انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحج

تفسير الطبريالآيات 37–52

تفسير سورة الحج آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الحج

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:03:54

  1. 1 الآيات 19–37في هذه الصفحة 15:38
  2. 2 الآيات 38–59في هذه الصفحة 15:16

التفسير الصوتي لسورة الحج كاملًا (4 مقاطع)

لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٣٧

يقول تعالـى ذكره: (لن) يصل إلـى الله لـحوم بدنكم ولا دماؤها، ولكن يناله اتقاؤكم إياه إن اتقـيتـموه فـيها فأردتـم بها وجهه وعملتـم فـيها بـما ندبكم إلـيه وأمركم به فـي أمرها وعظمتـم بها حرماته.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم، فـي قول الله:{ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُـحُومُها وَلا دِماؤُها وَلَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} قال: ما أريد به وجه الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُـحُومُها وَلا دِماؤُها وَلَكنْ يَنالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } قال: إن اتقـيت الله فـي هذه البُدن، وعملت فـيها لله، وطلبت ما قال الله تعظيـماً لشعائر الله ولـحرمات الله، فإنه قال:

{ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فإنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ } قال: { وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ } قال: وجعلته طيبـاً، فذلك الذي يتقبل الله. فأما اللـحوم والدماء، فمن أين تنال الله؟

وقوله:{ كَذلكَ سَخَّرَها لَكُمْ} يقول: هكذا سخر لكم البُدن{ لِتُكُبِّرُوا اللَّهَ عَلـى ما هَداكُمْ } يقول: كي تعظموا الله علـى ما هداكم، يعنـي علـى توفـيقه إياكم لدينه وللنسك فـي حجكم. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:{ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلـى ما هَداكُمْ} قال: علـى ذبحها فـي تلك الأيام.

{وَبَشِّرِ الـمُـحْسِنِـينَ } يقول: وبشِّر يا مـحمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا فـي طاعتهم إياه فـي الدنـيا بـالـجنة فـي الآخرة.

إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ۝٣٨

يقول تعالى ذكره: إن الله يدفع غائلة الـمشركين عن الذين آمنوا بـالله وبرسوله، إن الله لا يحبّ كلّ خوان يخون الله فـيخالف أمره ونهيه ويعصيه ويطيع الشيطان{ كَفُورٍ} يقول: جَحود لنعمه عنده، لا يعرف لـمنعمها حقه فـيشكره علـيها. وقـيـل: إنه عنـي بذلك دفع الله كفـار قريش عمن كان بـين أظهرهم من الـمؤمنـين قبل هجرتهم.

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ۝٣٩

يقول تعالـى ذكره: أَذن الله للـمؤمنـين الذين يقاتلون الـمشركين فـي سبـيـله بأن الـمشركين ظلـموهم بقتالهم.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة:{ أُذِنَ} بضم الألف،{ يُقاتَلُونَ } بفتـح التاء بترك تسمية الفـاعل فـي «أُذِنَ» و«يُقاتَلُون» جميعاً. وقرأ ذلك بعض الكوفـيـين وعامة قرّاء البصرة:{ أُذِنَ } بترك تسمية الفـاعل، و«يُقاتِلُونَ» بكسر التاء، بـمعنى يقاتل الـمأذون لهم فـي القتال الـمشركين. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين وبعض الـمكيـين: «أَذِنَ» بفتـح الألف، بـمعنى: أذن الله، و«يُقاتِلُونَ» بكسر التاء، بـمعنى: إن الذين أذن الله لهم بـالقتال يقاتلون الـمشركين. وهذه القراءات الثلاث متقاربـات الـمعنى لأن الذين قرءوا أُذِنَ علـى وجه ما لـم يسمّ فـاعله يرجع معناه فـي التأويـل إلـى معنى قراءة من قرأه علـى وجه ما سمي فـاعله. وإن من قرأ «يُقاتِلونَ ويُقاتَلُونَ» بـالكسر أو الفتـح، فقريب معنى أحدهما من معنى الآخر وذلك أن من قاتل إنسانا فـالذي قاتله له مقاتل، وكل واحد منهما مقاتل. فإذ كان ذلك كذلك فبأية هذه القراءات قرأ القاريء فمصيب الصواب.

غير أن أحبّ ذلك إلـيّ أن أقرأ به: «أَذِنَ» بفتـح الألف، بـمعنى: أذن الله، لقرب ذلك من قوله:

{ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } أذن الله فـي الذين لا يحبهم للذين يقاتلونهم بقتالهم، فـيردّ «أَذنَ» علـى قوله: { إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ }، وكذلك أحبّ القراءات إلـيّ فـي «يُقاتِلُونَ» كسر التاء، بـمعنى: الذين يقاتلون من قد أخبر الله عنهم أنه لا يحبهم، فـيكون الكلام متصلاً معنى بعضه ببعض.

وقد اختُلف فـي الذين عُنوا بـالإذن لهم بهذه الآية فـي القتال، فقال بعضهم: عنـي به: نبـيّ الله وأصحابه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ أُذِنَ للَّذِينَ يُقاتلُونَ بأنَّهُمْ ظُلِـمُوا وَإنَّ اللَّهَ عَلـى نَصْرِهمْ لَقَدِيرٌ} يعنـي مـحمداً وأصحابه إذا أُخرجوا من مكة إلـى الـمدينة يقول الله:{ فإنَّ اللَّهَ عَلـى نَصْرِهمْ لَقَدِيرٌ} وقد فعل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن مسلـم البطين، عن سعيد بن جُبـير، قال: لـما خرج النبـيّ صلى الله عليه وسلم من مكة، قال رجل: أخرجوا نبـيهم فنزلت:{ أُذِنَ للَّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنَّهُمْ ظُلِـمُوا}... الآية،

{ الَّذِينَ أخرِجُوا منْ دِيارِهمْ بغيرِ حقَ }النبـيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، عن سفـيان، عن الأعمش، عن مسلـم، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، قال: لـما خرج النبـيّ صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبـيهم، إنا لله وإنا إلـيه راجعون، لـيهلكُنَّ قال ابن عبـاس: فأنزل الله:{ أُذِنَ للَّذِينَ يَقاتَلونَ بأنَّهُمْ ظُلِـمُوا وَإنَّ اللَّهَ عَلـى نَصْرِهمْ لَقَدِيرٌ} قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال. وهي أوّل آية نزلت.

قال ابن داود: قال ابن إسحاق: كانوا يقرءون: «أُذِنَ» ونـحن نقرأ: «أَذِنَ».

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق، عن سفـيان، عن الأعمش، عن مسلـم، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، قال: لـما خرج النبـيّ صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نـحوه، إلا أنه قال: فقال أبو بكر: قد علـمت أنه يكون قتال. وإلـى هذا الـموضع انتهى حديثه، ولـم يزد علـيه.

