انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير البغويالآيات 7–33

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير البغوي.

وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٧ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝٨ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ۝٩

قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} يعني: النّعم كلها، {وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ}، عهده الذي عاهدكم به أيّها المؤمنون، {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}، وذلك حين بايعوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما أحبوا وكرهوا، وهو قول أكثر المفسّرين، وقال مجاهد ومقاتل: يعني الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجهم من صلب آدم عليه السلام، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}، بما في القلوب من خير وشر.

قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ}، أي: كونُوا قائمين بالعدل [قوّالين] بالصدق، أمرهم بالعدل والصدق في أفعالهم وأقوالهم، {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ}، ولا يحملنّكم، {شَنَآنُ قَوْمٍ}، بغضُ قوم، {عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ}، أي: على ترك العدل فيهم لعداوتهم. ثم قال: {ٱعْدِلُواْ}، يعني: في أوليائكم وأعدائكم، {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}، يعني: إلى التقوى، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

{وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}، وهذا في موضع النصب، لأن فعل الوعد واقع على المغفرة ورفعها على تقدير، أي: وقال لهم: مغفرة وأجر عظيم.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ۝١٠ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١١

{ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ}.

{يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}، بالدفع عنكم، {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ}، بالقتل.

قال قتادة: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة، فأطلع الله تبارك وتعالى نبيه على ذلك، وأنزل الله صلاة الخوف.

وقال الحسن:

كان النبي صلى الله عليه وسلم محاصراً غطفان بنخل، فقال رجل من المشركين: هل لكم في أن أقتل محمداً؟ قالوا: وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، قالوا: وددنا أنك قد فعلت ذلك، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم متقلّد سيفه، فقال: يا محمد أرني سيفك فأعطاه إيّاه فجعل الرجل يهزّ السيف وينظر مرة إلى السيف ومرة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله، فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشام السيف ومضى، فأنزل الله تعالى هذه الآية

وقال مجاهد وعكرمة والكلبي وابن يسار عن رجاله: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو الساعدي، وهو أحد النقباء ليلة العقبة في ثلاثين راكباً من المهاجرين والأنصار إلى بني عامر بن صعصعة فخرجوا فلقوا عامر بن الطفيل على بئر معونة، وهي من مياه بني عامر، فاقتتلوا، فقتل المنذر بن عمرو وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالّة لهم، أحدهم عمرو بن أمية الضمري، فلم يرعهم إلا الطير تحوم في السماء، تسقط من بين خراطيمها علق الدم، فقال أحد النفر: قتل أصحابنا، ثم تولّى يشتد حتى لقي رجلاً فاختلفا ضربتين فلما خالطته الضربة رفع [رأسه] إلى السماء وفتح عينيه، وقال: الله أكبر الجنّة وربِّ العالمين، فرجع صاحباه فلقيا رجلين من بني سليم وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة، فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما فقدم قومهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهم، حتى دخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستعينهم في عقلهما، وكانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديّات، قالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلسْ حتى نطعمك ونعطيك الذي سألته، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمر بن جحاش: أنا، فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله تعالى يده وجاء جبريل وأخبره، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة ثم دعا علياً قال: لا تبرح مكانك فمن خرج عليك من أصحابي فسأل عني فقل: توجّه إلى المدينة، ففعل ذلك عليّ رضي الله عنه حتى تناهوا إليه ثم تبعوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال: {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}.

وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ۝١٢

قوله عزّ وجلّ {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً}، وذلك أنّ الله عزّ وجلّ وعد موسى عليه السلام أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وهي الشام، وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون، فلما استقرت لبني إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله تعالى بالسير إلى أريحاء من أرض الشام وهي الأرض المقدسة، وكانت لها ألف قرية في كل قرية ألف بستان، وقال: ياموسى إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصرك عليهم، وخذ من قومك اثني عشر نقيباً من كل سبط نقيباً، يكون كفيلاً على قومه بالوفاء منهم على ما أُمروا به، فاختار موسى النقباء وسار موسى ببني إسرائيل حتى قربوا من أريحاء، فبعث هؤلاء النقباء يتجسّسون له الأخبار ويعلمون علمها، فلقيهم رجل من الجبابرة يقال له عوج بن عنق، وكان طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاث وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع، وكان يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله. ويُروى أن الماء طبق ما على الأرض من جبل وما جاوز ركبتي عوج وعاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله على يدي موسى عليه السلام، وذلك أن جاء [وقلع] صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليه السلام، وكان فرسخاً في فرسخ، وحملها ليطبقها عليهم فبعث الله الهدهد فقوّر الصخرة بمنقاره فوقعت في عنقه فصرعته، فأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله، وكانت أمه [عنق] إحدى بنات آدم وكان مجلسها [جريباً] من الأرض، فلما لقي عوج النقباء وعلى رأسه حزمة حطب أخذ الاثني عشر وجعلهم في حجزته وانطلق بهم إلى امرأته، وقال: انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا، وطرحهم بين يديها وقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا بل خلِّ عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك.

