انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحج

تفسير الطبريالآيات 1–16

تفسير سورة الحج آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الحج

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:03:54

  1. 1 الآيات 1–18في هذه الصفحة 17:25
  2. 2 الآيات 19–37 15:38
  3. 3 الآيات 38–59 15:16
  4. 4 الآيات 60–78 15:35

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ ۝١ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ ۝٢

قال أبو جعفر: يقول تعالـى ذكره: يا أيها الناس احذروا عقاب ربكم بطاعته، فأطيعوه ولا تعصُوه، فإن عقابه لـمن عاقبه يوم القـيامة شديد. ثم وصف جلّ ثناؤه هول أشراط ذلك الـيوم وبدوّه، فقال: {إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةٍ شَيْءٌ عَظِيـمٌ}.

واختلف أهل العلـم فـي وقت كون الزلزلة التـي وصفها جلّ ثناؤه بـالشدّة، فقال بعضهم: هي كائنة فـي الدنـيا قبل يوم القـيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة، فـي قوله: {إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيـمٌ} قال: قبل الساعة.

حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: ثنا مـحمد بن الصلت، قال: ثنا أبو عدنية، عن عطاء، عن عامر: {يا أيُّها النَّاسُ اتقُوا رَبَّكُمْ إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظيـمٌ} قال: هذا فـي الدنـيا قبل يوم القـيامة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج فـي قوله: {إنَّ زَلْزَلَةَ السَاعَةِ} فقال: زلزلتها: أشراطها... الآيات {يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَملَها وَتَرَى الناسَ سُكارَى وَما هُمْ بِسُكارَى}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامر: {يا أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا رَبكُمْ إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيـمٌ} قال: هذا فـي الدنـيا من آيات الساعة.

وقد رُوي عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بنـحو ما قال هؤلاء خبر، فـي إسناده نظر وذلك ما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن مـحمد الـمـحاربـي، عن إسماعيـل بن رافع الـمدنـي، عن يزيد بن أبـي زياد، عن رجل من الأنصار، عن مـحمد بن كعب القُرَظيّ، عن رجل من الأنصار، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لـمَا فَرَغَ اللَّهُ منْ خَـلْقِ السمَوَاتِ والأرْضِ، خَـلَقَ الصُّوْرَ فأعْطاهُ إسْرَافِـيـلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلـى فـيهِ، شاخِصٌ بِبَصَرِهِ إلـى العَرْشِ، يَنْتَظِرُ مَتـى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصور؟ قال: «قَرْنٌ». قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيـمٌ يُنْفَخُ فـيهِ ثَلاثُّ نَفَخاتٍ، الأُولـى: نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثانـيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيامِ لِرَبّ العالَمِينَ. يَأْمُرهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إسْرافيلَ بالنَّفْخَةِ الأُولـى، فَـيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ فَـيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَواتِ والأَرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ الله، ويَأْمُرُهُ اللَّهُ فَيُدِيمُها وَيُطَوّلها، فَلا يَفْتُرُ، وَهِيَ التِي يَقُولُ اللَّهُ: ما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ما لَهَا مِنْ فَوَاقٍ فَـيُسَيِّرُ اللَّهُ الجِبالَ فَتَكُونُ سَرَابـا، وَتُرَجُّ الأرْضُ بأهلها رَجًّا، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُها الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ، فَتَكُونُ الأرْض كالسَّفِـينَةِ الـموبَقَةِ فـي البَحْرِ تَضْرِبُها الأَمْوَاجُ تُكْفَأُ بأَهْلها، أوْ كالقِنْديـلِ الـمُعَلَّقِ بـالعَرْشِ تُرَجِّحُهُ الأَرْوَاحُ فَتَـمِيدُ الناسُ عَلـى ظَهْرِها فَتَذْهَلُ الـمَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الـحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الولْدَانُ، وَتَطيرُ الشياطِينُ هارِبَةً حتـى تَأْتـي الأَقْطار فَتَلَقَّاها الـمَلائِكَةُ فَتَضْرِبُ وُجُوهَها، فَترْجِعُ وَيُوَلّـي النَّاس مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضَهُمْ بَعْضَاً، وَهُوَ الذِي يَقُولُ اللَّهُ: {يَوْمَ التنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هادٍ} فَبَـيْنَـما هُمْ عَلـى ذلكَ، إذْ تَصَدَّعَتِ الأرْضُ مِنْ قُطْرٍ إلـى قُطْرٍ، فَرَأوْا أمْراً عَظِيـماً، وأَخَذَهُمْ لِذَلكَ مِن الكَرْبِ ما اللَّهُ أعْلَـمُ بِهِ، ثُمَّ نَظَرُوا إلـى السَّماءِ فإذَا هِيَ كالـمُهْلِ، ثُم خُسِفَ شمْسُها وخُسِفَ قَمَرُها وَانْتَثرَتْ نُـجُومُها، ثُمَّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:والأمْوَاتُ لا يَعْلَمُون بِشَيْءٍ مِنْ ذلكَفقال أبو هريرة: فمن استثنى لله حين يقول: { فَفَزِعَ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِـي الأرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ }؟ قال: أُولَئِكَ الشُّهَدَاءُ، وإنَّـمَا يَصلُ الفَزَعُ إلى الأحْياء، أُولَئِكَ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهمْ يُرْزَقُونَ، وَقاهُمُ اللَّهُ فَزَعَ ذلكَ الـيَوْم وآمَنَهُمْ. وَهُوَ عَذَابُ اللَّهِ يَبْعَثُهُ عَلـى شِرَارِ خَـلْقِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: {يا أيها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيـمٌ...} إلـى قوله: {وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}

وهذا القول الذي ذكرناه عن علقمة والشعبـيّ ومن ذكرنا ذلك عنه قولٌ، لولا مـجيء الصحاح من الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلـم بـمعانـي وحي الله وتنزيـله. والصواب من القول فـي ذلك ما صحّ به الـخبر عنه. ذكر الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بـما ذكرنا:

حدثنـي أحمد بن الـمقدام، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت أبـي يحدّث عن قتادة، عن صاحب له حدّثه، عن عمران بن حُصين، قال: »بـينـما رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي بعض مغازيه وقد فـاوت السَّير بأصحابه، إذ نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية: {يا أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيـمٌ». قال: فحَثُّوا الـمطيّ، حتـى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

هَلْ تَدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذَلكَ؟ قالوا: الله ورسوله أعلـم. قال: ذلكَ يَوْمَ يُنادَى آدَمُ، يُنادِيهِ رَبُّهُ: ابْعَثْ بَعْثَ النارِ، مِنْ كُلّ ألْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ إلـى النَّارِقال: فأبلس القوم، فما وضح منهم ضاحك، فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: ألا اعْمَلُوا وأبْشِرُوا، فإنَّ مَعَكُمْ خَـلِـيقَتَـيْنِ ما كانَتا فِـي قَوْمٍ إلاَّ كَثَرَتاهُ، فَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَنـي آدَمَ، وَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَنـي إبْلِـيسَ وَيأْجُوجَ وَمأْجُوجَ. قال: أبْشِرُوا، ما أنْتُـمْ فِـي النَّاسِ إلاَّ كالشَّامَةِ فِـي جَنْبِ البَعِيرِ، أو كالرّقْمة فـي جَناحِ الدَّابَة

