أعلاماً لـخـلقه فـيـما تعبّدهم به من مناسك حجهم، من الأماكن التـي أمرهم بأداء ما افترض علـيهم منها عندها والأعمال التـي ألزمهم عملها فـي حجهم: من تقوى قلوبهم لـم يخصص من ذلك شيئا، فتعظيـم كلّ ذلك من تقوى القلوب، كما قال جلّ ثناؤه وحقّ علـى عبـاده الـمؤمنـين به تعظيـم جميع ذلك. وقال: {إنَّها مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ} وأنَّث ولم يقل: «فإنه»، لأنه أريد بذلك. فإن تلك التعظيـمة مع اجتناب الرجس من الأوثان من تقوى القلوب، كما قال جلّ ثناؤه:

{ إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيـمٌ }. وعنـي بقوله: {فإنَّها مِنْ تَقْوَى القُلوبِ} فإنها من وجل القلوب من خشية الله، وحقـيقة معرفتها بعظمته وإخلاص توحيده.

لَكُمْ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ۝٣٣

اختلف أهل التأويـل فـي معنى الـمنافع التـي ذكر الله فـي هذه الآية وأخبر عبـاده أنها إلـى أجل مسمى، علـى نـحو اختلافهم فـي معنى الشعائر التـي ذكرها جلّ ثناؤه فـي قوله:

{ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فإنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ } فقال الذين قالوا عنـي بـالشعائر البدن. معنى ذلك: لكم أيها الناس فـي البدن منافع. ثم اختلف أيضاً الذين قالوا هذه الـمقالة فـي الـحال التـي لهم فـيها منافع، وفـي الأجل الذي قال عزّ ذكره: {إلـى أجَلٍ مُسَمًّى} فقال بعضهم: الـحال التـي أخبر الله جلّ ثناؤه أن لهم فـيها منافع، هي الـحال التـي لـم يوجبها صاحبها ولـم يسمها بدنة ولـم يقلِّدْها. قالوا: ومنافعها فـي هذه الـحال: شرب ألبـانها، وركوب ظهورها، وما يرزقهم الله من نتاجها وأولادها. قالوا: والأجل الـمسمى الذي أخبر جلّ ثناؤه أن ذلك لعبـاده الـمؤمنين منها إليه، هو إلـى إيجابهم إياها، فإذا أوجبوها بطل ذلك ولـم يكن لهم من ذلك شيء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن ابن أبـي لـيـلـى، عن الـحكم، عن مقسم، عن ابن عبـاس فـي:{ لَكُمْ فِـيها مَنَافِعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى } قال: ما لـم يُسَمَّ بُدْناً.

حدثنا عبد الـحميد بن بـيان، قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {لَكُمْ فِـيها مَنَافِعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى} قال: الركوب واللبن والولد، فإذا سميت بدنة أو هدياً ذهب كله.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد، فـي هذه الآية:{ لَكُمْ فِـيها مَنَافِعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى} قال: لكم فـي ظهورها وألبـانها وأوبـارها، حتـى تصير بُدْناً.

قال: ثنا ابن عديّ، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد، بـمثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبـي نـجيح، ولـيث عن مـجاهد:{ لَكُمْ فِـيها مَنَافِعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى} قال: فـي أشعارها وأوبـارها وألبـانها، قبل أن تسميها بدنة.

قال: ثنا هارون بن الـمغيرة، عن عنبسة، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ لَكُمْ فِـيها مَنَافِعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى} قال: فـي البدن لـحومها وألبـانها وأشعارها وأوبـارها وأصوافها قبل أن تسمى هدياً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله، وزاد فـيه: وهي الأجل الـمسمى.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء أنه قال فـي قوله:{ لَكُمْ فِـيها مَنَافِعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَـحِلُّها إلى البَيْت العَتِـيق} قال: منافع فـي ألبـانها وظهورها وأوبـارها،{ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى}: إلـى أن تقلد.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثل ذلك.

حدثنـي يعقوب، قال: قال ابن علـية: سمعت ابن أبـي نـجيح يقول فـي قوله:{ لَكُمْ فِـيها مَنافعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى} قال: إلـى أن تُوجِبها بَدَنة.