حدثنـي مـحمد بن خـلف العسقلانـي، قال: ثنا مـحمد بن يوسف، قال: ثنا قـيس بن الربـيع، عن الأعمش، عن مسلـم، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، قال: لـما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، قال أبو بكر: إنا لله وإنا إلـيه راجعون، أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لـيهلكُنّ جميعاً فلـما نزلت:{ أُذِنَ للَّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنَّهُمْ ظُلِـمُوا}... إلـى قوله:

{ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بغَيْرِ حَقّ } عرف أبو بكر أنه سيكون قتال.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ أُذِنَ للَّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنَّهُمْ ظُلِـمُوا} قال: أذن لهم فـي قتالهم بعد ما عفـا عنهم عشر سنـين. وقرأ:

{ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بغَيْرِ حَقّ }وقال: هؤلاء الـمؤمنون.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بغَيْرِ حَقّ}.

وقال آخرون: بل عُنـي بهذه الآية قوم بأعيانهم كانوا خرجوا من دار الـحرب يريدون الهجرة، فُمِنُعوا من ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله:{ أُذِنَ للَّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنَّهُمْ ظُلِـمُوا} قال: أناس مؤمنون خرجوا مهاجرين من مكة إلـى الـمدينة، فكانوا يـمنعون، فأذن اللَّهِ للـمؤمنـين بقتال الكفـار، فقاتلوهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، فـي قوله:{ أُذِنَ للَّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنَّهُمْ ظُلِـمُوا} قال: ناس من الـمؤمنـين خرجوا مهاجرين من مكة إلـى الـمدينة، وكانوا يـمنعون، فأدركهم الكفـار، فأذن للـمؤمنـين بقتال الكفـار فقاتلوهم. قال ابن جُرَيج: يقول: أوّل قتال أذن الله به للـمؤمنـين.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: فـي حرف ابن مسعود: «أُذِنَ للَّذِينَ يُقاتَلُونَ فـي سَبِـيـلِ اللَّهِ» قال قَتادة: وهي أوّل آية نزلت فـي القتال، فأذن لهم أن يقاتلوا.

حدثنا الـحَسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، فـي قوله:{ أُذِنَ للَّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنَّهُمْ ظُلِـمُوا} قال: هي أوّل آية أنزلت فـي القتال، فأذن لهم أن يقاتلوا.

وقد كان بعضهم يزعم أَن الله إنـما قال: أذن للذين يقاتلون بـالقتال من أجل أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي قتل الكفـار إذَ آذوهم واشتدّوا علـيهم بـمكة قبل الهجرة غيـلة سرّا فأنزل الله فـي ذلك:

{ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } فَلَـمَّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلـى الـمدينة، أطلق لهم قتلهم وقتالهم، فقال:{ أُذِنَ للَّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنَّهُمْ ظُلِـمُوا}. وهذا قول ذكر عن الضحاك بن مزاحم من وجه غير ثبت.

وقوله:{ وَإنَّ اللَّهَ عَلـى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} يقول جلّ ثناؤه: وإن الله علـى نصر الـمؤمنـين الذين يقاتلون فـي سبـيـل الله لقادر، وقد نصرهم فأعزّهم ورفعهم وأهلك عدوّهم وأذلهم بأيديهم.

ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ۝٤٠

يقول تعالـى ذكره: أذن للذين يقاتلون {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ} ف «الذين» الثانـية ردّ علـى «الذين» الأولـى. وعنى بـالـمخرجين من دورهم: الـمؤمنـين الذين أخرجهم كفـار قريش من مكة. وكان إخراجهم إياهم من دورهم وتعذيبهم بعضهم علـى الإيـمان بـالله ورسوله، وسبّهم بعضهم بألسنتهم ووعيدهم إياهم، حتـى اضطرّوهم إلـى الـخروج عنهم. وكان فعلهم ذلك بهم بغير حقّ لأنهم كانوا علـى بـاطل والـمؤمنون علـى الـحقّ، فلذلك قال جلّ ثناؤه: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بغَيْرِ حَقّ}. وقوله:{ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ } يقول تعالـى ذكره: لـم يخرجوا من ديارهم إلا بقولهم: ربنا الله وحده لا شريك له ف «أنْ» فـي موضع خفض ردّاً علـى البـاء فـي قوله: {بِغَيْرِ حَقّ}، وقد يجوز أن تكون فـي موضع نصب علـى وجه الاستثناء.

وقوله:{ ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولولا دفع الله الـمشركين بـالـمسلـمين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله:{ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } دفع الـمشركين بـالـمسلـمين.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولولا القتال والـجهاد فـي سبـيـل الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهَ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} قال: لولا القتال والـجهاد.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولولا دفع الله بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن بعدهم من التابعين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا إبراهيـم بن سعيد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيـم، عن سيف بن عمرو، عن أبـي روق، عن ثابت بن عوسجة الـحضْرميّ، قال: ثني سبعة وعشرون من أصحاب علـيّ وعبد الله منهم لاحق ابن الأقمر، والعيزار بن جرول، وعطية القرظيّ، أن علـيًّا رضي الله عنه قال: إنـما أنزلت هذه الآية فـي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} لولا دفـاع الله بأصحاب مـحمد عن التابعين{ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبـيَعٌ}.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لولا أن الله يدفع بـمن أوجب قبول شهادته فـي الـحقوق تكون لبعض الناس علـى بعض عمن لا يجوز قبول شهادته وغيره، فأحيا بذلك مال هذا ويوقـي بسبب هذا إراقة دم هذا، وتركوا الـمظالـم من أجله، لتظالَـمَ النَّاسُ فُهدمت صوامع. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } يقول: دفع بعضهم بعضاً فـي الشهادة، وفـي الـحقّ، وفـيـما يكون من قبل هذا. يقول: لولاهم لأهلكت هذه الصوامع وما ذكر معها.

وأولى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه لولا دفـاعه الناس بعضهم ببعض، لهُدم ما ذكر، من دفعه تعالـى ذكره بعضَهم ببعض، كفِّه الـمشركين بـالـمسلـمين عن ذلك ومنه كفه ببعضهم التظالـم، كالسلطان الذي كفّ به رعيته عن التظالم بينهم ومنه كفُّه لـمن أجاز شهادته بـينهم ببعضهم عن الذهاب بحقّ من له قِبله حق، ونـحو ذلك. وكلّ ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض، لولا ذلك لتظالـموا، فهدم القاهرون صوامع الـمقهورين وبـيَعهم وما سمّى جلّ ثناؤه. ولـم يضع الله تعالـى دلالة فـي عقل علـى أنه عنـي من ذلك بعضاً دون بعض، ولا جاء بأن ذلك كذلك خبر يجب التسلـيـم له، فذلك علـى الظاهر والعموم علـى ما قد بـيَّنته قبل لعموم ظاهر ذلك جميع ما ذكرنا.

