انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير البغويالآيات 1–6

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ۝١

قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}، أي: بالعهود، قال الزجاج: هي أوكد العهود، يقال: عاقدتُ فلاناً وعقدتُ عليه أي: ألزمتُه ذلك باستيثاق، وأصله من عقد الشيء بغيره ووصله به، كما يُعقد الحبل بالحبل [إذا وُصل]. واختلفوا في هذه العقود، قال ابن جُريج: هذا خطاب لأهل الكتاب، يعني: يا أيّها الذين آمنُوا بالكتب المتقدمة أوْفُوا بالعهود التي عهدتُها إليكم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قوله:

{ { وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ }، } [آل عمران: 187].

وقال الآخرون: هو عام، قال قتادة: أراد بها الحِلْف الذي تعاقدوا عليه في الجاهلية، قال ابن مسعود رضي الله عنه: هي عهود الإيمان والقرآن، وقيل: هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم.

{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ}، قال الحسن وقتادة: هي الأنعام كلّها، وهي الإبل والبقر والغنم، وأراد تحليل ما حرّم أهل الجاهلية على أنفسهم من الأنعام.

وروى أبو ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بهيمة الأنعام هي الأجنّة، ومثله عن الشعبي قال: هي الأجنّة التي تُوجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذُبحت أو نحرت، ذهب أكثر أهل العلم إلى تحليله.

[قال الشيخ الإمام]: قرأتُ على أبي عبدالله محمد بن الفضل الخرقي فقلتُ: قُرىء على أبي سهل محمد بن عمر بن طرفة وأنتَ حاضر، فقيل له: حدثكم أبو سليمان الخطابي أنا أبو بكر بن داسة أنا أبو داود السجستاني أنا مسدد أنا هشيم عن مجالد عن أبي الوداك

عن أبي سعيد رضي الله عنهم قال قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: «كلوه إنْ شئتُمْ فإنّ ذكاتَه ذكاةُ أمّه». وروى أبو الزبير عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:ذكاة الجنين ذكاة أمّه"

وشرط بعضهم الإشعار، قال ابن عمر: ذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا تَمَّ خلقُه ونبتَ شعرُه، ومثله عن سعيد بن المسيب.

وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: لا يحلُّ أكل الجنين إذا خرج ميتاً بعد ذكاة الأم.

وقال الكلبي: بهيمة الأنعام: وَحْشِيُّها، وهي الظباء وبقر الوحش، سُميت بهيمةٌ لأنها أُبهمت عن التمييز، وقيل: لأنها لا نطق لها، {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}، أي: ما ذُكر في قوله: "حُرّمتْ عليكم الميتةُ" إلى قوله: "وما ذُبِحَ على النُّصُب"، {غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ}، وهو نصب على الحال، أي: لا مُحلّي الصيد، ومعنى الآية: أُحلّتْ لكم بهيمةُ الأنعام كلّها إلا ما كان منها وحشياً، فإنه صيدٌ لا يحِلّ لكم في حال الإحرام، فذلك قوله تعالىٰ: {وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝٢

{يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ}، نزلت في الحُطَم واسمه شريح بن ضُبَيْعَة البكري، أتى المدينةَ وخلّف خيله [خارج] المدينة، ودخل وحده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إلى ما تدعُو الناسَ؟ فقال له: إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، [وأنّ محمداً رسول الله]، وإقامِ الصلاة وإيتاءِ الزكاة، فقال: [حسن]، إلا أن لي أُمراء لا أقطع أمراً دونهم، ولَعلّي أُسلم وآتي بهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم [بلسان] شيطان، ثم خرج شريح من عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد دخل بوجه كافر وخرجَ بقفا غادرٍ وما الرجل بمسلم، فمرّ بسرح المدينة فاستاقه وانطلق، فاتبعوه فلم يُدركوه، فلمّا كان العام القابل خرج حاجاً في حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة، وقدْ قلّد الهَدْيَ، فقال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا الحطم قد خرج حاجاً فخلِّ بيننا وبينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه قلّد الهَدْيَ، فقالوا: يا رسول الله هذا شيء كنّا نفعله في الجاهلية، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عزّ وجلّ: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ}

قال ابن عباس ومجاهد: هي مناسك الحج، وكان المشركون يحجون ويهدون، فأرادَ المسلمون أن يُغِيرُوا عليهم فنهاهم الله عن ذلك.

وقال أبو عبيدة: شعائر الله هي الهدايا المُشْعَرة، والإشْعار من الشعار، وهي العلامة، وإشعارها: إعلامها بما يُعرف أنها هَدْي، والإشعار هاهنا: أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل الدمُ، فيكون ذلك علامة أنها هَدْي، وهي سنّة في الهدايا إذا كانت من الإبلِ، لِما أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا أبو نعيم أنا أفلح عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فتلتُ قلائدَ بُدْنِ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلّدَها وأشعرَها وأهداها، فما حَرُمَ عليه شيء كان أُحِلّ له.

وقاس الشافعي البقرَ على الإبل في الإشعار، وأمّا الغنم فلا تشعر بالجرح، فإنها لا تحتمل الجرح لضعفها، وعند أبي حنيفة: لا يشعر الهدي.