ورُوي أنه جعلهم في كُمِّه وأتى بهم إلى الملك فطرحهم بين يديه، فقال الملك: ارجعوا فأخبروهم بما رأيتم، وكان لا يحمل عنقوداً من عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع منها حبها خمسة أنفس، فرجع النقباء وجعلوا يتعرفون أحوالهم، وقال بعضهم لبعض: يا قوم، إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبي الله ولكن اكتموا، وأخبروا موسى وهارون فيريان رأيهما وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك، ثم أنهم نكثوا العهد وجعل كل واحد منهم ينهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى إلاّ رجلان، فذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً}.

{وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ}، ناصركم على عدوكم، ثم ابتدأ الكلام فقال: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ}، يا معشر بني إسرائيل، {وَءَاتَيْتُمْ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ}، نصرتموهم، وقيل: ووقّرتموهم وعظمتموهم، {وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}، قيل: هو إخراج الزكاة، وقيل: هو النفقة على الأهل، {لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ}، لأمحونّ عنكم سيئاتكم، {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}، أي: أخطأ قصد السبيل، يريد طريق [الحق]، وسواء كل شيء: وسطه.

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٣ وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ۝١٤

{فَبِمَا نَقْضِهِمِ} أي: فبنقضهم، و"ما" صلة، {مِّيثَـٰقَهُمْ}، قال قتادة: نقضوه من وجوه لأنهم كذّبوا الرسل الذين جاؤوا بعد موسى وقتلوا الأنبياء ونبذوا كتابه وضيّعوا فرائضه، {لَعَنَّـٰهُمْ}، قال [عطاء]: أبعدناهم من رحمتنا، قال الحسن ومقاتل: عذبناهم بالمسخ، {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}، قرأ حمزة والكسائي قسيّة بتشديد الياء من غير ألف، وهما لغتان مثل الذاكية والذكية، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قاسية أي يابسة، وقيل: غليظة لا تلين، وقيل معناه: إن قلوبهم ليست بخالصة للإيمان بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق، ومنه الدراهم القاسية وهي الردية المغشوشة.

{يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَٰضِعِهِ}، قيل: هو تبديلهم نعت النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: تحريفهم بسوء التأويل، {وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ}، أي: وتركوا نصيبَ أنفسهم مما أُمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته، {وَلاَ تَزَالُ}، [يا محمد]، {تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ}، أي: على خيانة، فاعلة بمعنى المصدر كالكاذبة واللاّغية، وقيل: هو بمعنى الفاعل والهاء للمبالغة مثل [روَّاية] ونسابة وعلاّمة وحسّابة، وقيل: على فرقة خائنة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: على خائنة، أي: على معصية، وكانت خيانتهم نقضهم العهد ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمّهم بقتله وسمّه، ونحوهما من خياناتهم التي ظهرت منهم، {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ}، لم يخونوا ولم ينقضوا العهد وهم الذين أسلموا من أهل الكتاب، {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ}، أي: أعرض عنهم ولا تتعرض لهم، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}، وهذا منسوخ بآية السيف.

قوله عزّ وجلّ: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ}، قيل: أراد بهم اليهود والنصارى فاكتفى بذكر أحدهما، والصحيح أن الآية في النصارى خاصة لأنه قد تقدم ذكر اليهود، وقال الحسن: فيه دليل على أنهم نصارى بتسميتهم لا بتسمية الله تعالى، أخذنا ميثاقهم في التوحيد والنبوّة، {فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ به فَأغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ والْبَغْضَآءَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}، بالأهواء المختلفة والجدال في الدين، قال مجاهد وقتادة: يعني بين اليهود والنصارى، وقال قوم: هم النصارى وحدهم صاروا فرقاً منهم اليعقوبية والنسطورية والملكانية، وكل فرقة تكفّر الأخرى، {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} في الآخرة.

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَٰبٌ مُّبِينٌ ۝١٥ يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝١٦ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٧

قوله عزّ وجلّ: {يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ}، يريد: يا أهل الكتابين، {قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ}، أي: من التوراة والإنجيل مثل صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك، {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}، أي: يعرض عن كثير مما أخفيتم ولا يتعرّض له ولا يؤاخذكم به، {قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ}، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، وقيل: الإسلام، {وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ}، أي: بيّن، وقيل: مبين وهو القرآن.

{يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ}، رضاه، {سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ}، قيل: السلام هو الله عزّ وجلّ، وسبيله دينه الذي شرع لعباده، وبعث به رسله، وقيل: السلام هو السلامة، كاللذاذ واللذاذة بمعنى واحد، والمراد به طرق السلامة، {وَيُخْرِجُهُم مِّنِ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ}، أي: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، {بِإِذْنِهِ}، بتوفيقه وهدايته، {وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، وهو الإسلام.

قوله عزّ وجلّ: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ}، وهم اليعقوبية من النصارى يقولون المسيح هو الله تعالىٰ، {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}، أي: من يقدر أن يدفع من أمر الله شيئاً إذا قضاه؟ {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ۝١٨

قوله عزّ وجلّ: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} قيل: أرادوا أن الله تعالى كالأب لنا في الحنوّ والعطف، ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة، وقال إبراهيم النخعي: إن اليهود وجدوا في التوراة يا أبناء أحباري، فبدلوا يا أبناء أبكاري، فمن ذلك قالوا: نحن أبناء الله، وقيل: معناه نحن أبناء الله يعني أبناء رسل الله.