قال: ثنا ابن علـية، عن ابن أبـي نـجيح، عن قَتادة:{لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى} يقول: فـي ظهورها وألبـانها، فإذا قلدت فمـحلها إلـى البـيت العتـيق.

وقال آخرون مـمن قال الشعائر البدن فـي قوله:

{ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله فإنَّها مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ } والهاء فـي قوله:{ لَكُمْ فِـيها} من ذكر الشعائر، ومعنى قوله: {لَكُمْ فِـيها مَنافعُ } لكم فـي الشعائر إلتى تعظمونها لله منافع بعد اتـخاذكموها لله بدناً أو هدايا، بأن تركبوا ظهورها إذا احتـجتـم إلـى ذلك، وتشربوا ألبـانها إن اضطررتـم إلـيها. قالوا: والأجل الـمسمى الذي قال جلّ ثناؤه:{ إلـى أجَل مُسَمًّى} إلـى أن تنـحر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبـي نـجيح، عن عطاء:{ لَكُمْ فِـيها مَنافِعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى } قال: هو ركوب البدن، وشرب لبنها إن احتاج.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء بن أبـي ربـاح فـي قوله:{ لَكُمْ فِـيها مَنافِعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى} قال: إلـى أن تنـحر، قال: له أن يحمل علـيها الـمُعِيْـي والـمنقطع به من الضرورة، كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يأمر بـالبدنة إذا احتاج إلـيها سيدها أن يحمل علـيها ويركب عند منهوكه. قلت لعطاء: ما؟ قال: الرجل الراجل، والـمنقطع به، والـمتبع وإن نتـجت، أن يحمل علـيها ولدها، ولا يشرب من لبنها إلا فضلاً عن ولدها، فإن كان فـي لبنها فضل فلـيشرب من أهداها ومن لـم يهدها.

وأما الذين قالوا: معنى الشعائر فـي قوله:{ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله}: شعائر الـحجّ، وهي الأماكن التـي يُنْسك عندها لله، فإنهم اختلفوا أيضاً فـي معنى الـمنافع التـي قال الله:{لَكُمْ فِـيها مَنافِعُ} فقال بعضهم: معنى ذلك: لكم فـي هذه الشعائر التـي تعظمونها منافع بتـجارتكم عندها وبـيعكم وشرائكم بحضرتها وتسوّقكم. والأجل الـمسمى: الـخروج من الشعائر إلـى غيرها ومن الـمواضع التـي ينسك عندها إلـى ما سواها فـي قول بعضهم.

حدثنـي الـحسن بن علـيّ الصُّدائَي، قال: ثنا أبو أسامة عن سلـيـمان الضبـي، عن عاصم بن أبـي النَّـجود، عن أبـي رزين، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ لَكُمْ فِـيها مَنافِعُ } قال: أسواقهم، فإنه لـم يذكر منافع إلا للدنـيا.

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود بن أبـي هند، عن مـحمد بن أبـي موسى، قوله:{ لَكُمْ فِـيها مَنافعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى } قال: والأجل الـمسمى: الـخروج منه إلـى غيره.

وقال آخرون منهم: الـمنافع التـي ذكرها الله فـي هذا الـموضع: العمل لله بـما أمر من مناسك الـحجّ. قالوا: والأجل الـمسمَّى: هو انقضاء أيام الـحجّ التـي يُنْسَك لله فـيهنّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ لَكُمْ فِـيها مَنافِعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَـحِلُّها إلـى الَبْـيتَ العَتِـيق} فقرأ قول الله:

{ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله فإنَّها مِنْ تَقْوَى القُلُوب } لكم فـي تلك الشعائر منافع إلـى أجل مسمى، إذا ذهبت تلك الأيام لـم تر أحداً يأتـي عرفة يقـف فـيها يبتغي الأجر، ولا الـمزدلفة، ولا رمي الـجمار، وقد ضربوا من البلدان لهذه الأيام التـي فـيها الـمنافع، وإنـما منافعها إلـى تلك الأيام، وهي الأجل الـمسمى، ثم مـحلّها حين تنقضي تلك الأيام إلـى البـيت العتـيق.

