انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحج

تفسير الطبريالآيات 53–78

تفسير سورة الحج آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الحج

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:03:54

  1. 1 الآيات 38–59في هذه الصفحة 15:16
  2. 2 الآيات 60–78في هذه الصفحة 15:35

التفسير الصوتي لسورة الحج كاملًا (4 مقاطع)

لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَٰنُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ ۝٥٣

يقول تعالـى ذكره: فـينسخ الله ما يـلقـي الشيطان، ثُم يُحكم الله آياته، كي يجعل ما يـلقـي الشيطان فـي أمنـية نبـيه من البـاطل، كقول النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

تلك الغرانـيق العُلَـى، وإن شفـاعتهن لُترَتَـجَى. {فِتْنَةً } يقول: اختبـاراً يختبر به الذين فـي قلوبهم مرض من النفـاق وذلك الشكّ فـي صد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقـيقة ما يخبرهم به.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان يتـمنى أن لا يعيب الله آلهة الـمشركين، فألقـى الشيطان فـي أمنـيته، فقال: «إن الآلهة التـي تدعي أن شفـاعتها لترتـجى وإنها لَلْغرانـيق العُلَـى». فنسخ الله ذلك، وأحكم الله آياته:

{ أفرأيتـمُ اللاَّتَ والعُزَّى } حتـى بلغ: مِنْ سُلْطانٍ قال قتادة: لـما ألقـى الشيطان ما ألقـى، قال الـمشركون: قد ذكر الله آلهتهم بخير ففرحوا بذلك، فذكر قوله:{ لِيَجْعَل ما يُـلْقِـي الشَّيْطانُ فِتْنَةً للَّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، بنـحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، فـي قوله:{ لِـيَجْعَل ما يُـلْقِـي الشَّيْطانُ فِتْنَةً للَّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} يقول: وللذين قست قلوبهم عن الإيـمان بـالله، فلا تلـين ولا ترعوي، وهم الـمشركون بـالله.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج:{ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } قال: الـمشركون.

وقوله:{ وَإنَّ الظَّالِـمِينَ لَفِـي شِقاقٍ بَعِيدٍ } يقول تعالـى ذكره: وإن مشركي قومك يا مـحمد لفـي خلاف الله فـي أمره، بعيد من الـحقّ.

وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا۟ بِهِۦ فَتُخْبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٥٤

يقول تعالـى ذكره: وكي يعلـم أهل العلـم بـالله أن الذي أنزله الله من آياته التـي أحكمها لرسوله ونسخ ما ألقـي الشيطان فـيه، أنه الـحقّ من عند ربك يا مـحمد{ فُـيؤْمِنُوا بِهِ } يقول: فـيصدّقوا به.{ فتُـخْبِتَ له قُلُوبُهُمْ } يقول: فتـخضع للقرآن قلوبهم، وتذعن بـالتصديق به والإقرار بـما فـيه.{ وَإنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلـى صِرَاطٍ مُسْتَقِـيـمٍ } وإن الله لـمرشد الذين آمنوا بـالله ورسوله إلـى الـحقّ القاصد والـحقّ الواضح، بنسخ ما ألقـي الشيطان فـي أمنـية رسوله، فلا يضرّهم كيد الشيطان وإلقاؤه البـاطل علـى لسان نبـيهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج:{ وَلِـيَعْلَـمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ أنَّهُ الـحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} قال: يعنـي القرآن.

وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ۝٥٥

يقول تعالـى ذكره: ولا يزال الذين كفرا بـالله فـي شكّ.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي الهاء التـي فـي قوله: «منه» من ذكر ما هي؟ فقال بعضهم: هي من ذكر قول النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

تلك الغرانـيق العُلَـى، وإن شفـاعتهن لترتـجى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جُبـير:{ وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِـي مِرْيَةٍ مِنْهُ } من قوله:

تلك الغرانـيق العلـى، وإن شفـاعتهن ترتـجى

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِـي مِرْيَةٍ مِنْهُ} قال: مـما جاءك به إبلـيس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة.

وقال آخرون: بل هي من ذكر سجود النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي النـجم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبـير:{ وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِـي مِرْيَةٍ مِنْهُ} قال: فـي مِرْية من سجودك.

وقال آخرون: بل هي من ذكر القرآن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج:{ وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِـي مِرْيَةٍ مِنْهُ } قال: من القرآن.

وأولـى هذه الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله:

{ وَلِـيَعْلَـمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ أنَّهُ الْـحَقُّ مِنْ رَبِّكَ }أقرب منه من ذكر قوله: { فَـيَنُسَخُ اللَّهُ ما يُـلْقـي الشَّيْطانُ }والهاء من قوله «أنه» من ذكر القرآن، فإلـحاق الهاء فـي قوله:{ فِـي مِرْيَةٍ مِنْهُ} بـالهاء من قوله:{ أنَّهُ الـحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} أولـى من إلـحاقها ب «ما» التـي فـي قوله:{ ما يُـلْقِـي الشَّيْطانُ} مع بُعد ما بـينهما.

وقوله:{ حتـى تَأْتـيَهُمُ السَّاعَةُ } يقول: لا يزال هؤلاء الكفـار فـي شك من أمر هذا القرآن إلـى أن تأتـيهم الساعة{ بَغْتَةً} وهي ساعة حشر الناس لـموقـف الـحساب بغتة، يقول: فجأة.{ أوْ يَأْتـيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِـيـمٍ}} واختلف أهل التأويل فـي هذا الـيوم أيّ يوم هو؟ فقال بعضهم: هو يوم القـيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: ثنا شيخ من أهل خراسان من الأزد يكنـي أبـا ساسان، قال: سألت الضحاك، عن قوله: {عَذَابُ يَوْمٍ عَقِـيـمٍ} قال: عذاب يوم لا لـيـلة بعده.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبوُ تـمَيـلة، عن أبـي حمزة، عن جابر، عن عكرِمة. أن يوم القـيامة لا لـيـلة له.

