انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحج

تفسير البغويالآيات 1–31

تفسير سورة الحج آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ ۝١ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ ۝٢

{يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ}، أي: احذروا عقابه بطاعته، {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ}، والزلزلة والزِّلْزال شدة الحركة على الحالة الهائلة، واختلفوا في هذه الزلزلة:

فقال علقمة والشعبي: هي من أشراط الساعة. وقيل: قيام الساعة.

وقال الحسن والسدي: هذه الزلزلة تكون يوم القيامة.

وقال ابن عباس: زلزلة الساعة قيامها فتكون معها.

{يَوْمَ تَرَوْنَهَا}، يعني الساعة، وقيل: الزلزلة، {تَذْهَلُ} قال ابن عباس: تشغل، وقيل: تنسىٰ، يقال: ذهلت عن كذا أي تركته واشتغلت بغيره. {كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ}، أي: كل امرأة معها ولد ترضعه، يقال: امرأة مرضع، بلا هاء، إذا أريد به الصفة، مثل حائض وحامل، فإذا أرادوا الفعل أدخلوا الهاء. {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا}، أي: تسقط ولدها من هول ذلك اليوم.

قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام، وهذا يدل على أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا لأن بعد البعث لا يكون حمل.

ومن قال: تكون في القيامة، قال هذا على وجه تعظيم الأمر لا على حقيقته، كقولهم: أصابنا أمر يشيب فيه الوليد، يريد به شدته.

{وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ}، قرأ حمزة والكسائي: "سكرى وما هم بسكرى" بلا ألف وهما لغتان في جمع السكران، مثل كسلى وكسالى.

قال الحسن: معناه: وترى الناس سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب.

وقيل: معناه: وترى الناس كأنهم سكارى، {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ}.

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي العبسي، أخبرنا وكيع عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم قم فابعثْ بَعْثَ النار، قال فيقول: لبيك وسعديك والخير كله في يديك، يا رب وما بعث النار؟ قال: فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فحينئذ يشيب المولود، وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، قال فيقولون: وأينا ذلك الواحد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسعمائة وتسعة وتسعون من يأجوج ومأجوج ومنكم واحد"، فقال الناس: الله أكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، والله إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، والله إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" قال فكبَّر الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو الشعرة السوداء في الثور الأبيض"».

وروي عن عمران بن حصين، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما:

أن هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بني المصطلق ليلاً فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحَثُّوا المطيَّ حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأها عليهم فلم يُر أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب، ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا قدراً، والناس ما بين باكٍ أو جالس حزين متفكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون أي يوم ذاك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذلك يوم يقول الله عز وجل لآدم قم فابعث بعث النار من ولدك، قال فيقول آدم: من كلٍ كم؟ فيقول الله عزّ وجل: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد في الجنة، قال: فكَبُر ذلك على المسلمين وبَكَوْا وقالوا: فمن ينجو إذاً يا رسول الله؟ فقال رسول الله: أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلاَّ كثّرتاه: يأجوج ومأجوج، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبروا وحمدوا الله، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبروا وحمدوا الله، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة، وإن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً، ثمانون منها أمتي، وما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب البعير وكالرقمة في ذراع الدابة، بل كالشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود. ثم قال: ويدخل من أمتي سبعون ألفاً الجنة بغير حساب، فقال عمر: سبعون ألفاً؟ قال: نعم ومع كل واحد سبعون ألفاً، فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله أدعُ الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله: أنت منهم، فقام رجل من الأنصار فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبقك بها عكاشة"

.

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَٰنٍ مَّرِيدٍ ۝٣

قوله عز وجل: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ}، نزلت في النضر بن الحارث، كان كثير الجدل، وكان يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وكان ينكر البعث وإحياء من صار تراباً.

قوله تعالى: {وَيَتَّبِعُ} أي: يتبع في جداله في الله بغير علم، {كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ}، والمَرِيد المتمرد المستمر في الشر.

كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ۝٤ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـًٔا وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ ۝٥

{كُتِبَ عَلَيْهِ}، قُضي على الشيطان، {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ}، اتبعه {فَأَنَّهُ}، يعني الشيطان: {يُضِلُّهُ}، أي: يضل من تولاه، {وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}، ثم ألزم الحجة على منكري البعث فقال:

{يََٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ}، في شك، {مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم} يعني: أباكم آدم الذي هو أصل النسل، {مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} يعني: ذريته، والنطفة هي المني، وأصلها الماء القليل وجمعها نِطاف، {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ}، وهي الدم الغليظ المتجمد، وجمعها عَلَق، وذلك أن النطفة تصير دماً غليظاً ثم تصير لحماً، {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ}، وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ، {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}.

قال ابن عباس وقتادة: "مخلّقة" أي تامة الخلق، "وغير مخلّقة" غير تامة أي ناقصة الخَلْق.

وقال مجاهد: مصورة وغير مصورة، يعني السقط.

وقيل: "المخلَّقة" الولد الذي تأتي به المرأة لوقته، "وغيرُ المخلقة" السقط.

