انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير البغويالآيات 90–110

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير البغوي.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝٩٠ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ۝٩١ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ۝٩٢

قوله عزّ وجلّ: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} أي: القمار، {وَٱلأَنصَابُ}، يعني: الأوثان، سُمّيت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها، واحدها نَصْب بفتح النون وسكون الصاد، ونُصب بضم النون مخففاً ومثقلاً، {وَٱلأَزْلاَمُ}، يعني: القِدَاح التي يستسقون بها واحدها زَلَمٌ، {رِجْسٌ}، خبيث مستقذر، {مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ}، من تزينيه، {فَٱجْتَنِبُوهُ}، ردّ الكناية إلى الرجس، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ}، أما العداوة في الخمر فإن الشاربين إذا سكروا عربدوا وتشاجروا، كما فعل الأنصاري الذي شجّ سعد بن أبي وقاص بلحي الجمل، وأمّا العداوة في الميسر، قال قتادة: كان الرجل يقامر على الأهل والمال ثم يبقى حزيناً مسلوب الأهل والمال مغتاظاً على [حرفائه]، {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ}، وذلك أن من اشتغل بشرب الخمر والقمار ألهاه ذلك عن ذكر الله، وشوّش عليه صلاته كما فعل بأضياف عبدالرحمن بن عوف، تقدم رجل ليصلّي بهم صلاة المغرب بعدما شربوا فقرأ "قل يا أيّها الكافرون"، أعبد ما تعبدون، بحذف لا، {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}؟ أي: انتهوا لفظة استفهام ومعناه أمر؛ كقوله تعالىٰ:

{ { فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ } }؟ [الأنبياء: 80].

{وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ } المحارم والمناهي، {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ}.

وفي وعيد شارب الخمر أخبرنا أبو القاسم عبدالرحمن بن محمد الفوراني أنا أبو الحسن علي بن عبدالله الطيسفوني ثنا أبو الحسن محمد بن محمود المحمودي أنا أبو العباس الماسرجسي بنيسابور أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا صالح بن قدامة حدثنا أخي عبدالملك بن قدامة عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كلُّ مسكرٍ حرام، وإن حتماً على الله أن لا يشربه عبدٌ في الدنيا إلاّ سقاه الله تعالى يوم القيامة من طينة الخبال، هل تدرون ما طينة الخبال؟ قال:عرق أهل النار».

وأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

مَنْ شربَ الخمرَ في الدنيا ثم لم يتبْ منها حُرِمها في الآخرة».

وأخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أحمد بن أُبيّ أخبرنا أبو العباس الأصم أنا محمد بن إسحاق الصنعاني حدثنا أبو نعيم حدثنا عبدالعزيز بن عمر عن عبد الرحمن بن عبدالله الغافقي من أهل مصر عن عبدالله بن عمر أنه قال: أشهد أني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول:

لعنَ اللَّهُ الخمرَ وشارِبَها وساقيها وبائعَها ومُبتاعَها وعاصرهَا ومُعتصرهَا وحاملَها والمحمولةَ إليه وآكلَ ثمنها».

لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٩٣ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٩٤

قوله عزّ وجلّ: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ}، سبب نزول هذه الآية أنّ الصحابة رضوان الله عليهم قالوا لمّا نزل تحريم الخمر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر [ويأكلون] من مال الميسر؟ فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ}، وشَرِبُوا من الخمر وأكلوا من مال الميسر، {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ}، الشركَ، {وَءامَنُواْ}، وصدّقوا، {وَعَمِلُواْ الصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ اتَّقَواْ}، الخمر والميسرَ بعد تحريمهما، {وَءَامَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ}، ما حرّم الله عليهم أكله وشربه، {وأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}، وقيل: معنى الأول إذا ما اتّقوا الشرك، وآمنوا وصدقوا ثمّ اتّقوا، أي: داومُوا على ذلك التقوى، {وآمنوا} وازْدادوا إيماناً، ثم اتقوا المعاصي كلها وأحسنوا، وقيل: أي: اتقوا بالإحسان، وكلُّ محسن متقٍ، {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}.

قوله عزّ وجلّ: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ} الآية، نزلت عام الحديبية وكانوا محرمين ابتلاهم الله بالصيد، وكانت الوحوش تغشى رحالهم من كثرتها فهمّوا بأخذها فنزلت: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ} ليختبرنّكم الله، وفائدة البلوى إظهار المطيع من العاصي، وإلا فلا حاجة له إلى البلوى بشيء من الصيد، وإنما بعض، فقال {بِشَىْءٍ} لأنه ابتلاهم بصيد البرِّ خاصةً. {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ}، يعني: الفرخ والبيض وما لا يقدر أن يفرّ من صغار الصيد، {وَرِمَـٰحُكُمْ}، يعني: الكبار من الصيد، {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ}، ليرى الله، لأنه قد علمه، {مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ}، أي: يخاف الله ولم يره؛ كقوله تعالىٰ:

{ { ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ } } [الأنبياء: 49]، أي: يخافه فلا يصطاد في حال الإحرام، {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ}، أي: صاد بعد تحريمه، {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال؛ [يوجع] ظهره وبطنه جلداً، ويُسلب ثيابه.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّٰرَةٌ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ ۝٩٥

قوله عزّ وجلّ: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ}، أي: محرمون بالحج والعمرة، وهو جمع حرام، يقال: رجل حرام وامرأة حرام، وقد يكون [من] دخول الحرم، يقال: أحرم الرجل إذا عقد الإحرام، وأحرم إذا دخل الحرم. نزلت في رجل يقال له أبو اليَسَر شدَّ على حمار وحشٍ وهو محرم فقتله.

قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً}، اختلفوا في هذا العمد، فقال قوم: هو العمد بقتل الصيد مع نسيان الإحرام، أما إذا قتله عمداً وهو ذاكر لإحرامه فلا حكم عليه، وأمره إلى الله لأنه أعظم من أن يكون له كفارة، هذا قول مجاهد والحسن.

وقال آخرون: هو أن يعمد المحرم قتل الصيد ذاكراً لإحرامه فعليه الكفارة.

واختلفوا فيما لو قتله خطأ، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن العمد والخطأ سواء في لزوم الكفارة، وقال الزهري: على المتعمد بالكتاب وعلى المخطىء بالسنة، وقال سعيد بن [جبير]: لا تجب كفارة الصيد بقتل الخطأ، بل يختص بالعمد.

قوله عزّ وجلّ: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ}، قرأ أهل الكوفة ويعقوب {فَجزآءٌ} منونٌ، {مثلُ}، رفعٌ على البدل من الجزاء، والآخرون بالإضافة {فجزاء مثل}، {مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ}، معناه: أنه يجب عليه مثل ذلك الصيد من النَّعم، وأراد به ما يقرب من الصيد المقتول شبهاً من حيث الخلقة لا من حيث القيمة.

{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ}، أي: يحكم بالجزاء رجلان عدلان، وينبغي أن يكونا فقيهين ينظران إلى أشبه الأشياء من النَّعم فيحكمان به، وممن ذهب إلى إيجاب المثل من النَّعم عمر وعثمان وعلي وعبدالرحمن بن عوف وابن عمر وابن عباس، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، حكموا في بلدان مختلفة وأزمان شتّى بالمثل من النَّعم، يحكم حاكم في النعامة ببدنة وهي لا تساوي بدنة، وفي حمار الوحش ببقرة [وهي لا تساوي بقرة]، وفي الضبع بكبش وهي لا تساوي كبشاً، فدلّ أنهم نظروا إلى ما يقرب من الصيد شبهاً من حيث الخلقة [لا من حيث القيمة]، وتجب في الحمام شاة، وهو كل ما عبّ وهدر من الطير، كالفاختة والقمري.

ورُوي عن عمر وعثمان ابن عباس رضي الله عنهم أنهم قضوا في حمام مكة بشاة، أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبدالله أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة.

قوله تعالى: {هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ}، أي: يُهدي تلك الكفارة إلى الكعبة، فيذبحها بمكة ويتصدّق بلحمها على مساكين الحرم، {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً}، قال الفرَّاء رحمه الله: العِدْل بالكسر: المثل من جنسه، والعَدْل بالفتح: المثل من غير جنسه، وأراد به: أنه في جزاء الصيدِ مخيّر بين أن يذبح المثل من النّعم، فيتصدق بلحمه على مساكين الحرم، وبين أن يقوّم المثل دراهم، والدراهم طعاماً فيتصدق بالطعام على مساكين الحرم، أو يصوم عن كل مَدٍّ من الطعام يوماً وله أن يصوم حيث شاء لأنه لا نفع فيه للمساكين.

وقال مالك: إن لم يخرج المثل يقوّم الصيد ثم يجعل القيمة طعاماً فيتصدق به، أو يصوم.

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يجب المثل من النّعم، بل يقوّم الصيد فإن شاء صرف تلك القيمة إلى شيء من النّعم، وإن شاء إلى الطعام فيتصدق به، وإن شاء صام عن كل نصف صاع من بر أو صاع من غيره يوماً.

وقال الشعبي والنخعي جزاء الصيد على الترتيب والآية حجة لمن ذهب إلى التخيير.

قوله تعالى: {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ}، أي: جزاء معصيته، {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ}، يعني: قبل التحريم، ونزول الآية، قال السدي: عفا الله عما سلف في الجاهلية، {وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ}، في الآخرة. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ}، وإذا تكرّر من المحرم قتل الصيد فيتعدّد عليه الجزاء عند عامة أهل العلم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا قتل المحرم صيداً متعمداً يُسألُ هل قتلتَ قبله شيئاً من الصيد؟ فإن قال نعم لم يحكم عليه، وقيل له: اذهب ينتقم الله منك، وإن قال لم أقتل قبله شيئاً حكم عليه، فإن عاد بعد ذلك لم يحكم عليه، ولكن يُملأ ظهرُه وصدره ضرباً وجيعاً، وكذلك حَكَم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجَ وهو وادٍ بالطائف.