قال أبو جعفر: وقد دللنا قبل علـى أن قول الله تعالـى ذكره:{ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ} معنـيٌّ به: كلّ ما كان من عمل أو مكان جعله الله علـماً لـمناسك حجّ خـلقه، إذ لـم يخصص من ذلك جلّ ثناؤه شيئاً فـي خبر ولا عقل. وإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن معنى قوله:{ لَكُمْ فِـيها مَنافِعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى} فـي هذه الشعائر منافع إلـى أجل مسمى، فما كان من هذه الشعائر بدناً وهدياً، فمنافعها لكم من حين تـملكون إلـى أن أوجبتـموها هدايا وبدناً، وما كان منها أماكن ينسك لله عندها، فمنافعها التـجارة لله عندها والعمل بـما أمر به إلـى الشخوص عنها، وما كان منها أوقاتاً بأن يُطاع الله فـيها بعمل أعمال الـحجّ وبطلب الـمعاش فـيها بـالتـجارة، إلـى أن يطاف بـالبـيت فـي بعض، أو يوافـى الـحرم فـي بعض ويخرج عن الـحرم فـي بعض.

وقال اختلف الذين ذكرنا اختلافهم فـي تأويـل قوله:{ لَكُمْ فِـيها مَنافِعُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى } فـي تأويـل قوله:{ ثُمَّ مَـحِلُّها إلـى البَـيْتِ العَتِـيقِ } فقال الذين قالوا عنـي بـالشعائر فـي هذا الـموضع البُدْن: معنى ذلك ثم مـحل البدن إلـى أن تبلغ مكة، وهي التـي بها البـيت العتـيق. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: أخبرنا هشيـم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء:{ ثُمَّ مَـحِلُّها إلـى البَـيْتِ العَتِـيقِ} إلـى مكة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ ثُمَّ مَـحِلُّها إلـى البَـيْتِ العَتِـيقِ} يعنـي مـحل البدن حين تسمى إلـى البـيت العتـيق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جرَيج، عن مـجاهد، قال:{ ثُمَّ مَـحِلُّها} حين تسمى هدياً {إلـى البـيت العتـيق}، قال: الكعبة أعتقها من الـجبـابرة.

فوجه هؤلاء تأويـل ذلك إلـى ثَمَّ منـحر البدن والهدايا التـي أوجبتـموها إلـى أرض الـحرم. وقالوا: عنـي بـالبـيت العتـيق أرض الـحرم كلها. وقالوا: وذلك نظير قوله:{ فَلا يَقْرَبُوا الـمَسْجِدَ الـحَرَامَ} والـمراد: الـحرم كله.

وقال آخرون: معنى ذلك: ثم مـحلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلـى البـيت العتـيق أن تطوفوا به يوم النـحر بعد قضائكم ما أوجبه الله علـيكم فـي حجكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود بن أبـي هند، عن مـحمد بن أبـي موسى:{ ثُمَّ مَـحِلُّها إلـى البَـيْتِ العَتِـيقِ } قال: مـحلّ هذه الشعائر كلها الطواف بـالبـيت.

وقال آخرون: معنى ذلك: ثم مـحلّ منافع أيام الـحجّ إلـى البـيت العتـيق بـانقضائها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ ثُمَّ مَـحِلُّها إلـى البَـيْتِ العَتِـيقِ} حين تنقضي تلك الأيام، أيام الـحجّ إلـى البـيت العتـيق.

وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: ثم مـحلّ الشعائر التـي لكم فـيها منافع إلـى أجل مسمى إلـى البـيت العتـيق، فما كان من ذلك هدياً أو بدناً فبـموافـاته الـحرم فـي الـحرم، وما كان من نُسُك فـالطواف بـالبـيت.

