انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير البغويالآيات 111–120

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير البغوي.

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّـۧنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ۝١١١ إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١١٢

{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ}، ألهمتُهم وقذفت في قلوبهم، وقال أبو عبيدة يعني أمرت و {إِلى} صلة، والحواريون خواص أصحاب عيسى عليه السلام، {أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى}، [عيسى]، {قَالوا} حين وفقتهم {ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}.

{إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}، قرأ الكسائي "هل تستطيع" بالتاء "ربَّك" بنصب الباء هي قراءة علي وعائشة وابن عباس ومجاهد، أي: هل تستطيع أن تدعو وتسأل ربك، وقرأ الآخرون "هل يستطيع" بالياء، و "وربُّك" برفع الباء، ولم يقولوه شاكّين في قدرة الله عزّ وجلّ، ولكن معناه هل ينزل ربك أم لا؟ كما يقول الرجل لصاحبه هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنه يستطيع، وإنما يريد هل يفعل ذلك أم لا، وقيل: يستطيع بمعنى يطيع، يقال: أطاع واستطاع بمعنى واحد، كقوله: أجاب واستجاب، معناه: هل يطيعك ربك بإجابة سؤالك؟ وفي الآثار من أطاع الله أطاعه الله، وأجرى بعضهم على الظاهر، فقالوا: غلط القوم، وقالوه قبل استحكام المعرفة وكانوا بشراً، فقال لهم عيسى عليه السلام: عند الغلط استعظاماً لقولهم {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، أي: لا تشكّوا في قدرته.

{أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}، المائدة الخوان الذي عليه الطعام، وهي فاعلة من: مادَهُ يميدُهُ إذا أعطاه وأطعمه، كقوله ماره يميره، وامتاد: افتعل منه، والمائدة هي الطعمة للآكلين الطعام، وسمي الطعام أيضاً مائدة على الجواز، لأنه يؤكل على المائدة، وقال أهل الكوفة: سُمّيت مائدة لأنها تميد بالآكلين، أي: تميل، وقال أهل البصرة: فاعلة بمعنى المفعول، يعني: ميد بالآكلين إليها؛ كقوله تعالى (عيشة راضية)، أي: مرضية، {قَال} عيسى عليه السلام مجيباً لهم: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، فلا تشكّوا في قدرته، وقيل: اتّقوا اللَّهَ أن تسألوه شيئاً لم يسأله الأمم قبلكم، فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان.

قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ۝١١٣ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةً مِّنكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ۝١١٤ قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١١٥

{قَالُواْ نُرِيدُ} أي: إنّما سألنا لأنّا نُريد، {أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا}، أكل تبرك لا أكل حاجة فنستيقن قدرته، {وَتَطْمَئِنَّ}، تسكن، {قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا}، بأنّك رسول الله، أي: نزداد إيماناً ويقيناً، وقيل إن عيسى عليه السلام أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوماً، فإذا أفطروا لا يسألون الله شيئاً إلاّ أعطاهم، ففعلوا وسألوا المائدة، وقالوا: "ونعلم أن قد صدقتنا" في قولك، إنا إذا صمنا ثلاثين يوماً لا نسأل الله تعالىٰ شيئاً إلاّ أعطانا، {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ}، لله بالوحدانية والقدرة، ولك بالنبوة والرسالة، وقيل: ونكون من الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم.

{قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ}، عند ذلك، {ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}، وقيل: إنه اغتسل ولبس المسح وصلّى ركعتين وطأطأ رأسه وغضّ بصره وبكى، ثم قال: اللهم ربَّنا أنزل علينا مائدةً من السماء، {تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا}، أي: عائدة من الله علينا حجّة وبرهاناً، والعيد: يوم السرور، وسمّي به للعود من الترح إلى الفرح، وهو اسم لما اعتدته ويعود إليك، وسمي يوم الفطر والأضحى عيداً لأنهما يعودان في كل سنة، قال السدي: معناه نتخذ اليوم الذي أنزلتْ فيه عيداً لأوّلنا وآخرنا، أي: نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان: نصلّي فيه، قوله: {لأوّلنا}، أي: لأهل زماننا {وآخرنا}، أي: لمن يجيء بعدنا، وقال ابن عباس: يأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم، {وَءَايَةً مِّنْكَ}، دلالة وحجة، {وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}.

{وَقَالَ ٱللَّهُ} تعالىٰ مجيباً لعيسى عليه السلام، {إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ}، يعني: المائدة وقرأ أهل المدينة وابن عامر وعاصم "منزّلها" بالتشديد لأنها نزلت مرات، والتفعيل يدلّ على التكرير مرة بعد أخرى وقرأ الآخرون بالتخفيف لقوله أنزل علينا، {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ}، أي: بعد نزول المائدة {فَإِنِّىۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً}، أي: جنس عذاب، {لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، يعني: عالمي زمانه، فجحد القوم وكفروا بعد نزول المائدة فَمُسِخُوا قردة وخنازير، قال عبدالله بن عمرو: إنّ أشد الناس عذاباً يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون.

واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟ فقال مجاهد والحسن: لم تنزل لأن الله عزّ وجلّ لمّا أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا، وقالوا: لا نريدها، فلم تنزل، وقوله: "إني منزلها عليكم"، يعني: إن سألتم.

والصحيح الذي عليه الأكثرون أنها نزلت؛ لقوله تعالى: "إني منزّلها عليكم"، ولا خُلْفَ في خبره، لتواتر الأخبار فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين.

واختلفوا في صفتها فرَوى خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها نزلت خبزاً ولحماً، وقيل لهم: إنها مقيمة لكم ما لم تخونوا [وتخبؤوا] فما مضى يومهم حتى خانوا وخبؤوا فمسخوا قردة وخنازير. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن عيسى عليه السلام قال لهم: صُومُوا ثلاثين يوماً ثم سلوا الله ما شئتُم يعطكموه، فصامُوا فلما فرغوا قالوا: يا عيسى إنّا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا، وسألوا الله المائدة فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.

قال كعب الأحبار: نزلت [مائدة] منكوسة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض، عليها كل الطعام إلاّ اللحم.

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أُنزل على المائدة كل شيء إلاّ الخبز واللحم، قال قتادة: كان عليها ثمر من ثمار الجنّة.

وقال عطية العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء.

وقال الكلبي: كان عليها خبز ورز وبقل.

وقال وهب بن منبه: أنزل الله أقرصة من شعير وحيتاناً وكان قوم يأكلون ثم يخرجون ويجيء آخرون فيأكلون حتى أكل جميعهم وفضل.

وعن الكلبي ومقاتل: أنزل الله خبزاً وسمكاً وخمسة أرغفة، فأكلوا ما شاء الله تعالى، والناس ألف ونيف فلمّا رجعوا إلى قراهم، ونشروا الحديث ضحك منهم من لم يشهد، وقالوا: ويحكم إنما سحر أعينكم، فمن أراد الله به الخير ثبّته على بصيرته، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، فمسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة، فمكثوا بذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا، ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا، وكذلك كل ممسوخ.

وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشياً حيث كانوا كالمنِّ والسلوى لبني إسرائيل، وقال عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي: لما سأل الحواريون المائدة لبس عيسى عليه السلام صوفاً وبكى، وقال: "اللهم أنزل علينا مائدة من السماء" الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها، وهم ينظرون إليها وهي تهوي منقضة حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى، وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة، واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحاً أطيب من ريحه، فقال عيسى عليه السلام: ليقم أحسنكم عملاً فيكشف عنها ويذكر اسم الله تعالى، فقال شمعون الصفار رأس الحواريين: أنت أولى بذلك منّا [فقام عيسى عليه السلام] فتوضّأ وصلّى صلاة طويلة وبكى كثيراً، ثم كشف المنديل عنها، وقال: بسم الله خير الرازقين فإذا هو سمكة مشوية ليس عليها فلوسها ولا شوك عليها تسيل من الدسم وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، ولكنه شيء افتعله الله تعالى بالقدرة الغالبة، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله، قالوا: يا روح الله كن أول من يأكل منها، فقال عيسى عليه السلام: معاذ الله أن آكل منها ولكن يأكل منها من سألها فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا لها عيسى أهل الفاقة والمرضى وأهل البرص والجذام والمقعدين والمبتلين، فقال: كلوا من رزق الله ولكم المهنأ ولغيركم البلاء، فأكلوا وصدر عنها ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير ومريض وزَمِن ومُبتلى كلهم شبعان، وإذ السمكة بهيئتها حين نزلت، ثم طارت سفرة المائدة صعداً وهم ينظرون إليها حتى توارت بالحجاب، فلم يأكل منها زَمِنٌ ولا مريض ولا مبتلى إلا عُوفي ولا فقير إلاّ استغنى، وندم من لم يأكل منها فلبثت أربعين صباحاً تنزل ضحى، فإذا نزلت اجتمع الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء، ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت صعداً وهم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم، وكانت تنزل غباً تنزل يوماً ولا تنزل يوماً كناقة ثمود، فأوحى الله تعالى [إلى عيسى عليه السلام]: اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكّوا وشكّكُوا الناسَ فيها، وقالوا: أترون المائدة حقاً تنزل من السماء؟ فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: إني شرطت أنّ من كفر بعد نزولها عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، فقال عيسى عليه السلام: (إِنْ تعذّبهم فإنهم عبادك وإن تغفرْ لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم)، فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون رجلاً باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكنّاسات، ويأكلون العذرة في الحشوش فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى عليه السلام وبكوا، فلما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطيف بعيسى عليه السلام وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برءوسهم ويبكون ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا.

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ ۝١١٦

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ}، واختلفوا في أن هذا القول متى يكون، فقال السدي: قال الله تعالى هذا القول لعيسى عليه السلام حين رفعه إلى السماء لأن حرف "إذْ" يكون للماضي، وقال سائر المفسّرين: إنما يقول الله له هذا القول يوم القيامة، بدليل قوله [من قبل]:

{ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ }[المائدة: 109] وقال من بعد هذا: { هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ }[المائدة: 119]، وأراد بهما يوم القيامة، وقد تجيء "إذْ" بمعنى "إذا"؛ كقوله عزّ وجلّ: (ولو ترى إذ فزعوا) أي: إذا فزعوا [يوم القيامة]، والقيامة وإن لم تكن بعد ولكنها كالكائنة لأنها آتية لا محالة.