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا هشام بن أبـي عبد الله، عن قتادة، عن الـحسن، عن عمران بن حصين، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم. وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبـي وحدثنا ابن أبـي عديّ، عن هشام جميعاً، عن قَتادة، عن الـحسن، عن عمران بن حصين، عن البنـيّ صلى الله عليه وسلم بـمثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مـحمد بن بشر، عن سعيد بن أبـي عروبة، عن قَتادة، عن العلاء بن زياد عن عمران، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنـحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الـحسن، قال: بلغنـي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لـما قـفل من غزوة العُسْرة، ومعه أصحابه، بعد ما شارف الـمدينة، قرأ: {يا أيُّها النَّاسُ اتقُوا رَبكُمْ إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيـمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها...} الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أتَدْرُونَ أيُّ يوم ذَاكُمْ؟ قـيـل: الله ورسوله أعلـم. فذكر نـحوه، إلا أنه زاد: وإنَّهُ لَـمْ يَكُنْ رَسُولانِ إلاَّ كانَ بَـيْنَهُما فَتْرَةٌ مِنَ الـجاهِلِـيَّةِ، فَهُمْ أهْلُ النَّارِ وإنَّكُمْ بـينَ ظَهْرَانَـي خَلِيقَتَيْنِ لا يُعادُّهما أحدٌ مِنْ أهْلِ الأرْضِ إلاَّ كَثَرُوهُمْ، وَهُمْ يَأْجُوجُ وَمأجُوجُ، وَهُمْ أهْلُ النارِ، وَتَكْمُلُ العِدَّةُ مِنَ المُنافِقِينَ

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن 1الأعمش، عن أبي صالـح عن أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

يُقالُ لآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النَّار، قالَ: فَـيَقُولُ: وَما بَعْثُ النَّارِ؟ فَـيَقُولُ: مِنْ كُلّ ألْفٍ تِسْعَ مئَةٍ وتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَعِنْدَ ذلكَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ الـحاملُ حَمَلها، وَتَرَى النَّاسَ سُكارَى وَما هُمْ بِسُكارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَديدٌ. قالَ: قُلْنا فَأين الناجي يا رسول الله؟ قال: أبْشِرُوا فإنَّ وَاحِدا منْكُمْ وألْفـا منْ يَأْجُوجَ وَمأجُوجَ. ثُمَّ قالَ:إنّـي لأَطْمَعُ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهلِ الجَنِّةِ فَكَبَّرْنا وحَمِدْنا اللَّهَ. ثم قال: إنّـي لأَطْمَعُ أنْ تكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الـجَنةِ فكَبَّرْنا وحَمِدْنا اللَّهَ. ثم قال: إنّـي لأطْمَعُ أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الـجَنةِ إنَّـمَا مَثَلُكُمْ فِـي النَّاسِ كمَثَلِ الشَّعْرَةِ البَـيْضَاءِ فـي الثَّوْرِ الأسْوَدِ، أو كَمَثلِ الشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِـي الثوْرِ الأبْـيَضِ

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبـي صالـح، عن أبـي سعيد الـخُدْريّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يَقُول اللَّهُ لآدَمَ يَوْمَ القِـيامَةِثم ذكر نـحوه.

حدثنـي عيسى بن عثمان بن عيسى الرملـيّ، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن أبـي صالـح، عن أبـي سعيد، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الـحشر، قال:

يقولُ اللَّهُ يَوْمَ القِـيامَةِ يا آدَمُ فَـيَقُولُ: لَبَّـيْكَ وَسَعْدَيْكَ والـخَيْرُ بِـيَدَيْكَ فَـيَقُولُ: ابْعَثْ بَعْثا إلـى النَّارِ. ثم ذكر نـحوه.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة، عن أنس قال: نزلت {يا أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيـمٌ...} حتـى إلـى: {عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}... الآية علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم وهو فـي مسير، فرجّع بها صوته، حتـى ثاب إلـيه أصحابه، فقال:

أتَدْرُونَ أيَّ يَوْمٍ هَذَا؟ هَذَا يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لآدَمَ: يا آدَمُ قُمْ فـابْعَثَ النارِ مِنْ كُلّ ألْفٍ تِسْعَ مئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فكُبر ذلك علـى الـمسلمين، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:سَدّدُوا وَقارِبُوا وأبْشِرُوا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُـمْ فِـي الناسِ إلاَّ كالشَّامَةِ فـي جَنْبِ البَعِيرِ، أو كالرّقْمَةِ فِـي ذِرَاعِ الدّابَّةِ، وإنَّ مَعَكُمْ لَـخَـلِـيقَتَـيْنِ ما كانَتا فِـي شَيْءٍ قَطُّ إلاَّ كَثَرَتاهُ: يَأْجُوجُ وَمأْجُوجُ، وَمَنْ هَلَكَ من كَفَرَةِ الـجِنّ والإنْسِ

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن إسحاق، عن عمرو بن ميـمون، قال: دخلت على ابن مسعود بيت المال، فقال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:

أتَرْضَوْنَ أن تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الـجَنةِ؟ قُلنا نعم، قال: أتَرْضَوْنَ أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الـجَنةِ؟ قلنا: نعم قال: فوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، إنّـي لأرْجُوا أنْ تَكُونُّوا شَطْرَ أهْلِ الـجَنَّةِ، وَسأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذلكَ إنَّه لا يَدْخُـلُ الـجَنَّةَ إلاَّ نَفْسٌ مُسْلِـمَةٌ، وَإنَّ قِلَّةَ الـمُسْلِـمِينَ فِـي الكُفَّـارِ يَوْمَ القِـيامَةِ كالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِـي الثَّوْرِ الأبْبَضِ، أو كالشَّعْرَةِ البَـيْضَاءِ فِـي الثَّوْرِ الأسْوَدِ

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:

{ إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيـمٌ }قال: هذا يوم القـيامة.