روي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها مَلَك بكفِّه وقال: أيْ ربِّ مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة، قذفها الرحم دماً ولم تكن نسمة، وإن قال مخلقة، قال الملك: أيْ ربِّ أَذَكَرٌ أم أنثى، أشقي أم سعيد؟ ما الأجل ما العمل ما الرزق وبأي أرض تموت؟ فيقال له: اذهب إلى أمِّ الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك، فيذهب فيجدها في أم الكتاب فينسخها، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفته.

{لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ}، كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريف أطوار خلقكم ولتستدلوا بقدرته في ابتداء الخلق على قدرته على الإِعادة.

وقيل: لنبين لكم ما تأتون وما تذرون وما تحتاجون إليه في العبادة.

{وَنُقِرُّ فِى ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ}، فلا تمجه ولا تسقطه، {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}، وقت خروجها من الرحم تامة الخلق والمدة. {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ} من بطون أمهاتكم {طِفْلاً} أي: صغاراً، ولم يقل: أطفالاً، لأن العرب تذكر الجمع باسم الواحد. وقيل: تشبيهاً بالمصدر مثل عدل وزور. {ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ} يعني: الكمال والقوة.

{وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ}، من قبل بلوغ الكبر، {وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ}، أي: الهرم والخرف، {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً}، أي: يبلغ من السن ما يتغير عقله فلا يعقل شيئاً.

ثم ذكر دليلاً آخر على البعث فقال: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً}، أي: يابسة لا نبات فيها، {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ}، المطر، {ٱهْتَزَّتْ}، تحركت بالنبات وذلك أن الأرض ترتفع بالنبات فذلك تحركها، {وَرَبَتْ}، أي: ارتفعت وزادت، وقيل: فيه تقديم وتأخير معناه: ربت واهتزت وربا نباتها، فحذف المضاف، والاهتزاز في النبات أظهر، يقال: اهتز النبات أي: طال وإنما أُنِّث لذكر الأرض. وقرأ أبو جعفر: {وربأت} بالهمزة، وكذلك في حم السجدة، أي: ارتفعت وعلت.

{وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}، أي: صنف حسن يبهج به من رآه، أي: يُسَرُّ، فهذا دليل آخر على البعث.

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٦ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ ۝٧ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَٰبٍ مُّنِيرٍ ۝٨

{ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ}، أي: لتعلموا أن الله هو الحق، {وَأَنَّهُ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

{وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ}.

{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ}، يعني: النضر بن الحارث، {وَلاَ هُدًى}، بيان {وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ}.

ثَانِىَ عِطْفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَنُذِيقُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ۝٩ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ۝١٠ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ۝١١

{ثَانِىَ عِطْفِهِ} أي: متبختراً لتكبُّره. وقال مجاهد، وقتادة: لاوِي عنقه. قال عطية، وابن زيد: معرضاً عمّا يدعىٰ إليه تكبراً. قال ابن جريج: يعرض عن الحق تكبراً. والعِطفْ: الجانب، وعِطْفا الرجل: جانباه عن يمين وشمال وهو الموضع الذي يعطفه الإِنسان أي يلويه ويميله عند الإِعراض عن الشيء، نظيره قوله تعالى:

{ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً } [لقمان: 7]، وقال تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ } [المنافقون: 5]. {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}، عن دين الله، {لَهُ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ}، عذاب وهوان، وهو القتل ببدر، فقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي مُعيط يوم بدر صبراً. {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}.

ويقال له: {ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ}، فيعذبهم بغير ذنب وهو جل ذكره على أيّ وجه شاء تصرف في عبده، فحكمه عدل وهو غير ظالم.

قوله عز وجل: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ}، الآية نزلت في قوم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا قدم المدينة فصحَّ بها جسمه ونُتِجَتْ بها فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً وكثر مالهُ، قال: هذا دينٌ حسنٌ وقد أصبت فيه خيراً واطمأَن إليه، وإن أصابه مرض وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه وقلَّ مالُه، قال: ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شراً فينقلب عن دينه، وذلك الفتنة فأنزل الله عزّ وجلّ:

{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ}، أكثر المفسرين قالوا: على شك وأصله من حَرْف الشيء وهو طرفه، نحو حرف الجبل والحائط الذي كالقائم عليه غير مستقر، فقيل للشاكِّ في الدين إنه يعبد الله على حرف لأنه على طرف وجانب من الدين لم يدخل فيه على الثبات والتمكن وأصله كالقائم على حرف الجبل مضطرب غير مستقر، يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف لضعف قيامه، ولو عبدوا الله في الشكر على السراء والصبر على الضراء لم يكونوا على حرف، قال الحسن: هو المنافق يعبده بلسانه دون قلبه {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ}، صحةٌ في جسمه، وسعةٌ في معيشته، {ٱطْمَأَنَّ بِهِ}، أي: رضي وسكن إليه، {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ}، بلاء في جسده، وضيق في معيشته، {ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ}، ارتد ورجع على عقبه إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر، {خَسِرَ ٱلدُّنْيَا}، يعني هذا الشاك خسر الدنيا بفوات ما كان يؤمل، {وَٱلأَخِرَةَ}، بذهاب الدين والخلود في النار. قرأ يعقوب {خاسر} بالألف {وَٱلأَخِرَةَ} جَرٌّ. {ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ}، الظاهر.

يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلْبَعِيدُ ۝١٢ يَدْعُوا۟ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِۦ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ ۝١٣

{يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ}، إن عصاه ولم يعبده، {وَمَا لاَ يَنفَعُهُ}، إن أطاعه وعبده، {ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ}، عن الحق والرشد.

{يَدْعُواْ لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ}، هذه الآية من مشكلات القرآن وفيها أسئلة:

أولها قالوا: قد قال الله في الآية الأولى "يدعو من دون الله ما لا يضره"، وقال هاهنا: "لمن ضره أَقرب}، فكيف التوفيق بينهما.

قيل قوله في الآية الأولى "يدعو من دون الله ما لا يضره" أي: لا يضره ترك عبادته. وقوله: "لَمَنْ ضَرُّه أَقربُ" أي: ضر عبادته.

فإن قيل: قد قال "لَمَنْ ضرُّه أقربُ من نفعه" ولا نفع في عبادة الصنم أصلاً؟.

قيل: هذا على عادة العرب، فإنهم يقولون لِما لا يكون أصلاً: بعيدٌ، كقوله:

{ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ }[ق: 3] أي: لا رجع أصلاً، فلما كان نفع الصنم بعيداً، على معنى: أنه لا نفع فيه أصلاً، قيل: ضربه أقرب، لأنه كائن.

السؤال الثالث: قوله: {لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ} ما وجه هذه اللام؟ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هي صلة، مجازها: يدعو من ضره أقرب، وكذلك قرأها ابن مسعود. وقيل: "لمن ضره" أي إلى الذي ضره أقرب من نفعه. وقيل: "يدعو" بمعنى يقول: والخبر محذوف، أي يقول: لمن ضره أقرب من نفعه هو إله.

وقيل: معناه يدعو لمن ضره أقرب من نفعه يدعو، فحذف يدعو الأخيرة اجتزاء بالأولى، ولو قلت: يضرب لمن خيره أكثر من شره يضرب، ثم يحذف الأخير جاز.

وقيل: على التوكيد، معناه: يدعو والله لَمَنْ ضره أقرب من نفعه.

وقيل: "يدعو من" صلة قوله: "ذلك هو الضلال البعيد" يقول: ذلك هو الضلال البعيد يدعو، ثم استأنف فقال: "لمنْ ضره أقرب من نفعه" فيكون "من" في محل رفع بالابتداء وخبره: "لبئس المولى"، أي الناصر. وقيل: المعبود. "ولبئس العشير"، أي: الصاحب والمخالط، يعني: الوثن، والعرب تسمي الزوج عشيراً لأجل المخالطة.

إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ۝١٤ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُۥ مَا يَغِيظُ ۝١٥

قوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}.

{مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ}، يعني نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم {فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ}، أي: بحبل {إِلَى ٱلسَّمَآءِ} أراد بالسماء سقف البيت على قول الأكثرين، أي: ليشد حبلاً في سقف بيته فليختنق به حتى يموت، {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} الحبل بعد الاختناق. وقيل: "ثم ليقطع" أي ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقاً، {فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ}، صنيعه وحيلته، {مَا يَغِيظُ} "ما" بمعنى المصدر، أي: هل يذهبنّ كيدُه وحيلتُه غيظَه، معناه: فليختنقْ غيظاً حتى يموت. وليس هذا على سبيل الحتم أي: أن يفعله لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق والموت، ولكنه كما يقال للحاسد: إن لم تَرْضَ هذا فاختنق ومُتْ غيظاً.

وقال ابن زيد: المراد من السماء السماء المعروفة.

ومعنى الآية: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ويكيد في أمره ليقطعه عنه فليقطعه من أصله، فإن أصله من السماء، فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم الوحي الذي يأتيه فلينظر هل يقدر على إذهاب غيظه بهذا الفعل.

وروي أن هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان، دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإِسلام وكان بينهم وبين اليهود حلف، وقالوا: لا يمكننا أن نُسْلِم لأنا نخاف أن لا يُنْصرَ محمدٌ ولا يظهر أمره فينقطع الحلف بيننا وبين اليهود، فلا يميروننا ولا يؤوننا فنزلت هذه الآية.

وقال مجاهد: "النصر" بمعنى الرزق والهاء راجعة إلى {من} ومعناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة. نزلت فيمن أساء الظن بالله عز وجل وخاف ألا يرزقه الله، "فليمدد بسبب إلى السماء"، أي: إلى سماء البيت، فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ، وهو خيفة أن لا يرزق.

وقد يأتي النصر بمعنى الرزق، تقول العرب: من ينصرني نصره الله. أي: من يعطني أعطاه الله، قال أبو عبيدة: تقول العرب: أرض منصورة، أي: ممطورة.