وقوله:{ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ } اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بـالصوامع، فقال بعضهم: عُنـي بها صوامع الرهبـان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رُفـيع فـي هذه الآية:{ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ } قال: صوامع الرهبـان.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} قال: صوامع الرهبـان.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد:{ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} قال: صوامع الرهبـان.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} قال: صوامع الرهبـان.

حُدثت عن الـحسين، قال: ثنا سمعت أبـا معاذ، يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول: فـي قوله:{ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} وهي صوامع الصغار يبنونها.

وقال آخرون: بل هي صوامع الصابئين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ صَوَامِعُ} قال: هي للصابئين.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {لَهُدّمَتْ}. فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة: «لَهُدِمَتْ» خفـيفة. وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة والبصرة:{ لَهُدّمَتْ} بـالتشديد بـمعنى تكرير الهدم فـيها مرّة بعد مرّة. والتشديد فـي ذلك أعجب القراءتـين إلـيّ. لأن ذلك من أفعال أهل الكفر بذلك.

وأما قوله {وَبِـيَعٌ} فإنه يعنـي بها: بـيع النصارى.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي ذلك، فقال بعضهم مثل الذي قلنا فـي ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن رُفـيع: {وَبِـيَعٌ} قال: بـيع النصارى.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: {وَبِـيَعٌ } للنصارى.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول: البِـيَعُ: بـيع النصارى.

وقال آخرون: عُنـي بـالبـيع فـي هذا الـموضع: كنائس الـيهود. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: {وَبِـيَعٌ} قال: وكنائس.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

وحدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ وَبِـيَعٌ } قال: البِـيَعُ الكنائس.

قوله:{ وَصَلَوَاتٌ} اختلف أهل التأويـل فـي معناه، فقال بعضهم: عنـي بـالصلوات الكنائس. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد ابن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ وَصَلَوَاتٌ} قال: يعنـي بـالصلوات الكنائس.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ وَصَلَوَاتٌ}: كنائس الـيهود، ويسمون الكنـيسة صَلُوتَا.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: وَصَلَوَاتٌ كنائس الـيهود.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

وقال آخرون: عنـي بـالصلوات مساجد الصابئين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، قال: سألت أبـا العالـية عن الصلوات، قال: هي مساجد الصابئين.

قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رُفـيع، نـحوه.

وقال آخرون: هي مساجد للـمسلـمين ولأهل الكتاب بـالطرق. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ وَصَلَوَاتٌ} قال: مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بـالطرق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، نـحوه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَصَلَوَاتٌ} قال: الصلوات صلوات أهل الإسلام، تنقطع إذا دخل العدوّ عليهم، انقطعت العبـادة، والـمساجد تهدم، كما صنع بختنصر.

وقوله:{ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِـيها اسْمُ اللَّهِ كَثِـيراً} اختلف فـي الـمساجد التـي أريدت بهذا القول، فقال بعضهم: أريد بذلك مساجد الـمسلـمين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رُفـيع، قوله:{ وَمَساجِدُ} قال: مساجد الـمسلـمين.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، قال: ثنا معمر، عن قَتادة:{ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِـيها اسْمُ اللَّهِ كَثِـيراً} قال: الـمساجد: مساجد الـمسلـمين يذكر فـيها اسم الله كثـيراً.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، نـحوه.

وقال آخرون: عنـي بقوله: {وَمَساجِدُ}: الصوامع والبـيع والصلوات. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله:{ وَمَساجِدُ} يقول فـي كلّ هذا يذكر اسم الله كثـيرا، ولـم يخصّ الـمساجد.

وكان بعض أهل العربـية من أهل البصرة يقول: الصلوات لا تهدم، ولكن حمله علـى فعل آخر، كأنه قال: وتركت صلوات. وقال بعضهم: إنـما يعنـي: مواضع الصلوات. وقال بعضهم: إنـما هي صلوات، وهي كنائس الـيهود، تُدعى بـالعبرانـية: صَلُوتَا.

وأولـى هذه الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: لهدمت صوامع الرهبـان وبِـيعَ النصارى، وصلوات الـيهود، وهي كنائسهم، ومساجد الـمسلـمين التـي يذكر فـيها اسم الله كثـيراً.

وإنـما قلنا هذا القول أولـى بتأويـل ذلك لأن ذلك هو الـمعروف فـي كلام العرب الـمستفـيض فـيهم، وما خالفه من القول وإن كان له وجه فغير مستعمل فـيـما وجهه إلـيه مَنْ وجهه إلـيه.

وقوله:{ وَلَـيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} يقول تعالـى ذكره: ولـيعيننّ الله من يقاتل فـي سبـيـله، لتكون كلـمته العلـيا علـى عدوّه فَنْصُر الله عبده: معونته إياه، ونَصْرُ العبد ربه: جهاده فـي سبـيـله، لتكون كلـمته العلـيا.

وقوله:{ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } يقول تعالـى ذكره: إن الله لقويّ علـى نصر من جاهد فـي سبـيـله من أهل ولايته وطاعته، عزيز فـي مُلكه، يقول: منـيع فـي سلطانه، لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب.

ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ ۝٤١

يقول تعالـى ذكره: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلـموا، الذين إن مكَّناهم فـي الأرض أقاموا الصلاة. و«الذين» ها هنا ردّ علـى «الذين يقاتلون». ويعنـي بقوله: {إنْ مَكَنَّاهُمْ فِـي الأرْضِ} إن وَطَّنَّا لهم فـي البلاد، فقهروا الـمشركين وغلبوهم علـيها، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول: إن نصرناهم علـى أعدائهم وقهروا مشركي مكة، أطاعوا الله، فأقاموا الصلاة بحدودها {وآتَوُا الزَّكَاةَ} يقول: وأعطوا زكاة أموالهم مَنْ جعلها الله له.{ وأمَرُوا بـالـمَعْرُوفِ } يقول: ودعوا الناس إلـى توحيد الله والعمل بطاعته وما يعرفه أهل الإيـمان بـالله.{ وَنَهَوْا عَنِ الـمُنْكَرِ } يقول: ونهوا عن الشرك بـالله والعمل بـمعاصيه، الذي ينكره أهل الـحقّ والإيـمان بـالله. {ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ } يقول: ولله آخر أمور الـخـلق، يعنـي: أنّ إلـيه مصيرها فـي الثواب علـيها والعقاب فـي الدار الآخرة.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسين الأشيب، قال: ثنا أبو جعفر عيسى بن ماهان، الذي يقال له الرازيّ، عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية، فـي قوله:{ الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِـي الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بـالـمَعْرُوف ونَهَوْا عَنِ الـمُنْكَرِ} قال: كان أمرهم بـالـمعروف أنهم دعوا إلـى الإخلاص لله وحده لا شريك له ونهيهم عن الـمنكر أنهم نهوا عن عبـادة الأوثان وعبـادة الشيطان. قال: فمن دعا إلـى الله من الناس كلهم فقد أمر بـالـمعروف، ومن نهى عن عبـادة الأوثان وعبـادة الشيطان فقد نهى عن الـمنكر.