وقال آخرون: بل عنـي به يوم بدر. وقالوا: إنـما قـيـل له يوم عقـيـم، أنهم لـم ينظروا إلـى اللـيـل، فكان لهم عقـيـماً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: {عَذَابُ يَوْمٍ عَقِـيـمٍ } يوم بدر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج:{ أوْ يَأْتـيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِـيـمٍ} قال ابن جُرَيج: يوم لـيس فـيه لـيـلة، لـم يناظروا إلـى اللـيـل. قال مـجاهد: عذاب يوم عظيـم.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو تُـمَيـلة، عن أبـي حمزة، عن جابر، قال: قال مـجاهد: يوم بدر.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو إدريس، قال: أخبرنا الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جُبـير، فـي قوله:{ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِـيـمٍ } قال: يوم بدر.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قوله: عَذَابُ يَوْمٍ عَقِـيـمٍ قال: هو يوم بدر. ذكره عن أبـيّ بن كعب.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله:{ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِـيـمٍ } قال: هو يوم بدر. عن أبـيّ بن كعب.

وهذا القول الثانـي أولـى بتأويـل الآية لأنه لا وجه لأن يقال: لا يزالون فـي مرية منه حتـى تأتـيهم الساعة بغتة، أو تأتـيهم الساعة وذلك أن الساعة هي يوم القـيامة، فإن كان الـيوم العقـيـم أيضا هو يوم القـيامة فإنـما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرّتـين بـاختلاف الألفـاظ، وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك، فأولـى التأويـلـين به أصحهما معنى وأشبههما بـالـمعروف فـي الـخطاب، وهو ما ذكرناه من معناه.

فتأويـل الكلام إذن: ولا يزال الذين كفروا فـي مرية منه، حتـى تأتـيهم الساعة بغتة فـيصيروا إلـى العذاب الدائم، أو يأتـيهم عذاب يوم عقـيـم له فلا ينظروا فـيه إلـى اللـيـل ولا يؤخروا فـيه إلـى الـمساء، لكنهم يقتلون قبل الـمساء.

ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ۝٥٦ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝٥٧

يقول تعالـى ذكره: السلطان والـمُلك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له ولا ينازعه يومئذ منازع وقد كان فـي الدنـيا ملوك يُدعون بهذا الاسم ولا أحد يومئذ يدعي ملكاً سواه.{ يَحْكُمُ بَـيْنهُمْ} يقول: يفصل بـين خـلقه الـمشركين به والـمؤمنـين. {فـالَّذين آمَنُوا} بهذا القرآن، وبـمن أنزله، ومن جاء به، وعملوا بـما فـيه من حلاله وحرامه وحدوده وفرائضه {فـي جَنَّاتِ النعيـم} يومئذ.{ والَّذِينَ كَفَرُوا } بـالله ورسوله، {وكَذَّبُوا} بآيَات كتابه وتنزيـله، وقالوا: لـيس ذلك من عند الله، إنـما هو إفك افتراه مـحمد وأعانه علـيه قوم آخرون{فأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} يقول: فـالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القـيامة عذاب مهين، يعنـي عذاب مذلّ فـي جهنـم.

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓا۟ أَوْ مَاتُوا۟ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ۝٥٨

يقول تعالـى ذكره: والذين فـارقوا أوطانهم وعشائرهم فتركوا ذلك فـي رضا الله وطاعته وجهاد أعدائه ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك،{ لَـيْرُزَقَّنُهُم الله} يوم القـيامة فـي جناته {رِزْقا حَسَنَاً} يعنـي بـالـحسن: الكريـم وإنـما يعنـي بـالرزق الـحسن: الثواب الـجزيـل.{ وَإنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِـينَ} يقول: وإن الله لهو خير من بسط فضله علـى أهل طاعته وأكرمهم، وذكر أن هذه الآية نزلت فـي قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا فـي حكم من مات فـي سبـيـل الله، فقال بعضهم: سواء الـمقتول منهم والـميت، وقال آخرون: الـمقتول أفضل. فأنزل الله هذه الآية علـى نبـيه صلى الله عليه وسلم، يعلـمهم استواء أمر الـميت فـي سبـيـله والـمقتول فـيها فـي الثواب عنده. وقد:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عبد الرحمن بن شريح، عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرا علـى الأربـاع، فخرج بجنازتـي رجلـين، أحدهما قتـيـل والآخر متوفـي فرأى ميـل الناس مع جنازة القتـيـل إلـى حفرته، فقال: أراكم أيها الناس تـميـلون مع القتـيـل وتفضلونه علـى أخيه الـمتوفـي؟ [فقالوا: هذا القتـيـل فـي سبـيـل الله. فقال] فوالذي نفسي بـيده ما أبـالـي من أيّ حفرتـيهما بُعثت اقرءوا قول الله تعالـى:{ وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِـي سَبِـيـلِ اللَّهِ ثمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا}... إلـى قوله:{ وَإنَّ اللَّهَ لَعَلِـيـمٌ حَلِـيـمٌ}.

لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُۥ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ۝٥٩

يقول تعالى ذكره: لـيدخـلنّ الله الـمقتول فـي سبـيـله من الـمهاجرين والـميت منهم {مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ} وذلك الـمدخـل هو الـجنة. {وَإنَّ اللَّهَ لَعَلِـيـمٌ} بـمن يهاجر فـي سبـيـله مـمن يخرج من داره طلب الغنـيـمة أو عَرَض من عروض الدنـيا.{ حَلِـيـمٌ } عن عصاة خـلقه، بتركه معاجلتهم بـالعقوبة والعذاب.

ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ۝٦٠

يعني تعالى ذكره بقوله:{ ذلكَ} لهذا لهؤلاء الذين هاجروا فـي سبـيـل الله، ثم قُتلوا أو ماتوا، ولهم مع ذلك أيضاً أن الله يعدهم النصر علـى الـمشركين الذين بغوا علـيهم فأخرجوهم من ديارهم. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج:{ ذلكَ وَمَنْ عاقَبَ بِـمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ} قال: هم الـمشركون بغَوْا علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فوعده الله أن ينصره، وقال فـي القصاص أيضاً.

وكان بعضهم يزعم أن هذه الآية نزلت فـي قوم من الـمشركين لقوا قوماً من الـمسلـمين للـيـلتـين بقـيتا من الـمـحرّم، وكان الـمسلـمون يكرهون القتال يومئذ فـي الأشهر الـحرم، فسأل الـمسلـمون الـمشركين أن يكفُّوا عن قتالهم من أجل حرمة الشهر، فأبى الـمشركون ذلك، وقاتلوهم فبغَوْا علـيهم، وثبت الـمسلـمون لهم فنُصروا علـيهم، فأنزل الله هذه الآية:{ ذلكَ وَمَنْ عاقَبَ بِـمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَـيْهِ} بأن بدىء بـالقتال وهو له كاره،{ لَـيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ}. وقوله:{ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوّ غَفُورٌ} يقول تعالـى ذكره: إن الله لذو عفو وصفح لـمن انتصر مـمن ظلـمه من بعد ما ظلـمه الظالـم بحقّ، غفور لـما فعل ببـادئه بـالظلـم مثل الذي فعل به غير معاقبه علـيه.