واختلفوا في المحرم هل يجوز له أكل لحم الصيد؟ فذهب قوم إلى أنه لا يحل بحال، ويروى ذلك عن ابن عباس، وهو قول طاوس وبه قال سفيان الثوري، واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود

عن عبدالله بن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودّان فردّه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي، قال: «إنا لم نردّه عليك إلا أنّا حُرم»».

وذهب الأكثرون إلى أنه يجوز للمحرم أكله إذا لم يصطد بنفسه ولا اصطيد له لأجله أو بإشارته، وهو قول عمر وعثمان وأبي هريرة، وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وإنما ردّ النبي صلى الله عليه وسلم على الصعب بن جثامة لأنه ظنّ أنه صيد من أجله.

والدليل على جوازه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيدالله التيمي عن نافع مولى أبي قتادة

عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعض طريق مكة، تخلّف مع أصحابه محرمين وهو غير محرم فرأى حماراً وحشياً فاستوى على فرسه وسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا فأخذه ثم شدّ على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى بعضهم فلما أدركوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك، فقال: «إنّما هي طعمة أطعمكموها الله تعالى»».

أخبرنا عبدالوهّاب بن محمد الخطيب أنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لحم الصيد لكم في الإحرام حلال، ما لم تصيدوه أو يُصاد لكم. قال أبو عيسى: المطلب لا نعرف له سماعاً من جابر بن عبدالله رضي الله عنه

وإذا أتلف المحرم شيئاً من الصيد لا مثل له من النعم مثل بيض أو طائر دون الحمام ففيه قيمة يصرفها إلى الطعام، فيتصدق به أو يصوم عن كل مُدّ يوماً، واختلفوا في الجراد فرخص فيه قوم للمحرم وقالوا: هو من صيد البحر، رُوي ذلك عن كعب الأحبار، والأكثرون على أنها لا تحلّ، فإن أصابها فعليه صدقة، قال عمر: في الجراد تمرة، ورُوي عنه وعن ابن عباس: قبضة من طعام.

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۝٩٦

قوله عزّ وجلّ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَـٰعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ}، والمراد بالبحر جميع المياه، قال عمر رضي الله عنه: "صيده ما اصطيد وطعامه ما رمي به". وعن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة: طعامه ما قذفه الماء إلى الساحل ميتاً.

وقال قوم: هو المالح منه، وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة وسعيد بن المسيب وقتادة والنخعي.

وقال مجاهد: صيده: طريُّه، وطعامه: مالحه، متاعاً لكم أي: منفعة لكم، وللسيارة: يعني المارّة.

وجملة حيوانات الماء على قسمين: سمك وغيره، أمّا السمك فميتته حلال مع اختلاف أنواعها، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

أُحلّتْ لكم ميتتان: [ودمان: الميتتان] الحوت والجراد، والدمان: [الكبد والطحال] ». فلا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب، وعند أبي حنيفة لا يحلّ إلا أن يموت بسبب من وقوع على حجر أو انحسار الماء منه ونحو ذلك.

أمّا غير السمك فقسمان: قسم يعيش في البرّ كالضفدع والسرطان، فلا يحل أكله، وقسم يعيش في الماء ولا يعيش في البر إلا عيش المذبوح، فاختلف القول فيه، فذهب قوم إلى أنه لا يحل شيء منها إلا السمك، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه وذهب قوم إلى أن [ميت الماء كلها حلال]، لأنّ كلّها سمك، وإن اختُلفت صورها، [كالجريث] يقال له حية الماء، وهو على شكل الحية وأكله مباح بالاتفاق، وهو قول عمر وأبي بكر وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة، وبه قال شريح والحسن وعطاء، وهو قول مالك وظاهر مذهب الشافعي.

وذهب قوم إلى أن ما له نظير في البّر يُؤكل، فميتته من حيوانات البحر حلال، مثل بقر الماء ونحوه، ومالا يؤكل نظيره في البرّ لا يحل ميتته من حيوانات البحر، مثل كلب الماء والخنزير والحمار ونحوها.

وقال الأوزاعي: كل شيء عيشه في الماء فهو حلال، قيل: فالتمساح؟ قال: نعم.

قال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، وقال سفيان الثوري: أرجو أن لا يكون بالسرطان بأساً.

وظاهر الآية حجة لمن أباح جميع حيوانات البحر، وكذلك الحديث. أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن صفوان بن [سلمان] عن سعيد بن سلمة من آل بني الأزرق أن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول:

سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نركب في البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو الطّهورُ ماؤهُ، الحِلُّ ميتته»».

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى عن ابن جريج

أخبرني عمر أنه سمع جابراً رضي الله عنه يقول: غزوتُ جيش الخَبَط وأُمِّر أبو عبيدة، فجعنا جوعاً شديداً فألقى البحر حوتاً ميتاً لم نَرَ مثله، يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظماً من عظامه، فمرّ الراكب تحته. وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابراً يقول: قال أبو عبيدة: كلوا فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «كلوا رزقاً أخرجه الله إليكم، أطعمونا إن كان معكم»، فأتاه بعضُهم بشيء منه فأكله.