قوله تعالى: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم}، يريد إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحباؤه فإن الأب لا يعذب ولده، والحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم مقرون بأنه معذبكم؟ وقيل: فلم يعذبكم، أي: لِمَ عذّب من قبلكم بذنوبكم فمسخهم قردة وخنازير؟ {بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ}، كسائر بني آدم مجزيون بالإساءة والإحسان، {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} فضلاً، {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} عدلاً، {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}.

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٩ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٢٠

قوله عزّ وجلّ: {يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا}، محمد صلى الله عليه وسلم، {يُبَيِّنُ لَكُمْ} أعلام الهدي وشرائع الدين، {عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ}، أي: انقطاع من الرسل.

واختلفوا في مدة الفترة بين عيسى عليه السلام وبين محمد صلى الله عليه وسلم، قال أبو عثمان النهدي: ستمائة سنة، قال قتادة: خمسمائة وستون سنة، وقال معمر والكلبي: خمسمائة وأربعون سنة، وسُميتْ فترة لأن الرسل كانت تترى بعد موسى عليه السلام من غير انقطاع إلى زمن عيسى عليه السلام، ولم يكن بعد عيسى عليه السلام سوى رسولنا. {أَن تَقُولُواْ}، كيلا تقولوا، {مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ}، [أي: منكم أنبياء] {وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني أصحاب خدم وحشم، قال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم ولم يكن لمن قبلهم خدم. ورُوي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكاً

وقال أبو عبدالرحمن الحُبُِليِّ: سمعت عبدالله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبدالله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإنّ لي خادماً، قال:فأنت من الملوك.

قال السدي: وجعلكم ملوكاً أحراراً تملكون أمر أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القبط يستعبدونكم. قال الضحاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعاً وفيه ماء جارٍ فهو ملك. {وَءَاتَـٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَـٰلَمِينَ}، يعني: عالمي زمانكم، قال مجاهد: يعني المنّ والسّلوى والحَجَر وتظليل الغمام.

يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ ۝٢١ قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ۝٢٢

قوله تعالى: {يَٰقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}، اختلفوا في الأرض المقدسة، قال مجاهد: هي الطور وما حوله، وقال الضحاك: إيليا وبيت المقدس، وقال عكرمة والسدي: هي أريحاء، وقال الكلبي: هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقال قتادة: هي الشام كلها، قال كعب: وجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله في أرضه [وبها أكثر] عباده. قوله عزّ وجلّ: {كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}، يعني: كتب في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن، قال ابن إسحاق: وهبَ اللَّهُ لكم، وقيل: جعلها لكم، وقال السدي: أمركم بدخولها، [وقال قتادة]: أُمروا بها كما أُمروا بالصلاة، أي: فَرَضَ عليكم. {وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ}، أعقابكم بخلاف أمر الله، {فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ}، قال الكلبي: صعد إبراهيم عليه السلام جبل لبنان فقيل له: انظر فما أدركه بصرك فهو مقدّس وهو ميراث لذريّتك. {قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ}، وذلك أن النقباء الذين خرجوا يتجسّسون الأخبار لمّا رجعوا إلى موسى وأخبروه بما عاينوا، قال لهم موسى: اكتمُوا شأنهم ولا تخبروا به أحداً من أهل العسكر فيفشلوا، فأخبر كل رجل منهم قريبه وابن عمه إلا رجلان وفَّيا بما قال لهم موسى، أحدهما يوشع بن نون بن أفراثيم بن يوسف عليهم السلام فتى موسى، والآخر كالب بن يوفنا ختن موسى عليه السلام على أخته مريم بنت عمران، وكان من سبط يهود وهما النقباء فعلمت جماعة من بني إسرائيل ذلك ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا يا ليتنا في أرض مصر، ولَيْتَنَا نموتُ في هذه [البرية] ولا يُدْخلنا الله أرضهم فتكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمةً لهم، وجعل الرجل يقول لصاحبه: تعال نجعل علينا رأساً وننصرف إلى مصر، فذلك قوله تعالى أخباراً عنهم: {قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ} وأصل الجبار: المتعظم الممتنع عن القهر، يُقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي إليها، وسُمّي أولئك القوم جبارين لامتناعهم بطولهم وقوة أجسادهم، وكانوا من العمالقة وبقية قوم عاد، فلما قال بنو إسرائيل ما قالوا وهمُّوا بالانصراف إلى مصر خرَّ موسى وهارون ساجدين، وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما في قوله تعالى: {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ}

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٢٣

{قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ}، أي: يخافون الله تعالى، قرأ سعيد بن جبير "يخافون" بضمّ الياء، وقال: الرجلان كانا من الجبارين فأسلما واتّبعا موسى، {أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا} بالتوفيق والعصمة، قالا: {ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ}، يعني: قرية الجبارين، {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ}، لأن الله منجز وعده، وإنا رأيناهم فكانت أجسادهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة، فلا تخشوهم، {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصَوْهما.