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ ۝٦١

يعنـي تعالـى ذكره بقوله:{ ذلكَ} هذا النصر الذي أنصره علـى من بغى علـيه علـى البـاغي، لأنـي القادر علـى ما أشاء. فمن قُدرته أن الله{ يُولِـجُ اللَّـيْـلَ فـي النَّهارِ} يقول: يدخـل ما ينقص من ساعات اللـيـل فـي ساعات النهار، فما نقص من هذا زاد فـي هذا.{ وَيُولِـجُ النَّهارَ فِـي اللَّـيْـلِ} ويدخـل ما انتقص من ساعات النهار فـي ساعات اللـيـل، فما نقص من طول هذا زاد فـي طول هذا، وبـالقُدرة التـي يَفْعَلُ ذلك ينصر مـحمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه علـى الذين بغوا علـيهم فأخرجوهم من ديارهم وأموالهم.{ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} يقول: وفعل ذلك أيضاً بأنه ذو سمع لـما يقولون من قول لا يخفـى علـيه منه شيء، بصير بـما يعملون، لا يغيب عنه منه شيء، كل ذلك منه بـمرأى ومسمع، وهو الـحافظ لكل ذلك، حتـى يجازى جميعهم علـى ما قالوا وعملوا من قول وعمل جزاءه.

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ۝٦٢

يعنـي تعالـى ذكره بقوله {ذَلكَ } هذا الفعل الذي فعلت من إيلاجي اللـيـل فـي النهار وإيلاجِي النهار فـي اللـيـل لأنـي أنا الـحقّ الذي لا مثل لـي ولا شريك ولا ندّ، وأن الذي يدعوه هؤلاء الـمشركون إلهاً من دونه هو البـاطل الذي لا يقدر علـى صنعة شيء، بل هو الـمصنوع يقول لهم تعالـى ذكره: أفتتركون أيها الـجهال عبـادة من منه النفع وبـيده الضر وهو القادر علـى كل شيء وكلّ شيء دونه، وتعبدون البـاطل الذي لا تنفعكم عبـادته. وقوله:{ وأنَّ اللَّهَ هُوَ العَلِـيُّ الكَبـيرُ} يعنـي بقوله:{ العَلِـيّ } ذو العلوّ علـى كل شيء، هو فوق كلّ شيء وكل شيء دونه. {الكَبِـيرُ} يعنـي العظيـم، الذي كل شيء دونه ولا شيء أعظم منه.

وكان ابن جُرَيج يقول فـي قوله:{ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البـاطلُ } ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، فـي قوله: {وأنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البـاطِلُ} قال: الشيطان.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله:{ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } فقرأته عامة قرّاء المدينة والحجاز: {تَدْعُونَ } بـالتاء علـى وجه الـخطاب وقرأته عامة قرّاء العراق غير عاصم بـالـياء علـى وجه الـخبر، والـياء أعجب القراءتـين إلـيّ، لأن ابتداء الـخبر علـى وجه الـخطاب.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ۝٦٣

يقول تعالـى ذكره:{ ألَـمْ تَرَ} يا مـحمد {أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً } يعنـي مطراً، {فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً} بـما ينبت فـيها من النبـات. {إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ} بـاستـخراج النبـات من الأرض بذلك الـماء وغير ذلك من ابتداع ما شاء أن يبتدعه. {خَبِـيرٌ} بـما يحدث عن ذلك النبت من الـحبّ وبه. قال:{ فَتُصْبِحُ الأرْضُ} فرفع، وقد تقدمه قوله:{ ألَـمْ تَرَ } وإنـما قـيـل ذلك كذلك لأن معنى الكلام الـخبر، كأنه قـيـل: أعلـم يا مـحمد أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض ونظير ذلك قول الشاعر:

ألَمْ تَسْأَلِ الرّبْعَ القَدِيمَ فـيَنْطِقُ وهلْ تُـخْبِرَنْكَ اليوْمَ بَيْداءُ سَمْلَقُ

لأن معناه: قد سألته فنطق.

لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ۝٦٤

يقول تعالـى ذكره: له مُلك ما فـي السموات وما فـي الأرض من شيء هم عبـيده ومـمالـيكه وخـلقه، لا شريك له فـي ذلك ولا فـي شيء منه، وإن الله هو الغنـيّ عن كل ما فـي السموات وما فـي الأرض من خـلقه وهم الـمـحتاجون إلـيه، الـحميد عند عبـاده فـي إفضاله عليهم وأياديه عندهم.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۝٦٥

يقول تعالى ذكره: ألـم تر أن الله سخر لكم أيها الناس ما فـي الأرض من الدّوابّ والبهائم، فذلك كله لكم تصرفونه فـيـما أردتـم من حوائجكم.{ والفُللْكَ تَـجْرِي فـي البَحْرِ بأمْرِهِ } يقول: وسخر لكم السفن تـجري فـي البحر بأمره، يعنـي بقُدرته، وتذليله إياها لكم كذلك.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {والفُلْكَ تَـجْرِي} فقرأته عامة قرّاء الأمصار:{ والفُلْكَ} نصبـا، بـمعنى سخر لكم ما فـي الأرض، والفلك عطفـاً علـى «ما»، وعلـى تكرير «أن» وأن الفلك تـجري. ورُوي عن الأعرج أنه قرأ ذلك رفعاً علـى الابتداء. والنصب هو القراءة عندنا فـي ذلك لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه. {ويـمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلـى الأرْضِ} يقول: ويـمسك السماء بقَدرته كي لا تقع علـى الأرض إلا بأذنه. ومعنى قوله:{ أنْ تَقَعَ}: أن لا تقع. {إنَّ اللَّهَ بـالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} بـمعنى: أنه بهم لذو رأفة ورحمة فمن رأفته بهم ورحمته لهم أمسك السماء أن تقع علـى الأرض إلا بإذنه، وسخر لكم ما وصف فـي هذه الآية تفضلاً منه علـيكم بذلك.