قرأ أبو عمرو، ونافع، وابن عامر، ويعقوب: "ثم ليقطع" "ثم ليقضوا" بكسر اللام، والباقون بجزمها لأن الكل لام الأمر، زاد ابن عامر

{ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ } [الحج: 29] بكسر اللام فيهما، ومن كسر في: "ثم ليقطع" وفي "ثم ليقضوا" فرّق بأن ثَمَّ مفصول من الكلام، والواو كأنها من نفس الكلمة كالفاء في قوله "فلينظر".

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ ۝١٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ۝١٧

{وَكَذَٰلِكَ} أي: ومثل ذلك، يعني: ما تقدم من آيات القرآن، {أَنزَلْنَـٰهُ}، يعني: القرآن {ءَايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ}.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئِينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ}، يعني: عبدة الأوثان، {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ}، يحكم بينهم، {يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ}.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ۝١٨ هَٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ ۝١٩

{أَلَمْ تَرَ}، ألم تعلم، وقيل: {أَلَمْ تَرَ} تقرأ بقلبك {أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ}، قال مجاهد: سجودها تحول ظلالها. وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع ساجداً حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه. وقيل: سجودها بمعنى الطاعة فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله خاشع لله مسبح له كما أخبر الله تعالى عن السموات والأرض

{ قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِين }[فصلت: 11]، وقال في وصف الحجارة { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ }[البقرة: 74]، وقال تعالى: { وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [الإسراء: 44]، وهذا مذهبٌ حسنٌ موافق لقول أهل السنة.

قوله: {وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ}، أي: من هذه الأشياء كلها تسبح الله عزّ وجلّ "وكثير من الناس"، يعني المسلمين. {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ}، وهم الكفار لكفرهم وتركهم السجود وهم مع كفرهم تسجد ظلالهم لله عزّ وجلّ والواو في قوله: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ}، واو الاستئناف.

{وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ} أي: يهنه الله {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} أي: من يذله اللهُ فلا يكرمه أحدٌ، {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ}، أي: يكرم ويهين فالسعادة والشقاوة بإرادته ومشيئته.

قوله عز وجل: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ} أي: جادلوا في دينه وأمره، والخصم اسم شبيه بالمصدر، فلذلك قال: {ٱخْتَصَمُواْ} بلفظ الجمع كقوله:

{ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلمِحْرَابَ }[ص: 21]، واختلفوا في هذين الخصمين.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبر محمد بن إسماعيل، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو هاشم، عن أبي مِجْلَز، عن قيس بن عُباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسماً أن هذه الآية: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ} نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة.

وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا حجاج بن منهال، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعتُ أبي قال أخبرنا أبو مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ} قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة، وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.

قال محمد بن إسحاق خرج ـ يعني يوم بدر ـ عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة ودعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة: عوذ ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، فقالوا حين انتسبوا: أكفاء كرام، ثم نادى مناديهم: يا محمد أَخْرِجْ إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا عبيدة ابن الحارث ويا حمزة بن عبد المطلب ويا علي بن أبي طالب، فلما دَنَوْا قالوا مَنْ أنتم؟ فذكروا وقالوا: نعم أكفاء كرام فبارز عبيدةَ وكان أسن القوم عتبةُ، وبارز حمزةُ شيبةَ، وبارز عليٌ الوليدَ بنَ عتبة، فأما حمزةُ فلم يُمهل أن قتل شيبةَ، وعليٌّ الوليدَ، واختلف عبيدةُ وعتبةُ بينهما ضربتان كلاهما أثبتَ صاحبَهُ، فكرَّ حمزةُ وعليٌ بأسيافهما على عتبةَ فذفّفا عليه واحتملا عبيدةَ إلى أصحابه، وقد قُطعت رجلُه ومخُّها يسيل، فلما أتَوْا بعبيدةَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألستُ شهيداً يا رسول الله؟ قال: "بلى"، فقال عبيدةُ: لو كان أبو طالب حياً لعلمَ أنّا أحقُ بما قال منه حيث يقول:

ونسلمه حتى نصرع حولهونذهل عن أبنائنا والحلائل

وقال ابن عباس وقتادة: نزلت الآية في المسلمين وأهلِ الكتاب فقال أهلُ الكتاب: نحن أَولى بالله وأقدمُ منكم كتاباً، ونبيُّنا قبلَ نبيِّكم، وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله آمنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون نبيِّنا وكتابَنا وكفرتم به حسداً، فهذه خصومتهم في ربهم.

وقال مجاهد: وعطاء بن أبي رباح والكلبي: هم المؤمنون والكافرون كلُّهم من أي ملةٍ كانوا.

وقال بعضهم: جعل الأديان ستة في قوله تعالى:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ }[المائدة: 69] الآية، فجعل خمسة للنار وواحداً للجنة، فقوله تعالى: {هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ} ينصرف إليهم فالمؤمنون خَصْمٌ وسائرُ الخمسة خصمٌ.