قوله تعالىٰ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِىۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}، صيد البحر حلال للمحرم، كما هو حلال لغير المحرم، أما صيد البرّ فحرام على المحرم وفي الحرم، والصيد: هو الحيوان الوحشي الذي يحل أكله، أمّا ما لا يحلّ أكله فلا يحرم بسبب الإحرام، وللمحرم أخذه وقتله، ولا جزاء على من قتله إلا المتولد بين مالا يؤكل لحمه وما يؤكل، كالمتولد بين الذئب والظبي لا يحل أكله ويجب بقتله الجزاء على المحرم، لأن فيه جزاء من الصيد.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهنّ جُناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور».

ورُوي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

يقتل المحرمُ السّبُعَ العادي ». وعن أبي هريرة أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:خمسٌ قتلهنّ حلال في الحرم: الحيّة والعقرب والحدأة والفأرة والكلب العقور».

وقال سفيان بن عيينة: الكلب العقور كل سبع يعقر، ومثله عن مالك، وذهب أصحاب الرأي إلى وجوب الجزاء في قتل مالا يُؤكل لحمه، من الفهد والنمر والخنزير ونحوها إلا الأعيان المذكورة في الخبر، وقاسوا عليها الذئب فلم يوجبوا فيه الكفارة، وقاس الشافعي عليها جميعَ ما لا يُؤكل لحمه لأن الحديث يشتمل على أعيانٍ بعضُها سباعٌ ضارية وبعضُها هوامٌ قاتلة وبعضُها طير لا يدخل في معنى السباع ولا هي من جملة [الهوام]، وإنما هي حيوان مستخبث اللحم، وتحريم الأكل يجمع الكل فاعتبره ورتّب الحكم عليه.

جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰمًا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَٰٓئِدَ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ۝٩٧ ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٩٨

قوله عزّ وجلّ: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ}، قال مجاهد: سميت كعبة لتربيعها، والعرب تسمّي كل بيت مربعٍ كعبة، قال مقاتل: سُميت كعبة لانفرادها من البناء، وقيل: سميت كعبة لارتفاعها من الأرض، وأصلها من الخروج والارتفاع، وسمّي الكعب كعباً لنتوئه، وخروجه من جانبي القدم، ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثديُها: تكعّبت. وسمّي البيت الحرام لأن الله تعالى حرّمه وعظّم حرمته. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

إنّ اللَّهَ تعالى حرّم مكةَ يومَ خلقَ السمواتِ والأرض ». {قِيَاماً لِّلنَّاسِ}، قرأ ابن عامر {قيماً} بلا ألف والآخرون "قياماً" بالألف، أي: قواماً لهم في أمرِ دينهم ودنياهم، أما الدين لأن به يقوم الحجّ والمناسك، وأما الدنيا فيما يُجبى إليه من الثمرات، وكانوا يأمنون فيه من النهب والغارة لا يتعرض لهم أحد في الحرم، قال الله تعالى: { { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمناً وَيُتَخَطَّفُ النُّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ }[العنكبوت: 67]، {وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ}، أراد به الأشهر الحرم، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، أراد أنه جعل الأشهر الحرم قياماً للنّاس يأمنون فيها القتال، {وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰئِدَ}، أراد أنهم كانوا يأمنون بتقليد الهدي، فذلك القوام فيه.

{ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}، فإن قيل: أي اتصال لهذا الكلام بما قبله، قيل: أراد أن الله عزّ وجلّ جعل الكعبة قياماً للنّاس لأنه يعلم صلاح العباد كما يعلم ما في السموات وما في الأرض، وقال الزجاج: قد سبق في هذه السورة الإخبار عن الغيوب والكشف عن الأسرار، مثل قوله: (سمّاعون للكذب سمّاعون لقوم آخرين)، ومثل إخباره بتحريفهم الكتب ونحو ذلك، فقوله {ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} راجع إليه.

وقوله عزّ وجلّ: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ۝٩٩ قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝١٠٠ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ۝١٠١

{مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} [التبليغ]، {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ}.

{قُل لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ}، أي: الحلال والحرام، {وَلَوْ أَعْجَبَكَ}، سرّك، {كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ}، نزلت في شُريح بن [ضُبيعة] البكري، وحجاج بن بكر بن وائل، {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}، ولا تتعرّضوا للحجاج وإن كانوا مشركين، وقد مضت القصة في أول السورة، {يٰأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

قوله عزّ وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}، الآية أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا حفص بن عمر أنا هشام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحْفَوْهُ بالمسألة، فغضب فصعِد المنبر فقال:

«لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بيَّنْتُه لكم»، فجعلتُ أنظر يميناً وشمالاً فإذا كلّ رجلٍ لافٌ رأسه في ثوبه يبكي، فإذا رجل كان إذا لاَحَى الرجالَ يُدعى لغير أبيه، فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال: "حُذَافةُ"، ثم أنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، نعوذ بالله من الفتن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إني صُوِّرتْ لي الجنةُ والنّارُ حتى رأيتهما وراء الحائط»، وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}.