قوله: {ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ}؟ فإن قيل: فما وجه هذا السؤال مع علم الله أن عيسى لم يقله؟

قيل هذا السؤال عنه لتوبيخ قومه وتعظيم أمر هذه المقالة كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا وكذا؟ فيما يعلم أنه لم يفعله، إعلاماً واستعظاماً لا استخباراً واستفهاماً.

وأيضاً أراد الله عزّ وجلّ أنْ يقرَّ [عيسى عليه السلام عن] نفسه بالعبودية، فيسمع قومه، ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك، قال أبو روق: إذا سمع عيسى عليه السلام هذا الخطاب أرعدت مفاصله وانفجرت من أصل كل شعرة على جسده عين من دم، ثم يقول مجيباً لله عزّ وجلّ: {قَالَ سُبْحَـٰنَكَ}، تنزيهاً وتعظيماً لك {مَا يَكُونُ لِىۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى}، قال ابن عباس: تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، وقيل معناه: تعلم سِّري ولا أعلَم سِّرك، وقال أبو روق تعلم ما كان مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في الآخرة، وقال الزجاج: النفس عبارة عن جملة الشيء وحقيقته، يقول: تعلم جميع ما أعلم من حقيقة أمري ولا أعلم حقيقة أمرك، {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ}، ما كان وما يكون.

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ۝١١٧ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝١١٨

{مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ}، [وحِّدوه] ولا تُشركوا به شيئاً، {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ}، أقمت، {فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى}، قبضتني ورفعتني إليك، {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} والحفيظ عليهم، تحفظ أعمالهم، {وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ}.

قوله تعالى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}، فإن قيل: كيف طلب المغفرة لهم وهم كفار، وكيف قال: وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وهذا لا يليق بسؤال المغفرة، قيل: أمّا الأول فمعناه إن تعذبهم بإقامتهم على كفرهم وإن تغفر لهم بعد الإيمان، وهذا يستقيم على قول السدي: إن هذا السؤال قبل يوم القيامة لأن الإيمان لا ينفع في القيامة.

وقيل: هذا في فريقين منهم، معناه: إن تعذب من كفر منهم وإن تغفر لمن آمن منهم.

وقيل: ليس هذا على وجه طلب المغفرة ولو كان كذلك لقال: فإنك أنت الغفور الرحيم، ولكنه على تسليم الأمر وتفويضه إلى مراده.

وأما السؤال الثاني: فكان ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ وإن تغفر لهم فإنّك أنت الغفور الرحيم، وكذلك هو في مصحفه، وأمّا على القراءة المعروفة قيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: وإن تغفر لهم فإنهم عبادك وإن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم.

وقيل: معناه إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز في الملك الحكيم في القضاء لا ينقص من عزّك شيء، ولا يخرج من حكمك شيء، ويدخل في حكمته ومغفرته وسعة رحمته ومغفرته الكفار، لكنه أخبر أنه لا يغفر وهو لا يخلف خبره.

أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر أنا عبدالغافر بن محمد الفارسي ثنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني يونس بن عبدالأعلى الصدفي حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدّثه عن عبدالرحمن بن جبير عن عبدالله بن عمرو بن العاص

أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم: {ربِّ إنهنَّ أضللن كثيراً من الناس فمنْ تبعني فإنه مني}، الآية، وقول عيسى عليه السلام: {إنْ تعذبهم فإنهم عبادك وإنْ تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فرفع يديه وقال: «اللّهمّ أمتي وبكى» فقال الله عزّ وجلّ: يا جبريل اذهب إلى محمد، وربُّك أعلم فسله ما يبكيه؟ فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنّا سنرضيك في أمتك ولا نسوءُك».

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝١١٩ لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌۢ ۝١٢٠

{قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} قرأ نافع {يوم} بنصب الميم، يعني: تكون هذه الأشياء في يوم، فحذف في فانتصب، وقرأ الآخرون بالرفع على أنه خبر {هذا}، أي: ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم في الآخرة، ولو كذبوا ختم الله على أفواههم ونطقت به جوارحهم فافتضحوا، وقيل: أراد بالصادقين النبيين.

وقال الكلبي: ينفع المؤمنين إيمانهم، قال قتادة: متكلمان يخطئان يوم القيامة عيسى عليه السلام، وهو ما قصّ الله عز وجل، وعدو الله إبليس، وهو قوله: "وقال الشيطان لمّا قضي الأمر" الآية، فصدق عدو الله يومئذٍ، وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه صدقه، وأما عيسى عليه السلام فكان صادقاً في الدنيا والآخرة، فنفعه صدقه.

وقال عطاء: هذا يوم من أيام الدنيا لأن الدار الآخرة دار جزاء لا دار عمل، ثم بيّن ثوابهم فقال: {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}، ثم عظّم نفسه. فقال: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

السبت، 31 أكتوبر 2026 20 جمادى الأولى 1448 هـ