وقال عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا تُحِلّوا شعائرَ الله هي أن تَصِيْدَ وأنتَ محرمٌ، بدليل قوله تعالى: "وإذا حَلَلْتُم فاصطـادوا"، وقال السدي: أراد حرم الله، وقيل: المراد منه النهي عن القتل في الحرم، وقال عطاء: شعائر الله حرمات الله واجتناب سخطه واتباع طاعته.

قوله: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ}، أي: القتال فيه، وقال ابن زيد: هو النسيء، وذلك أنهم كانوا يُحِلّونه في الجاهلية عاماً ويُحرّمُونه عاماً، {وَلاَ ٱلْهَدْىَ}، وهو كل ما يُهدَى إلى بيت الله من بعير أو بقرة أو شاة، {وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ}، أي: الهدايا المُقلّدة، يريد ذواتِ القلائد، وقال عطاء: أراد أصحاب القلائد، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا أرادوا الخروج من الحرم قلّدُوا أنفسهم وإبلهم بشيءٍ منْ لِحَاءِ شحرِ الحرم كيلا يُتعرّض لهم، فنهى الشرعُ عن استحلال شيء منها. وقال مطرف بن الشخير: هي القلائد نفسها وذلك أنّ المشركين كانوا يأخذون من لِحَاءِ شجر مكة ويتقلدونها فُنهوا عن نزع شجرها.

قوله تعالىٰ: {وَلاۤ ءَامِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ}، أي: قاصدين البيت الحرام، يعني: الكعبة فلا تتعرضوا لهم، {يَبْتَغُونَ} يطلبون {فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ}، يعني: الرزق والتجارة، {وَرِضْوَٰناً}، أي: على زعمهم، لأن الكافرين لا نصيب له في الرضوان، وقال قتادة: هو أن يصلح معاشهم في الدنيا ولا يعجل لهم العقوبة فيها، وقيل: ابتغاء الفضل للمؤمنين والمشركين عامة، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة، لأنّ المسلمين والمشركين كانوا يحجُّون، وهذه الآية إلى هاهنا منسوخة بقوله:

{ { فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } } [التوبة: 5] وبقوله: { { فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا } } [التوبة: 28] فلا يجوز أن يحجّ مشرك ولا أن يأمن كافر بالهدي والقلائد.

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ} من إحرامكم، {فَٱصْطَـٰدُواْ}، أمرُ إباحة، أباح للحلال أخذ الصيد، كقوله تعالى:

{ { فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } } [الجمعة: 10].

{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ}، قال ابن عباس وقتادة: لا يحملنّكم، يقال: جرمني فلان على أن صنعتُ كذا، أي: حملني، وقال الفراء: لا يكسبنّكم، يقال: جرم أي: كَسَبَ، وفلانٌ جريمة أهله، أي: كاسبهم، وقيل: لا يدعونَّكم، {شَنَآنُ قَوْمٍ}، أي: بغضُهم وعداوتهم، وهو مصدر شنئت، قرأ ابن عامر وأبو بكر {شَنَآنُ قَوْمٍ} بسكون النون الأولى، وقرأ الآخرون بفتحها، وهما لغتان، والفتح أجود، لأنّ المصادر أكثرها فعلان، بفتح العين مثل الضربان والسيلان والنسلان ونحوها، {أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}، قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون بفتح الألف، أي: لأن صدوكم، ومعنى الآية: لا يحملنّكم عداوةُ قومٍ على الاعتداء لأنهم صدّوكم. قال محمد بن جرير: لأن هذه السورة نزلت بعد قضية الحديبية، كان الصَّدُّ قد تقدم، {أَن تَعْتَدُواْ} عليهم بالقتل وأخذ الأموال، {وَتَعَاوَنُواْ}، أي: ليعِنْ بعضُكم بعضاً، {عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ}، قيل: البر متابعة الأمر، والتقوى مجانبة النهي، وقيل: البر: الإسلام، والتقوى: السنّة، {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ}، قيل: الإثم: الكفر، والعدوان: الظلم، وقيل: الإثم: المعصية، والعدوان: البدعة.

أخبرنا أبو القاسم عبدالكريم بن هوازن القشيري أنا أبو عبدالله محمد بن أحمد بن محمد بن أبي طاهر الدقاق ببغداد أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن الزبير القرشي أنا الحسن بن علي بن عفان أنا زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح حدثني عبدالرحمن بن جبير بن نفير بن مالك الحضرمي عن أبيه عن النواس بن سمعان الأنصاري قال: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن البِرِّ والإثْمِ، قال:

البِرُّ حُسْنُ الخُلقِ، والإثْمُ ما حَاكَ في نفسِكَ وكرهْتَ أنْ يطلعَ عليه النَاس ». {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَٰمِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًا فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣

قوله عز وجل {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ}، أي: ما ذُكر على ذبحه غيرُ اسمِ الله تعالى، {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ}، وهي التي تخنتق فتموت، قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتتْ أكلوها، {وَٱلْمَوْقُوذَةُ} هي المقتولة بالخشب، قال قتادة: كانوا يضربونها بالعصا فإذا ماتتْ أكلوها، {وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ}، هي التي تتردّى من مكان عالٍ أو في بئر فتموت، {وَٱلنَّطِيحَةُ}، هي التي تنطحها أخرى فتموت، وهاء التأنيث تدخل في الفعيل إذا كان بمعنى الفاعل، فإذا كان بمعنى المفعول استوى فيه المذكر والمؤنث، نحو عينٌ كحيلٌ وكفٌّ خَضِيبٌ، فإذا حذف الاسم وأفردت الصفةَ، أدخلوا الهاء فقالوا: رأينا كحيلة وخضيبة، وهنا أُدخل الهاء لأنه لم يتقدمها الاسم، فلو أسقط الهاء لم يُدْرَ أنها صفة مؤنث أو مذكر، ومثله الذبيحة والنسيكة، وأكيلة السبع {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ}، يريد ما بقي ممّا أكل السبع، وكان أهل الجاهلية يأكلونه، {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}، يعني: إلا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء.