قال يونس عن ابن شهاب: أخبرني عبيدالله بن عبدالله قال: قالت أم عبدالله بن حذافة لعبدالله بن حذافة: ما سمعت بابن قط أعقّ منك، أَأَمنْتَ أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ قال عبدالله بن حذافة: لو ألحقني بعبد أسود للحقته. ورُوي عن عمر قال: يا رسول الله إنّا حديثو عهد بجاهلية فاعفُ عنا يعف الله سبحانه وتعالى عنك، فسكن غضبه.

أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا الفضل بن سهل أخبرنا أبو النضر أنا أبو خيثمة أنا أبو جويرية عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: مَنْ أبي؟ ويقول الرجل تضلّ ناقته أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}، حتى فرغ من الآية كلها. ورُوي عن عليّ رضي الله عنه قال:

لما نزلت: {وللّهِ على النّاسِ حِجُّ البيت} قال رجل: يا رسول الله أفي كل عام فأعرض عنه فعاد مرتين أو ثلاثاً، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما يُؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، فاتركوني ما تركتم فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»، فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}.أي: إن تظهر لكم تسؤكم، أي: إن أمرتم بالعمل بها فإن من سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر به في كل فيسوءه، ومن سأل عن نسبه لم يأمن من أن يلحقه بغيره فيفتضح.

وقال مجاهد: نزلت حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحَام، ألا تراه ذكرها بعد ذلك؟ {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ}، معناه صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهى أو حكم، وليس في ظاهره شرح ما بكم إليه حاجة ومست حاجتكم إليه، فإذا سألتم عنها حينئذ تبدُ لكم، {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.

قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَٰفِرِينَ ۝١٠٢ مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ۝١٠٣

{قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} كما سألت ثمود صالحاً الناقة وسأل قوم عيسى المائدة، {ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَـٰفِرِينَ}، فأُهلكوا، قال أبو ثعلبة الخشني: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتكوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها".

قوله عز وجل: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ}، أي: ما أنزل الله ولا أمرَ به، {وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ}، قال ابن عباس في بيان هذه [الأوضاع]: البحيرة هي الناقة التي كانت إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها، أي: شقّوها وتركوا الحمل عليها وركوبها، ولم يجزّوا وَبَرها ولم يمنعوها الماء والكلأ، ثم نظروا إلى خامس ولدها فإن كان ذكراً نحروه وأكله الرجال والنساء، وإن كان أنثى بحروا أذنها، أي: شقّوها وتركوها، وحُرّم على النساء لبنها ومنافعها، وكانت منافعها خاصة للرجال، فإذا ماتت حلت للرجال والنساء.

وقيل: كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثاً سُيّبت فلم يُركب ظهرُها ولم يُجزّ وبرُها ولم يشرب لبنُها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم خلى سبيلها مع أمّها في الإبل، فلم يُركب ظهرُها ولم يُجزّ وَبرُها ولم يشربْ لبنَها إلا ضيف، كما فعل بأمها، فهي البحيرة بنت السائبة.

وقال أبو عبيد: السائبة البعير الذي يُسيّب، وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا مرض وغاب له قريب نذر فقال: إن شفاني الله تعالى أو شُفي مريضي أو ردَّ غائبي، فناقتي هذه سائبة، ثم يسيّبها فلا تحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبها أحدٌ فكانت بمنزلة البحيرة.

وقال علقمة: هي العبد يُسيّب على أن لا ولاء عليه ولا عقل ولا ميراث. وقال صلى الله عليه وسلم:

إنّما الولاء لمن أعتق».

والسائبة فاعلة بمعنى المفعولة، وهي المسيبة؛ كقوله تعالى:(ماء دافق)، أي: مدفوق، (وعيشة راضية).

وأما الوصيلة: فمن الغنم كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن نظروا فإن كان السابع ذكراً ذبحوه، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركوها في الغنم وإن كان ذكراً وأنثى استحيوا الذكر من أجل الأثنى، وقالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه، وكان لبن الأنثى حراماً على النساء، فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعاً.

وأما الحَام: فهو الفحل إذا ركب ولد ولده، ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا: حُمي ظهرُه فلا يُركب ولا يُحمل عليه ولا يُمنع من كلأ ولا ماء، فإذا مات أكله الرجال والنساء.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنح درّها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يُسيّبونها لآلهتهم لا يُحمل عليها شيء.

قال أبو هريرة: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

رأيتُ عمرو بن عامر الخزاعي يجر قُصْبَهُ في النار، وكان أول من سيّب السوائب

رَوى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثم بن جون الخزاعي:

«يا أكثم رأيتُ عمرو بن لحي بن قمعة [بن خِنْدَق] يجر قصبه في النار، فما رأيت من رجلٍ أشبه برجلٍ منك به ولا به منك»، وذلك أنه أول من غيّر دين إسماعيل ونصبَ الأوثان وبحرَ البحيرة وسيّب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحام، «فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه»، فقال أكثم: أيضرَّني شبهه يا رسول الله؟ فقال: «لا، إنك مؤمن وهو كافر».

قوله عز وجل: {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ}، في قولهم الله أمرنا بها، {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَهْتَدُونَ ۝١٠٤ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝١٠٥

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ}، في تحليل الحرث والأنعام وبيان الشرائع والأحكام، {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ}، من الدين، قال الله تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}.