والزلزلة: مصدر من قوله القائل: زلزلتُ بفلان الأرض أزلزلها زلزلة وزِلزالاً، بكسر الزاي من الزِّلزال، كما قال الله:

{ إذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا }وكذلك الـمصدر من كل سلـيـم من الأفعال إذا جاءت علـى فِعلال فبكسر أوّله، مثل وَسْوس وَسْوَسَة ووِسْواساً، فإذا كان اسماً كان بفتـح أوّله الزَّلزال والوَسْواس، وهو ما وسوس إلـى الإنسان، كما قال الشاعر:

يَعْرِف الـجاهِلُ الـمُضَلَّلُ أنَّ الدَّ هْرَ فِـيهِ النَّكْرَاءُ والزَّلْزَالُ

وقوله تعالـى: {يَوْمَ تَرَوْنَها} يقول جلّ ثناؤه: يوم ترون أيها الناس زلزلة الساعة تذهل من عظمها كل مرضعة مولود عما أرضعت. ويعنـي بقوله: {تَذْهَلُ} تنسى وتترك من شدّة كربها، يقال: ذَهَلْت عن كذا أذْهَلَ عنه ذُهُولاً وَذَهِلْت أيضا، وهي قلـيـلة، والفصيح: الفتـح فـي الهاء، فأما فـي الـمستقبل فـالهاء مفتوحة فـي اللغتـين، لـم يسمع غير ذلك ومنه قول الشاعر.

صَحَا قَلْبُهُ يا عَزَّ أوْ كادَ يَذْهَلُ

فأما إذا أريد أن الهول أنساه وسلاه، قلت: أذهله هذا الأمر عن كذا يُذهله إذهالاً. وفـي إثبـات الهاء فـي قوله: {كُلُّ مُرْضعَة} اختلاف بـين أهل العربـية وكان بعض نـحويِّـي الكوفـيـين يقول: إذا أثبتت الهاء فـي الـمرضعة فإنـما يراد أمّ الصبـيّ الـمرضع، وإذا أسقطت فإنه يراد الـمرأة التـي معها صبـيّ ترضعه لأنه أريد الفعل بها. قالوا: ولو أريد بها الصفة فـيـما يرى لقال مُرْضع. قال: وكذلك كل مُفْعِل أو فـاعل يكون للأنثى ولا يكون للذكر، فهو بغير هاء، نـحو: نُقْرب، ومُوقِر، ومُشْدن، وحامل، وحائض.

قال أبو جعفر: وهذا القول عندي أولـى بـالصواب فـي ذلك لأن العرب من شأنها إسقاط هاء التأنـيث من كل فـاعل ومفعل إذا وصفوا الـمؤنث به ولو لـم يكن للـمذكر فـيه حظّ، فإذا أرادوا الـخبر عنها أنها ستفعله ولـم تفعله، أثبتوا هاء التأنـيث لـيفرقوا بـين الصفة والفعل. منه قول الأعشى فـيـما هو واقع ولـم يكن وقع قبل:

فَمثْلِكَ حُبْلَـى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ فألْهَيْتُها عَنْ ذِي ثَمائِمَ مُـحْوِلِ

وربـما أثبتوا الهاء فـي الـحالتـين وربـما أسقطوهما فـيهما غير أن الفصيح من كلامهم ما وصفت.

فتأويـل الكلام إذن: يوم ترون أيها الناس زلزلة الساعة، تنسى وتترك كلّ والدة مولود ترضع ولدها عما أرضعت. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أرْضَعَتْ} قال: تترك ولدها للكرب الذي نزل بها.

حدثنا القسام، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر، عن الـحسن: {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أرْضَعَتْ} قال: ذهلت عن أولادها بغير فطام. {وتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَها} قال: ألقت الـحوامل ما فـي بطونها لغير تـمام. {وتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا}: يقول: وتسقط كل حامل من شدّة كرب ذلك حملها.

وقوله: {وَتَرَى النَّاسَ سُكارَى} قرأت قرّاء الأمصار {وَتَرَى النَّاسَ سُكارَى} علـى وجه الـخطاب للواحد، كأنه قال: وترى يا مـحمد الناس حينئذ سُكارى وما هم بسُكارى. وقد رُوي عن أبـي زُرْعة بن عمرو بن جرير: «وَتُرَى النَّاسَ» بضم التاء ونصب «الناس»، من قول القائل: رِؤيْت تُرى، التـي تطلب الاسم والفعل، كظنّ وأخواتها.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، لإجماع الـحجة من القرّاء عليه.

واختلف القرّاء في قراءة قوله: {سُكارَى} فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: {سُكارَى وَما هُمْ بِسُكارَى}. وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة: «وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَما هُمْ بِسَكْرَى».

والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قَراءةَ الأمصار، متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب. ومعنى الكلام: وترى الناس يا مـحمد من عظيـم ما نزل بهم من الكرب وشدّته سُكارى من الفزع وما هم بسُكارى من شرب الـخمر.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر، عن الـحسن: {وَتَرَى النَّاسَ سُكارَى} من الـخوف، {وَما هُمْ بِسُكارى} من الشراب.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وَما هُمْ بِسُكارَى} قال: ما هُم بسكارى من الشراب {وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَتَرَى النَّاسَ سُكارَى وَما هُمْ بِسُكارَى} قال: ما شربوا خمراً { وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} يقول تعالـى ذكره: ولكنهم صاروا سكارى من خوف عذاب الله عند معاينتهم ما عاينوا من كرب ذلك وعظيـم هوله، مع علـمهم بشدّة عذاب الله.

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَٰنٍ مَّرِيدٍ ۝٣

ذكر أن هذه الآية: نزلت فـي النضر بن الحارث.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فـي اللَّهِ بغَيْرِ عِلْـمٍ} قال: النضْر بن الـحارث.

ويعنـي بقوله: {مَنْ يُجادِلُ فـي اللَّهِ بغَيْرِ عِلْـمٍ} من يخاصم فـي الله، فـيزعم أن الله غير قادر علـى إحياء من قد بَلـي وصار ترابـاً، بغير علـم يعلـمه، بل بجهل منه بـما يقول. {وَيَتَّبِعُ} فـي قـيـله ذلك وجداله فـي الله بغير علـم {كُلَّ شَيْطانٍ مَّرِيدٍ}.

كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ۝٤

يقول تعالـى ذكره: قُضي علـى الشيطان فمعنى: «كُتِبَ» ههنا قُضِي، والهاء التـي فـي قوله «علـيه» من ذكر الشيطان. كما:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر عن قتادة: {كُتِبَ عَلَـيْهِ أنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ} قال: كُتب علـى الشيطان، أنه من اتبع الشيطان من خـلق الله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {كُتِبَ عَلَـيْهِ أنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ} قال: الشيطان اتبعه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {أنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ}، قال: اتبعه.

وقوله: {فأنَّهُ يُضِلُّهُ} يقول: فإن الشيطان يضله، يعنـي: يضلّ من تولاه. والهاء التـي فـي «يضله» عائدة علـى «من» التـي فـي قوله: {مَنْ تَوَلاَّهُ} وتأويـل الكلام: قُضِي علـى الشيطان أنه يضلّ أتبـاعه ولا يهديهم إلـى الـحقّ. وقوله: {ويَهْدِيهِ إلـى عَذَابِ السَّعِيرِ} يقول: ويَسُوقُ مَنْ اتَّبَعَهُ إلـى عذاب جهنـم الـموقدة وسياقه إياه إلـيه بدعائه إلـى طاعته ومعصيته الرحمن، فذلك هدايته من تبعه إلـى عذاب جهنـم.