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَكَفُورٌ ۝٦٦ لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِى ٱلْأَمْرِ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ ۝٦٧

يقول تعالى ذكره: والله الذي أنعم عليكم هذه النعم، هو الذي جعل لكم أجساماً أحياء بحياة أحدثها فـيكم، ولـم تكونوا شيئاً، ثم هو يـميتكم من بعد حياتكم فـيفنـيكم عند مـجيء آجالكم ثم يحيـيكم بعد مـماتكم عند بعثكم لقـيام الساعة.{ إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ} يقول: إن ابن آدم لـجحود لنعم الله التـي أنعم بها علـيه من حُسن خـلقه إياه، وتسخيره له ما سخر مـما فـي الأرض والبرّ والبحر، وتركه إهلاكه بإمساكه السماء أن تقع علـى الأرض بعبـادته غيره من الآلهة والأنداد، وتركه إفراده بـالعبـادة وإخلاص التوحيد له.

وقوله:{ لِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً} يقول: لكل جماعة قوم هي خـلت من قبلك، جعلنا مألفـاً يألفونه ومكانا يعتادونه لعبـادتـي فـيه وقضاء فرائضي وعملاً يـلزمونه. وأصل الـمنسك فـي كلام العرب الـموضع الـمعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لـخير أو شرّ يقال: إن لفلان منسكاً يعتاده: يراد مكانا يغشاه ويألفه لـخير أو شرّ. وإنـما سميت مناسك الـحجّ بذلك، لتردّد الناس إلـى الأماكن التـي تعمل فـيها أعمال الـحجّ والعُمرة. وفـيه لغتان: «مَنْسِك» بكسر السين وفتـح الـميـم، وذلك من لغة أهل الـحجاز، و «مَنْسَك» بفتـح الـميـم والسين جميعاً، وذلك من لغة أسد. وقد قرىء بـاللغتـين جميعا.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بقوله:{ لِكُلّ أُمةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً}: أيّ الـمناسك عنـي به؟ فقال بعضهم: عنـي به: عيدهم الذي يعتادونه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ لِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ } يقول: عيداً.

وقال آخرون: عنـي به ذبح يذبحونه ودم يهريقونه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، قال: ثنا ابن جُرَيج، عن مـجاهد، فـي قوله: {لِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ } قال: إراقة الدم بـمكة.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ هُمْ ناسِكُوهُ} قال: إهراق دماء الهدي.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: {مَنْسَكاً} قال: ذبحاً وحجّاً.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: عنـي بذلك إراقة الدم أيام النـحر بـمِنى لأن الـمناسك التـي كان الـمشركون جادلوا فـيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت إراقة الدم فـي هذه الأيام، علـى أنهم قد كانوا جادلوه فـي إراقة الدماء التـي هي دماء ذبـائح الأنعام بـما قد أخبر الله عنهم فـي سورة الأنعام. غير أن تلك لـم تكن مناسك، فأما التـي هي مناسك فإنـما هي هدايا أو ضحايا ولذلك قلنا: عنـي بـالـمنسك فـي هذا الـموضع الذبح الذي هو بـالصفة التـي وصفنا.

وقوله:{ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِـي الأَمْرِ} يقول تعالـى ذكره: فلا ينازعنك هؤلاء الـمشركون بـالله يا مـحمد فـي ذبحك ومنسكك بقولهم: أتأكلون ما قتلتـم، ولا تأكلون الـميتة التـي قتلها الله؟ فأنك أولـى بـالـحقّ منهم، لأنك مـحقّ وهم مبطلون.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد:{ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِـي الأَمْرِ } قال: الذبح.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِـي الأَمْرِ} فلا تتـحام لـحمك.

وقوله:{ وَادْعُ إلـى رَبِّكَ} يقول تعالـى ذكره: وادع يا مـحمد منازعيك من الـمشركين بـالله فـي نسكك وذبحك إلـى اتبـاع أمر ربك فـي ذلك بأن لا يأكلوا إلا ما ذبحوه بعد اتبـاعك وبعد التصديق بـما جئتهم به من عند الله، وتـجنبوا الذبح للآلهة والأوثان وتبرّءوا منها، إنك لعلـى طريق مستقـيـم غير زائل عن مـجة الـحقّ والصواب فـي نسكك الذي جعله لك ولأمتك ربك، وهم الضلال علـى قصد السبـيـل، لـمخالفتهم أمر الله فـي ذبـائحهم ومطاعمهم وعبـادتهم الآلهة.

وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝٦٨ ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ۝٦٩

يقول تعالى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وإن جادلك يا مـحمد هؤلاء الـمشركون بـالله فـي نسكك، فقل: الله أعلـم بـما تعملون ونعمل. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي جحاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد:{ وَإنْ جادَلُوكَ } قال: قول أهل الشرك: أما ما ذبح الله بـيـمينه. {فَقُلِ اللَّهُ أعْلَـمُ بِـمَا تَعْمَلُونَ} لنا أعمالنا ولكم أعمالكم.

وقوله: {اللَّهُ يَحْكُمْ بَـيْنَكُمْ يَوْمَ القِـيامَةِ فِـيـما كُنْتُـمْ فِـيهِ تَـخْتَلِفُونَ} يقول تعالـى ذكره: والله يقضي بـينكم يوم القـيامة فـيـما كنتـم فـيه من أمر دينكم تـختلفون، فتعلـمون حينئذ أيها الـمشركون الـمـحقّ من الـمبطل.

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَٰبٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ۝٧٠

يقول تعالـى ذكره: ألـم تعلـم يا مـحمد أن الله يعلـم كلّ ما فـي السموات السبع والأرضين السبع، لا يخفـى علـيه من ذلك شيء، وهو حاكم بـين خـلقه يوم القـيامة، علـى علـم منه بجميع ما عملوه فـي الدنـيا، فمـجازي الـمـحسن منهم بإحسانه والـمسيء بإساءته.{ إنَّ ذَلِكَ فـي كِتَابٍ} يقول تعالـى ذكره: إن علـمه بذلك فـي كتاب، وهو أمّ الكتاب الذي كتب فـيه ربنا جلّ ثناؤه قبل أن يخـلق خـلقه ما هو كائن إلـى يوم القـيامة.{ إنَّ ذلكَ عَلـى اللَّهِ يَسِيرٌ}. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا ميسر بن إسماعيـل الـحلبـيّ، عن الأوزاعيّ، عن عبدة بن أبـي لُبـابة، قال: علـم الله ما هو خالق وما الـخـلق عاملون، ثم كتبه، ثم قال لنبـيه:{ ألَـمْ تَعْلَـمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَـمُ ما فِـي السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ فِـي كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلـى اللَّهِ يَسِيرٌ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي ميسر، عن أرطاة بن الـمنذر، قال: سمعت ضَمْرة بن حبـيب يقول: إن الله كان علـى عرشه علـى الـماء، وخـلق السموات والأرض بـالـحقّ، وخـلق القلـم فكتب به ما هو كائن من خـلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومـجّده ألف عام، قبل أن يبدأ شيئاً من الـخـلق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي معتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، عن سيار، عن ابن عبـاس، أنه سأل كعب الأحبـار عن أمّ الكتاب، فقال: علـم الله ما هو خالق وما خـلقه عاملون، فقال لعلـمه: كُنْ كتابـاً.