قوله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}، وتضعونها في غير موضعها ولا تدرون ما هي، وإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إنّ الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيّروه يُوشك أن يعمّهم الله تعالى بعقابه».

وفي رواية:

لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر أو ليستعملنَّ اللَّهُ سبحانه وتعالى عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعونَّ اللَّهَ عزّ وجلّ خيارُكم فلا يُستجاب [لكم]».

قال أبو عبيد: خاف الصديق أن يتأوّل الناس الآية غير متأوّلها فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف [والنهي عن المنكر]، فأعلمهم أنها ليست كذلك وأن الذي أذن في الإمساك عن تغييره من المنكر، هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم يتدينون به، وقد صُولحوا عليه، فأمّا الفسوق والعصيان والريب من أهل الإسلام فلا يدخل فيه.

وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الآية في اليهود والنصارى، يعني: عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ من أهل الكتاب فخذوا منهم الجزية واتركوهم.

وعن ابن مسعود قال في هذه الآية: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قُبِلَ منكم فإن رُدّ عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال: إن القرآن نزل منه آيٌ: قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آيٌ وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه آيٌ وقع تأويلهنّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير، ومنه آيٌ يقع تأويلهنّ في آخر الزمان، ومنه آيٌ: يقع تأويلهنّ يوم القيامة ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعاً ولم يُذق بعضكم بأس بعض، فامرؤٌ ونفسُه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية.

أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا أبو جعفر أحمد بن محمد العنزي أخبرنا أبو عيسى بن نصر أنا عبدالله بن المبارك أنا عتبة بن أبي حكيم حدثني عمرو بن جارية اللخمي

أنا أبو أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلتُ: يا أبا ثعلبة كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أيّةُ آية؟ قلت: قول الله عزّ وجلّ: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}، فقال: أمَا والله لقد سألت عنها خبيراً، سألتُ عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بل ائتمرُوا بالمعروف وتناهُوا عن المنكر حتى إذا رأيت شُحاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيتَ أمراً لا بدّ لك منه فعليك نفسك ودع أمر العوام، فإنّ من وراءكم أيامَ الصبرِ، فمن صبر فيهنّ قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله», قال ابن المبارك: وزادني غيره قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: «أجر خمسين منكم».

وقيل: نزلت في أهل الأهواء، قال أبو جعفر الرازي: دخل على صفوان بن محرز شابٌ من أهل الأهواء فذكر شيئاً من أمره، فقال صفوان: ألا أدلك على خاصة الله التي خص بها أولياءه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}.

قوله عزّ وجلّ: {إِلَىٰ اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً}، الضالّ والمهتدي، {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلَا نَكْتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًا لَّمِنَ ٱلْـَٔاثِمِينَ ۝١٠٦

قوله عز وجل: {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ}، سبب نزول هذه الآية ما رُوي أن تميم بن أوس الداري وعدي بن [بَدَّاء] قد خرجا من المدينة للتجارة إلى أرض الشام، وهما نصرانيان ومعهما بُدَيْل مولى عمرو بن العاص، وكان مسلماً فلما اشتدّ وجعه أوصى إلى تميم وعدي، وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ومات بديل ففتشا متاعه وأخذا منه إناءً من فضة منقوشاً بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة فغيّباه، ثم قضيا حاجتهما فانصرفا إلى المدينة، فدفعا المتاع إلى أهل البيت، ففتشوا وأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه فجاءوا تميماً وعدياً فقال: هل باع صاحبنا شيئاً من متاعه؟ قالا: لا، قالوا: فهل اتجر تجارة؟ قالا: لا، قالوا: هل طال مرضه فأنفق على نفسه قالا: لا، فقالوا: إنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه وإنا قد فقدنا منها إناءً من فضة مموّهاً بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضّة، قالا: ما ندري إنّما أوصى لنا بشيء فأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصرّا على الإنكار، وحلفا فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية: {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ} أي: ليشهد اثنان، لفظه خبر ومعناه أمر.

قيل: معناه: أن الشهادة فيما بينكم على الوصية عند الموت اثنان، واختلفوا في هذين الاثنين، فقال قوم: هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي.

وقال آخرون: هما الوصيان، لأن الآية نزلت فيهما ولأنه قال: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلوٰةِ فَيُقْسِمَانِ}، ولا يلزم الشاهد يمين، وجعلُ الوصي اثنين تأكيداً، فعلى هذا تكون الشهادة بمعنى الحضور؛ كقولك: شهدتُ وصية فلان، بمعنى حضرت، قال الله تعالى:

{ { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } } [النور: 2]، يريد الحضور، {ذَوَا عَدْلٍ}، أي: أمانة وعقل، {مِّنكُمْ}، أي: من أهل دينكم يا معشر المؤمنين، {أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}، أي: من غير دينكم وملّتكم في قول أكثر المفسرين، قاله ابن عباس وأبو موسى الأشعري، وهو قول سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وعبيدة.