وهذا احتـجاج من الله علـى الذي أخبر عنه من الناس أنه يجادل فـي الله بغير علـم، اتبـاعاً منه للشيطان الـمريد وتنبـيه له علـى موضع خطأ قـيـله وإنكاره ما أنكر من قدرة ربه. قال: يا أيها الناس إن كنتـم فـي شكّ من قدرتنا علـى بعثكم من قبوركم بعد مـماتكم وبلائكُم استعظاماً منكم لذلك، فإن فـي ابتدائنا خـلق أبـيكم آدم صلى الله عليه وسلم من تراب ثم إنشائناكم من نطفة آدم ثم تصريفناكم أحوالاً حالاً بعد حال، من نطفة إلـى علقة، ثم من علقة إلـى مُضغة، لكم معتبراً ومتعظاً تعتبرون به، فتعلـمون أن من قدر علـى ذلك فغير متعذّر علـيه إعادتكم بعد فنائكم كما كنتـم أحياء قبل الفناء.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {مخـلَّقةٍ وغَيْرِ مُخَـلَّقَةٍ} فقال بعضهم: هي من صفة النطفة. قال: ومعنى ذلك: فإنا خـلقناكم من تراب، ثم من نطفة مخـلقة وغير مخـلقة قالوا: فأما الـمخـلقة فما كان خـلقا سَوِيّا وأما غير مخـلقة فما دفعته الأرحام من النُّطَف وألقته قبل أن يكون خـلقاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن داود بن أبـي هند، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، قال: إذا وقعت النطفة فـي الرحم، بعث الله ملَكا فقال: يا ربّ مخـلقة أو غير مخـلقة؟ فإن قال: غير مخـلَّقة، مـجّتها الأرحام دماً، وإن قال: مخـلقة، قال: يا ربّ فما صفة هذه النطفة أذكر أم أنثى؟ ما رزقها ما أجلها؟ أشقـيّ أو سعيد؟ قال: فـيقال له: انطلق إلـى أمّ الكتاب فـاستنسخ منه صفة هذه النطفة قال: فـينطلق الـملك فـينسخها فلا تزال معه حتـى يأتـي علـى آخر صفتها.

وقال آخرون: معنى ذلك: تامة وغير تامة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سلـيـمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قَتادة فـي قول الله: {مُخَـلَّقَةٍ وغَيرَ مُخَـلَّقَةٍ} قال: تامة وغير تامة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر عن قَتادة: {مُخَـلَّقَةٍ وغيرِ مُخَـلَّقَةٍ} فذكر مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك الـمضغة مصورة إنساناً وغير مصوّرة، فإذا صوّرت فهي مخَـلقة وإذا لـم تصوّر فهي غير مخَـلقة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزّة، عن مـجاهد فـي قوله: {مُخَـلَّقَةٍ} قال: السِّقط، مخـلّقة {وغَير مُخَـلَّقَة}.

حدثنـي مـحمد بن عمر، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {مُخَـلَّقَةٍ وَغيرٍ مُخَـلَّقَةٍ} قال: السقط، مخـلوق وغير مَخـلوق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، بنـحوه.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عامر أنه قال فـي النطفة والـمضغة إذا نكست فـي الـخـلق الرابع كانت نَسَمة مخـلقة، وإذا قذفتها قبل ذلك فهي غير مخـلقة.

قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن أبـي سلـمة، عن داود بن أبـي هند، عن أبـي العالـية: {مُخَـلَّقَةٍ وغَيرِ مُخَـلَّقَةٍ} قال: السقط.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: الـمخـلقة الـمصورة خـلقا تامًّا، وغير مخـلقة: السِّقط قبل تـمام خـلقه لأن الـمخـلقة وغير الـمخـلقة من نعت الـمضغة والنطفة بعد مصيرها مضغة، لـم يبق لها حتـى تصير خـلقا سويًّا إلا التصوير وذلك هو الـمراد بقوله: {مُخَـلَّقَةٍ وغَيرِ مُخَـلَّقَةٍ} خـلقاً سويًّا، وغير مخـلقة بأن تلقـيه الأم مضغة ولا تصوّر ولا ينفخ فيها الروح.

وقوله: {لِنُبَـيِّنَ لَكُمْ} يقول تعالـى ذكره: جعلنا الـمضغة منها الـمخـلقة التامة ومنها السقط غير التامّ، لنبـين لكم قدرتنا علـى ما نشاء ونعرّفكم ابتداءنا خـلقكم.

وقوله: {وَنُقِرّ فـي الأرْحامِ ما نَشاءُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى} يقول تعالـى ذكره: من كنا كتبنا له بقاء وحياة إلـى أمد وغاية، فـانا نقرّه فـي رحم أمه إلـى وقته الذي جعلنا له أن يـمكث فـي رحمها فلا تسقطه ولا يخرج منها حتـى يبلغ أجله، فإذا بلغ وقت خروجه من رحمها أذنا له بـالـخروج منها، فـيخرج.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَنُقِرُّ فِـي الأرْحامِ ما نَشاءُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى} قال: التـمام.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَنُقِرُّ فِـي الأرْحامِ ما نَشاءُ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى} قال: الأجل الـمسمى: أقامته فـي الرحم حتـى يخرج.

وقوله: {ثُمَّ نُـخْرِجُكُمْ طِفْلاً} يقول تعالـى ذكره: ثم نـخرجكم من أرحام أمهاتكم إذا بلغتـم الأجل الذي قدرته لـخروجكم منها طفلاً صغاراً ووحَّد «الطفل»، وهو صفة للـجميع، لأنه مصدر مثل عدل وزور. وقوله: {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ} يقول: ثم لتبلغوا كمال عقولكم ونهاية قواكم بعمركم.

وقد ذكرت اختلاف الـمختلفـين فـي الأشدّ، والصواب من القول فـيه عندنا بشواهده فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـًٔا وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ ۝٥

يقول تعالـى ذكره: ومنكم أيها الناس من يُتَوفـى قبل أن يبلغ أشدّه فـيـموت، ومنكم من يُنْسَأ فـي أجله فـيعمر حتـى يهرم فـيردّ من بعد انتهاء شبـابه وبلوغه غاية أشدّه إلـى أرذل عمره، وذلك الهرم، حتـى يعود كهيئته فـي حال صبـاه لا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئا. ومعنى الكلام: ومنكم من يردّ إلـى أرذل العمر بعد بلوغه أشدّه {لِكَيْلا يَعْلَـمَ مِنْ بَعْدِ عِلْـمٍ} كان يعلـمه {شَيْئاً}.