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ۝٢٤ قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝٢٥ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝٢٦

{قَالُواْ يَـٰمُوسَىۤ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ}.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم أنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: لقد شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً لأن أكون صاحبه أحبّ إليّ مما عدل به، أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى عليه السلام: {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ}، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك، فرأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسرّه ما قال. فلما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من مخالفتهم أمر ربهم وهمِّهم بيوشع وكالب غضب موسى عليه السلام ودعا عليهم.

{قَالَ رَبِّ إِنِّى لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى} [قيل: معناه وأخي لا يملك إلا نفسه، وقيل: معناه لا يطيعني إلا نفسي وأخي] {فَٱفْرُقْ}، فافْصل، {بَيْنَنَا} قيل: فاقضِ بيننا، {وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ}، العاصين.

{قَالَ}، الله تعالى {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ}، قيل: هاهنا تمّ الكلام ومعناه تلك البلدة محرمة عليهم أبداً لم يرد به تحريم تعبد، وإنما أراد تحريمَ منعٍ فأوحى الله تعالى إلى موسى [بي حلفت] لأحرِّمنّ عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب، ولآتيهنّهم في هذه البرية {أَرْبَعِينَ سَنَةً}، [يتيهون] مكان كل يوم من الأيام التي تجسّسوا فيها سنة، ولألقين جيفهم في هذه القفار، وأمّا بنوهم الذين لم يعملوا الشر فيدخلونها، فذلك قوله تعالى: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً}، {يَتِيهُونَ}، يتحيرون، {فِى ٱلأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ}، أي: لا تحزن على مثل هؤلاء القوم، فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ وهم ستمائة ألف مقاتل، وكانوا يسيرون كل يوم جادين فإذا أمسوا كانوا في الموضع الذي ارتحلوا عنه.

وقيل: إن موسى وهارون عليهما السلام لم يكونا فيهم، والأصح أنهما كانا فيهم ولم يكن لهما عقوبة إنما كانت العقوبة لأولئك القوم، ومات في التيه كل من دخلها ممن جاوز عشرين سنة غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحاء أحد ممن قالوا إنا لن ندخلها أبداً فلما هلكوا وانقضت الأربعون سنة، ونشأت النواشىء من ذراريهم ساروا إلى حرب الجبارين.

واختلفوا فيمن تولى تلك الحرب وعلى يدي من كان الفتح، فقال قوم: إنما فتح موسى أريحاء وكان يوشع على مقدمته، فسار موسى عليه السلام إليهم بمن بقي من بني إسرائيل، فدخلها يوشع فقاتل الجبابرة ثم دخلها موسى عليه السلام فأقام فيها ماشاء الله تعالى، ثم قبضه الله تعالى إليه، ولا يعلم قبره أحد، وهذا أصحّ الأقاويل لاتفاق العلماء أن عوج بن عنق قتله موسى عليه السلام

وقال الآخرون: إنما قاتل الجبارين يوشع ولم يسر إليهم إلا بعد موت موسى عليه السلام، [وقالوا: مات موسى] وهارون جميعاً في التيه.

قصة وفاة هارون

قال السدي: أوحى الله عزّ وجلّ إلى موسى أني متوفي هارون فأت به جبل كذا وكذا، فانطلق موسى وهارون عليهما السلام نحو ذلك الجبل فإذا هما بشجرة لم يُرَ مثلها وإذا ببيت مبني وفيه سرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة، فلما نظر هارون إلى ذلك أعجبه، فقال: يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير، قال: فنم عليه، فقال: إني أخاف أن يأتي ربُّ هذا البيت فيغضب عليّ، قال له موسى: لا ترهب إني أكفيك أمر ربَّ هذا البيت فنم، قال: ياموسى نمْ أنت معي فإن جاء ربُّ البيت غضب عليّ وعليك جميعاً فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد منيته قال: ياموسى خدعتني، فلما قبض رفع البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير به إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا: إن موسى قتل هارون وحسده لحب بني إسرائيل له، فقال موسى عليه السلام: ويحكم كان أخي فكيف أقتله، فلما أكثروا عليه قام فصلّى ركعتين، ثم دعا الله تعالى ونزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدّقوه.

وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: صعد موسى وهارون عليهما السلام الجبل فمات هارون [وبقي موسى]، فقالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: أنت قتلته، فآذوه فأمر الله الملائكة فحملوه حتى مرّوا به على بني إسرائيل وتكلّمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه قد مات، فبرّأه الله تعالى ممّا قالوا، ثم إن الملائكة حملوه ودفنوه فلم يطلع على موضع قبره أحد إلا الرخم، فجعله الله أصمّ وأبكم.

وقال عمرو بن ميمون: مات هارون قبل موت موسى عليه السلام في التيه، وكانا قد خرجا إلى بعض الكهوف فمات هارون ودفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل، فقالوا: قتلتَه لحبنا إيّاه، وكان محبباً في بني إسرائيل، فتضرع موسى عليه السلام إلى ربه عزّ وجلّ فأوحى الله إليه أن انطلق بهم إلى قبره فإني باعثه، فانطلق بهم إلى قبره [فناداه موسى] فخرج من قبره ينفض رأسه، فقال: أنا قتلتُك؟ قال: لا ولكني مت، قال: فعد إلى مضجعك، وانصرفوا.