ثم اختلف هؤلاء في حكم الآية فقال النخعي وجماعة: هي منسوخة وكانت شهادة أهل الذمّة مقبولة في الابتداء ثم نسخت.

وذهب قوم إلى أنها ثابتة، وقالوا: إذا لم نجد مسلمين فنشهد كافرين.

قال شريح: من كان بأرض غربة ولم يجد مسلماً يُشهده على وصيته فأشهد كافرين على أي دين كانا من دين أهل الكتاب أو عبدة الأوثان، فشهادتُهم جائزة، ولا يجوز شهادة كافر على مسلم إلاّ على وصية في سفر.

وعن الشعبي أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد مسلماً يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدِمَا الكوفة بتركته وأتيا الأشعري، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأحلفهما، وأمضى شهادتهما.

وقال آخرون: قوله: {ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ}، أي: من حي الموصي أو آخران من غيرِ حيّكم وعشيرتكم، وهو قول الحسن والزهري وعكرمة، وقالوا: لا تجوز شهادة كافر في شيء من الأحكام، {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ}، سرتُم وسافرتُم، {فِى ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ}، فأوصيتُم إليهما ودفعتُم إليهما مالكم فاتهمهما بعض الورثة وادّعوا عليهما خيانة فالحكم فيه أنْ {تَحْبِسُونَهُمَا}، أي: تستوقفونهما، {مِن بَعْدِ ٱلصَّلوٰةِ}، أي: بعد الصلاة، و {من} صلة يريد بها بعد صلاة العصر، هذا قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير وقتادة وعامة المفسرين، لأن جميع أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت، ويجتنبون فيه الحلف الكاذب، وقال الحسن: أراد من بعد صلاة العصر، وقال السدي: من بعد صلاة أهل دينهما وملتهما لأنهما لا يباليان بصلاة العصر، {فَيُقْسِمَانِ}، فيحلفان، {بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ}، أي: شككتم ووقعت لكم الريبة في قول الشاهدين وصدقهما، أي: في قول اللذين ليسا من أهل ملتكم، فإن كانا مسلمين فلا يمين عليهما، {لاَ نَشْتَرِى بِهِ ثَمَناً}، أي: لا نحلف بالله كاذبين على عوض نأخذه أو مال نذهب به أو حق يجحده، {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}، ولو كان المشهود له ذا قرابة منّا، {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ}، أضاف الشهادة إلى الله لأنه أمر بإقامتها ونهى عن كتمانها، وقرأ يعقوب {شهادة}، بتنوين، {الله} ممدود، جعل الاستفهام عوضاً عن حرف القسم، ويُروى عن أبي جعفر {شهادة} بتنوين، {الله} بقطع الألف وكسر الهاء من غير استفهام على ابتداء اليمين، أي: والله، {إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلأَثِمِينَ}، أي: إن كتمناها كنّا من الآثمين.

فلما نزلت هذه الآية صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا تميماً وعدياً فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلاّ هو أنهما لم يختانا شيئاً مما دُفع إليهما فحلفا على ذلك، وخلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما.

ثم ظهر الإناء واختلفوا في كيفية ظهوره، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم أنه وجد بمكة، فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي، وقال آخرون: لما طالت المدة أظهروه فبلغ ذلك بني سهم فأتوهما في ذلك، فقالا: إنا كنا قد اشتريناه منه فقالوا، لهما: ألم تزعما أن صاحبنا لم يبعْ شيئاً من متاعه؟ قالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقرّ لكم به فكتمناه لذلك، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٠٧ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوٓا۟ أَن تُرَدَّ أَيْمَٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَٰنِهِمْ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝١٠٨

فأنزل الله عزّ وجلّ: {فَإنْ عُثِرَ} أي: اطلع على خيانتهما، وأصل العثور: الوقوع على الشيء، {عَلَىٰ أَنَّهُمَا}، يعني: الوصيين {ٱسْتَحَقَّآ}، استوجبا، {إِثْماً}، بخيانتهما وبأيمانهما الكاذبة، {فَآخَرَانِ}، من أولياء الميت، {يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا}، بمعني: مقام الوصيين، {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ}، بضم التاء على المجهول، هذا قراءة العامة، يعني: الذين استحق، {عَلَيْهِمُ}، أي فيهم ولأجلهم الإثم وهم ورثة الميت استحق الحالفان بسببهم الإثم و (على) بمعنى في؛ كما قال الله:

{ { عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ } } [البقرة: 102]، [أي: في ملك سليمان]، وقرأ حفص (استحق) بفتح التاء والحاء، وهي قراءة علي والحسن، أي: حقّ ووجب عليهم الإثم، يقال: حق واستحق بمعنى واحد، {ٱلأَوْلَيَانِ}، نعت للآخران، أي: فآخران الأوليان، وإنما جاز ذلك، و {الأوليان}، معرفة والآخران نكرة لأنه لمّا وصف الـ "آخران"، فقال {من الذين} صار كالمعرفة و{الأوليان} تثنية الأوْلى، والأولى هو الأقرب، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم ويعقوب {الأولين} بالجمع فيكون بدلاً من الذين، والمراد منهم أيضاً أولياء الميت.