وقوله: {وَتَرَى الأرْضَ هامِدَةً} يقول تعالـى ذكره: وترى الأرض يا مـحمد يابسة دارسة الآثار من النبـات والزرع. وأصل الهمود: الدروس والدثور، ويقال منه: همدت الأرض تهمد هُموداً ومنه قول الأعشى ميـمون بن قـيس:

قالَتْ قُتَـيْـلَةُ ما لِـجِسْمِكَ شاحِبـا وأرَى ثِـيابَكَ بـالِـياتٍ هُمَّدَا

والهُمَّد: جمع هامد، كما الرُّكَّع جمع راكع.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، فـي قوله: {وَتَرَى الأرْضَ هامدَةً} قال: لا نبـات فـيها.

وقوله: {فإذَا أنْزَلْنا عَلَـيْها الـمَاء اهْتَزَّتْ} يقول تعالـى ذكره: فإذا نـحن أنزلنا علـى هذه الأرض الهامدة التـي لا نبـات فـيها الـمطرَ من السماء {اهْتَزّتْ} يقول: تـحركت بـالنبـات، {وَرَبَتْ} يقول: وأضعفت النبـات بـمـجيء الغيث.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} قال: عُرِف الغيث فـي ربوها.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة: {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} قال: حسنت، وعرف الغيث فـي ربوها.

وكان بعضهم يقول: معنى ذلك: فإذا أنزلنا علـيها الـماء اهتزت. ويوجه الـمعنى إلـى الزرع، وإن كان الكلام مخرجه علـى الـخبر عن الأرض. وقرأت قراء الأمصار: {وَرَبَتْ} بـمعنى: الربو، الذي هو النـماء والزيادة. وكان أبو جعفر القارىء يقرأ ذلك: «وَرَبأَتْ» بالهمز.

حُدثت عن الفراء، عن أبـي عبد الله التـميـمي عنه.

وذلك غلط، لأنه لا وجه للرب ههنا، وإنـما يقال ربأ بـالهمز بـمعنى: حرس من الربـيئة، ولا معنى للـحراسة فـي هذا الـموضع. والصحيح من القراءة ما عليه قراء الأمصار.

وقوله: {وأنْبَتَتْ مِنْ كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} يقول جلّ ثناؤه: وأنبتت هذه الأرض الهامدة بذلك الغيث مِنْ كُلِّ نوع بهيج. يعني بالبهيج: البهج، وهو الـحسن.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: {وأنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهيجٍ} قال: حسن.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٦ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ ۝٧

يعني تعالى ذكره بقوله: ذلك هذا الذي ذكرت لكم أيها الناس من بدئنا خلقكم في بطون أمهاتكم، ووصفنا أحوالكم قبل الميلاد وبعده، طفلاً، وكهلاً، وشيخاً هرماً وتنبيهناكم علـى فعلنا بـالأرض الهامدة بـما ننزل علـيها من الغيث لتؤمنوا وتصدّقوا بأن ذلك الذي فعل ذلك الله الذي هو الـحقّ لا شك فـيه، وأن من سواه مـما تعبدون من الأوثان والأصنام بـاطل لأنها لا تقدر علـى فعل شيء من ذلك، وتعلـموا أن القدرة التـي جعل بها هذه الأشياء العجيبة لا يتعذّر علـيها أن يحيـي بها الـموتـى بعد فنائها ودروسها فـي التراب، وأن فـاعل ذلك علـى كلّ ما أراد وشاء من شيء قادر لا يـمتنع علـيه شيء أراده، ولتوقنوا بذلك أن الساعة التـي وعدتكم أن أبعث فـيها الـموتـى من قبورهم جائية لا مـحالة {لا رَيْبَ فـيها} يقول: لا شك فـي مـجيئها وحدوثها، {وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِـي القُبُورِ} حينئذٍ مَن فـيها من الأموات أحياء إلـى موقـف الـحساب، فلا تشكّوا فـي ذلك ولا تمترُوا فـيه.

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَٰبٍ مُّنِيرٍ ۝٨

يقول تعالى ذكره: ومن الناس من يخاصم في توحيد الله وإفراده بـالألوهة بغير علم منه بـما يخاصم به. {وَلاَ هُدًى} يقول: وبغير بـيان معه لما يقول ولا بُرْهان. {وَلا كِتابٍ مَنِـيرٍ} يقول: وبغير كتاب من الله أتاه لصحة ما يقول. منـير يقول ينـير عن حجته، وإنـما يقول ما يقول من الـجهل ظنًّا منه وحسبـاناً. وذكر أن عُنِـي بهذه الآية والتـي بعدها النضر بن الـحارث من بنـي عبد الدار.

ثَانِىَ عِطْفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَنُذِيقُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ۝٩ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ۝١٠

يقول تعالـى ذكره: يجادل هذا الذي يجادل فـي الله بغير علـم {ثانِـيَ عِطْفِهِ}.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي من أجله وصف بأنه يثنـي عطفه وما الـمراد من وصفه إياه بذلك، فقال بعضهم: وصفه بذلك لتكبره وتبختره. وذكر عن العرب أنها تقول: جاءنـي فلان ثانـي عطفه: إذا جاء متبخترا من الكبر ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {ثانِـيَ عِطْفِهِ} يقول: مستكبراً فـي نفسه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لاوٍ رقبته. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {ثانِـي عِطْفِهِ} قال: رقبته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: {ثانِـيَ عِطْفِهِ} قال: لاوٍ عنقه.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك أنه يُعْرِضُ عما يُدْعَى إلـيه فلا يسمع له. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: ثانِـيَ عِطْفِهِ يقول: يعرض عن ذكري.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {ثانِـيَ عِطْفِهِ عَنْ سَبِـيـلِ الله} قال: لاوياً رأسه، معرضاً مولـياً، لا يريد أن يسمع ما قـيـل له. وقرأ:

{ وَإذَا قِـيـلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ ورأيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ وَإذَا تُتْلَـى عَلَـيْهِ آياتُنا وَلَّـى مُسْتَكْبِراً }}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله: {ثانِـيَ عِطْفِهِ} قال: يعرض عن الـحقّ.

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال الثلاثة متقاربـات الـمعنى وذلك أن من كان ذا استكبـار فمن شأنه الإعراضُ عما هو مستكبر عنه ولَـيُّ عنقه عنه والإعراض.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله وصف هذا الـمخاصم فـي الله بغير علـم أنه من كبره إذا دُعي إلـى الله أعرض عن داعيه لوى عنقه عنه ولـم يسمع ما يقال له استكبـاراً.

وقوله: {لِـيُضِلَّ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ} يقول تعالـى ذكره: يجادل هذا الـمشرك فـي الله بغير علـم معرضاً عن الـحقّ استكبـاراً، لـيصدّ الـمؤمنـين بـالله عن دينهم الذي هداهم له ويستزلهم عنه. {لَهُ فِـي الدُّنْـيا خِزْيٌ} يقول جلّ ثناؤه: لهذا الـمـجادل فـي الله بغير علـم فـي الدنـيا خزي وهو القتل والذلّ والـمهانة بأيدي الـمؤمنـين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، له: {فِـي الدُّنـيْا خِزْيٌ} قال: قُتل يوم بدر.