وأصل التذكية الإتمام، يقال: ذكّيتُ النارَ إذا أتممتُ إشعالها، والمراد هنا: إتمام فري الأوداج وإنهارُ الدم. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

ما أنْهَرَ الدّمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه فكُلْ ليس غير السّن والظفر"

وأقل الذكاة في الحيوان المقدور عليه قطع المري والحُلقوم وكما له أن يقطع الودجين معهما، ويجوز بكل مُحدّد يقطع من حديد أو قصب أو زجاج أو حجر إلا السن والظفر، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بهما، وإنّما يحلّ ما ذكّيتَه بعدما جرحَه السبعُ أو أكل شيئاً منه إذا أدركتَه والحياةُ فيه مستقرةٌ فذبحته، فأمّا مَا صار بجرح السبع إلى حالة المذبوح، فهو في حكم الميتة، فلا يكون حلالاً وإن ذبحته، وكذلك المتردّية والنّطيحة إذا أدركتَها حيّةً قبل أن تصير إلى حالة المذبوح فذبحتها تكون حلالاً، ولو رمى إلى صيد في الهواء فأصابه فسقط على الأرض فمات كان حلالاً، لأن الوقوع على الأرض من ضرورته، فإن سقط على جبل أو شجر أو سطح ثم تردّى منه فمات فلا يحلّ، وهو من المتردية إلاّ أن يكون السهم أصاب مذبحه في الهواء فيحلّ كيفَ مَا وقع، لأن الذبح قد حصل بإصابة السهم المَذْبَح.

{وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ}، قيل: النُّصُب جمعٌ، واحده نصاب، وقيل: هو واحد وجمعه أنصاب مثل عنق وأعناق، وهو الشيء المنصوب.

واختلفوا فيه، فقال مجاهد وقتادة: كانت حول البيت ثلاثمائة وستون حجراً منصوبة، كان أهل الجاهلية يعبدونها ويُعظِّمونها ويذبحون لها، وليست هي بأصنام، إنما الأصنام هي المُصَوَّرة المنقوشة، وقال الآخرون: هي الأصنام المنصوبة، ومعناه: ما ذُبح على اسم النُّصبِ، قال ابن زيد: وما ذُبح على النصب وما أُهلّ لغير الله به: هما واحد، قال قطرب: على بمعنى اللام أي: وما ذُبح لأجل النُّصب.

{وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ}، أي: ويحرّم عليكم الاستقسام بالأزلام، والاستقسام هو طلب القسم والحكم من الأزلام، والأزلام هي: القِداح التي لا ريش لها ولا نَصْل، وَاحِدُها: زَلْم، وزُلْم، بفتح الزاي وضمّها وكانت أزلامهم سبعة قداح مستوية من شوحط، يكون عند سَادِنِ الكعبة، مكتوبٌ على واحدٍ نعم، وعلى واحدٍ لا، وعلى واحدٍ منكم، وعلى واحدٍ من غيركم، وعلى واحدٍ مُلْصَق، وعلى واحدٍ: العقل، وواحدٍ غُفْل ليس عليه شيء، وكانوا إذا أرادوا أمراً من سفر أو نكاح أو ختان أو غيره، أو تدارؤوا في نسبٍ أو اختلفوا في تحمّل عقلٍ جاؤوا إلى هُبل وكان أعظم أصنام قريش بمكة، وجاؤوا بمائة درهم فأعطوها صاحب القداح حتى يُجِيلَ القِدَاحَ، ويقولون: يا إلهنا أنّا أردنا كذا وكذا، فإن خرج نعم، فعلوا، وإن خرج لا، لم يفعلوا ذلك حولاً، ثمّ عادوا إلى القِدَاح ثانيةً، فإذا أجالوا على نسبٍ، فإن خرج منكم كان وسيطاً بينهم، وإن خرج من غيركم كان حليفاً، وإن خرج ملصق كان على منزلته لا نسب له ولا حلف، وإذا اختلفوا في عقل فمن خرج عليه قدح العقل حمله، وإن خرج الغفل أجالوا ثانياً حتى يخرج المكتوب، فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك وحرّمه، وقال: {ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ} قال سعيد بن جبير: الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها، وقال مجاهد: هي كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وقال الشعبي وغيره: الأزلام للعرب، والكعاب للعجم، وقال سفيان بن وكيع: هي الشطرنج، وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

العِيَافَةُ والطَرْقُ والطِّيَرَةُ منَ الجِبْتِ، والمراد من الطّرْقِ: الضِّرْبُ بالحصى.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنا ابن فنجويه أنا ابن الفضل الكندي أخبرنا الحسن بن داود الخشاب أنا سويد بن سعيد أنا [أبو المختار] عن عبدالملك بن عمير عن رجاء بن حيوة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَنْ تكهَّنَ أو اسْتَقْسَمَ أو تطيّر طيرةً تردّه عن سفره لم ينظرْ إلى الدرجات العُلى من الجنة يوم القيامة"

قوله عز وجل {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ}، يعني: أنْ ترجِعُوا إلى دينهم كفاراً، وذلك أن الكفار كانوا يطْمَعُون في عَوْدِ المسلمين إلى دينهم فلما قويَ الإسلام يئسوا، ويئس وأيس بمعنى واحد.

{فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً}، نزلت هذه الآية يوم الجمعة، يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء، فكادت عضد الناقة تندق من ثقلها فبركت.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل حدثني الحسن بن الصباح سمع جعفر بن عون أنا أبو العُمَيس أنا قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلتْ لاتّخذنَا ذلك اليوم عيداً، قال: أيَّةُ آيةٍ؟ قال: "اليومَ أكملتُ لكم دينَكُم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإِسلام ديناً"، فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة، أشار عمر إلى أن ذلك اليوم كان عيداً لنا.

قال ابن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد: جمعة وعرفة وعيد اليهود والنصارى والمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده.

وروى هارون بن عنترة عن أبيه قال:

لما نزلتْ هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يُبكيك يا عمر؟قال: أبكاني أنّا كنّا في زيادة من ديننا، فأمّا إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، قال:صدقت"

وكانت هذه الآية نعي النبي صلى الله عليه وسلم وعاش بعدها إحدى وثمانين يوماً، ومات يوم الاثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول [سنة إحدى عشرة من الهجرة. وقيل: تُوفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول] وكانت هجرته في الثاني عشر من شهر ربيع الأول.

قوله عزّ وجلّ: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، يعني: يوم نزول هذه الآية أكملت لكم دينكم، يعني الفرائض والسُّنن والحُدود والجهاد والأحكام والحلال والحرام، فلم ينزل بعد هذه الآية حلالٌ ولا حرام، ولا شيء من الفرائض. هذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما، ورُوي عنه أن آية الرِّبا نزلت بعدها.

وقال سعد بن جبير وقتادة: أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك.

وقيل: أظهرت دينكم وأمّنْتُكُم من العدو.

قوله عزّ وجلّ: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى}، يعني: أنجزت وعدي في قوله:

{ { وَلأُِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } } [البقرة: 150]، فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين وعليها ظاهرين، وحجّوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين، {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً}، سمعت عبدالواحد المليحي قال: سمعت أبا محمد بن حاتم، قال: سمعت أبا بكر النيسابوري سمعت أبا بكر محمد بن الحسن بن المسيب المروزي، سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، سمعت عبدالملك بن مسلمة أبا مروان المصري سمعت إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر رضي الله عنه، سمعت عمي محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبدالله يقول: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:قال جبريل عليه السلام قال الله تعالى: هذا دين ارتضيتُه لنفسي ولن يُصلِحَه إلا السخاءُ وحُسْنُ الخُلق، فأكرمُوه بهما ما صحبتُمُوه"

قوله عزّ وجلّ: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ}، أي: أُجهد في مجاعة، والمخمصة خلو البطن من الغذاء، يقال: رجل خميص البطن إذا كان طاوياً خاوياً، {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ}، أي: مائل إلى إثم وهو أن يأكل فوق الشبع، وقال قتادة: غير متعرض لمعصية في مقصده، {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وفيه إضمار، أي: فأكله فإنّ الله غفور رحيم.

أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الحسن المروزي أنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان أنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان أنا أبو الحسن علي بن عبدالعزيز المكي أنا أبو عبيد القاسم بن سلام أنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي واقد الليثي

" قال رجل: يا رسول الله إنّا نكون بالأرض فتصيبُنا بها المخمصة فمتى تَحِلّ لنا الميتة؟ فقال: «ما لم تصطحبوا أو تغتبقوا أو تحتفئوا بها بقلاً فشأنكم بها»"

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝٤

قوله عزّ وجلّ: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ} الآية، قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين وهو زيد الخيل الذي سمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، قالا: يا رسول الله إنّا قوم نصيد بالكلاب والبزاة فماذا يحلّ لنا منها؟ فنزلت هذه الآية.

وقيل: سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب قالوا: يا رسول الله ماذا يحلّ لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت هذه الآية فلمّا نزلت أذِنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي يُنتفع بها، ونهى عن إمساك مَا لا نفعَ فيه منها.

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبدالله بن بِشْرَان أنا إسماعيل بن محمد الصفَّار أنا أحمد بن منصور الرَّمادي أنا عبدالرزاق أنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

من اتّخذ كلباً إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط ». والأول أصح في سبب نزول الآية.

{قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ}، يعني: الذبائح على اسم الله تعالى، وقيل: كل ما تستطيبه العرب وتستلذّه من غير أنْ يرد بتحريمه نصٌ من كتاب أو سنة {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ}، يعني: وأحل لكم صيد ما علّمتم من الجوارح.