وأمّا وفاة موسى عليه السلام، قال ابن إسحاق: كان موسى عليه الصّلاة والسلام قد كره الموت وأعظمه فأراد الله أن يحبّب إليه الموت، فنبّأ يوشع بن نون وكان يغدو ويروح عليه، فيقول له موسى عليه السلام: يا نبيّ الله ما أحدث الله إليك؟ [فيقول له يوشع: يا نبيّ الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة، فهل كنتُ أسألك عن شيء مما أحدث الله إليك] حتى تكون أنت الذي تبتدىء به وتذكره؟ ولا يذكر له شيئاً، فلما رأى ذلك موسى كره الحياة وأحب الموت.

أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبّه قال: أخبرنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

جاء ملك الموت إلى موسى بن عمران، فقال له: أجب ربك، قال: فلطم موسى عليه السلام عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع ملك الموت إلى الله تعالى فقال: إنك أرسلتني إلى عبدٍ لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني قال فردّ الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل له: الحياةَ تريد؟ فإن كنتَ تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما وارتْ يدُك من شعرة فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مه؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، ربِّ أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر».

وقال وهب: خرج موسى لبعض حاجته فمرّ برهط من الملائكة يحفرون قبراً لم ير شيئاً قط أحسن منه، ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة الله لم تحفرون هذا القبر؟ قالوا: لعبد كريم على ربه، فقال: إن هذا العبدَ من الله لهو بمنزلة ما رأيت كاليوم مضجعاً قط، فقالت الملائكة: يا صفيّ الله تحب أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك، قال: فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس أسهل تنفس فقبض الله تبارك وتعالى روحه، ثم سوّت عليه الملائكة.

وقيل: إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض روحه.

وكان عُمر موسى مائة وعشرين سنة، فلما مات موسى عليه السلام وانقضت الأربعون سنة، بعث الله يوشع نبياً فأخبرهم أن الله قد أمره بقتال الجبابرة، فصدّقوه وتابعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء ومعه تابوت الميثاق، فأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر، فلما كان في السابع نفخوا في القِران وضج الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة، ودخلوا فقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم، وكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها حتى يقطعوها، وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت، فقال: اللّهمّ أرددِ الشمسَ عليّ، وقال للشمس: إنك في طاعة الله سبحانه وتعالى وأنا في طاعته فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله تعالى قبل دخول السبت، فردت عليه الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين، وتتبع ملوك الشام فاستباح منهم احداً وثلاثين ملكاً حتى غلب على جميع أرض الشام، وصارت الشام كلها لبني إسرائيل وفرّق عماله في نواحيها وجمع الغنائم، فلم تنزل النار، فأوحى الله إلى يوشع أن فيها غلولاً فمرْهم فليبايعوا فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال: هلمّ عندك فأتاه برأس ثور من ذهب مكلّل بالياقوت والجواهر كان قد غلَّه، فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان، ثم مات يوشع ودفن في جبل أفراثيم، وكان عمره مائة وستاً وعشرين سنة، وتدبيره أمر بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام سبعاً وعشرين سنة.

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٢٧

قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءْادَمَ بِٱلْحَقِّ}، وهما هابيل وقابيل، ويقال له قابين، {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَـٰناً}، وكان سبب قربانهما على ما ذكره أهل العلم أن حواء كانت تلد لآدم عليه السلام في كل بطن غلاماً وجاريةً، وكان جميع ما ولدته أربعين ولداً في عشرين بطناً أولهم قابيل وتوأمته أقليما، وآخرهم عبدالمغيث وتوأمته أمة المغيث، ثم بارك الله عزّ وجلّ في نسل آدم عليه السلام، قال ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفاً.

واختلفوا في مولد قابيل وهابيل، فقال بعضهم: غشي آدم حواء بعد مهبطهما إلى الأرض بمائة سنة، فولدت له قابيل وتوأمته أقليما في بطن واحد، ثم هابيل وتوأمته لبودا في بطن.

وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة، فحملت فيها بقابيل وتوأمته أقليما، فلم تجد عليهما وحماً ولا وصباً ولا طلقاً حتى ولدتهما، ولم تر معهما دماً فلما هبطا إلى الأرض تغشاها فحملت بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما الوحم والوصب والطلق والدم، وكان آدمُ إذا شبّ أولاده يزوج غلام هذا البطن جارية بطن أخرى، فكان الرجل منهم يتزوج أية أخواته شاء إلا توأمته التي ولدت معه لأنه لم يكن يومئذ نساء إلا أخواتهم، فلما ولد قابيل وتوأمته أقليما ثم هابيل وتوأمته لبودا، وكان بينهما سنتان في قول الكلبي وأدركوا، أمر الله تعالى آدم عليه السلام أن ينكح قابيل لبودا أخت هابيل وينكح هابيل أقليما أخت قابيل، وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل، فذكر ذلك آدم لولده فرضي هابيل وسخط قابيل، وقال: هي أختي أنا أحق بها، ونحن من [ولادة] الجنة وهما من [ولادة] الأرض، فقال له أبوه: إنها لا تحلّ لك فأبى أن يقبل ذلك، وقال: إن الله لم يأمره بهذا وإنما هو من رأيه، فقال لهما آدم عليه السلام: فقرّبا قرباناً فأيكما يُقبل قربانه فهو أحق بها، وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت نار من السماء بيضاء فأكلتها، وإذا لم تكن مقبولة لم تنزل النار وأكلته الطير والسباع، فخرجا ليقربا [قرباناً] وكان قابيل صاحب زرع فقرب صبرة من طعام من أردأ زرعه وأضمر في نفسه ما أبالي يقبل مني أو لا، لا يتزوج أختي أبداً، وكان هابيل صاحب غنم فعمد إلى أحسن كبش في غنمه فقرّب به وأضمر في نفسه رضا الله عزّ وجلّ فوضعا قربانهما على الجبل، ثم دعا آدم عليه السلام فنزلت نار من السماء وأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل، فذلك قوله عزّ وجلّ: {فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا}، [يعني هابيل] {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلأَخَرِ}، يعني: قابيل فنزلوا عن الجبل وقد غضب قابيل لردّ قربانه وكان يضمر الحسد في نفسه إلى أن أتى آدم مكة لزيارة البيت، فلما غاب آدم أتى قابيل وهابيل وهو في غنمه، {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ}، قال: ولِمَ، قال: لأن الله تعالى قبل قربانك وردّ قرباني، وتنكح أختي الحسناء وأنكح أختك الدميمة، فيتحدث الناس أنك خير مني ويفتخر ولدك على ولدي، {قَالَ} هابيل: وما ذنبي؟ {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}.

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٢٨ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٢٩ فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٣٠

{لَئنْ بَسََطتَ} أي: مددت، {إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّىۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، قال عبدالله بن عمر: وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه يده، وهذا في الشرع جائز لمن أريد قتله أن ينقاد ويستسلم طلباً للأجر، كما فعل عثمان رضي الله عنه، قال مجاهد: كتب عليهم في ذلك الوقت إذا أراد رجل قتل رجل أن لا يمتنع ويصبر.

{إِنِّىۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ}، ترجع، وقيل: تحمل، {بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ}، أي: بإثم قتلي إلى إثمك، أي: إثم معاصيك التي عملت من قبل، هذا قول أكثر المفسرين. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: معناه إني أريد أن تكون عليك خطيئتي التي عملتها أنا إذا قتلتني وإثمك فتبوء بخطيئتي ودمي جميعاً، وقيل: معناه أن ترجع بإثم قتلي وإثم معصيتك التي لم يتقبل لأجلها قربانك، أو إثم حسدك.

فإن قيل: كيف قال إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك، وإرادة القتل والمعصية لا تجوز؟ قيل ذلك ليس بحقيقة إرادة ولكنه لما علم أنه يقتله لا محالة وَطَّنَ نفسه على الاستسلام طلباً للثواب فكأنه صار مريداً لقتله مجازاً، وإن لم يكن مريداً حقيقة، وقيل: معناه إني أريد أن تبوء بعقاب قتلي فتكون إرادة صحيحة، لأنها موافقة لحكم الله عزّ وجلّ، فلا يكون هذا إرادة للقتل، بل لموجب القتل من الإثم والعقاب، {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

قوله عزّ وجلّ: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ}، أي: طاوعته وشايعته وعاونته، {قَتْلَ أَخِيهِ}، أي في قتل أخيه، [وقال مجاهد: فشجعته، وقال قتادة: فزينتْ له نفسُه، وقال يمان: سهّلت له نفسه ذلك، أي: جعلته سهلاً] تقديره: صوّرت له نفسه أن قتل أخيه طوع له أي سهل عليه، فقتله فلما قصد قابيل قتل هابيل لم يدر كيف يقتله، قال ابن جريج: فتمثل له إبليس وأخذ طيراً فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر وقابيل ينظر إليه فعلّمه القتل، فرضخ قابيل رأس هابيل بين حجرين، قيل: قتل وهو مستسلم، وقيل: اغتاله وهو في النوم فشدخ رأسه فقتله، وذلك قوله تعالى: {فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}، وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة.

واختلفوا في موضع قتله [قيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم فَاسْوَدَّ جسم القاتل وسأله آدم عليه السلام عن أخيه فقال لم أكن عليه وكيلاً فقال: بل قتلته ولذلك اسودَّ جسدك، مكث آدم مائة سنة لم يضحك قط منذ قتله].

قال ابن عباس رضي الله عنهما: على جبل [ثور]، وقيل: عند عقبة حراء، فلما قتله تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، وقصدته السباع، فحمله في جراب على ظهره أربعين يوماً، وقال ابن عباس: سنةً، حتى أروح، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله، فبعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتى مكّن له ثم ألقاه في الحفرة وواراه، وقابيل ينظر إليه.