وقد بـيَّنا الصواب فـي ذلك من القول عندنا فـي معنى الشعائر.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَٰمِ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُوا۟ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره:{ وَلِكُلّ أُمَّةٍ} ولكلّ جماعة سَلَف فـيكم من أهل الإيـمان بـالله أيها الناس، جعلنا ذبحاً يُهَرِيقون دمه{ لِـيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلـى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيـمَةِ الأنْعامِ} بذلك لأن من البهائم ما لـيس من الأنعام، كالـخيـل والبغال والـحمير. وقـيـل: إنـما قـيـل للبهائم بهائم لأنها لا تتكلـم.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله:{جَعَلْنا مَنْسَكاً} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً} قال: إهراق الدماء{ لِـيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

وقوله:{ فَإِلهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ } يقول تعالـى ذكره: فـاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور، فإلهكم إله واحد لا شريك له، فإياه فـاعبدوا وله أخـلصوا الألوهة. وقوله:{ فَلَهُ أسْلِـمُوا} يقول: فلإلهكم فـاخضعوا بـالطاعة، وله فذلّوا بـالإقرار بـالعبودية.) وقوله:{ وَبَشِّرِ الـمُخْبِتِـينَ} يقول تعالـى ذكره: وبشر يا مـحمد الـخاضعين لله بـالطاعة، الـمذعنـين له بـالعبودية، الـمنـيبـين إلـيه بـالتوبة. وقد بـيَّنا معنى الإخبـاث بشواهده فـيـما مضى من كتابنا هذا.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي الـمراد به فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: أريد به: وبشِّر الـمطمئنـين إلـى الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ وَبَشِّرِ الـمُخْبِتِـينَ } قال: الـمطمئنـين.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله:{ وَبَشِّرِ الـمُخْبِتِـينَ} الـمطمئنـين إلـى الله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ وَبَشِّرِ الـمُخْبِتِـينَ } قال: الـمطمئنـين.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله:{ وَبَشِّرِ الـمُخْبِتِـينَ } قال: الـمتواضعين.

وقال آخرون فـي ذلك بـما:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا مـحمد بن مسلـم، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن عمرو بن أوس، قال: الـمخبتون: الذين لا يَظْلـمون، وإذا ظُلـموا لـم ينتصروا.

حدثنـي مـحمد بن عثمان الواسطي، قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا مـحمد بن مسلـم الطائفـي، قال: ثنـي عثمان بن عبد الله بن أوس، عن عمرو بن أوس مثله.

ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ ۝٣٥

فهذا من نعت الـمخبتـين يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وبشِّر يا مـحمد الـمخبتـين الذين تـخشع قلوبهم لذكر الله وتـخضع من خشيته، وَجَلاً من عقابه وخوفـا من سخطه. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} قال: لا تقسو قلوبهم. {والصَّابِرِينَ عَلـى ما أصَابَهُمْ } من شدّة فـي أمر الله، ونالهم من مكروه فـي جنبه. {والـمُقِـيـمِي الصَّلاَةِ} الـمفروضة. {وَمِـمَّا رَزَقْناهُمْ } من الأموال.{ يُنْفِقُونَ} فـي الواجب علـيهم إنفـاقها فـيه، فـي زكاة ونفقة عيال ومن وجبت علـيه نفقته وفـي سبـيـل الله.

وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره: {والبُدْنَ} وهي جمع بَدَنة، وقد يقال لواحدها: بَدَن، وإذا قـيـل بَدَن احتـمل أن يكون جمعاً وواحداً، يدلّ علـى أنه قد يقال ذلك للواحد قول الراجز:

عَلـيَّ حِينَ تَـمْلِكُ الأُمُورَا صَوْمَ شُهُورٍ وَجَبَتْ نُذُورَا وَحَلْقَ رأسِي وَافِـيا مَضْفُورَا وَبَدًنا مُدَرَّعا مَوْفُورَا

والبَدَن: هو الضخم من كلّ شيء، ولذلك قـيـل لامرىء القـيس بن النعمان صاحب الـخورنق والسَّدِير: البَدَن، لضخمه واسترخاء لـحمه، فإنه يقال: قد بَدَّن تبديناً. فمعنى الكلام: والإبل العظام الأجسام الضخام، جعلناها لكم أيها الناس من شعائر الله يقول: من أعلام أمر الله الذي أمركم به فـي مناسك حجكم إذا قلدتـموها وجللتـموها وأشعرتـموها، علـم بذلك وشعر أنكم فعلتـم ذلك من الإبل والبقر. كما:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن ابن جُرَيج، قال: قال عطاء:{ والبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِن شَعائِرِ اللَّهِ } قال: البقرة والبعير.