وقال عكرمة: هما الجنة والنار اختصمتا كما أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد حسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: حدثنا أبو هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تحاجَّتِ الجنةُ والنارُ فقالت النار: أُوثرتُ بالمتكبرين والمتجبرين، وقالتِ الجنةُ: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاءُ الناس وسقَطُهم وغرَّتهُم؟ قال الله عزّ وجلّ للجنة: إنما أنتِ رحتمي أرحمُ بك مَنْ أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنتِ عذابي أعذّبُ بك مَنْ أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما مِلْؤها، فأما النار فلا تمتلىء حتى يضعَ الله فيها رجله فتقول قَطْ قَطْ، فهنالك تمتلىء ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله عزّ وجلّ ينشىء لها خَلْقاًثم بيّن الله عزّ وجلّ ما للخصمين فقال:

{فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ}، قال سعيد بن جبير: ثياب من نحاس مذاب، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حراً منه وسُمي باسم الثياب لأنها تحيط بهم كإحاطة الثياب.

وقال بعضهم: يلبس أهل النار مُقَطَّعات من النار، {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ}، الحميم: هو الماء الحار الذي انتهت حرارته.

يُصْهَرُ بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ ۝٢٠

{يُصْهَرُ بِهِ} أي: يذاب بالحميم، {مَا فِى بُطُونِهِمْ}، يقال: صهرتُ الإِليةَ والشحم بالنار إذا أذبتهما أصهرُها صهراً، معناه يذاب بالحميم الذي يصب من فوق رؤوسهم حتى يسقط ما في بطونهم من الشحوم والأحشاء، {وَٱلْجُلُودُ} أي: يشوي حرُّها جلودَهم فتتساقط.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن أبي حجيرة واسمه عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إن الحميمَ لَيصب على رؤوسهم فينفذُ الجمجمةَ حتى يخلُصَ إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرقَ من قدميه، وهو الصهر، ثم يُعادُ كما كان

.«

وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنْ حَدِيدٍ ۝٢١ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ۝٢٢ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ۝٢٣

قوله تعالى: {وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ}، سياطٌ من حديد واحدتها: مَقْمعة، قال الليث: المقمعة شبه الجرز من الحديد، من قولهم: قمعتُ رأسه، إذا ضربته ضرباً عنيفاً، وفي الخبر:

لو وضع مقمع من حديد في الأرض ثم اجتمع عليه الثقلان ما أقلّوه من الأرض . «

{كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ}، أي: كلما حاولوا الخروج من النار لما يلحقهم من الغم والكرْبِ الذي يأخذ بأنفاسهم {أُعِيدُواْ فِيهَا}، أي: رُدُّوا إليها بالمقامع. وفي التفسير: إن جهنم لَتجيشُ بهم فتلقيهم إلى أعلاها فيريدون الخروج منها فتضربهم الزبانيةُ بمقامع من الحديد فيهوون فيها سبعين خريفاً. {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}، أي: تقول لهم الملائكة: ذوقوا عذاب الحريق، أي: المُحْرِق، مثل الأليم والوجيع.

قال الزجاج: هؤلاء أحد الخصمين. وقال في الآخر، وهم المؤمنون.

{إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ}، جمع سوَار، {وَلُؤْلُؤاً}، قرأ أهل المدينة وعاصم "ولؤلؤاً" هاهنا وفي سورة الملائكة بالنصب وافق يعقوب هاهنا على معنى ويحلَّوْن لؤلؤاً، ولأنها مكتوبة في المصاحف بالألف، وقرأ الآخرون بالخفض عطفاً على قوله: "من ذهب"، ويترك الهمزة الأولى في كل القرآن أبو جعفر وأبو بكر، واختلفوا في وجه إثبات الألف، فيه، فقال أبو عمرو: أثبتوها كما أثبتوا في: قالوا وكانوا، وقال الكسائي: أثبتوها للهمزة، لأن الهمزة حرف من الحروف {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} أي: يلبسون في الجنة ثياب الإِبريسم وهو الذي حرم لبسه في الدنيا على الرجال.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن قتادة، عن داود السَّرَّاج، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

من لبس الحرير في الدنيا لم يُلبسْهُ الله إيّاه في الآخرة، فإن دخل الجنة لبسه أهلُ الجنة ولم يَلبسْهُ هو

.«

وَهُدُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ ۝٢٤ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۝٢٥

قوله عز وجل: {وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ}، قال ابن عباس: هو شهادةُ أن لا إله إلا الله. وقال ابن زيد: لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله. وقال السدي: أي القرآن. وقيل: هو قول أهل الجنة

{ ٱلْحَـمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ }. [الزمر: 74] {وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ}، إلى دين الله وهو الإِسلام، "والحميد" هو الله المحمود في أفعاله.