وكان ابن جُرَيج يقول فـي قوله:{ إنَّ ذَلَكَ فِـي كِتابٍ } ما:

حدثنا به القاسم، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج:{ إنَّ ذَلِكَ فِـي كِتابٍ} قال: قوله:

{ اللَّهُ يَحْكُم بَـيْنَكُمْ يَوْمَ القِـيامَةِ فِـيـما كُنْتُـمْ فِـيهِ تَـخْتِلَفُونَ }

وإنـما اخترنا القول الذي قلنا فـي ذلك، لأن قوله:{ إنَّ ذلكَ }إلـى قوله:{ألَـمْ تَعْلَـمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَـمُ ما فِـي السَّمآءِ والأرْضِ} أقرب منه إلـى قوله:

{ اللَّهُ يَحْكُمُ بَـيْنَكُمْ يَوْمَ القِـيامَةِ فِـيـما كُنْتُـمْ فِـيهِ تَـخْتَلِفُونَ }، فكان إلـحاق ذلك بـما هو أقرب إلـيه أولـى منه بـما بعد.

وقوله:{ إنَّ ذَلِكَ عَلـى اللَّهِ يَسِيرٌ} اختلف فـي ذلك، فقال بعضهم: معناه: إن الحكم بـين الـمختلفـين فـي الدنيا يوم القـيامة علـى الله يسير. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج:{ إنَّ ذَلِكَ عَلـى الله يَسِيرٌ} قال: حكمه يوم القـيامة، ثم قال بـين ذلك:{ ألَـمْ تَعْلَـمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَـمُ ما فِـي السَّماءِ وَالأرضِ إنَّ ذلكَ فـي كتابٍ}.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن كتاب القلـم الذي أمره الله أن يكتب فـي اللوح الـمـحفوظ ما هو كائن علـى الله يسير يعنـي هين. وهذا القول الثانـي أولـى بتأويـل ذلك، وذلك أن قوله:{ إنَّ ذلكَ عَلـى اللَّهَ يَسِيرٌ}... إلـى قوله:{ ألَـمْ تَعْلَـمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَـمُ ما فِـي السَّماءِ والأرْضِ} بـينهما فإلـحاقه بـما هو أقرب أولـى ما وجد للكلام، وهو كذلك مخرج فـي التأويـل صحيح.

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِۦ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ۝٧١

يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه ما لـم ينزل به جلّ ثناؤه لهم حجة من السماء فـي كتاب من كتبه التـي أنزلها إلـى رسله، بأنها آلهة تصلـح عبـادتها فـيعبدوها، بأن الله أذن لهم فـي عبـادتها، وما لـيس لهم به علـم أنها آلهة. {وما للظَّالِـمِينَ مِنْ نَصيِر} يقول: وما للكافرين بـالله الذين يعبدون هذه الأوثان من ناصر ينصرهم يوم القـيامة، فـينقذهم من عذاب الله ويدفع عنهم عقابه إذا أراد عقابهم.

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝٧٢

يقول تعالـى ذكره: وإذا تُتلـى علـى مشركي قريش العابدين من دون الله ما لـم ينزل به سلطاناً {آياتُنا} يعنـي: آيات القرآن،{ بَـيِّناتٍ } يقول: واضحات حججها وأدلتها فـيـما أنزلت فـيه.{ تَعْرِفُ فِـي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الـمُنْكَرَ} يقول: تتبـين فـي وجوههم ما ينكره أهل الإيـمان بـالله من تغيرها، لسماعهم بـالقرآن.

وقوله:{ يَكادُونَ يَسْطُونَ بـالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَـيْهِمْ آياتِنا } يقول: يكادون يبطشون بـالذين يتلون علـيهم آيات كتاب الله من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم، لشدّة تكرّههم أن يسمعوا القرآن ويُتْلـى علـيهم.

وبنـحو ما قلنا فـي تأويـل قوله{ يَسْطُونَ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ يَكادُونَ يَسْطُونَ} يقول: يبطشون.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ يَكادُونَ يَسْطُونَ} يقول: يقعون بـمن ذكرهم.

حدثنا مـحمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى، عن مـجاهد:{ يَكادُونَ يَسْطُونَ بـالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَـيْهِمْ آياتِنا} قال: يكادون يقعون بهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ يَكادُونَ يَسْطُونَ} قال: يبطشون كفـار قريش.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ يَكادُونَ يَسْطُونَ بـالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَـيْهِمْ آياتنا } يقول: يكادون يأخذونهم بأيديهم أخذاً.

وقوله:{ قُلْ أفأُنَبِّئُكُمْ بِشَرّ مِنْ ذَلِكُم} يقول: أفأنبئكم أيها الـمشركون بأكره إلـيكم من هؤلاء الذين تتكرّهون قراءتهم القرآن علـيكم، هي{ النَّارُ } وعدها الله الذين كفروا. وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يقول: إن الـمشركين قالوا: والله إن مـحمداً وأصحابه لشرّ خـلق الله فقال الله لهم: قل أفأنبئكم أيها القائلون هذا القول بشرّ من مـحمد صلى الله عليه وسلم؟ أنتـم أيها الـمشركون الذين وعدهم الله النار. ورفعت «النار» علـى الابتداء، ولأنها معرفة لا تصلـح أن ينعت بها الشرّ وهو نكرة، كما يقال: مررت برجلـين: أخوك وأبوك، ولو كانت مخفوضة كان جائزاً وكذلك لو كان نصبـاً للعائد من ذكرها فـي وعدها وأنت تنوي بها الاتصال بـما قبلها. يقول تعالـى ذكره: فهؤلاء هم أشرار الـخـلق لا مـحمد وأصحابه.