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ ۝٤٢ وَقَوْمُ إِبْرَٰهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ۝٤٣ وَأَصْحَٰبُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ۝٤٤

يقول تعالى ذكره مسلـياً نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما يناله من أذى الـمشركين بـالله، وحاضًّا له علـى الصبر علـى ما يـلحقه منهم من السبّ والتكذيب. وإن يكذّبك يا مـحمد هؤلاء الـمشركون بـالله علـى ما أتـيتهم به من الـحقّ والبرهان، وما تَعِدُهم من العذاب علـى كفرهم بـالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمـم الـخالـية الـمكذّبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم مِن قبلهم، فلا يصدّنك ذلك، فإن العذاب الـمهين من ورائهم ونصري إياك وأتبـاعك علـيهم آتـيهم من وراء ذلك، كما أتـى عذابـي علـى أسلافهم من الأمـم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلـى بلوغ الآجال. {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} يعنـي مشركي قريش قوم نوح، وقوم عاد وثمود، وقوم إبراهيـم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وهم قوم شعيب. يقول: كذب كلّ هؤلاء رسلهم. {وكُذِّبَ مُوسَى} فقـيـل:{ وكذب موسى} ولـم يقل: «وقوم موسى»، لأن قوم موسى بنو إسرائيـل، وكانت قد استـجابت له ولـم تكذّبه، وإنـما كذّبه فرعون وقومه من القبط. وقد قـيـل: إنـما قـيـل ذلك كذلك لأنه ولد فـيهم كما ولد فـي أهل مكة.

وقوله:{ فَأمْلَـيْتُ للْكافِرِينَ} يقول: فأمهلت لأهل الكفر بـالله من هذه الأمـم، فلـم أعاجلهم بـالنقمة والعذاب. {ثُمَّ أخَذْتُهُمْ } يقول: ثم أحللت بهم العقاب بعد الإملاء {فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ } يقول: فـانظر يا مـحمد كيف كان تغيـيري ما كان بهم من نعمة وتنكري لهم عما كنت علـيه من الإحسان إلـيهم، ألـم أبدلهم بـالكثرة قلة وبـالـحياة موتاً وهلاكاً وبـالعمارة خرابـاً؟ يقول: فكذلك فعلـي بـمكذّبـيك من قريش، وإن أملـيت لهم إلـى آجالهم، فإنـي مُنْـجِزك وعدي فـيهم كما أنـجزت غيرك من رسلـي وعدي فـي أمـمهم، فأهلكناهم وأنـجيتهم من بـين أظهرهم.

فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ۝٤٥

يقول تعالـى ذكره: وكم يا مـحمد من قرية أهلكت أهلها وهم ظالـمون يقول: وهم يعبدون غير من ينبغي أن يعبد، ويعصون من لا ينبغي لهم أن يعصوه. وقوله: {فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلـى عُرُوشِها} يقول: فبـاد أهلها وخـلت، وخوت من سكانها، فخربت وتداعت، وتساقطت علـى عروشها يعنـي علـى بنائها وسقوفها. كما:

حدثنا أبو هشام الرفـاعيّ، قال: ثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك:{ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلـى عُرُوشِها} قال: خَواؤها: خرابها، وعروشها: سقوفها.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة:{ خاوِيَةٌ} قال: خربة لـيس فـيها أحد.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة. مثله.

وقوله:{ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ } يقول تعالـى: فكأين من قرية أهلكناها، ومن بئر عطلناها، بإفناء أهلها وهلاك وارديها، فـاندفنت وتعطلت، فلا واردة لها ولا شاربة منها. {وَ} مِنْ{ قَصْرٍ مَشِيدٍ } رفـيع بـالصخور والـجصّ، قد خلا من سكانه، بـما أذقنا أهله من عذابنا بسوء فعالهم، فبـادوا وبقـي قصورهم الـمشيدة خالـية منهم. والبئر والقصر مخفوضان بـالعطف علـى «القرية». وكان بعض نـحويِّـي الكوفة يقول: هما معطوفـان علـى «العروش» بـالعطف علـيها خفضاً، وإن لـم يحسن فـيهما، علـى أن العروش أعالـي البـيوت والبئر فـي الأرض، وكذلك القصر لأن القرية لـم تـخو علـى القصر، ولكنه أتبع بعضه بعضاً كما قال:

{ وَحُورٌ عِينٌ كأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ }فمعنى الكلام علـى ما قال هذا الذي ذكرنا قوله فـي ذلك: فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالـمة، فهي خاوية علـى عروشها، ولها بئر معطلة وقصر مشيد ولكن لـما لـم يكن مع البئر رافع ولا عامل فـيها، أتبعها فـي الإعراب «العروش»، والـمعنى ما وصفتُ.

وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله:{ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخُراسانـيّ، عن ابن عبـاس: {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ }قال: التـي قد تُرِكت. وقال غيره: لا أهل لها.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة:{ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ }قال: عطلها أهلها، تركوها.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ }قال: لا أهل لها.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى قوله:{ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ } فقال بعضهم: معناه: وقصر مُـجَصَّص. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مطر بن مـحمد الضبـي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: ثنا سفـيان، عن هلال بن خَبّـاب عن عكرِمة، فـي قوله: {وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} قال: مـجصَّص.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن سفـيان، عن هلال بن خبـاب، عن عكرِمة، مثله.

حدثنـي مـحمد بن إسماعيـل الأحمسي، قال: ثنـي غالب بن فـائد، قال: ثنا سفـيان، عن هلال بن خبـاب عن عكرِمة، مثله.

حدثنـي الـحسين بن مـحمد العنقزي، قال: ثنـي أبـي، عن أسبـاط، عن السديّ، عن عكرمة، فـي قوله: {وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} قال: مـجصص.