وقوله: {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِـيامَةِ عَذَابَ الـحَرِيقِ} يقول تعالـى ذكره: ونـحرقه يوم القـيامة بـالنار. وقوله: {ذَلكَ بِـمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} يقول جلّ ثناؤه: ويقال له إذا أذيق عذاب النار يوم القـيامة: هذا العذاب الذي نذيقكه الـيوم بـما قدمت يداك فـي الدنـيا من الذنوب والآثام واكتسبته فيها من الإجرام. {وإنَّ اللَّهَ لَـيْسَ بِظَلاَّمٍ للْعَبِـيدِ} يقول: وفعلنا ذلك لأن الله لـيس بظلام للعبـيد فـيعاقب بعض عبـيده علـى جُرْم وهو يغفر مثله عن آخر غيره، أو يحمل ذنب مذنب علـى غير مذنب فـيعاقبه به ويعفو عن صاحب الذنب ولكنه لا يعاقب أحداً إلا علـى جرمه ولا يعذب أحداً علـى ذنب يغفر مثله لآخر إلا بسبب استـحق به منه مغفرته.

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ۝١١

يعني جلّ ذكره بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُد اللَّهَ عَلـى حَرْفٍ} أعرابـاً كانوا يقدمون علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مهاجرين من بـاديتهم، فإن نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة والدخول فـي الإسلام أقاموا علـى الإسلام، وإلا ارتدّوا علـى أعقابهم فقال الله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ} علـى شكّ، {فإنْ أصابهُ خير اطمأنَّ بهِ} وهو السعة من العيش وما يشبهه من أسبـاب الدنـيا {اطْمَأَنَ بِهِ} يقول: استقرّ بـالإسلام وثبت علـيه. {وَإنْ أصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} وهو الضيق بـالعيش وما يشبهه من أسبـاب الدنـيا {انْقَلَبَ عَلـى وَجْهِهِ} يقول: ارتدّ فـانقلب علـى وجهه الذي كان علـيه من الكفر بـالله.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلـى حَرْفٍ...} إلـى قوله: {انْقَلَبَ عَلـى وَجْهِهِ} قال: الفتنة البلاء، كان أحدهم إذا قدم الـمدينة وهي أرض وبـيئة، فإن صحّ بها جسمه ونُتِـجت فرسه مُهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً رضي به واطمأنّ إلـيه وقال: ما أصبت منذ كنت علـي دينـي هذا إلا خيراً وإن أصابه وجع الـمدينة وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت علـى دينك هذا إلا شرًّا وذلك الفتنة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن أبي بكر، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن القاسم بن أبـي بَزَّة، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلـى حَرْفٍ} قال: علـى شكّ.

حدثني مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {عَلـى حَرْفٍ} قال: علـى شكّ. {فإنْ أصابهُ خيرٌ} رَخاء وعافـية {اطمأنَّ بهِ}: استقرّ. {وإن أصَابَتْه فِتْنَةٌ} عذاب ومصيبة {انْقَلَبَ} ارتدّ {عَلـى وَجْهِهِ} كافراً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، بنـحوه.

قال ابن جُرَيج: كان ناس من قبـائل العرب ومـمن حولهم من أهل القرى يقولون: نأتـي مـحمداً صلى الله عليه وسلم، فإن صادفنا خيراً من معيشة الرزق ثبتنا معه، وإلا لـحقنا بأهلنا.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلـى حَرْفٍ} قال: شك. {فإنْ أصابَهُ خَيْرٌ} يقول: أكثر ماله وكثرت ماشيته اطمأنّ قال: لـم يصبنـي فـي دينـي هذا منذ دخـلته إلا خير{وَإنْ أصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} يقول: وإن ذهب ماله، وذهبت ماشيته {انْقَلَبَ على وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنيْا والآخِرَةَ}.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، نـحوه.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلـى حَرْفٍ} الآية، كان ناس من قبـائل العرب ومـمن حول الـمدينة من القرى كانوا يقولون: نأتـي مـحمداً صلى الله عليه وسلم فننظر فـي شأنه، فإن صادفنا خيراً ثبتنا معه، وإلا لـحقنا بـمنازلنا وأهلـينا. وكانوا يأتونه فـيقولون: نـحن علـى دينك فإن أصابوا معيشة ونَتَـجُوا خيـلهم وولدت نساؤهم الغلـمان، اطمأنوا وقالوا: هذا دين صدق وإن تأخر عنهم الرزق وأزلقت خيولهم وولدت نساؤهم البنات، قالوا: هذا دين سَوْء فـانقلبوا علـى وجوههم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلـى حَرْفٍ فإنْ أصَابَهُ خَيْرٌ اطْمأَنَّ بِهِ وَإنْ أصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلـى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنـيْا والآخِرَةَ} قال: هذا الـمنافق، إن صلـحت له دنـياه أقام علـى العبـادة، وإن فسدت علـيه دنـياه وتغيرت انقلب، ولا يقـيـم علـى العبـادة إلا لـما صَلَـح من دنـياه. وإذا أصابته شدّة أو فتنة أو اختبـار أو ضيق، ترك دينه ورجع إلـى الكفر.

وقوله: {خَسِرَ الدُّنـيا والآخِرَةَ} يقول: غَبِن هذا الذي وصف جلّ ثناؤه صفته دنـياه لأنه لـم يظفر بحاجته منها بـما كان من عبـادته الله علـى الشك، ووضع فـي تـجارته فلـم يربح {والآخِرَةَ} يقول: وخسر الآخرة، فإنه معذّب فـيها بنار الله الـموقدة. وقوله: {ذلكَ هُوَ الـخُسْرَانُ الـمُبِـينُ} يقول: وخسارته الدنـيا والآخرة هي الـخسران، يعنـي الهلاك. {الـمُبِـينُ} يقول: يبـين لـمن فكَّر فـيه وتدبره أنه قد خسر الدنـيا والآخرة.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته قرّاء الأمصار جميعا غير حميد الأعرج: {خَسِرَ الدنـيا والآخِرَةَ} علـى وجه الـمضيّ. وقرأه حميد الأعرج: «خاسِراً» نصبـاً علـى الـحال علـى مثال فـاعل.

يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلْبَعِيدُ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره: وإن أصابت هذا الذي يعبد الله علـى حرف فتنة، ارتدّ عن دين الله، يدعو من دون الله آلهة لا تضرّه إن لـم يعبدها فـي الدنـيا ولا تنفعه فـي الآخرة إن عبدها. {ذلكَ هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ } يقول: ارتداده ذلك داعياً من دون الله هذه الآلهة هو الأخذ علـى غير استقامة والذهاب عن دين الله ذهابـاً بعيداً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ} يكفر بعد إيـمانه {ذلكَ هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ}.