وقوله:{ وَبِئْسَ الـمَصِيرُ } يقول: وبئس الـمكان الذي يصير إلـيه هؤلاء الـمشركون بـالله يوم القـيامة.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥٓ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُوا۟ ذُبَابًا وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا۟ لَهُۥ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ ۝٧٣ مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ۝٧٤

يقول تعالـى ذكره: يا أيها الناس جعل لله مثل وذكر. ومعنى «ضرب» فـي هذا الـموضع: «جعل» من قولهم: ضرب السلطان علـى الناس البعث، بـمعنى: جعل علـيهم. وضرب الـجزية علـى النصارى، بـمعنى جَعْل ذلك علـيهم والـمَثَل: الشبَّهَ، يقول جلّ ثناؤه: جعل لـي شبه أيها الناس، يعنـي بـالشبَّه والـمَثَل: الآلهة، يقول: جعل لـي الـمشركون والأصنام شبهاً، فعبدوها معي وأشركوها فـي عبـادتـي. {فـاسْتَـمِعُوا له} يقول: فـاستـمعوا حال ما مثلوه وجعلوه فـي عبـادتهم إياه شبها وصفته.{ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْـلُقُوا ذُبـابـاً} يقول: إن جميع ما تعبدون من دون الله من الآلهة والأصنام لو جمعت لـم يخـلقوا ذبـابـاً فـي صغره وقلَّته، لأنها لا تقدر علـى ذلك ولا تطيقه، ولو اجتـمع لـخـلقه جميعها. والذبـاب واحد، وجمعه فـي القلة أذبة وفـي الكثـير ذِبَّـان، نظير غُراب يجمع فـي القلة أَغْربة وفـي الكثرة غِرْبـان.

وقوله:{ وَإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبـابُ شَيْئاً} يقول: وإن يسلب الآلهة والأوثان الذبـابُ شيئاً مـما علـيها من طيب وما أشبهه من شيء لا يستنقذوه منه: يقول: لا تقدر الآلهة أن تستنقذ ذلك منه.

واختلف فـي معنى قوله: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالـمَطْلُوبُ} فقال بعضهم: عنـي بـالطالب: الآلهة، وبـالـمطلوب: الذبـاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حجاج، عن ابن جُرَيج، قال ابن عبـاس، فـي قوله:{ ضَعُفَ الطَّالِبُ} قال: آلهتهم. {وَالـمَطْلُوبُ}: الذبـاب.

وكان بعضهم يقول: معنى ذلك:{ ضَعُفَ الطَّالِبُ} من بنـي آدم إلـى الصنـم حاجته، {والـمَطْلُوبُ} إلـيه الصنـم أن يعطي سائله من بنـي آدم ما سأله، يقول: ضعف عن ذلك وعجز.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا ما ذكرته عن ابن عبـاس من أن معناه: وعجز الطالب وهو الآلهة أن تستنقذ من الذبـاب ما سلبها إياه، وهو الطيب وما أشبهه والـمطلوب: الذبـاب.

وإنـما قلت هذا القول أولـى بتأويـل ذلك، لأن ذلك فـي سياق الـخبر عن الآلهة والذبـاب فأن يكون ذلك خبراً عما هو به متصل أشبه من أن يكون خبراً عما هو عنه منقطع. وإنـما أخبر جلّ ثناؤه عن الآلهة بـما أخبر به عنها فـي هذه الآية من ضعفها ومهانتها، تقريعاً منه بذلك عَبَدتها من مشركي قريش، يقول تعالـى ذكره: كيف يجعل مثل فـي العبـادة ويشرك فـيها معي ما لا قدرة له علـى خـلق ذبـاب، وإن أخذ له الذبـاب فسلبه شيئاً علـيه لـم يقدر أن يـمتنع منه ولا ينتصر، وأنا الـخالق ما فـي السموات والأرض ومالكٌ جميع ذلك، والـمـحيـي من أردت والـمـميت ما أردت ومن أردت. إن فـاعل ذلك لا شكّ أنه فـي غاية الـجهل.

وقوله:{ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } يقول: ما عظم هؤلاء الذين جعلوا الآلهة لله شريكاً فـي العبـادة حقّ عظمته حين أشركوا به غيره، فلـم يخـلصوا له العبـادة ولا عرفوه حقّ معرفته من قولهم: ما عرفت لفلان قدره إذا خاطبوا بذلك من قَصَّر بحقه وهم يريدون تعظيـمه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{وَإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبـابُ شَيْئاً}... إلـى آخر الآية، قال: هذا مثل ضربه الله لآلهتهم. وقرأ:{ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالـمَطْلُوبُ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذبـاب ولا يـمتنع منه.

وقوله:{ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيّ } يقول: إن الله لقويّ علـى خـلق ما يشاء من صغير ما يشاء من خـلقه وكبـيره. {عَزِيزٌ } يقول: منـيع فـي مُلكه لا يقدر شيء دونه أن يسلبه من ملكه شيئاً، ولـيس كآلهتكم أيها الـمشركون الذين تدعون من دونه الذين لا يقدرون علـى خـلق ذبـاب ولا علـى الامتناع من الذبـاب إذا استلبها شيئاً ضعفـاً ومهانة.

ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ ۝٧٥

يقول تعالـى ذكره: الله يختار من الـملائكة رسلاً كجبريـل وميكائيـل اللذين كانا يرسلهما إلـى أنبـيائه ومن شاء من عبـاده ومن الناس، كأنبـيائه الذين أرسلهم إلـى عبـاده من بنـي آدم. ومعنى الكلام: الله يصطفـي من الـملائكة رسلاً، ومن الناس أيضا رسلاً. وقد قـيـل: إنـما أنزلت هذه الآية لـما قال الـمشركون: أنزل علـيه الذكر من بـيننا، فقال الله لهم: ذلك إلـيّ وبـيدي دون خـلقـي، أختار من شئت منهم للرسالة.

وقوله: {إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } يقول: إن الله سميع لـما يقول الـمشركون فـي مـحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند ربه، بصير بـمن يختاره لرسالته من خـلقه.