حدثنـي مطر بن مـحمد، قال: ثنا كثـير بن هشام، قال: ثنا جعفر بن برقان، قال: كنت أمشي مع عكرِمة، فرأى حائط آجرّ مُصَهْرج، فوضع يده علـيه وقال: هذا الـمشيد الذي قال الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عبـاد بن العوامّ، عن هلال بن خبـاب، عن عكرمة:{ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ } قال: الـمـجصص. قال عكرِمة: والـجصّ بـالـمدينة يسمى الشيِّد.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} قال: بـالقِصَّة أو الفضة.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ } قال: بـالقصّة يعنـي بـالـجصّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، عن عطاء، فـي قوله:{ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ } قال: مـجصص.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن هلال بن خبـاب، عن سعيد بن جُبـير، فـي قوله:{ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ } قال: مُـجَصَّص. هكذا هو فـي كتابـي عن سعيد بن جُبـير.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقصر رفـيع طويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: {وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} قال: كان أهله شيَّدوه وحصَّنوه، فهلكوا وتركوه.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عُبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} يقول: طويـل.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب: قول من قال: عنـي بـالـمشيد الـمـجصَّص، وذلك أن الشيِّد فـي كلام العرب هو الـجصّ بعينه ومنه قول الراجز:

كحَبَّةِ الـمَاءِ بـينَ الطيّ والشِّيدِ

فـالـمشيد: إنـما هو مفعول من الشِّيد ومنه قول امرىء القـيس:

وتَـيْـماءَ لَـمْ يَتْرُكْ بِها جِذْعَ نَـخْـلَةٍ وَلا أُطُما إلاَّ مَشِيدا بِجَنْدَلِ

يعنـي بذلك: إلا بـالبناء بـالشيد والـجندل. وقد يجوز أن يكون معنـيًّا بـالـمشيد: الـمرفوع بناؤه بـالشِّيدِ، فـيكون الذين قالوا: عنـي بـالـمشيد الطويـل نَـحَوْا بذلك إلـى هذا التأويـل ومنه قول عديّ بن زيد:

شادَهُ مَرْمَرا وَجَلَّلَهُ كِلْ ساً فللطَّيْرِ فِـي ذُرَاهُ وُكُورُ

وقد تأوّله بعض أهل العلـم بلغات العرب بـمعنى الـمزين بـالشيد من شدته أشيده: إذا زيَّنته به، وذلك شبـيه بـمعنى من قال مُـجَصَّص.

أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَٰرُ وَلَٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ ۝٤٦

يقول تعالـى ذكره: أفلـم يسيروا هؤلاء الـمكذّبون بآيات الله والـجاحدون قدرته فـي البلاد، فـينظروا إلـى مصارع ضربـائهم من مكذّبـي رسل الله الذين خـلوْا من قبلهم، كعاد وثمود وقوم لوط وشعيب، وأوطانهم ومساكنهم، فـيتفكرَّوا فـيها ويعتبروا بها ويعلـموا بتدبرهم أمرها وأمر أهلها سنةَ الله فـيـمن كفر وعبد غيره وكذّب رسله، فـينـيبوا من عتوّهم وكفرهم، ويكون لهم إذا تدبروا ذلك واعتبروا به وأنابوا إلـى الـحقّ{ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها} حجج الله علـى خـلقه وقدرته علـى ما بـيَّنا،{ أو آذانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } يقول: أو آذان تصغي لسماع الـحقّ فتعي ذلك وتـميز بـينه وبـين البـاطل. وقوله:{ فإنَّها لا تَعْمَى الأبْصارُ} يقول: فإنها لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص ويروها، بل يبصرون ذلك بأبصارهم ولكن تعمى قلوبهم التـي فـي صدورهم عن أنصار الـحقّ ومعرفته. والهاء فـي قوله: فإنَّها لا تَعْمَى هاء عماد، كقول القائل: إنه عبد الله قائم. وقد ذُكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله: «فإنَّه لا تَعْمَى الأبْصَارُ». وقـيـل:{ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التـي فـي الصُّدُورِ } والقلوب لا تكون إلا فـي الصدور، توكيداً للكلام، كما قـيـل:

{ يَقُولُون بأفْوَاهِهِمْ مَا لَـيْسَ فِـي قُلُوبِهِمْ }}.

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ۝٤٧

يقول تعالى ذكره: ويستعجلونك يا مـحمد مشركو قومك بـما تَعِدهم من عذاب الله علـى شركهم به وتكذيبهم إياك فـيـما أتـيتهم به من عند الله فـي الدنـيا، ولن يخـلف الله وعده الذي وعدك فـيهم من إحلال عذابه ونقمته بهم فـي عاجل الدنـيا. ففعل ذلك، ووفـى لهم بـما وعدهم، فقتلهم يوم بدر.

واختلف أهل التأويـل فـي الـيوم الذي قال جلّ ثناؤه:{ وَإنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِـمَّا تَعُدُّونَ } أيّ يوم هو؟ فقال بعضهم: هو من الأيام التـي خـلق الله فـيها السموات والأرض. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيـل، عن سِماك، عن عكرِمة، عن ابن عبـاس:{ وَإنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِـمَّا تَعُدُّونَ } قال: من الأيام التـي خـلق الله فـيها السموات والأرض.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، فـي قوله:{ وَإنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ}... الآية، قال: هي مثل قوله فـي «الـم تَنْزِيـلُ» سواء، هو هو الآية.

وقال آخرون: بل هو من أيام الآخرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن سماك، عن عكرِمة، عن ابن عبـاس، قال: مقدار الـحساب يوم القـيامة ألف سنة.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، قال: ثنا سعيد الـجريريّ، عن أبـي نَضْرة عن سمير بن نهار، قال: قال أبو هريرة: يدخـل فقراء الـمسلـمين الـجنة قبل الأغنـياء بـمقدار نصف يوم. قلت: وما نصف يوم؟ قال: أو ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلـى. قال:{ وَإنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِـمَّا تَعُدُّونَ}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنـي عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبـي بشر، عن مـجاهد: {وَإنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كألْفِ سَنَة } قال: من أيام الآخرة.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، أنه قال فـي هذه الآية:{ وَإنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِـمَّا تَعُدُّونَ } قال: هذه أيام الآخرة. وفـي قوله:

{ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَـيْهِ فِـي يَوْمٍ كانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة مِـمَّا تَعُدُّونَ } } قال: يوم القـيامة وقرأ: { إنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيبـاً }

وقد اختلف فـي وجه صرف الكلام من الـخبر عن استعجال الذين استعجلوا العذاب إلـى الـخبر عن طول الـيوم عند الله، فقال بعضهم: إن القوم استعجلوا العذاب فـي الدنـيا، فأنزل الله: {وَلَنْ يُخْـلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} فـي أن ينزل ما وعدهم من العذاب فـي الدنـيا، وإن يوماً عند ربك من عذابهم فـي الدنـيا والآخرة كألف سنة مـما تعدّون فـي الدنـيا.

وقال آخرون: قـيـل ذلك كذلك إعلاماً من الله مستعجلـيه العذاب أنه لا يعجل، ولكنه يُـمْهل إلـى أجل أجّله، وأن البطيء عندهم قريب عنده، فقال لهم: مقدار الـيوم عندي ألف سنة مـما تعدّونه أنتـم أيها القوم من أيامكم، وهو عندكم بطيء وهو عندي قريب.

وقال آخرون: معنى ذلك: وإن يوماً من الثقل وما يخاف كألف سنة.