وقوله: {لَكُمْ فِـيها خَيْرٌ} يقول: لكم فـي البدن خير وذلك الـخير هو الأجر فـي الآخرة بنـحرها والصدقة بها، وفـي الدنـيا: الركوب إذا احتاج إلـى ركوبها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله:{ لَكُمْ فِـيها خَيْرٌ } قال: أجر ومنافع فـي البدن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم: {لَكُمْ فِـيها خَيْرٌ} قال: اللبن والركوب إذا احتاج.

حدثنا عبد الحميد ابن بيان، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن منصور، عن إبراهيـم:{ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ} قال: إذا اضطررت إلـى بدنتك ركبتها وشربت من لبنها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم: {لَكُمْ فِـيها خَيْرٌ } من احتاج إلـى ظهر البدنة ركب، ومن احتاج إلـى لبنها شرب.

وقوله:{ فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافَّ } يقول تعالـى ذكره: فـاذكروا اسم الله علـى البدن عند نـحركم إياها صوافّ.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار:{ فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافَّ } بمعنى مصطفة، واحدها: صافة، وقد صفت بـين أيديها. ورُوي عن الـحسن ومـجاهد وزيد بن أسلـم وجماعة أُخر معهم، أنهم قرءوا ذلك: «صَوَافِـيَ» بـالـياء منصوبة، بـمعنى: خالصة لله لا شريك له فـيها صافـية له. وقرأ بعضهم ذلك: «صَوَافٍ» بإسقاط الـياء وتنوين الـحرف، علـى مثال: عوارٍ وعوادٍ. ورُوي عن ابن مسعود أنه قرأه: «صَوَافِنٌ» بـمعنى: مُعْقلة.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندي قراءة من قرأه بتشديد الفـاء ونصبها، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه بـالـمعنى الذي ذكرناه لـمن قرأه كذلك. ذكر من تأوّله بتأويـل من قرأه بتشديد الفـاء ونصبها:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن الأعمش، عن أبـي ظبـيان، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافَّ} قال: الله أكبر الله أكبر، اللهمّ منك ولك. صوافّ: قـياماً علـى ثلاث أرجل. فقـيـل لابن عبـاس: ما نصنع بجلودها؟ قال: تصدّقوا بها، واستـمتعوا بها.

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنا أيوب بن سويد، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي ظبـيان، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {صَوَافَّ} قال: قائمة، قال: يقول: الله أكبر، لا إله إلا الله، اللهمّ منك ولك.

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن شعبة، عن سلـيـمان، عن أبـي ظبـيان، عن ابن عبـاس: {فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافَّ } قال: قـياماً علـى ثلاث قوائم معقولة بـاسم الله، الله أكبر، اللهمّ منك ولك.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ صَوَافَّ} قال: معقولة إحدى يديها، قال: قائمة علـى ثلاث قوائم.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافَّ } يقول: قـياماً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافَّ} والصوافّ: أن تعقل قائمة واحدة، وتصفها علـى ثلاث فتنـحرها كذلك.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا يعلـى بن عطاء، قال: أخبرنا بجير بن سالـم، قال: رأيت ابن عمر وهو ينـحر بدنته، قال: فقال: {صَوَافَّ} كما قال الله، قال: فنـحرها وهي قائمة معقولة إحدى يديها.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا لـيث، عن مـجاهد، قال: الصَّوافّ: إذا عقلت رجلها وقامت علـى ثلاث.

قال: ثنا لـيث، عن مـجاهد، فـي قوله:{ فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافَّ} قال: صوافّ بـين أوظافها.

حدثني مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ صَوَافَّ } قال: قـيام صواف علـى ثلاث قوائم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد:{ فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافَّ} قال: بـين وظائفها قـياماً.

حدثنا ابن البرقـي، قال: ثنا ابن أبـي مريـم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبـي هلال، عن نافع، عن عبد الله: أنه كان ينـحر البُدن وهي قائمة مستقبلة البـيت تصفّ أيديها بـالقـيود، قال: هي التـي ذكر الله:{ فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافَّ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنـي جرير، عن منصور، عن رجل، عن أبـي ظبـيان، عن ابن عبـاس، قال: قلت له: قول الله{ فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافَّ}؟ قال: إذا أردت أن تنـحر البدنة فـانـحرها، وقل: الله أكبر، لا إله إلا الله، اللهم منك ولك، ثم سمّ ثم انـحرها. قلت: فأقول ذلك للأضحية؟ قال: وللأضحية.