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ۝٧٦

يقول تعالـى ذكره: الله يعلـم ما كان بـين أيدي ملائكته ورسله، من قبل أن يخـلقهم وما خـلفهم، يقول: ويعلـم ما هو كائن بعد فنائهم.{وَإلـى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ } يقول: إلـى الله فـي الآخرة تصير إلـيه أمور الدنـيا، وإلـيه تعود كما كان منه البدء.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝٧٧

يقول تعالـى ذكره: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله {ارْكَعُوا} لله فـي صلاتكم{ وَاسْجُدُوا} له فـيها {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} يقول: وذلوا لربكم، واخضعوا له بـالطاعة، {وَافْعَلُوا الـخَيْرَ } الذي أمركم ربكم بفعله {لَعَلَّكُمْ تُفْلِـحُونَ } يقول: لتفلـحوا بذلك، فتدركوا به طَلِبـاتكم عند ربكم.

وَجَٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ ۝٧٨

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله:{ وَجاهِدُوا فِـي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ} فقال بعضهم: معناه: وجاهدوا الـمشركين فـي سبـيـل الله حقّ جهاده. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي سلـيـمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن عبد الله بن عبـاس، فـي قوله:{ وَجاهِدُوا فِـي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ } كما جاهدتـم أوّل مرّة فقال عمر: من أمر بـالـجهاد؟ قال: قبـيـلتان من قريش مخزوم وعبد شمس. فقال عمر: صدقت.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تـخافوا فـي الله لومة لائم. قالوا: وذلك هو حقّ الـجهاد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس، فـي قوله: {وَجاهِدُوا فـي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ} لا تـخافو فـي الله لومة لائم.

وقال آخرون: معنى ذلك: اعملوا بـالـحقّ حقّ عمله. وهذا قول ذكره عن الضحاك بعض من فـي روايته نظر.

والصواب من القول فـي ذلك: قول من قال: عُنى به الـجهاد فـي سبـيـل الله لأن الـمعروف من الـجهاد ذلك، وهو الأغلب علـى قول القائل: جاهدت فـي الله. وحقّ الـجهاد: هو استفراغ الطاقة فـيه.

وقوله: {هُوَ اجْتَبـاكُمْ } يقول: هو اختاركم لدينه، واصطفـاكم لـحرب أعدائه والـجهاد فـي سبـيـله وقال ابن زيد فـي ذلك، ما:

حدثنـي به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{ هُوَ اجْتَبـاكُمْ } قال: هو هداكم.

وقوله: {وما جَعَلَ عَلَـيْكُمْ فـي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} يقول تعالـى ذكره: وما جعل علـيكم ربكم فـي الدين الذي تعبدكم به من ضيق، لا مخرج لكم مـما ابتلـيتـم به فـيه بل وسَّع علـيكم، فجعل التوبة من بعض مخرجاً، والكفَّـارة من بعض، والقصاص من بعض، فلا ذنب يذنب الـمؤمن إلا وله منه فـي دين الإسلام مخرج.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي ابن زيد، عن ابن شهاب، قال: سأل عبد الـملك بن مروان علـيّ بن عبد الله بن عبـاس عن هذه الآية:{ ومَا جَعَلَ عَلَـيْكُمْ فِـي الّدِين مِنْ حَرَجٍ } فقال علـيّ بن عبد الله: الـحَرَج: الضيق، فجعل الله الكفـارات مَخْرجاً من ذلك، سمعت ابن عبـاس يقول ذلك.

قال: أخربنا ابن وهب، قال: ثنـي سفـيان بن عيـينة، عن عبـيد الله بن أبـي يزيد، قال: سمعت ابن عبـاس يُسْأل عن:{ مَا جَعَلَ عَلَـيْكُمْفـي الَّدين مِنْ حَرَج}، قال: ما ها هنا من هُذَيـل أحد؟ فقال رجل: نعم، قال: ما تعدّون الـحرجة فـيكم؟ قال: الشيء الضيق. قال ابن عبـاس: فهو كذلك.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيـينة، عن عبـيد الله بن أبـي يزيد، قال: سمعت ابن عبـاس، وذكر نـحوه، إلا أنه قال: فقال ابن عبـاس: أها هنا أحد من هذيـل؟ فقال رجل: أنا، فقال أيضا: ما تعدّون الـحرج؟ وسائر الـحديث مثله.

حدثنـي عمران بن بكار الكُلاعيّ، قال: ثنا يحيى بن صالـح، قال: ثنا يحيى بن حمزة، عن الـحكم بن عبد الله، قال: سمعت القاسم بن مـحمد يحدّث، عن عائشة، قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: «ومَا جَعَلَ عَلَـيْكُمْ فِـي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ» قال: «هو الضِّيقُ» .

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا أبو خـلدة، قال: قال لـي أبو العالـية: أتدري ما الـحرج؟ قلت: لا أدري. قال: الضيق. وقرأ هذه الآية:{ ومَا جَعَلَ عَلَـيْكُمْ فِـي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ}.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا حماد بن مسعدة، عن عوف، عن الـحسن، فـي قوله: {ومَا جَعَلَ عَلَـيْكُمْ فـي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ } قال: من ضيق.

حدثنا عمرو بن بندق، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن أبـي خـلدة، قال: قال لـي أبو العالـية: هل تدري ما الـحَرَج؟ قلت لا، قال: الضيق، إن الله لـم يضيق علـيكم، لـم يجعل علـيكم فـي الدين من حرج.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن ابن عون، عن القاسم أنه تلا هذه الآية:{ ومَا جَعَلَ عَلَـيْكُمْ فِـي الدّينِ حَرَجٍ} قال: تدرون ما الـحرج؟ قال: الضيق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن يونس بن أبـي إسحاق، عن أبـيه، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، قال: إذا تعاجم شيء من القرآن، فـانظروا فـي الشعر، فإن الشعر عربـيّ. ثم دعا ابن عبـاس أعرابـيًّا، فقال: ما الـحَرَج؟ قال: الضيق. قال: صدقت

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة:{ فِـي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ } قال: من ضيق.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك:{ ما جَعَلَ عَلَـيْكُمْ فِـي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} من ضيق فـي أوقات فروضكم إذا التبست علـيكم، ولكنه قد وسع علـيكم حتـى تَـيَقَّنوا مـحلها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عثمان بن بشار، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ وَما جَعَلَ عَلَـيْكُمْ فِـي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ } قال: هذا فـي هلال شهر رمضان إذا شكّ فـيه الناس، وفـي الـحجّ إذا شكوا فـي الهلال، وفـي الفطر والأضحى إذا التبس علـيهم، وأشبـاهه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما جعل فـي الإسلام من ضيق، بل وسعه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ وما جَعَلَ عَلَـيْكُمْ فِـي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} يقول: ما جعل علـيكم فـي الإسلام من ضيق، هو واسع، وهو مثل قوله فـي الأنعام:

{ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدِ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهْ ضَيِّقاً حَرَجاً } يقول: من أراد أن يضله يضيق علـيه صدره، حتـى يجعل علـيه الإسلام ضيقاً، والإسلامُ واسع.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ وما جَعَلَ عَلَـيْكُمْ فِـي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ } يقول: من ضيق، يقول: جعل الدين واسعا ولـم يجعله ضيِّقاً.