والقول الثانـي عندي أشبه بـالـحقّ فـي ذلك وذلك أن الله تعالـى ذكره أخبر عن استعجال الـمشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالعذاب، ثم أخبر عن مبلغ قدر الـيوم عنده، ثم أتبع ذلك قوله:

{ وكأيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أمْلَـيْتُ لَهَا وَهِيَ ظالِـمَةٌ }فأخبر عن إملائه أهل القرية الظالـمة وتركه معاجلتهم بـالعذاب، فبـين بذلك أنه عنى بقوله:{ وَإنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِـمَّا تَعُدُّونَ } نفـي العجلة عن نفسه ووصفها بـالأناة والانتظار. وإذ كان ذلك كذلك، كان تأويـل الكلام: وإن يوما من الآيام التـي عند الله يوم القـيامة، يوم واحد كألف سنة من عددكم، ولـيس ذلك عنده ببعيد وهو عندكم بعيد فلذلك لا يعجل بعقوبة من أراد عقوبته حتـى يبلغ غاية مدّته.

وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ ۝٤٨

يقول تعالى ذكره:{ وكأيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أمْلَـيْتُ لَهَا } يقول: أمهلتهم وأخَّرت عذابهم، وهم بـالله مشركون ولأمره مخالفون وذلك كان ظلـمهم الذي وصفهم الله به جلّ ثناؤه فلـم أعجَلْ بعذابهم.{ ثُمَّ أخَذْتُها } يقول: ثم أخذتها بـالعذاب، فعذّبتها فـي الدنـيا بإحلال عقوبتنا بهم.{ وإلـيَّ الـمَصِيرُ} يقول: وإلـيّ مصيرهم أيضاً بعد هلاكهم، فـيـلقون من العذاب حينئذ ما لا انقطاع له يقول تعالـى ذكره: فكذلك حال مستعجلـيك بـالعذاب من مشركي قومك، وإن أملـيت لهم إلـى آجالهم التـي أجلتها لهم، فإنـي آخِذُهم بـالعذاب فقاتِلُهم بـالسيف ثم إلـيّ مصيرهم بعد ذلك فموجعهم إذن عقوبة علـى ما قدّموا من آثامهم.

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٤٩ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ۝٥٠ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا۟ فِىٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ۝٥١

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لـمشركي قومك الذين يجادلونك فـي الله بغير علـم، اتبـاعاً منهم لكل شيطان مريد:{ يا أيها النَّاسُ إنَّـمَا أنا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِـينٌ } أنذركم عقاب الله أن ينزل بكم فـي الدنـيا وعذابه فـي الآخرة أن تَصْلَوْه{ مُبِـينٌ } يقول: أبـين لكم إنذاري ذلك وأظهره لتنـيبوا من شرككم وتـحذروا ما أنذركم من ذلك لا أملك لكم غير ذلك، فأما تعجيـل العقاب وتأخيره الذي تستعجلوننـي به فإلـى الله، لـيس ذلك إلـيّ ولا أقدر علـيه. ثم وصف نذارته وبشارته، ولـم يجر للبشارة ذكر، ولـما ذُكِرت النذارة علـى عمل عُلـم أن البشارة علـى خلافه، فقال:{ والَّذِينَ آمَنُوا} بـالله ورسوله {وعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ } منكم أيها الناس ومن غيركم،{ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} يقول: لهم من الله ستر ذنوبهم التـي سلفت منهم فـي الدنـيا علـيهم فـي الآخرة. {وَرِزْقٌ كَرِيـمٌ} يقول: ورزق حسن فـي الـجنة كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، قوله:{ فـالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيـمٌ } قال: الـجنة.

وقوله: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِـي آياتِنا مُعاجِزِينَ } يقول: والذين عملوا فـي حججنا فصدّوا عن اتبـاع رسولنا والإقرار بكتابنا الذي أنزلناه. وقال {فـي آياتَنِا } فأدخـلت فـيه «فـي» كما يقال: سعى فلان فـي أمر فلان.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله:{ مُعاجِزِينَ } فقال بعضهم: معناه: مُشَاقِّـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن عثمان بن عطاء، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، أنه قرأها: {مُعاجِزِينَ} فـي كلّ القرآن، يعنـي بألف، وقال: مشاقّـين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر علـيهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة:{ فـي آياتِنا مُعاجِزينَ} قال: كذّبوا بآيات الله فظنوا أنهم يُعْجزون الله، ولن يعجزوه.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

وهذان الوجهان من التأويـل فـي ذلك علـى قراءة من قرأه: فِـي آياتِنا مُعاجِزِينَ بـالألف، وهي قراءة عامة قرّاء الـمدينة والكوفة. وأما بعض قرّاء أهل مكة والبصرة فإنه قرأه: «مُعَجِّزِينَ» بتشديد الـجيـم، بغير ألف، بـمعنى أنهم عجَّزوا الناس وثَبَّطوهم عن اتبـاع رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيـمان بـالقرآن. ذكر من قال ذلك كذلك من قراءته:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ مُعَجِّزِينَ } قال: مُبَطِّئين، يبطَئون الناس عن اتبـاع النبـيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جَرَيج، عن مـجاهد، مثله.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، متقاربتا الـمعنى وذلك أن من عجز عن آيات الله فقد عاجز الله، ومن معاجزة الله التعجيز عن آيات الله والعمل بـمعاصيه وخلاف أمره. وكان من صفة القوم الذين أنزل الله هذه الآيات فـيهم أنهم كانوا يبطئون الناس عن الإيـمان بـالله واتبـاع رسوله ويغالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحسبون أنهم يُعْجزونه ويغلبونه، وقد ضمن الله له نصره علـيهم، فكان ذلك معاجزتهم الله. فإذ كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتـين قرأ القارىء فمصيب الصواب فـي ذلك.

وأما الـمعاجزة فإنها الـمفـاعلة من العجز، ومعناه: مغالبة اثنـين أحدهما صاحبه أيهما يعجزه فـيغلبه الآخر ويقهره.

وأما التعجيز: فإنه التضعيف وهو التفعيـل من العجز. وقوله:{ أُولَئِكَ أصْحابُ الـجَحِيـمِ } يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم هم سكان جهنـم يوم القـيامة وأهلها الذين هم أهلها.