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ۝٣١

{فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِى ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ}، فلما رأى قابيل ذلك قال يا ويلتا كلمة تحسر فقيل لما رأى الدفن من الغراب أنه أكبر علماً منه وأنَّ ما فعله كان جهلاً فندم وتحسر {قَالَ يَـٰوَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِىَ سَوْءَةَ أَخِى}، أي: جيفته، وقيل: عورته لأنه كان قد سلب ثيابه، {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ}، على حمله على عاتقه لا على قتله، وقيل: على فراق أخيه، وقيل: ندم لقلة النفع بقتله فإنه أسخط والديه، وما انتفع بقتله شيئاً ولم يكن ندمه على القتل وركوب الذنب.

قال عبدالمطلب بن عبدالله بن حنطب: لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بما عليها سبعة أيام ثم شربت الأرض دمه كما يشرب الماء، فناداه آدم: أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رقيباً، فقال آدم: إن دم أخيك ليناديني من الأرض، فلمَ قتلت أخاك؟ قال: فأين دمه إن كنتُ قتلتُه؟ فحرّم الله عزّ وجلّ على الأرض يومئذ أن تشرب دماً بعده أبداً.

وقال مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما قتل قابيل هابيل وآدم عليه السلام بمكة اشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت الفواكه، وأمرّ الماء وأغبرت الأرض، فقال آدم عليه السلام: قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل، فأنشأ يقول وهو أول من قال الشعر:

تَغَيَّرتِ البلادُ ومَنْ عليهافَوَجْهُ الأرض مُغْبَــرٌ قَبيــح

تغيَّر كلُّ ذي لـونٍ وطعـموقلّ بشاشةُ الوجهِ الصّبيح

وروي المليح.

ورُوي عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من قال إن آدم عليه السلام قال شعراً فقد كذب، إن محمداً صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلّهم عليهم السلام في النهي عن الشعر سواء. ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سرياني، فلما قال آدم مرثيته قال لشيث: يا بني إنك وصي احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرقّ الناس عليه، فلم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلّم بالعربية والسريانية وهو أول من خط بالعربية، وكان يقول الشعر فنظر في المرثية فردّ المقدم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدم، فوزنه شعراً وزاد فيه أبيات منها:

ومالي لا أجود بسكب دمعوهابيــل تضمنــه الضريــح

أرى طول الحياة عليّ غماً فهل أنا من حياتي مستريح

فلما مضى من عمر آدم عليه السلام مائة وثلاثون سنة، وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حواء شيثاً وتفسيره: هبة الله، يعني إنه خلف من هابيل علّمه الله تعالى ساعات الليل والنهار، وعلّمه عبادة الخلق في كل ساعة منها، وأنزل عليه خمسين صحيفة فصار وصيّ آدم وولي عهده، وأما قابيل فقيل له: اذهب طريداً شريداً فزعاً مرعوباً لا تأمن من تراه، فأخذ بيد أخته إقليما وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس فقال له إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يعبد النار فانصبْ أنت ناراً أيضاً تكون لك ولعقبك، فبنى بيتاً للنار فهو أوّل من عبد النار، وكان لا يمرّ به أحد من ولده إلا رماه، فأقبل ابن له أعمى ومعه ابن له، فقال ابنه: هذا أبوك قابيل، فرمى الأعمى أباه فقتله، فقال ابن الأعمى: قتلتَ أباك؟ فرفع يده فلطم ابنه، فمات فقال الأعمى: ويلٌ لي قتلت أبي برميتي وقتلت ابني بلطمتي.

وقال مجاهد: فعلقت إحدى رجلي قابيل إلى فخذها وساقها وعلقت من يومئذ إلى يوم القيامة ووجهه إلى الشمس حيث ما دارت عليه، في الصيف حظيرة من نار وفي الشتاء حظيرة من ثلج.

قال: واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير، وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى أغرقهم الله بالطوفان أيام نوح عليه السلام، وبقي نسل شيث.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل أنا عمر بن حفص بن غياث ثنا أبي ثنا الأعمش حدثني عبدالله بن مرة عن مسروق عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تُقتل نفسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها لأنه أوّل من سنّ القتل

مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ۝٣٢

قوله عزّ وجلّ: {مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ}، قرأ أبو جعفر من أجل ذلك بكسر النون موصولاً وقراءة العامة بجزم النون، وفتح الهمزة مقطوعاً، أي: من جراء ذلك القاتل وجنايته، يقال: أجل يأجل أجلاً، إذا جنى، مثل أخذ يأخذ أخذاً، {كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ}، قتلها فيقاد منه، {أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلأَرْضِ}، يريد بغير نفس وبغير فساد في الأرض من كفر أو زنا أو قطع طريق، أو نحو ذلك {فَكَأَنَّمَآ قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً}، اختلفوا في تأويلها، فقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عكرمة: من قتل نبياً أو إماماً عدلاً فكأنما قتل الناسَ جميعاً، ومن شدّ عضد نبيِّ أو إمام عدل فكأنما أحيا الناسَ جميعاً.

قال مجاهد: من قتل نفساً محرّمة يَصْلَى النار بقتلها، كما يصلاها لو قتل الناس جميعاً. "ومن أحياها" من سلم من قتلها فقد سلم من قتل الناس جميعاً.