واختلفوا في هذه الجوارح، فقال الضحاك والسدي: هي الكلاب دون غيرها، ولا يحل ما صاده غير الكلب إلا أن يُدْرِكَ ذكاتَه، وهذا غير معمول به، بل عامة أهل العلم على أنّ المراد من الجوارح الكواسب من سباع البهائم كالفهد والنمر والكلب، ومن سباع الطير كالبازي والعُقاب والصقر ونحوها ممّا يقبل التعليم، فيَحلّ صيدُ جميعها، سميت جارحة: لجرحها لأربابها أقواتهم من الصيد، أي: كسبها، يقال: فلان جارحة أهله، أي: كاسبهم، {مُكَلِّبِينَ}، والمُكلّب الذي يغري الكلاب على الصيد، ويقال للذي يعلمها أيضاً: مُكلِّب، والكلاّب: صاحب الكلاب، ويقال للصائد بها أيضاً كلاّب، ونصبُ مكلّبين على الحال، أي: في حال تكليبكم هذه الجوارح أي إغرائكم إيّاها على الصيد، وذكر الكلاب لأنها أكثر وأعمّ، والمراد جميع جوارح الصيد، {تُعَلِّمُونَهُنَّ}، تؤدّبونهن آدابَ أخذ الصيد، {مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ}، أي: من العلم الذي علّمكم الله، قال السدي: أي: كما علّمكم الله، "من" بمعنى الكاف، {فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}. أراد أن الجارحة المعلّمة إذا خرجتْ بإرسال صاحبها فأخذتِ الصيدَ وقتلتْه كان حلالاً، والتعليم هو أن يُوجِدَ فيها ثلاثة أشياء: إذا أُشليتْ اسْتَشْلَتْ، وإذا زُجِرَتْ انْزَجَرَتْ، وإذا أخذتِ الصيدَ أمْسَكتْ ولم تأكل، وإذا وجد ذلك منه مراراً وأقله ثلاث مرات كانت معلّمة، يحل قتلها إذا خرجت بإرسال صاحبها.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا موسى بن إسماعيل أنا ثابت بن يزيد عن عاصم عن الشعبي عن عدي بن حاتم: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إذا أرسلتَ كلبكَ المعلّم وسمّيتَ فأمسكَ وقتلَ فَكُلْ، وإن أكل فلا تأكل فإنّما أمسك على نفسه، وإذا خالط كلاباً لم يذكر اسم الله عليها فأمسكنَ وقتلنَ فلا تأكل فإنك لا تدري أيّها قتل، وإذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكُلْ، وإن وقع في الماء فلا تأكل"

واختلفوا فيما إذا أخذت الصيد وأكلت منه شيئاً: فذهب أكثر أهل العلم إلى تحريمه، ورُوي ذلك عن ابن عباس، وهو قول عطاء وطاوس والشعبي، وبه قال الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وهو أصح قولي الشافعي لقوله:

وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه

ورخص بعضهم في أكله رُوي ذلك عن ابن عمر وسلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص، وبه قال مالك: لِما رُوي عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا أرسلتَ كلبكَ وذكرتَ اسمَ اللَّهِ تعالى فكُلْ وإن أكل منه

أمّا غير المعلم من الجوارح إذا أخذ صيداً، أو المعلم إذا جرح بغير إرسال صاحبه فأخذ وقتل فلا يكون حلالاً إلا أن يدركه صاحبه حياً فيذبحه، فيكون حلالاً.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبدالله بن يزيد أنا حيوة أخبرني ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس

عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: يا نبيّ الله إنَّا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم، وبأرضٍ صيدٍ أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلّم، وبكلبي المعلم فما يصلح لي؟ قال: «أمّا ما ذكرت من آنية أهل الكتاب، فإنْ وجدتُم غيرَها فلا تأكلُوا فيها، وإن لم تجدُوا فاغسلُوها وكلُوا فيها، وما صِدْتَ بقوسك فذكرتَ اسمَ اللَّهِ عليه فكُلْ وما صِدْتَ بكلبك المعلّم فذكرتَ اسمَ الله عليه فكل وما صِدْت بكلبك غير المعلّم فأدركتَ ذكاتَه فكُلْ»

قوله عزَّ وجل: {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَٱتَّقُواْ الله إن الله سريع الحساب}، ففيه بيان أن ذكرَ اسم الله عزّ وجلّ على الذبيحة شرطٌ حالةَ ما يُذبح، وفي الصيد حالةَ ما يُرسِلُ الجارحةَ أو السهمَ.

أخبرنا أبو الحسن عبدالرحمن بن محمد الداودي أنا أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن الحسن بن علوية الجوهري قال: حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد بن الأثرم المقري بالبصرة حدثنا عمر بن شيبة أنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة

عن أنس قال: «ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمّى وكبّر، قال: رأيته واضعاً قدمه على صِفَاحِهمَا ويذبحهما بيده ويقول: بسم الله والله أكبر»»

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٥

قوله عزّ وجلّ: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ}، يعني: الذبائح على اسم الله عزّ وجلّ، {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ}، يريد ذبائح اليهود والنصارى ومن دخل في دينهم من سائر الأمم قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم حلالٌ لكم، فأمّا من دخل في دينهم بعد مبعث محمد فلا تحلّ ذبيحتُه، ولو ذبح يهودي أو نصراني على اسم غير الله كالنصراني يذبح باسم المسيح فاختلفوا فيه، قال ابن عمر: لا يحلّ وهو قول ربيعة، وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يحلّ وهو قول الشعبي وعطاء والزهري ومكحول، سُئل الشعبي ومكحول عن النصراني يذبح باسم المسيح، قالا: يَحِلُّ فإن الله تعالى قد أحلّ ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون، وقال الحسن: إذا ذبح اليهودي أو النصراني فذكر اسم غير الله وأنت تسمع فلا تأكله إذا غاب عنك فكُلْ فقد أحلّ الله لك.