يَدْعُوا۟ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِۦ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ ۝١٣

يقول تعالى ذكره: يدعو هذا الـمنقلب علـى وجهه من إن أصابته فتنة آلهة لضرّها فـي الآخرة له، أقرب وأسرع إلـيه من نفعها. وذكر أن ابن مسعود كان يقرؤه: «يدعو مَنْ ضَرّه أقرب من نفعه».

واختلف أهل العربـية فـي موضع «مَنْ»، فكان بعض نـحوِّيـي البصرة يقول: موضعه نصب بـ «يدعو»، ويقول: معناه: يدعو لآلهة ضرّها أقرب من نفعها، ويقول: هو شاذّ لأنه لـم يوجد فـي الكلام: يدعو لزيداً. وكان بعض نـحويِّـي الكوفة يقول: اللام من صلة «ما» بعد «مَنْ» كأن معنى الكلام عنده: يدعو من لَضَرّه أقرب من نفعه وحُكي عن العرب سماعاً منها: عندي لَـمَا غيرُه خير منه، بـمعنى: عندي ما لغيره خير منه وأعطيتك لـما غيرُه خير منه، بـمعنى: ما لغيره خير منه. وقال: جائز فـي كلّ ما لـم يتبـين فـيه الإعراب الاعتراض بـاللام دون الاسم.

وقال آخرون منهم: جائز أن يكون معنى ذلك: هو الضلال البعيد يدعو فـيكون «يدعو» صلة «الضلال البعيد»، وتضمر فـي «يدعو» الهاء ثم تستأنف الكلام بـاللام، فتقول لـمن ضرّه أقرب من نفعه: لبئس الـمولـى كقولك فـي الكلام فـي مذهب الـجزاء: لَـمَا فَعَلْتَ لَهُو خَيْر لك. فعلـى هذا القول «من» فـي موضع رفع بـالهاء فـي قوله «ضَرُّه»، لأن «مَنْ» إذا كانت جزاء فإنـما يعربها ما بعدها، واللام الثانـية فـي «لبئس الـمولـى» جواب اللام الأولـى. وهذا القول الآخر علـى مذهب العربـية أصحّ، والأوّل إلـى مذهب أهل التأويـل أقرب.

وقوله: {لَبِئْسَ الـمَوْلَـى} يقول: لبئس ابن العمّ هذا الذي يعبد الله علـى حرف. {وَلَبِئْسَ العَشِيرُ} يقول: ولبئس الـخـلـيط الـمعاشر والصاحب، هو، كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَبِئْسَ العَشِيرُ} قال: العشير: هو الـمعاشر الصاحب.

وقد قـيـل: عنـي بـالـمولـى فـي هذا الـموضع: الولـيّ الناصر.

وكان مـجاهد يقول: عُنـي بقوله: {لَبِئْسَ الـمَوْلَـى وَلَبِئْسَ العَشِيرُ} الوثن.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله»: {وَلَبِئْسَ العَشِيرُ} قال: الوثن.

إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ۝١٤

يقول تعالـى ذكره: إن الله يدخـل الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بـما أمرهم الله فـي الدنـيا، وانتهوا عما نهاهم عنه فـيها{ جَنَّاتٍ } يعنـي بساتـين،{ تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهارُ } يقول: تـجري الأنهار من تـحت أشجارها.{ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ } فـيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته وما شاء من الهوان أهل معصيته.

مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ ۝١٥ وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ ۝١٦

اختلف أهل التأويـل فـي المعنيّ بالهاء التـي فـي قوله: {أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ}.

فقال بعضهم: عُنِـي بها نبـي الله صلى الله عليه وسلم. فتأويـله علـى قوله بعض قائلـي ذلك: من كان من الناس يحسب أن لن ينصر الله مـحمدا فـي الدنـيا والآخرة، فلـيـمدد بحبل وهو السبب إلـى السماء: يعنـي سماء البـيت، وهو سقـفه، ثم لـيقطع السبب بعد الاختناق به، فلـينظر هل يذهبن اختناقه ذلك وقطعه السبب بعد الاختناق ما يغيظ يقول: هل يذهبن ذلك ما يجد فـي صدره من الغيظ ذكر من قال ذلك:

حدثنا نصر بن علـيّ، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي خالد بن قـيس، عن قَتادة: من كان يظن أن لن ينصر الله نبـيه ولا دينه ولا كتابه، {فلـيـمدُدْ بسببٍ} يقول: بحبل إلـى سماء البـيت فلـيختنق به، {فَلْـيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ}.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: {مَنْ كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِـي الدُّنـيا والآخِرَةِ} قال: من كان يظنّ أن لن ينصر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم، {فَلْـيَـمْدُدْ بِسَبَبٍ} يقول: بحبل إلـى سماء البـيت، {ثُمَّ لـيْقْطَعْ} يقول: ثم لـيختنق ثم لـينظر هل يذهبنّ كيده ما يغيظ.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قَتادة، بنـحوه.

وقال آخرون مـمن قال الهاء فـي ينصره من ذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم: السماء التـي ذكرت فـي هذا الـموضع هي السماء الـمعروفة. قالوا: معنى الكلام، ما::

حدثنـي به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {مَنْ كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِـي الدُّنـيا والآخِرَةِ} فقرأ حتـى بلغ: {هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ} قال: من كان يظن أن لن ينصر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم ويكابد هذا الأمر لـيقطعه عنه ومنه، فلـيقطع ذلك من أصله من حيث يأتـيه، فإن أصله فـي السماء، فليمدد بسبب إلـى السماء، لـيقطع عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الوحي الذي يأتـيه من الله، فإنه لا يكايده حتـى يقطع أصله عنه، فكايد ذلك حتـى قطع أصله عنه. {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} ما دخـلهم من ذلك وغاظهم الله به من نصرة النبـيّ صلى الله عليه وسلم وما ينزل علـيه..

وقال آخرون مـمن قال «الهاء» التـي فـي قوله: «يَنْصُرَهُ» من ذكر مـحمد صلى الله عليه وسلم معنى النصر ها هنا الرزق. فعلـى قول هؤلاء تأويـل الكلام: من كان يظنّ أن لن يرزق الله مـحمداً فـي الدنـيا، ولن يعطيه. وذكروا سماعا من العرب: من ينصرنـي نصره الله، بـمعنى: من يعطنـي أعطاه الله. وحكوا أيضا سماعا منهم: نصر الـمطر أرض كذا: إذا جادها وأحياها. واستشهد لذلك ببـيت الفقعسيّ:

وإنَّكَ لا تُعْطِي امْرأً فَوْقَ حَظِّهِ وَلاَ تمْلِكُ الشِّقَّ الَّذي الغَيْثُ ناصِرُهُ

ذكر من قال ذلك::