قال قتادة: أعظم الله أجرها وعظّم وزرها، معناه: من استحل قتل مسلم بغير حقه فكأنما قتل الناس جميعاً في الإثم لأنهم لا يسلمون منه، {وَمَنْ أَحْيَـٰهَا}، وتورّع عن قتلها، {فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}، [في الثواب لسلامتهم منه، قال الحسن: فكأنما قتل الناسَ جميعاً]، يعني: أنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناسَ جميعاً ومن أحياها: أي عُفِي عمن وجب عليه القصاص فلم يقتله فكأنما أحيا الناس جميعاً، قال سليمان بن علي قلت للحسن: يا أبا سعيد هِيَ لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ قال: إيْ والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا، {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذٰلِكَ فِى ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}.

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝٣٣

{إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأَرْضِ فَسَاداً}، الآية. قال الضحاك: نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض.

وقال الكلبي: نزلت في قوم هلال بن عويمر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وَادع هلال بن عويمر وهو أبو بردة الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن مرّ بهلال بن عويمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو آمن لا يهاج، فمرّ قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من أسلم من قوم هلال بن عويمر، ولم يكن هلال شاهداً [فشدوا] عليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزل جبريل عليه السلام بالقضاء فيهم، وقال سعيد بن جبير: نزلت في ناس من عُرَيْنَةَ وعُكْلٍ أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وهم كذبة فبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة، فارتدوا وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل.

[أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا عليّ بن عبدالله ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني أبو قلابة الجرمي] عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم نفر من عُكْل فأسلموا واجتووا المدينة فأمرهم [النبي صلى الله عليه وسلم] أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَلَ أعينهم ثم لم يحسمهم حتى ماتوا.

ورواه أيوب عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال: فقطع أيديهم وأرجلهم ثم أمر بمسامير فكحلهم بها وطرحهم بالحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا، قال أبو قلابة: قتلوا وسرقوا وحاربوا اللَّهَ ورسولَه وسعَوا في الأرض فساداً.[وهو المراد من قوله تعالى: {ويسعون في الأرض فساداً}].

واختلفوا في حكم هؤلاء العرنيين، فقال بعضهم: هي منسوخة لأن المثلة لا تجوز، وقال بعضهم: حكمه ثابت إلا السمل [والمثلة]، وروى قتادة عن ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن [ينزل الحدّ] وقال أبو الزناد: فلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بهم أنزل الله الحدود ونهاه عن المثلة فلم يعد.

وعن قتادة قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحثّ على الصدقة وينهى عن المثلة. وقال سليمان التيمي عن أنس: إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة. وقال الليث بن سعد: نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليماً منه إياه عقوبتهم، وقال: إنما جزاؤهم هذا لاَ المثلة، ولذلك ما قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً إلا نهى عن المثلة.

واختلفوا في المحاربين الذين يستحقون هذا الحد، فقال قوم: هم الذين يقطعون الطريق ويحملون السلاح، والمكابرون في الأمصار، وهو قول الأوزاعي ومالك والليث بن سعد والشافعي رحمهم الله.

وقال قوم: هم المكابرون في الأمصار ليس لهم حكم المحاربين في استحقاق هذا الحد، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه

وعقوبة المحاربين ما ذكر الله سبحانه وتعالى: {أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأًرْضِ}، فذهب قوم إلى أن الإمام بالخيار في أمر المحاربين بين القتل والقطع والصلب، [والنفي] كما هو ظاهر الآية، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والنخعي ومجاهد.

وذهب الأكثرون إلى أن هذه العقوبات على ترتيب الجرائم لا على التخيير، [لِما أخبرنا عبدالوهاب بن محمد الخطيب أنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد عن صالح مولى التوأمة] عن ابن عباس رضي الله عنهما في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نُفُوا في الأرض.

وهو قول قتادة والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي رحمهم الله تعالى.

[وإذا قتل قاطع الطريق يُقتل] حتماً حتى لا يسقط بعفو ولي الدم، وإذا أخذ من المال نصاباً وهو ربع دينار تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وإذا قتل وأخذ المال يُقتل ويُصلب.

واختلفوا في كيفيته: فظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يقتل ثم يصلب. وقيل: يصلب حياً ثم يطعن حتى يموت مصلوباً، وهو قول الليث بن سعد، وقيل: يصلب ثلاثة أيام حياً ثم ينزل فيقتل، وإذا أخاف السبيل ينفى.

واختلفوا في النفي: فذهب قوم إلى أن الإمام يطلبه ففي كل بلد يوجد ينفى عنه، وهو قول سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز، وقيل: يطلبون لتقام عليهم الحدود، وهو قول ابن عباس والليث بن سعد، وبه قال الشافعي، وقال أهل الكوفة: النفي هو الحبس، وهو نفي من الأرض، وقال محمد بن جرير: ينفى من بلده إلى غيره ويحبس في السجن [في البلد الذي نُفي إليه حتى تظهر توبته، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس في السجون]، وقال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه إلى بلد فيؤذيهم، {ذَلِكَ}، الذي ذكرت من الحدّ، {لَهُمْ خِزْىٌ} عذاب وهوان وفضيحة، {فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