ومعنى الآية: إذا ظهرتْ خيانة الحالفين يقوم اثنان آخران من أقارب الميت، {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا}، يعني: يميننا أحق من يمينهما، نظيره قوله تعالى في اللعان:

{ { فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَاتٍ بِٱللَّهِ } } [النور: 6]، والمراد بها الأيمان، فهو كقول القائل: أشهد بالله، أي: أُقسم بالله، {وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ}, في أيماننا، وقولنا إنّ شهادتنا أحقّ من شهادتهما، {إِنَّآ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله بعد العصر فدفع الإناء إليهما وإلى أولياء الميت، فكان تميم الداري بعدما أسلم يقول: صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله وأستغفره. وإنما انتقل اليمين إلى الأولياء لأن الوصيين ادعيا أنهما ابتاعاه.

والوصي إذا أخذ شيئاً من مال الميت وقال: إنه أوصى لي به حلف الوارث، إذا أنكر ذلك، وكذلك لو ادّعى رجل سلعة في يد رجل فاعترف ثم ادّعى أنه اشتراها من المدعي، حلف المدعي أنه لم يبعها منه.

ويُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما عن تميم الداري قال: كنّا بعنا الإناء بألف درهم فقسمتها أنا وعديّ، فلما أسلمت تأثمت فأتيت موالي الميت فأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف عمرو والمطلب فنزعت الخمسمائة من عدي، ورددتُ أنا الخمسمائة.

فذلك قوله تعالى:{ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ}، أي: ذلك الذي حكمنا به من ردّ اليمين أجدر وأحرى أن يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها وسائر الناس أمثالهم، أي: أقرب إلى الإتيان بالشهادة على ما كانت، {أَوْ يَخَـٰفُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ}، أي: أقرب إلى أن يخافوا رد اليمين بعد يمينهم على [المدعي] فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرموا، فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}، أن تحلفوا أيماناً كاذبة أو تخونوا الأمانة، {وَٱسْمَعُواْ}، الموعظة، {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ}.

يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ ۝١٠٩ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝١١٠

قوله عزّ وجلّ {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ} وهو يوم القيامة، {فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ}، أي: ماذا أجابَتكُم أمتُكم؟ ومَا الذي ردّ عليكم قومُكم حين دعوتموهم إلى توحيدي وطاعتي؟ {قَالُواْ}، أي: فيقولون، {لاَ عِلْمَ لَنَآ}، قال ابن عباس معناه: لا علم لنا إلا العلم الذي أنت أعلم به منّا، وقيل: لا علم لنا بوجه الحكمة عن سؤالك إيّانا عن أمرٍ أنت أعلم به منّا، وقال ابن جريج: لا علم بنا بعاقبة أمرهم وبما أحدثوا من بعد، دليله أنه قال: {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ}، أي: أنتَ الذي تعلم ما غاب ونحن لا نعلم إلا ما نشاهد.

أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسلم بن إبراهيم أنا وُهَيْب أنا عبدالعزيز عن أنس رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لَيَرِدَنّ عليّ ناسٌ من أصحابي الحوضَ حتى إذا عرفتُهُم اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك».

وقال ابن عباس والحسن ومجاهد والسدي: إن للقيامة أهوالاً وزلازل تزول فيها القلوب عن مواضعها، فيفزعون من هول ذلك اليوم ويذهلون عن الجواب، ثم بعدما ثَابت إليهم عقولهم يشهدون على أممهم.

قوله تعالىٰ: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ}, قال الحسن: ذكر النعمة شكرها، وأراد بقوله: {نِعْمَتِى}، أي: نِعَمي، [قال الحسن]: لفظة واحد ومعناه جمع؛ كقوله تعالى (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا)، {وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ}، مريم ثم ذكر النعم فقال: {إِذْ أَيَّدتُّكَ}، قوّيتك، {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ}، يعني: جبريل عليه السلام، {تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ}، يعني: وتكلم الناس، {فِى ٱلْمَهْدِ}، صبياً، {وَكَهْلاً}، نبياً قال ابن عباس: أرسله الله وهو ابن ثلاثين سنة، فمكث في رسالته ثلاثين شهراً ثم رفعه الله إليه، {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ}، يعني: الخط، {وَٱلْحِكْمَةَ}، يعني: العلم والفهم، {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ}، تجعل وتصوّر، {مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ}، كصورة الطير، {بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً}، حيّاً يطير، {بِإِذْنِى وَتُبْرِىءُ}، وتصحح، {ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِى وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ}، من قبورهم أحياء، {بِإِذْنِى وَإِذْ كَفَفْتُ}، منعت وصرفت، {بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ}، يعني: اليهود، {عَنكَ}، حين همُّوا بقتلك، {إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ}، يعني: بالدلالات والمعجزات، وهي التي ذكرنا.

{فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}، يعني: ما جاءهم به من البينات، قرأ حمزة والكسائي {ساحر مبين} ها هنا وفي سورة هود والصف، فيكون راجعاً إلى عيسى عليه السلام، وفي هود يكون راجعاً إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