قوله عز وجل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}، عطف المستقبل على الماضي، لأن المراد من لفظ المستقبل الماضي، كما قال تعالى في موضع آخر:

{ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلاَ بَعِيداً }[النساء: 167]، معناه: إن الذين كفروا فيما تقدم، ويصدون عن سبيل الله في الحال، أي: وهم يصدون. {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}، أي: ويصدون عن المسجد الحرام. {ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ}، قبلةً لصلاتهم ومَنْسكاً ومُتعبداً كما قال: { وُضِعَ لِلنَّاسِ } [آل عمران: 96]. {سَوَآءً}، قرأ حفص عن عاصم ويعقوب: "سواء" نصباً بإيقاع الجعل عليه لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين. وقيل: معناه مستوياً فيه، {ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ}، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وما بعده خبر، وتمام الكلام عند قوله {لِلنَّاسِ} وأراد بالعاكف: المقيم فيه، والبادي الطارىء المنتاب إليه من غيره.

واختلفوا في معنى الآية، فقال قوم "سواء العاكف فيه والباد" أي: في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه، وإليه ذهب مجاهد والحسن وجماعة، وقالوا: المراد منه نفس المسجد الحرام. ومعنى التسوية: هو التسوية في تعظيم الكعبة في فضل الصلاة في المسجد الحرام والطواف بالبيت.

وقال آخرون: المراد منه جميع الحرم، ومعنى التسوية: أن المقيم والبادي سواء في النزول به، ليس أحدهما أحق بالمنزل يكون فيه من الآخر، غير أنه لا يزعج فيه أحد إذا كان قد سبق إلى منزل، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد، قالوا: هما سواء في البيوت والمنازل.

وقال عبد الرحمن بن سابط: كان الحُجّاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة بأحق بمنزله منهم. وكان عمر بن الخطاب ينهىٰ الناس أن يغلقوا أبوابَهم في الموسم، وعلى هذا القول لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها، وعلى القول الأول - وهو الأقرب إلى الصواب - يجوز، لأن الله تعالى قال:

{ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم }[الحج: 40]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فنسب الدار إليه نسب ملك، واشترى عمر داراً للسجن بمكة بأربعة آلاف درهم، فدل على جواز بيعها. وهذا قول طاووس وعمرو بن دينار، وبه قال الشافعي.

قوله عزّ وجلّ: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلحَادٍ بِظُلْمٍ} أي: في المسجد الحرام بإلحاد بظلم وهو الميل إلى الظلم، الباء في قوله: "بِإِلحاد" زائدة كقوله:

{ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ }[المؤمنون: 20]، ومعناه من يرد فيه إلحاداً بظلم، قال الأعشى: "ضمنت برزق عيالنا أرماحُنا"، أي: رزق عيالنا. وأنكر المبرد أن تكون الباء زائدة وقال: معنى الآية من تكن إرادته فيه بأن يلحد بظلم.

واختلفوا في هذا الإِلحاد، فقال مجاهد وقتادة: هو الشرك وعبادة غير الله.

وقال قوم: هو كل شيء كان منهياً عنه من قول أو فعل حتى شتم الخادم.

وقال عطاء: هو دخول الحرم غير محرم أو ارتكاب شيء من محظورات الحرام، من قتل صيد، أو قطع شجر.

وقال ابن عباس: هو أن تقتل فيه من لا يقتلك، أو تظلم من لا يظلمك، وهذا معنى قول الضحاك.

وعن مجاهد أنه قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات.

وقال حبيب بن أبي ثابت: هو احتكار الطعام بمكة.

وقال عبد الله بن مسعود في قوله: "ومن يُرِدْ فيه بِإِلحاد بظلمٍ نُذِقْهُ من عذاب أَليم"، قال: لو أن رجلاً همَّ بخطيئةٍ لم تكتب عليه، ما لم يعملْها، ولو أن رجلاً همَّ بقتلِ رجلٍ بمكةَ وهو بعدن أبين، أو ببلد آخر أذاقه الله من عذاب أليم. وقال السدي: إلا أن يتوب.

وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الآخر، فسئل عن ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإِلحاد فيه أن يقول الرجل كلا والله، وبلى والله.

وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْـًٔا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ۝٢٦

قوله عز وجل: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ}، أي: وطَّأنا. وقال ابن عباس: جعلنا. وقيل: بينَّا قال الزجاج: جعلنا مكان البيت [مبوءاً لإبراهيم. وقال مقاتل بن حيان: هيأنا. وإنما ذكرنا مكان البيت] لأن الكعبة رفعت إلى السماء زمان الطوفان، ثم لما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء البيت لم يدرِ أين يبني فبعث اللهُ ريحاً خجوجاً فكنَّست له ما حول البيت على الأساس.

وقال الكلبي: بعث الله سحابةً بقدر البيت فقامت بحيال البيت وفيها رأس يتكلم يا إبراهيم ابنِ على قَدَري فبني عليه. قوله تعالى: {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً} أي: عهدنا إلى إبراهيم وقلنا له لا تشرك بي شيئاً، {وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ}، يعني: الذين يطوفون بالبيت، {وَٱلْقَآئِمِينَ} أي: المقيمين، {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}، أي: المصلين.

وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ۝٢٧ لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَٰمِ فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ۝٢٨

{وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ} أي: أعلمْ ونادِ في الناس، {بِٱلْحَجِّ}، فقال إبراهيم وما يبلغ صوتي؟ فقال: عليك الأذانُ وعليَّ البلاغُ، فقام إبراهيم على المَقام فارتفع المقامُ حتى صار كأطول الجبال فأدخل أصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً وقال: يا أيها الناس أَلا إن ربكم قد بنى لكم بيتاً وكتب عليكم الحجَ إلى البيت فأجيبوا ربكم، فأجابه كل من كان يحج من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك، قال ابن عباس: فأول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجاً.

وروى أن إبراهيم صعد أبا قبيس ونادى. وقال ابن عباس عنى بالناس في هذه الآية أهل القبلة، وزعم الحسن أن قوله: "وأذن في الناس بالحج" كلام مستأنف وأن المأمور بهذا التأذين محمد صلى الله عليه وسلم أُمِرَ أن يفعل ذلك في حجة الوداع.

وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أيها الناس قد فُرض عليكم الحج فحجوا .«

قوله تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالاً}، مشاة على أرجلهم جمع راجل، مثل قائم وقيام وصائم وصيام، {وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ}، أي: ركباناً على كل ضامر، والضامر: البعير المهزول. {يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} أي: من كل طريق بعيد، وإنما جمع "يأتين" لمكان كل وإرادة النوق.

{لِّيَشْهَدُواْ}، ليحضروا، {مَنَـٰفِعَ لَهُمْ}، قال سعيد بن المسيب، ومحمد بن علي الباقر: العفو والمغفرة. وقال سعيد بن جبير: التجارة، وهي رواية ابن زيد عن ابن عباس، قال الأسواق. وقال مجاهد: التجارة وما يَرضى الله به من أمر الدنيا والآخرة. {وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ}، يعني عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين. قيل: لها "معلومات" للحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها. ويروى عن علي رضي الله عنه: أنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وفي رواية عطاء عن ابن عباس أنها يوم عرفة والنحر وأيام التشريق. وقال مقاتل: المعلومات أيام الشتريق. {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ}، يعني: الهدايا، والضحايا، تكون من النعم، وهي الإِبل والبقر والغنم.

واختار الزجاج أن الأيام المعلومات: يوم النحر وأيام التشريق، لأن الذكر على بهيمة الأنعام يدل على التسمية على نحرها، ونحر الهدايا يكون في هذه الأيام. {فَكُلُواْ مِنْهَا} أمر إباحة ليس بواجب، وإنما قال ذلك لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئاً، واتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعاً يجوز للمهدي أن يأكل منه وكذلك أضحية التطوع لِما.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل ابن جعفر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال في قصة حجة الوداع: وقدم علي ببدن من اليمن وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فنحر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين بدنة بيده ونحر عليَّ ما بقي، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤخذ بَضْعةٌ من كل بدنة فتجعل في قدر، فأكلا من لحمها وحسيا من مرقها.

واختلفوا في الهدي الواجب بالشرع هل يجوز للمهدي أن يأكل منه شيئاً؟ مثل دم التمتع والقِرَان والدم الواجب بإفساد الحج وفواته وجزاء الصيد.

فذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يأكل منه شيئاً، وبه قال الشافعي، وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر، وقال ابن عمر: لا يأكل من جزاء الصيد والنذر، ويأكل مما سوى ذلك، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال مالك: يأكل من هدي التمتع ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور، وعند أصحاب الرأي يأكل من دم التمتع والقِرَان ولا يأكل من واجب سواهما.

قوله عزّ وجلّ: {وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ}، يعني: الزَّمِن الفقير الذي لا شيء له و"البائس" الذي اشتد بؤسه، والبؤس شدة الفقر.

ثُمَّ لْيَقْضُوا۟ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا۟ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ۝٢٩

{ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ}، التفث: الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار والشَّعَث، تقول العرب لمن تستقذره: ما أتفثك: أي: أوسخك. والحاج أشعث أغبر، لم يحلق شعره ولم يقلم ظفره، فقضاء التفث: إزالة هذه الأشياء ليقضوا تفثهم، أي: ليزيلوا أدرانهم، والمراد منه الخروج عن الإِحرام بالحلق، وقص الشارب، ونتف الإِبط، والاستحداد، وقلم الأظفار، ولبس الثياب. قال ابن عمر وابن عباس: "قضاء التفث": مناسك الحج كلها. وقال مجاهد: هو مناسك الحج، وأخذ الشارب، ونتف الإِبط، وحلق العانة، وقلم الأظفار. وقيل: التفث هاهنا رمي الجمار. قال الزجاج: لا نعرف التفث ومعناه إلا من القرآن.

قوله تعالى: {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ}، قال مجاهد: أراد نذر الحج والهدي وما ينذر الإِنسان من شيء يكون في الحج أي: ليتموها بقضائها. وقيل: المراد منه الوفاء بما نذر على ظاهره. وقيل: أراد به الخروج. عما وجب عليه نذر أو لم ينذر. والعرب تقول لكل من خرج عن الواجب عليه وَفّى بنذره. وقرأ عاصم برواية أبي بكر "ولْيوَفُّوا" بنصب الواو وتشديد الفاء.

{وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}، أراد به الطواف الواجب عليه وهو طواف الإِفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق.

والطواف ثلاثة: طواف القدوم، وهو أن من قدم مكة يطوف بالبيت سبعاً يرمل ثلاثاً من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه ويمشي أربعاً، وهذا الطواف سنة لا شيء على من تركه.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أحمد هو ابو عيسى، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل القرشي أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتني عائشة أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت ثم لم يكن عمرة، ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن عمرة، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت.

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

أنه كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم يسعى ثلاثة أطواف ويمشي أربعاً، ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة سبعاً.

والطواف الثاني: هو طواف الإِفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق، وهو واجب لا يحصل التحلل من الإِحرام ما لم يأتِ به.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، أخبرنا الأعمش، أخبرنا إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت:

حاضت صفية ليلة النفر فقالت: ما أراني إلا حابستكم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَقري حلقى أطافت يوم النحر؟ قيل: نعم، قال: فانفري». فثبت بهذا أنّ من لم يطف يوم النحر طواف الإِفاضة لا يجوز له أن ينفر.

والطواف الثالث: هو طواف الوداع لا رخصة فيه لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر أن يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعاً، فمن تركه فعليه دم إلا المرأة الحائض يجوز لها ترك طواف الوداع.

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاووس عن ابن عباس، قال: أُمر الناس أن يكون آخرَ عهدهم الطواف بالبيت إلا أنه رُخِّصَ للمرأة الحائض.

والرَّمَل مختص بطواف القدوم، ولا رمل في طواف الإِفاضة والوداع.

قوله: {بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} اختلفوا في معنى "العتيق": قال ابن عباس، وابن الزبير ومجاهد وقتادة: سمي عتيقاً لأن الله أعتقه من أيدي الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه، فلم يظهر عليه جبار قط. قال سفيان بن عُيَيْنَة: سمي عتيقاً لأنه لم يُملك قطُّ، وقال الحسن وابن زيد: سُمي به لأنه قديم وهو أول بيت وضع للناس، يقال: دينار عتيق أي قديم، وقيل: سمي عتيقاً لأن الله أعتقه من الغرق، فإنه رُفع أيام الطوفان.

ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلْأَنْعَٰمُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَٰنِ وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ ۝٣٠ حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِۦ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ ۝٣١

{ذَٰلِكَ} أي: الأمر ذلك، يعني ما ذكر من أعمال الحج، {وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ}، أي معاصي الله وما نهى عنه، وتعظيمها ترك ملابستها. قال الليث: حرمات الله ما لا يحل انتهاكها. وقال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه، وذهب قوم إلى أن معنى الحرمات هاهنا: المناسك، بدلالة ما يتصل بها من الآيات. وقال ابن زيد: الحرمات هاهنا: البيت الحرام، والبلد الحرام والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والإِحرام. {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ}، أي: تعظيم الحرمات، خير له عند الله في الآخرة.

قوله عز وجل: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَـٰمُ}، أن تأكلوها إذا ذبحتموها وهي الإِبل والبقر والغنم، {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}، تحريمه، وهو قوله في سورة المائدة:

{ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ }[المائدة: 3]، الآية، {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ} أي: عبادتها، يقول: كونوا على جانب منها فإنها رجس، أي: سبب الرجس، وهو العذاب، والرجس: بمعنى الرجز. وقال الزجاج: (من) هاهنا للتجنيس أي: اجتنبوا الأوثان التي هي رجس،{وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ}، يعني: الكذب والبهتان. وقال ابن مسعود: شهادة الزور، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيباً فقال:يا أيها الناس عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ هذه الآية. وقيل: هو قول المشركين في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك.

{حُنَفَآءَ لِلَّهِ}، مخلصين له، {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}، قال قتادة: كانوا في الشرك يحجون، ويحرِّمون البنات والأمهات والأخوات، وكانوا يُسمون حنفاء، فنزلت: "حنفاء لله غير مشركين به" أي: حجاجاً لله مسلمين موحدين، يعني: مَنْ أشرك لا يكون حنيفاً.

{وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ}، أي: سقط، {مِنَ ٱلسَّمَآءِ}، إلى الأرض، {فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ}، أي: تستلبه الطير وتذهب به، والخطف والاختطاف: تناول الشيء بسرعة، وقرأ أهل المدينة: فتخَطّفه بفتح الخاء وتشديد الطاء، أي: يتخطفه، {أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ}، أي: تميل وتذهب به، {فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ}، أي: بعيد، معناه: بُعْدَ من أشرك من الحق كبعد من سقط من السماء فذهبت به الطير، أو هَوَتْ به الريح، فلا يصل إليه بحال. وقيل: شبَّه حال المشرك بحال الهاوي من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع بحيث تُسقطه الريح، فهو هالك لا محالة إما باستلاب الطير لحمه وإما بسقوطه إلى المكان السحيق، وقال الحسن: شبَّه أعمال الكفار بهذه الحال في أنها تذهب وتبطل فلا يقدرون على شيء منها.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