ذكر من تأوّله بتأويـل من قرأه: «صَوَافِـيَ» بـالـياء:

حدثنا ابن عبد الأعلـىء، قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـيه، عن الـحسن أنه قال: «فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافِـيَ» قال: مُخْـلَصين.

قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال الـحسن: «صَوَافِـيَ»: خالصة.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الـحسن: «صَوَافِـيَ»: خالصة لله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن قـيس بن مسلـم، عن شقـيق الضبـيّ: «فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافِـيَ» قال: خالصة.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أيـمن بن نابل، قال: سألت طاوسا عن قوله: «فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافِـيَ» قال: خالصاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: «فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافِـيَ» قال: خالصة لـيس فـيها شريك كما كان الـمشركون يفعلون، يجعلون لله ولآلهتهم صوافـي صافـية لله تعالـى.

ذكر من تأوّله بتأويـل من قرأه «صَوَافِنَ»:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: فـي حرف ابن مسعود: «فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافنَ»: أي معقلة قـياماً.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة: فـي حرف ابن مسعود: «فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافنَ» قال: أي معقلة قـياماً.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، قال: من قرأها «صَوَافِنَ» قال: معقولة. قال: ومن قرأها: صَوَافَّ قال: تصفُّ بـين يديها.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فـاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَـيْها صَوَافَّ} يعنـي صوافن، والبدنة إذا نـحرت عقلت يد واحدة، فكانت علـى ثلاث، وكذلك تُنـحر.

قال أبو جعفر: وقد تقدم بـيان أولـى هذه الأقوال بتأويـل قوله: {صَوَافَّ} وهي الـمصطفة بـين أيديها الـمعقولة إحدى قوائمها.

وقوله:{ فإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُها } يقول: فإذا سقطت فوقعت جنوبها إلـى الأرض بعد النـحر،{ فَكُلُوا مِنْها} وهو من قولهم: قد وجبت الشمس: إذا غابت فسقطت للتغيب، ومنه قول أوس ابن حجر:

ألَـمْ تُكْسَفِ الشَّمْسُ والبَدْرُ والْ كوَاكِبُ للْـجَبَلِ الوَاجِبِ

يعنـي بـالواجب: الواقع.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنـي عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ فإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُها} سقطت إلـى الأرض.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، فـي قوله:{ فإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُها} قال: إذا فرغت ونُـحِرت.

حدثنـي مـحمد بن عمارة، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى، عن مـجاهد:{ فإذَا وَجَبَتْ} نـحرت.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ فإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُها} قال: إذا نـحرت.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ فإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُها} قال: فإذا ماتت.

وقوله:{ فَكُلُوا مِنْها } وهذا مخرجه مخرج الأمر ومعناه الإبـاحة والإطلاق يقول الله: فإذا نـحرت فسقطت ميتة بعد النـحر فقد حلّ لكم أكلها، ولـيس بأمر إيجاب.

وكان إبراهيـم النـخعي يقول فـي ذلك ما:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم، قال: الـمشركون كانوا لا يأكلون من ذبـائحهم، فرخص للـمسلـمين، فأكلوا منها، فمن شاء أكل ومن شاء لـم يأكل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن حصين، عن مـجاهد، قال: إن شاء أكل وإن شاء لـم يأكل، فهي بـمنزلة:

{ فإذَا حَلَلْتُـمْ فـاصْطادُوا }

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس:{ فَكُلُوا مِنْها وأطْعِمُوا القانِعَ والـمُعْتَرَّ } يقول: يأكل منها ويطعم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا يونس، عن الـحسن. وأخبرنا مغيرة، عن إبراهيـم، وأخبرنا حجاج، عن عطاء. وأخبرنا حصين، عن مـجاهد، فـي قوله:{ فَكُلُوا مِنْها } قال: إن شاء أكل وإن شاء لـم يأكل، قال مـجاهد: هي رخصة، هي كقوله:

{ فإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فـانْتَشِرُوا فِـي الأرْضِ } ومثل قوله: { وَإذَا حَلَلْتُـمْ فـاصْطادُوا }، وقوله: {وأطْعِمُوا القانِعَ والـمُعْتَرَّ } يقول: فأطعموا منها القانع.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بـالقانع والـمعترّ، فقال بعضهم: القانع الذي يقنع بـما أعطي أو بـما عنده ولا يسأل، والـمعترّ: الذي يتعرّض لك أن تطعمه من اللـحم ولا يسأل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ وأطْعِمُوا القانِعَ والـمُعْتَرَّ } قال: القانع: الـمستغنـي بـما أعطيته وهو فـي بـيته، والـمعترّ: الذي يتعرّض لك ويـلـمّ بك أن تطعمه من اللـحم ولا يسأل. وهؤلاء الذين أمر أن يطعموا من البُدن.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: القانع: جارك الذي يقنع بـما أعطيته، والـمعترّ: الذي يتعرّض لك ولا يسألك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي أبو صخر، عن القرظي أنه كان يقول فـي هذه الآية:{ وأطْعِمُوا القانِعَ والـمُعْتَرَّ} القانع: الذي يقنع بـالشيء الـيسير يرضى به، والـمعترّ: الذي يـمرّ بجانبك لا يسأل شيئا فذلك الـمعترّ.

وقال آخرون: القانع: الذي يقنع بـما عنده ولا يسأل والـمعترّ: الذي يعتريك فـيسألك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله:{ القانِعَ والـمُعْتَرَّ } يقول: القانع الـمتعفف{ والـمُعْتَرَّ } يقول: السائل.

حدثنا ابن أبـي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا خصيف، قال: سمعت مـجاهداً يقول: القانع: أهل مكة والـمعترّ: الذي يعتريك فـيسألك.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا عطاء، عن خصيف، عن مـجاهد فذكر مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مسلـم بن إبراهيـم، قال: ثنـي كعب بن فروخ، قال: سمعت قَتادة يحدث، عن عكرمة، فـي قوله: {القانِعَ والـمُعْتَرَّ } قال: القانع: الذي يقعد فـي بـيته، والـمعترّ: الذي يسأل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: القانع: الـمتعفف الـجالس فـي بـيته والـمعترّ: الذي يعتريك فـيسألك.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال:{ القانِعَ والـمُعْتَرَّ} قال: القانع: الطامع بـما قِبلك ولا يسألك والـمعترّ: الذي يعتريك ويسألك.

حدثنـي نصر بن عبد الرحمن، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد وإبراهيـم قالا: القانع: الـجالس فـي بـيته والـمعترّ: الذي يسألك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة فـي القانع والـمعترّ، قال: القانع: الذي يقنع بـما فـي يديه والـمعترّ: الذي يعتريك، ولكلـيهما علـيك حقّ يا ابن آدم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد:{ فَكُلُوا منْها وأطْعمُوا القانِعَ والـمُعْتَرَّ} قال: القانع الذي يجلس فـي بـيته. والـمعترّ: الذي يعتريك.

وقال آخرون: القانع: هو السائل، والـمعترّ: هو الذي يعتريك ولا يسأل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا يونس، عن الـحسن، قال: القانع: الذي يقنع إلـيك ويسألك والـمعترّ: الذي يتعرّض لك ولا يسألك.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الـحسن، فـي هذه الآية:{ وأطْعِمُوا القانِعَ والـمُعْتَرَّ} قال: القانع: الذي يقنع، والـمعترّ: الذي يعتريك. قال: وقال الكلبـي: القانع: الذي يسألك والـمعترّ: الذي يعتريك، يتعرّض ولا يسألك.

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن سفـيان، عن يونس، عن الـحسن، فـي قوله:{ وأطْعِمُوا القانِعَ والـمُعْتَرَّ } قال: القانع: الذي يسألك، والـمعترّ: الذي يتعرّض لك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبـيه، قال: قال سعيد بن جُبـير: القانع: السائل.