حدثني أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبي إسحاق، عن التـميـمي، قال: قلت لابن عبـاس: أرأيت قوله:{ مَنْ كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِـي الدُّنـيا والآخِرَةِ فَلْـيَـمْدُدْ بِسَبَبٍ إلـى السَّماءِ ثُمَّ لْـيَقْطَعْ فَلْـيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ}؟ قال: من كان يظنّ أن لن ينصر الله مـحمداً، فلـيربط حبلاً فـي سقـف ثم لـيختنق به حتـى يـموت.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام عن عنبسة، عن أبـي إسحاق الهمدانـيّ، عن التـميـمّي، قال: سألت ابن عبـاس، عن قوله:{ مَنْ كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ} قال: أن لن يرزقه الله فـي الدنـيا والآخرة،{ فَلْـيَـمْدُدْ بِسَبَبٍ إلـى السَّماءِ } والسبب: الـحَبْل، والسماء: سقـف البـيت فلـيعلق حبلاً فـي سماء البـيت ثم لـيختنق{ فَلْـيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ} هذا الذي صنع ما يجد من الغيظ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن مطرف، عن أبـي إسحاق، عن رجل من بنـي تـميـم، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن التـميـميّ، عن ابن عبـاس:{ مَنْ كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِـي الدُّنـيا والآخِرَةِ فَلْـيَـمْدُدْ بِسَبَبٍ إلـى السَّماءِ } قال: سماء البـيت.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، قال: سمعت التـميـميّ، يقول: سألت ابن عبـاس، فذكر مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {مَنْ كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِـي الدُّنـيا والآخِرَةِ}... إلـى قوله:{ما يَغِيظُ} قال: السماء التـي أمر الله أن يـمد إلـيها بسبب سقـف البـيت أمر أن يـمد إلـيه بحبل فـيختنق به، قال: فلـينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ إذا اختنق إن خشي أن لا ينصره الله

وقال آخرون: الهاء فـي «ينصره» من ذكر «مَنْ». وقالوا: معنـي الكلام: من كان يظنّ أن لن يرزقه الله فـي الدنـيا والآخرة، فلـيـمدد بسبب إلـى سماء البـيت ثم لـيختنق، فلـينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ، أنه لا يرزق! ذكر من قال ذلك::

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله {أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ} قال: يرزقه الله.{ فَلْـيَـمْدُدْ بِسَبَبٍ} قال: بحبل {إلـى السماءِ} سماء ما فوقك.{ ثمَّ لْـيَقْطَعْ } لـيختنق، هل يذهبن كيده ذلك خنقه أن لا يرزق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، فـي قوله:{ مَنْ كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ } يرزقه الله.{ فَلْـيَـمْدُدْ بِسَبَبٍ إلـى السَّماءِ} قال: بحبل إلـى السماء..

قال ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس، قال: {إلـى السماءِ} إلـى سماء البـيت. قال ابن جُرَيج: وقال مـجاهد:{ ثُمَّ لْـيَقْطَعْ} قال: لـيختنق، وذلك كيده {ما يَغِيظُ} قال: ذلك خنقه أن لا يرزقه الله..

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فَلْـيَـمْدُدْ بِسَبَبٍ} يعنـي: بحبل. {إلـى السماءِ} يعنـي: سماء البـيت..

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا أبو رجاء، قال: سُئل عكرِمة عن قوله:{ فَلْـيَـمْدُدْ بِسَبَبٍ إلـى السَّماءِ} قال: سماء البـيت.{ ثُمَّ لْـيَثقْطَعْ } قال: يختنق..

وأولـى ذلك بـالصواب عندي فـي تأويـل ذلك قول من قال: الهاء من ذكر نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم ودينه وذلك أن الله تعالـى ذكره ذكر قوماً يعبدونه علـى حرف وأنهم يطمئنون بـالدين إن أصابوا خيرا فـي عبـادتهم إياه وأنهم يرتدّون عن دينهم لشدّة تصيبهم فـيها، ثم أتبع ذلك هذه الآية فمعلوم أنه إنـما أتبعه إياها توبـيخاً لهم علـى ارتدادهم عن الدين أو علـى شكهم فـيه نفـاقهم، استبطاء منهم السعة فـي العيش أو السبوغ فـي الرزق. وإذا كان الواجب أن يكون ذلك عقـيب الـخبر عن نفـاقهم، فمعنى الكلام إذن إذ كان ذلك كذلك: من كان يحسب أن لن يرزق الله مـحمداً صلى الله عليه وسلم وأمته فـي الدنـيا فـيوسع علـيهم من فضله فـيها، ويرزقهم فـي الآخرة من سَنـيّ عطاياه وكرامته، استبطاء منه فعل الله ذلك به وبهم، فلـيـمدد بحبل إلـى سماء فوقه: إما سقـف بـيت، أو غيره مـما يعلق به السبب من فوقه، ثم يختنق إذا اغتاظ من بعض ما قضى الله فـاستعجل انكشاف ذلك عنه، فلـينظر هل يذهبنّ كيده اختناقه كذلك ما يغيظ؟ فإن لـم يذهب ذلك غيظه، حتـى يأتـي الله بـالفرج من عنده فـيذهبه، فكذلك استعجاله نصر الله مـحمداً ودينه لن يُؤَخِّر ما قضى الله له من ذلك عن ميقاته ولا يعجَّل قبل حينه. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت فـي أسد وغطفـان، تبـاطئوا عن الإسلام، وقالوا: نـخاف أن لا يُنصر مـحمد صلى الله عليه وسلم فـينقطع الذي بـيننا وبـين حلفـائنا من الـيهود فلا يـميروننا ولا يُرَوُّوننا فقال الله تبـارك وتعالـى لهم: من استعجل من الله نصر مـحمد، فلـيـمدد بسبب إلـى السماء فلـيختنق فلـينظر استعجاله بذلك فـي نفسه هل هو مُذْهِبٌ غيظه؟ فكذلك استعجاله من الله نصر مـحمد غير مقدّم نصره قبل حينه.

واختلف أهل العربـية فـي «ما» التـي فـي قوله: {ما يَغِيظُ} فقال بعض نـحوِّيـي البصرة هي بـمعنى «الذي»، وقال: معنى الكلام: هل يذهبنّ كيده الذي يغيظه. قال: وحذفت الهاء لأنها صلة «الذي»، لأنه إذا صارا جميعا اسماً واحداً كان الـحذف أخفّ. وقال غيره: بل هو مصدر لا حاجة به إلـى الهاء، هل يذهبنّ كيده غيظه..

وقوله: {وكَذلكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَـيِّناتٍ} يقول تعالـى ذكره: وكما بـيَّنت لكم حُجَجي علـى من جحد قدرتـي علـى إحياء من مات من الـخـلق بعد فنائه فأوضحتها أيها الناس، كذلك أنزلنا إلـى نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم هذا القرآن آيات بـيِّنات، يعنـي دلالات واضحات، يهدين من أراد الله هدايته إلـى الـحقّ. {وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ} يقول جلّ ثناؤه: ولأن الله يوفق للصواب ولسبـيـل الـحقّ من أراد، أنزل هذا القرآن آيات بـيِّنات فأنَّ فـي موضع نصب.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