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝٥٢

قـيـل: إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الشيطان كان ألقـى علـى لسانه فـي بعض ما يتلوه مـما أنزل الله علـيه من القرآن ما لـم ينزله الله علـيه، فـاشتدّ ذلك علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم واغتـمّ به، فسلاّه الله مـما به من ذلك بهذه الآيات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن أبـي معشر، عن محمد بن كعب القُرَظيّ ومـحمد بن قـيس قالا: «جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي ناد من أندية قريش كثـير أهله، فتـمنى يومئذ أن لا يأتـيه من الله شيء فـينفروا عنه، فأنزل الله علـيه:

{ والنَّـجْمِ إذَا هَوَى ما ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَما غَوَى } فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتـى إذا بلغ: { أفَرأيْتُـمُ اللاَّتَ والعُزَّى وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرَى } ألقـى علـيه الشيطان كلـمتـين: «تلك الغرانقة العُلَـى، وإن شفـاعتهنّ لتُرْجَى»، فتكلـم بها. ثم مضى فقرأ السورة كلها. فسجد فـي آخر السورة، وسجد القوم جميعاً معه، ورفع الولـيد بن الـمغيرة ترابـاً إلـى جبهته فسجد علـيه، وكان شيخا كبـيرا لا يقدر علـى السجود. فرضُوا بـما تكلـم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيـي ويـميت وهو الذي يخـلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، إذ جعلت لها نصيبـا، فنـحن معك قالا: فلـما أمسى أتاه جبرائيـل علـيهما السلام فعرض علـيه السورة فلـما بلغ الكلـمتـين اللتـين ألقـى الشيطان علـيه قال: ما جئتك بهاتـين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:افْتَرَيْتُ عَلـى اللَّهِ وقُلْتُ عَلـى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْ فأوحى الله إلـيه: { وَإنْ كادُوا لَـيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَـيْكَ، لِتَفْتَرِيَ عَلَـيْنا غَيْرَهُ... } إلـى قوله: { ثُمَّ لا تَـجِدُ لَكَ عَلَـيْنا نَصِيراً }. فما زال مغموماً مهموماً حتـى نزلت علـيه:{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِـيَ إلاَّ إذَا تَـمَنَّى ألْقَـى الشَّيْطانُ فِـي أُمْنِـيَّتهِ فَـيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُـلْقِـي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلـيـمٌ حَكِيـمٌ}. قال: فسمع من كان من الـمهاجرين بأرض الـحبشة أن أهل مكة قد أسلـموا كلهم، فرجعوا إلـى عشائرهم وقالوا: هم أحبّ إلـينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقـى الشيطان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد الـمدنـيّ، عن مـحمد بن كعب القُرظيّ قال: لـما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولِّـيَ قومه عنه، وشقّ علـيه ما يرى من مبـاعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تـمنى فـي نفسه أن يأتـيه من الله ما يقارب به بـينه وبـين قومه. وكان يسرّه، مع حبه وحرصه علـيهم، أن يـلـين له بعض ما غلُظَ علـيه من أمرهم، حين حدّث بذلك نفسه وتـمنى وأحبه، فأنزل الله:

{ والنَّـجْمِ إذَا هَوَى ما ضَلَّ صَاحبُكُمْ وَما غَوَى } فلـما انتهى إلـى قول الله: { أفَرأيْتُـمُ اللاَّتَ والعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى } ألقـى الشيطان علـى لسانه، لـما كان يحدّث به نفسه ويتـمنى أن يأتـي به قومه: «تلك الغرانـيق العلَـى، وإن شفـاعتهن تُرْتَضى». فلـما سمعت ذلك قريش فرحوا وسرّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والـمؤمنون مصدّقون نبـيهم فـيـما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه علـى خط ولا وَهَم ولا زلل. فلـما انتهى إلـى السجدة منها وختـم السورة، سجد فـيها، فسجد الـمسلـمون بسجود نبـيهم، تصديقاً لـما جاء به واتبـاعاً لأمره، وسجد من فـي الـمسجد من الـمشركين من قريش وغيرهم لـما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلـم يبق فـي الـمسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الولـيد بن الـمغيرة، فإنه كان شيخاً كبـيراً فلـم يستطع، فأخذ بـيده حفنة من البطحاء فسجد علـيها. ثم تفرّق الناس من الـمسجد، وخرجت قريش وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر مـحمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقد زعم فـيـما يتلو أنها الغرانـيق العُلَـي وأن شفـاعتهنّ ترتضى وبلغت السجدة من بأرض الـحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقـيـل: أسلـمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتـخـلَّف آخرون. وأتـى جبرائيـل النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا مـحمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت علـى الناس ما لـم آتك به عن الله، وقلت ما لـم يُقَلْ لك فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، وخاف من الله خوفـاً كبـيراً، فأنزل الله تبـارك وتعالـى علـيه {وكانَ بِهِ رَحِيـماً} يعزّيه ويخفِّض علـيه الأمر ويخبره أنه لـم يكن قبله رسول ولا نبـيّ تـمنى كما تـمنى ولا أحبّ كما أحبّ إلا والشيطان قد ألقـى فـي أمنـيته كما ألقـى علـى لسانه صلى الله عليه وسلم، فنسخ الله ما ألقـى الشيطان وأحكم آياته، أي فأنت كبعض الأنبـياء والرسل فأنزل الله:{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَـيّ إلاَّ إذَا تَـمَنَّى ألْقَـى الشَّيْطانُ فِـي أُمِنـيَّتِهِ}... الآية. فأذهب الله عن نبـيه الـحزن، وأمنه من الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقـى الشيطان علـى لسانه من ذكر آلهتهم أَنهّا الغرانـيق العُلَـى وأن شفـاعتهنّ ترتضى. يقول الله حين ذكر اللات والعُزّى ومناة الثالثة الأخرى، إلـى قوله: { وكَمْ منْ مَلَكٍ فِـي السَّمَوَاتِ لا تُغْنى شَفـاعَتُهُمْ شَيْئاً إلاَّ مِنْ بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهِ لـمَنْ يَشاءُ وَيَرْضَى }، أي فكيف تنفع شفـاعة آلهتكم عنده. فلـما جاءه من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقـى علـى لسان نبـيه، قالت قريش: ندم مـحمد علـى ما كان من منزلة آلهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره وكان ذلك الـحرفـان اللذان ألقـى الشيطان علـى لسان رسوله قد وقعا فـي فم كل مشرك، فـازدادوا شرّا إلـى ما كانوا علـيه.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، قال: سمعت داود، عن أبـي العالـية، قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنـما جلساؤك عبد بنـي فلان ومولـى بنـي فلان، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك، فإنه يأتـيك أشراف العرب فإذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فـيك قال: فألقـى الشيطان فـي أمنـيته، فنزلت هذه الآية:

{ أفَرأيْتُـمُ اللاَّتَ والعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى } قال: فأجرى الشيطان علـى لسانه: «تلك الغرانـيق العُلَـى، وشفـاعتهن ترجى، مثلهن لا يُنسى». قال: فسجد النبـيّ صلى الله عليه وسلم حين قرأها، وسجد معه الـمسلـمون والـمشركون. فلـما علـم الذي أُجْرِي علـى لسانه، كبر ذلك علـيه، فأنزل الله:{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَـيّ إلاَّ إذَا تَـمَنَّى ألْقَـى الشَّيْطانُ فِـي أُمْنِـيَّتِهِ}... إلـى قوله:{ وَاللَّهُ عَلِـيـمٌ حَكِيـمٌ}.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو الولـيد، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن داود بن أبـي هند، عن أبـي العالـية قال: قالت قريش: يا مـحمد إنـما يجالسك الفقراء والـمساكين وضعفـاء الناس، فلو ذكرت آلهتنا بخير لـجالسناك فإن الناس يأتونك من الآفـاق فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النـجم فلـما انتهى علـى هذه الآية:

{ أفَرأيْتُـمُ اللاَّتَ والعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى }فألقـى الشيطان علـى لسانه: «وهي الغرانقة العلـى، وشفـاعتهن ترتـجى». فلـما فرغ منها سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمسلـمون والـمشركون، إلا أبـا أُحَيحة سعيد بن العاص، أخذ كفًّـا من تراب وسجد علـيه وقال: قد آن لابن أبـي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير حتـى بلغ الذين بـالـحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الـمسلـمين أن قريشا قد أسلـمت، فـاشتدّ علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ألقـى الشيطان علـى لسانه، فأنزل الله:{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَـيّ}... إلـى آخر الآية.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جُبـير، قال: لـما نزلت هذه الآية:

{ أفَرأيْتُـمُ اللاَّتَ والعُزَّى } قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «تلك الغرانـيق العلـى، وإن شفـاعتهنّ لترتـجى». فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الـمشركون: إنه لـم يذكر آلهتكم قبل الـيوم بخير فسجد الـمشركون معه، فأنزل الله:{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَـيّ إلاَّ إذَا تَـمَنَّى ألْقَـى الشَّيْطانُ فِـي أُمْنِـيَّتِهِ}... إلـى قوله: {عَذَابَ يَوْمٍ عَقِـيـم}.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنـي عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبـير قال: لـما نزلت:

{ أفَرأيْتُـمُ اللاَّتَ والعُزَّى }، ثم ذكر نـحوه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَـيّ إلاَّ إذَا تَـمَنَّى ألْقَـى الشَّيْطانُ فِـي أُمْنِـيَّتِهِ } إلـى قوله:{ وَاللَّهُ عَلِـيـمٌ حَكِيـمٌ } وذلك أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم بـينـما هو يصلـي، إذ نزلت علـيه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها فسمعه الـمشركون فقالوا: إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير فدنَوا منه، فبـينـما هو يتلوها وهو يقول:

{ أفَرأيْتُـمُ اللاَّتَ والعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى } ألقـى الشيطان: «إن تلك الغرانـيق العلـى، منها الشفـاعة ترتـجى». فجعل يتلوها، فنزل جبرائيـل علـيه السلام فنسخها، ثم قال له:{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَـيّ إلاَّ إذَا تَـمَنَّى ألْقَـى الشَّيْطانُ فِـي أُمْنِـيَّتِهِ}... إلـى قوله:{ وَاللَّهُ عَلِـيـمٌ حَكِيـمٌ}.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَـيَ}... الآية أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم وهو بـمكة، أنزل الله علـيه فـي آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزّى ويكثر ترديدها. فسمع أهل مكة نبـيّ الله يذكر آلهتهم، ففرحوا بذلك، ودنوا يستـمعون، فألقـى الشيطان فـي تلاوة النبـيّ صلى الله عليه وسلم: «تلك الغرانـيق العلـى، منها الشفـاعة ترتـجى». فقرأها النبـيّ صلى الله عليه وسلم كذلك، فأنزل الله علـيه:{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ}... إلـى:{ وَاللَّهُ عَلِـيـمٌ حَكِيـمٌ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي يونس، عن ابن شهاب، أنه سئل عن قوله:{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِـيّ}... الآية، قال ابن شهاب: ثنـي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الـحارث. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بـمكة قرأ علـيهم: {والنَّـجْمِ إذَا هَوَى}، فلـما بلغ:{ أفَرأيْتُـمُ اللاَّتَ والعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} قال: «إن شفـاعتهن ترتـجَى». وسها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلقـيه الـمشركون الذين فـي قلوبهم مرض، فسلـموا علـيه، وفرحوا بذلك، فقال لهم: «إنَّـمَا ذلكَ مِنَ الشَّيْطانِ». فأنزل الله:{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَـيّ}... حتـى بلغ:{ فَـيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُـلْقِـي الشَّيْطانُ}.

فتأويـل الكلام: ولـم يرسل يا مـحمد مَنْ قَبْلك من رسول إلـى أمة من الأمـم ولا نبـيّ مـحدّث لـيس بـمرسل، إلا إذا تـمنى.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى قوله «تـمنى» فـي هذا الـموضع، وقد ذكرت قول جماعة مـمن قال: ذلك التـمنـي من النبـيّ صلى الله عليه وسلم ما حدثته نفسه من مـحبته مقاربة قومه فـي ذكر آلهتهم ببعض ما يحبون، ومن قال ذلك مـحبة منه فـي بعض الأحوال أن لا تذكر بسوء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا قرأ وتلا أو حدّث. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ إذَا تَـمنَّى ألْقَـى الشَّيْطانُ فِـي أُمْنِـيَّتِهِ} يقول: إذا حدّث ألقـى الشيطان فـي حديثه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إذَا تَـمَنَّى} قال: إذا قال.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ إلاَّ إذَا تَـمَنَّى } يعنـي بـالتـمنـي: التلاوة والقراءة.

وهذا القول أشبه بتأويـل الكلام، بدلالة قوله:{ فَـيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُـلْقـي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ} علـى ذلك لأن الآيات التـي أخبر الله جلّ ثناؤه أنه يحكمها، لا شك أنها آيات تنزيـله، فمعلوم أن الذي ألقـي فـيه الشيطان هو ما أخبر الله تعالـى ذكره أنه نسخ ذلك منه وأبطله ثم أحكمه بنسخه ذلك منه.

فتأويـل الكلام إذن: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبـيّ إلا إذا تلا كتاب الله، وقرأ، أو حدّث وتكلـم، وألقـى الشيطان فـي كتاب الله الذي تلاه وقرأه أو فـي حديثه الذي حدث وتكلـم. {فَـيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُـلْقِـي الشَّيْطانُ} يقول: تعالـى فـيذهب الله ما يـلقـي الشيطان من ذلك علـى لسان نبـيه ويبطله. كما:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس:{ فَـيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُـلْقِـي الشَّيْطانُ} فـيبطل الله ما ألقـى الشيطان.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ فَـيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُـلْقِـي الشَّيْطانُ} نسخ جبريـل بأمر الله ما ألقـى الشيطان علـى لسان النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وأحكم الله آياته.

وقوله:{ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ } يقول: ثم يخـلص الله آيات كتابه من البـاطل الذي ألقـى الشيطان علـى لسان نبـيه. {وَاللَّهُ عَلِـيـمٌ} بـما يحدث فـي خـلقه من حدث، لا يخفـى علـيه منه شيء. {حَكِيـمٌ}فـي تدبـيره إياهم وصرفه لهم فـيـما شاء وأحَبّ.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