حدثنـي مـحمد بن إسماعيـل الأحمسي، قال: ثنـي غالب، قال: ثنـي شريك، عن فرات القزاز، عن سعيد بن جُبـير، فـي قوله: {القانِعَ} قال: هو السائل، ثم قال: أما سمعت قول الشماخ

لَـمَالُ الـمَرْءِ يُصْلِـحُهُ فَـيُغْنى مَفـاقَرهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ

قال: من السؤال.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا يونس، عن الـحسن، أنه قال فـي قوله:{ وأطْعِمُوا القانِعَ والـمُعْتَرَّ } قال: القانع: الذي يقنع إلـيك يسألك، والـمعترّ: الذي يريك نفسه ويتعرّض لك ولا يسألك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشام، قال: أخبرنا منصور ويونس، عن الـحسن، قال: القانع: السائل، والـمعترّ: الذي يتعرّض ولا يسأل.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلـم: القانع: الذي يسأل الناس.

وقال آخرون: القانع: الـجار، والـمعترّ: الذي يعتريك من الناس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت لـيثاً، عن مـجاهد، قال: القانع: جارك وإن كان غنـيًّا، والـمعترّ: الذي يعتريك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبـي نـجيح، قال: قال مـجاهد، فـي قوله:{ وأطْعِمُوا القانِعَ والـمُعْتَرَّ } قال: القانع: جارك الغنـيّ، والـمعترّ: من اعتراك من الناس.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيـم، فـي قوله:{ وأطْعِمُوا القانِعَ والـمُعْتَرَّ} أنه قال: أحدهما السائل، والآخر الـجار.

وقال آخرون: القانع: الطوّاف، والـمعترّ: الصديق الزائر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنـي أبـي وشعيب بن اللـيث، عن اللـيث، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبـي هلال، قال: قال زيد بن أسلـم، فـي قول الله تعالـى:{ القانِعَ والـمُعْتَرَّ } فـالقانع: الـمسكين الذي يطوف، والـمعترّ: الصديق والضعيف الذي يزور.

وقال آخرون: القانع: الطامع، والـمعترّ: الذي يعترّ بـالبدن. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ القانِعَ} قال: الطامع والـمعترّ: من يعترّ بـالبدن من غنـيّ أو فقـير.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرنـي عمر بن عطاء، عن عكرِمة، قال: القانع: الطامع.

وقال آخرون: القانع: هو الـمسكين، والـمعترّ: الذي يتعرّض للـحم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وأطْعِمُوا القانِعَ والـمُعْتَرَّ } قال: القانع: الـمسكين، والـمعترّ: الذي يعترّ للقوم للـحمهم ولـيس بـمكسين، ولا تكون له ذبـيحة، يجيء إلـى القوم من أجل لـحمهم، والبـائس الفقـير: هو القانع.

وقال آخرون بـما:

حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن فرات، عن سعيد بن جُبـير، قال: القانع: الذي يقنع، والـمعترّ: الذي يعتريك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن يونس، عن الـحسن بـمثله.

قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم ومـجاهد:{ القانِعَ والـمُعْتَرَّ } القانع: الـجالس فـي بـيته، والـمعترّ: الذي يتعرّض لك.

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب قول من قال: عنـي بـالقانع: السائل لأنه لو كان الـمعنـيّ بـالقانع فـي هذا الـموضع الـمكتفـي بـما عنده والـمستغنـي به، لقـيـل: وأطعموا القانع والسائل، ولـم يقل: وأطعموا القانع والـمعترّ. وفـي إتبـاع ذلك قوله: والـمعترّ الدلـيـل الواضح علـى أن القانع معنـيّ به السائل، من قولهم: قنع فلان إلـى فلان، بـمعنى سأله وخضع إلـيه، فهو يقنع قنوعاً ومنه قول لبـيد:

وأعْطانِي المَوْلى عَلى حِينَ فَقْرِهِ إذَا قالَ أبْـصِرْ خَـلَّتِـي وَقُنُوعـي

وأما القانع الذي هو بـمعنى الـمكتفـي، فإنه من قَنِعْت به بكسر النون أقنع قناعة وقنعاً وقنعاناً. وأما الـمعترّ: فإنه الذي يأتـيك معترّاً بك لتعطيه وتطعمه.

وقوله:{ كَذلكَ سَخَّرْناها لَكُمْ} يقول هكذا سخرنا البدن لكم أيها الناس {لَعَلَّكُمْ تَشكُرونَ } يقول: لتشكرونـي علـى تسخيرها لكم.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