قوله عزّ وجلّ: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ}، فإن قيل: كيف شرع لهم حِلّ طعامنا وهم كفار ليسوا من أهل الشرع؟ قال الزجاج: معناه حلال لكم أن تطعموهم فيكون خطاب الحِلّ مع المسلمين، وقيل: لأنه ذكر عقيبه حكم النساء، ولم يذكر حِلَّ المسلمات لهم فكأنه قال حلالٌ لكم أن تطعموهم حرامٌ عليكم أن تُزوّجوهم.

قول عزّ وجلّ: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ}، هذا راجع إلى الأول منقطع عن قوله: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ}.

اختلفوا في معنى {ٱلْمُحْصَنَـٰت}، فذهب أكثر العلماء إلى أنّ المراد منهن الحرائر، وأجازوا نكاح كل حرة مؤمنة كانت أو كتابية، فاجرة كانت أو عفيفة، وهو قول مجاهد. وقال هؤلاء: لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية لقوله تعالىٰ:

{ { فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ } } [النساء: 25] جوّز نكاح الأمة بشرط أن تكون الأمة مؤمنة، وجوّز أكثرُهم نكاح الأمة الكتابية الحربية، وقال ابن عباس: لا يجوز وقرأ { { قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } } إلى قوله: { { حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ } } [التوبة: 29] فمن أعطى الجزية حَلّ لنا نساؤه ومن لم يعطِها فلا يحلّ لنا نساؤه.

وذهب قوم إلى أن المراد من المحصنات في الآية: العفائف من الفريقين حرائرَ كُنّ أو إماء وأجازوا نكاح الأمة الكتابية، وحرّموا البغايا من المؤمنات والكتابيات، وهو قول الحسن، وقال الشعبي: إحصان الكتابية أن تستعف من الزنا وتغتسل من الجنابة.

{إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهورهن {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}، غير مُعالنين بالزنا، {وَلاَ مُتَّخِذِىۤ أَخْدَانٍ}، أي: يسرون بالزنا، قال الزجاج: حرّم الله الجماع على جهة السفاح وعلى جهة اتّخاذ الصديقة، وأحلّه على جهة الإحصان وهو التزوّج.

{وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}، قال مقاتل بن حيان: يقول ليس إحصان المسلمين إيّاهنّ بالذي يخرجهنّ من الكفر أو يغني عنهنّ شيئاً وهي للناس عامة، {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى ٱلاَْخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}.

قال ابن عباس ومجاهد في معنى قوله تعالىٰ: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَـٰنِ}، أي: بالله الذي يجب الإيمانُ به.

وقال الكلبي: بالإيمان أي: بكلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله.

وقال مقاتل: بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن، وقيل: ومن يكفر بالإيمان، أي: يستحلّ الحرامَ ويحرّم الحلالَ فقد حَبِط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين، قال ابن عباس: خسر الثواب.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَٱطَّهَّرُوا۟ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝٦

قوله عزّ وجلّ: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ}، أي: إذا أردتُمُ القيامَ إلى الصلاةِ؛ كقوله تعالى:

{ { فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } } [النحل: 98] أي: إذا أردتَ القراءةَ.

وظاهر الآية يقتضي وجوب الوضوء عند كلّ مرّة يريد القيام إلى الصَّلاة، لكن أُعلمنا ببيان السنّة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم أنّ المرادَ من الآية: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ} وأنتم على غير طُهر، قال النبيّ:

لا يقبلُ اللَّهُ صلاةَ أحدكم إذا أحدثَ حتى يتوضأ

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد. أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنيفي أنا أبو الحارث طاهر بن محمد الظاهري أنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حليم أنا أبو الموجَّه محمد بن عمرو بن الموجَّه أنا عبدان أنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه. أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلّى يومَ فتحِ مكةَ الصلواتِ بوضوءٍ واحد، ومسح على خُفّيه.

وقال زيد بن أسلم: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من النوم.

وقال بعضهم: هو أمر على طريق النّدب، ندب لمن قام إلى الصلاة أن يجدّد لها طهارته وإن كان على طُهر، روى ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

مَنْ توضأ على طُهرٍ كتب اللَّهُ له عشرَ حسناتٍ

ورُوي عن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كلِّ صلاةٍ طاهراً أو غير طاهر، فلمّا شقَّ ذلك عليه أمر بالسِّواك لكلِّ صلاةٍ

وقال بعضهم: هذا إعلام من الله سبحانه وتعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا وضوء عليه إلاّ إذا قام إلى الصلاةِ دون غيرها من الأعمال، فأذن له أن يفعل بعد الحدث ما بَدَا له من الأفعال غير الصلاة، أخبرنا أبو القاسم الحنيفي أنا أبو الحارث الطاهري أنا الحسن بن محمد بن حليم أنا أبو الموجه أنا صدقة أنا ابن عُيينة عن عمرو بن دينار سمع سعيد بن الحويرث

سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: كنّا عند النبي صلى الله عليه وسلم فرجع من الغائط فأُتيَ بطعامٍ فقيل له: ألا تتوضأ؟ «فقال: لِمَ؟ أأصلِّ فأتوضأ؟»

قوله عزّ وجلّ: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ}، وحدُّ الوجه من مَنَابِتِ شعر الرأس إلى مُنتهى الذقن طولاً وما بين الأذنين عرضاً يجب غسل جميعه في الوضوء، ويجب أيضاً إيصالُ الماء إلى ما تحت الحاجبين وأهداب العينين والشارب والعذار أو العنفقة وإن كانت كثيفة وأمّا العارض واللحية فإن كانت كثيفة لا تُرى البشرة من تحتها لا يجب غسل باطنها في الوضوء، بل يجب غسل ظاهرها.

وهل يجب إمرارُ الماء على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الذقن؟ فيه قولان:

أحدهما: لا يجب وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه، لأن الشعر النازل عن حدّ الرأس لا يكون حكمه حكم الرأس في جواز المسح عليه، كذلك النازل عن حدّ الوجه لا يكون حكمه حكم الوجه في وجوب غسله.

والقول الثاني: يجب إمرار الماء على ظاهره، لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه، والوجه ما يقع في المواجهة من هذا العضو، ويقال في اللغة بقل وجه فلان وخرج وجهه: إذا نبتت لحيته.

قول تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ}، أي: مع المرافق؛ كما قال الله تعالى:

{ { وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَٰلِكُمْ } } [النساء: 2] أي: مع أموالكم، وقال: { { مَنْ أَنصَارِىۤ إِلَى ٱللَّهِ } }، [آل عمران: 52، الصف: 14] أي: مع الله.

وأكثر العلماء على أنه يجب غسل المرفقين، وفي الرِّجْل يجب غسل الكعبين، وقال الشعبي ومحمد بن جرير: لا يجب غسل المرفقين والكعبين في غسل اليد والرِّجْل لأن حرف "إلى" للغاية والحدّ، فلا يدخل في المحدود.

قلنا: ليس هذا بحدّ ولكنه بمعنى مع كما ذكرنا، وقيل: الشيء إذا حدّ إلى جنسه يدخل فيه الغاية، وإذا حدّ إلى غير جنسه لا يدخل؛ كقوله تعالى:

{ { ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ } } [البقرة: 187] لم يدخل الليل فيه لأنه ليس من جنس النهار.

قوله تعالى: {وَٱمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ}، اختلف العلماء في قدر الواجب من مسح الرأس، فقال مالك: يجب مسح جميع الرأس كما يجب مسح جميع الوجه في التيمّم، وقال أبو حنيفة: يجب مسح ربع الرأس، وعند الشافعي رحمه الله: يجب قدرُ ما يُطلق عليه اسم المسح.

واحتجّ من أجاز مسح بعض الرأس بما أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا يحيى بن حسان عن حماد بن زيد وابن علية عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن عمرو بن وهب الثقفي عن المغيرة بن شعبة:

أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخُفّيه ». فأجاز بعض أهل العلم المسح على العمامة بهذا الحديث، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق.

ولم يُجوّز أكثر أهل العلم المسح على العمامة بدلاً من مسح الرأس، وقال في حديث المغيرة إن فرض المسح سقط عنه بمسح الناصية، وفيه دليل على أن مسح جميع الرأس غير واجب.

قوله عزّ وجلّ: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ}، قرأ نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص {وَأَرْجُلَكُمْ} بنصب اللام، وقرأ الآخرون: "وأرْجُلِكم" بالخفض، فمن قرأ "وأرجلَكم" بالنصب فيكون عطفاً على قوله: {فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ}، أي: واغسلوا أرجلكم، ومن قرأ بالخفض فقد ذهب قليل من أهل العلم إلى أنه يمسح على الرجلين، ورُوي عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، ويُروى ذلك عن عكرمة وقتادة، وقال الشعبي: نزل جبريل بالمسح وقال: ألا ترى المتيمّم يمسح ما كان غسلاً ويلغي ما كان مسحاً.

وقال محمد بن جرير الطبري: يتخيّر المتوضّىء بين المسح على الخفين وبين غسل الرجلين.

وذهب عامّة أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى وجوب غسل الرجلين. وقالوا: خفض اللاّم في الأرجل على مجاورة اللفظ لا على موافقة الحكم، كما قال تبارك وتعالى: {عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}، فالأليم صفة العذاب، ولكنه أخذ إعراب اليوم للمجاورة، وكقولهم: جُحْرُ ضبٍ خربٍ، فالخراب نعت الجُحر، وأخذ إعراب الضب للمجاورة.