وقوله:{ مِلَّةَ أبِـيكُمْ إبْرَاهِيـمَ } نصب ملة بـمعنى: وما جعل علـيكم فـي الدين من حرج، بل وسعه، كملَّة أبـيكم فلـما لـم يجعل فـيها الكاف اتصلت بـالفعل الذي قبلها فنصبت. وقد يحتـمل نصبها أن تكون علـى وجه الأمر بها، لأن الكلام قبله أمر، فكأنه قـيـل: اركعوا واسجدوا والزموا ملَة أبـيكم إبراهيـم. وقوله:{ هُوَ سمَّاكُمُ الـمُسْلِـمِينَ مِنْ قَبْلُ وفِـي هَذَا} يقول تعالـى ذكره: سماكم يا معشر من آمن بـمـحمد صلى الله عليه وسلم الـمسلـمين من قبل.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ هُوَ سَمَّاكُمُ الـمُسْلِـمِينَ} يقول: الله سماكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرنـي عطاء بن ابن أبـي ربـاح، أنه سمع ابن عبـاس يقول: الله سماكم الـمسلـمين من قبل.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، وحدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق جميعاً، عن معمر، عن قَتادة:{ هُوَ سَمَّاكُمُ الـمُسْلِـمِينَ} قال: الله سماكم الـمسلـمين من قبل.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ هُوَ سمَّاكُمُ الـمُسْلـمِينَ} قال: الله سماكم.

حدثنا القاسم قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله:{ هُوَ سَمَّاكُمُ الـمُسْلِـمِينَ مِنْ قَبْلُ } يقول: الله سماكم الـمسلـمين.

وقال آخرون: بل معنا: إبراهيـم سماكم الـمسلـمين وقالوا هو كناية من ذكر إبراهيـم صلى الله عليه وسلم: ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد{ هُوَ سَمَّاكُمُ الـمُسْلِـمِينَ } قال: ألا ترى قول إبراهيـم

{ وَاجْعَلْنا مُسْلِـمِينَ لَكَ وَمِنْ ذُرّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِـمَةً لَكَ } قال: هذا قول إبراهيـم {هُوَ سَمَّاكُمُ الـمُسْلِـمِينَ} ولـم يذكر الله بـالإسلام والإيـمان غير هذه الأمة، ذُكرت بـالإيـمان والإسلام جميعاً، ولـم نسمع بأمة ذكرت إلا بـالإيـمان.

ولا وجه لـما قال ابن زيد من ذلك لأنه معلوم أن إبراهيـم لـم يسمّ أمة مـحمد مسلـمين فـي القرآن، لأن القرآن أنزل من بعده بدهر طويـل، وقد قال الله تعالـى ذكره:{ هُوَ سَمَّاكُمُ الـمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وفـي هَذَا } ولكن الذي سمانا مسلـمين من قبل نزول القرآن وفـي القرآن الله الذي لـم يزل ولا يزال. وأما قوله:{ مِنْ قَبْلُ} فإن معناه: من قبل نزول هذا القرآن فـي الكتب التـي نزلت قبله. {وفـي هَذَا} يقول:{ وَفِـي هَذَا الكِتابِ}.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {هُوَ سَمَّاكُمُ الـمُسْلِـمينَ مِن قَبْلُ } وفـي هذا القرآن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، قال مـجاهد:{ مِنْ قَبْلُ } قال: فـي الكتب كلها والذكر {وفـي هَذَا} يعنـي القرآن.

وقوله:{ لِـيَكُونَ الرُّسُولُ شَهِيداً عَلَـيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلـى النَّاسِ } يقول تعالـى ذكره: اجتبـاكم الله وسماكم أيها الـمؤمنون بـالله وآياته، من أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم مسلـمين، لـيكون مـحمد رسول الله شهيداً علـيكم يوم القـيامة بأنه قد بلغكم ما أرسل به إلـيكم، وتكونوا أنتـم شهداء حينئذ علـى الرسل أجمعين أنهم قد بلَّغوا أمـمهم ما أُرسلوا به إلـيهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: {هُوَ سَمَّاكُمُ الـمُسْلِـمِينَ مِنْ قَبْلُ } قال: الله سماكم الـمسلـمين من قبل.{ وَفِـي هَذَا لِـيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَـيْكُمْ} بأنه بلَّغكم. {وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلـى النَّاسِ} أنّ رسلهم قد بلغتهم.

وبه عن قَتادة، قال: أعطيت هذه الأمة ما لـم يعطه إلا نبـيّ، كان يقال للنبـيّ: اذهب فلـيس علـيك حرج وقال الله:{ ومَا جَعَلَ عَلَـيْكُمْ فـي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وكان يقال للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: أنت شهيد علـى قومك وقال الله{ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ علـى النَّاسِ } وكان يقال للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: سَلْ تُعْطَهْ وقال الله:

{ ادْعُونِـي أسْتَـجِبْ لَكُمْ }

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لـم يعطها إلا نبـيّ، كان يقال للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: اذهب فلـيس علـيك حَرَج فقال الله:{ وما جَعَلَ عَلَـيْكُمْ فِـي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} قال: وكان يقال للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: أنت شهيد علـى قومك وقال الله:{ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلـى النَّاسِ } وكان يقال للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: سَلْ تُعْطَهْ وقال الله

{ اُدْعُونِـي أسْتَجِبْ لَكُمْ }}.

يعني تعالى ذكره بقوله {فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتوُا الزَّكاةَ} يقول: فأدّوا الصلاة المفروضة لله عليكم بحدودها، وآتوا الزكاة الواجبة عليكم في أموالكم. {وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ} يقول: وثقوا بالله، وتوكلواعليه في أموركم. {فَنِعْمَ المَوْلَى} يقول: فنعم الوليّ الله لمن فعل ذلك منكم، فأقام الصلاة وآتى الزكاة وجاهد في سبيل الله حقّ جهاده واعتصم به. { وَنِعْمَ النَّصِيرُ} يقول: ونعم الناصر هو له على من بغاه بسوء.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