والدليل على وجوب غسل الرجلين: ما أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي الخطيب أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب أنا يحيى بن محمد بن يحيى أنا الحجبي ومسدد قالا: أخبرنا أبو عوانة عن أبي بشرِ عن يوسف بن ماهك

عن عبد الله بن عمرو قال: تخلّف عنّا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر سافرناه فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر، ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادانا بأعلى صوته: «وَيلٌ للأعقابِ منَ النّار»

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبدان أنا عبدالله أنا معمر حدثني الزهري عن عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان قال: رأيتُ عثمان رضي الله عنه توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً ثم مضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً ثم اليسرى ثلاثاً، ثم قال:رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وُضوئي هذا، ثم قال:

من توضّأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يُحدّث نفسَه فيهما بشيء غُفر له ما تقدّم من ذنبه

وقال بعضهم: أراد بقوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} المسح على الخفين كما رُوي

أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع وضع يديه على ركبتيهوليس المراد منه أنه لم يكن بينهما حائل، ويُقال: قبّلَ فلان رأس الأمير ويده، وإن كانت العمامة على رأسه ويده في كمه.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم حدثنا زكريا

عن عامر عن عروة بن المغيرة عن أبيه رضي الله عنهما قال: كنتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في سفر فقال: «أمعك ماء»، قلت: نعم، فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عني في سواد اللّيل، ثم جاء فأفرغتُ عليه من الإداوة فغسل وجهه ويديه، وعليه جبة من صوف فلم يستطع أن يُخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة فغسل ذراعيه، ثم مسح برأسه، ثم أهويتُ لأنزع خفّيه فقال: «دعْهُما فإني أدخلتُهما طاهرتين فمسح عليهما ».

قوله تعالى: {إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ}، فالكعبان هما العظمان الناتئان من جانبي القدمين، وهما مجتمع مفصل الساق والقدم، فيجب غسلهما مع القدمين كما ذكرنا في المرفقين.

وفرائضُ الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة كما ذكر الله تعالى، ومسح الرأس، واختلف أهل العلم في وجوب النيّة، فذهب أكثرهم إلى وجوبها لأنّ الوضوء عبادة فيفتقر إلى النّية كسائر العبادات، وذهب بعضهم إلى أنّها غير واجبة وهو قول الثوري وأصحاب الرأي.

واختلفوا في وجوب الترتيب، وهو أن يغسل أعضاءه على الولاء كما ذكر الله تبارك وتعالى: فذهب جماعة إلى وجوبه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق رحمهم الله، ويُروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه

واحتجّ الشافعي بقول الله تعالى:

{ { إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ } }. [البقرة: 158] وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالصفا، وقال: «نبدأ بما بدأ الله به» »، وكذلك هاهنا بدأ الله تعالى بذكر غسل الوجه فيجب علينا أن نبدأ فعلاً بما بدأ الله تعالى به ذكرا.

وذهب جماعة إلى أنّ الترتيب سنّة، وقالوا: الواوات المذكورة في الآية للجمع لا للترتيب؛ كما قال الله تعالى:

{ { إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ } } [التوبة: 60] الآية، واتفقوا على أنه لا تجب مراعاة الترتيب في صرف الصدقات إلى أهل السهمان، ومن أوجب الترتيب أجاب بأنه لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه راعى الترتيب بين أهل السهمان، وفي الوضوء لم ينقل أنه توضأ إلا مرتباً كما ذكر الله تعالى، وبيان الكتاب يُؤخذ من السنة؛ كما قال الله تعالى: { { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ } } [الحج: 77] لمَا قدم ذكر الركوع على السجود، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل إلاّ كذلك فكان مراعاة الترتيب فيه واجباً، كذلك الترتيب هاهنا.

قوله عزّ وجلّ: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ}، أي: اغتسلوا. أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يُدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصبُّ على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله.

قوله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ}، فيه دليلٌ على أنّه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد وهو التراب، {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم}، بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمّم، {مِّنْ حَرَجٍ}: ضيق، {وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}، من الأحداث والجنابات والذنوب، {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. قال محمد بن كعب القرظي: إتمام النعمة تكفير الخطايا بالوضوء كما قال الله تعالى:

{ { لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذنبكَ وَمَا تَأَخَّرَ } } [الفتح: 2] فجعل تمام نعمته غفران ذنوبه.

أخبرنا أبو الحسن عبدالوهّاب بن محمد الكسائي أنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران: أنّ عثمان توضأ بالمقاعد ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: سمعتُ رسولَ الله يقول:

من توضّأ وضوئي هذا خرجتْ خطاياه من وجهه ويديه ورجليه

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران مولى عثمان: أنّ عثمان بن عفان رضي الله عنه جلس على المقاعد يوماً فجاءه المؤذّن فآذنه بصلاة العصر فدعا بماء فتوضأ، ثم قال: والله لأحدثنّكم حديثاً لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه، ثم قال: إني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

ما من امرىءٍ [مسلم] يتوضأ فيُحسن وضوءه ثم يُصلي الصلاةَ إلاّ غُفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصلّيها، قال مالك: أراه يريد هذه الآية: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ}، ورواه ابن شهاب، (قال) عروة: الآية { { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ } }. [البقرة: 159].

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا يحيى بن بكير أنا الليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر قال: رقيت مع أبي هريرة رضي الله عنه على ظهر سطح المسجد، فتوضأ قال: إني سمعتُ رسولَ الله يقول:

إنّ أمتي يُدعون يومَ القيامة غُراً محجَّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع أن يُطيلَ منكم غُرتَه فليفعل»
الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