انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المزمل

تفسير القرطبيالآيات 1–20

تفسير سورة المزمل آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ ۝١ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ۝٢ نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ۝٣ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا ۝٤

فيه ثمان مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } قال الأخفش سعيد: «المُزَّمِّل» أصله المتزمل؛ فأدغمت التاء في الزاي وكذلك «المدثّر». وقرأ أُبيّ بن كعب على الأصل «الْمُتَزَمِّل»و «المتدثّر». وسعيد: «الْمُزَّمِّلْ». وفي أصل «المزَّمِّل» قولان: أحدهما أنه المحتمل؛ يقال: زَمَل الشيء إذا حمله، ومنه الزَّاملة؛ لأنها تحمل القُمَاش. الثاني أن المزَّمِّل هو المتلفِّف؛ يقال: تزمل وتدثَّر بثوبه إذا تغطى. وزمَّل غيره إذا غطّاه، وكل شيء لُفِّف فقد زمل ودثر؛ قال ٱمرؤ القيس:

كبِيرُ أنـاسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّـلٍ

الثانية: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } هذا خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيه ثلاثة أقوال: الأوّل قول عكرمة {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } بالنبوّة والملتزم للرسالة. وعنه أيضاً: يا أيها الذي زُمِّلَ هذا الأمر أي حُمِّله ثم فتر، وكان يقرأ «يَأَيُّهَا المُزَمِّلُ» بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها على حذف المفعول، وكذلك «المُدَثِّر» والمعنى المزمِّل نفسه والمدثِّر نفسه، أو الذي زَمَّله غيره. الثاني «يَا أيُّها الْمُزَّمِّل» بالقرآن، قاله ٱبن عباس. الثالث المزمل بثيابه، قاله قتادة وغيره. قال النخعي: كان متزملاً بقطيفةٍ. قالت عائشة: بِمرطٍ طوله أربعة عشر ذراعاً، نصفه عليّ وأنا نائمة، ونصفه على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يصلّي، واللَّهِ ما كان خَزًّا ولا قَزًّا ولا مِرعِزاءَ ولا إِبرِيسما ولا صُوفاً، كان سَداه شَعراً، ولُحمته وَبَراً، ذكره الثعلبيّ.

قلت: وهذا القول من عائشة يدلّ على أن السورة مَدَنِيّة؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يَبْن بها إلاّ في المدينة. وما ذُكر من أنها مكية لا يصحّ. والله أعلم. وقال الضحاك: تزمل بثيابه لمنامه. وقيل: بلغه من المشركين سوء قولٍ فيه، فٱشتد عليه فتزمل في ثيابه وتدثر، فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } و{يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}. وقيل: كان هذا في ٱبتداء ما أوحى إليه، فإنه لما سمع قول الملك ونظر إليه أخذته الرعدة فأتى أهله فقال:

زمّلوني دثروني روى معناه عن ٱبن عباس. وقالت الحكماء: إنما خاطبه بالمزمّل والمدّثر في أوّل الأمر؛ لأنه لم يكن بعد ٱدّثر شيئاً من تبليغ الرسالة. قال ٱبن العربي: وٱختلف في تأويل «يَٰأَيُّهَا الْمُزَّمِّل» فمنهم من حمله على حقيقته، قيل له: يا من تلفّف في ثيابه أو في قطيفته قم؛ قاله إبراهيم وقتادة. ومنهم من حمله على المجاز، كأنه قيل له: يا من تزمل بالنبوّة؛ قاله عكرمة. وإنما يسوغ هذا التفسير لو كانت الميم مفتوحة مشدّدة بصيغة المفعول الذي لم يسم فاعله، وأما هو بلفظ الفاعل فهو باطل.

قلت: وقد بينا أنها على حذف المفعول: وقد قرىء بها، فهي صحيحة المعنى. قال: وأما من قال إنه زمّل القرآن فهو صحيح في المجاز، لكنه قد قدّمنا أنه لا يحتاج إليه.

الثالثة: قال السُّهَيْلِي: ليس المزمّل بٱسم من أسماء النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يعرف به كما ذهب إليه بعض الناس وعدُّوه في أسمائه عليه السلام، وإنما المزمّل ٱسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك المدثّر. وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما الملاطفة؛ فإنّ العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه، بٱسم مشتق من حالته التي هو عليها؛ كـ

ـقول النبيّ صلى الله عليه وسلم لعلي حين غاضب فاطمة رضي الله عنهما، فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب فقال له: «قم يا أبا تراب»إشعاراً له أنه غير عاتب عليه، وملاطفةً له. وكذلك قوله عليه السلام لحذيفة: «قم يا نومان»وكان نائماً ملاطفةً له، وإشعاراً لِترك العتب والتأنيب. فقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: «يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلْ قُم» فيه تأنيسٌ وملاطفةٌ؛ ليستشعر أنه غير عاتب عليه. والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى فيه؛ لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل وٱتصف بتلك الصفة.

الرابعة: قوله تعالى: {قُمِ ٱلْلَّيْلَ} قراءة العامة بكسر الميم لالتقاء الساكنين. وقرأ أبو السَّمَّال بضم الميم إتباعاً لضمة القاف. وحكى الفتح لخفته. قال عثمان بن جنّي: الغرض بهذه الحركة التبليغ بها هرباً من ٱلتقاء الساكنين، فبأي حركة تحرّكت فقد وقع الغرض. وهو من الأفعال القاصرة غير المتعدّية إلى مفعول، فأما ظرف الزمان والمكان فسائغ فيه، إلا أن ظرف المكان لا يتعدّى إليه إلا بواسطة؛ لا تقول: قمت الدار حتى تقول قمت وسط الدار وخارج الدار. وقد قيل: إن «قم» هنا معناه صَلِّ؛ عبّر به عنه وٱستعير له حتى صار عرفاً بكثرة الاستعمال.

الخامسة: «اللَّيْلَ» حدّ الليل: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وقد تقدّم بيانه في سورة «البقرة» وٱختلف: هل كان قيامه فرضاً وحتماً، أو كان ندباً وحضًّا؟ والدلائل تقوى أن قيامه كان حتماً وفرضاً؛ وذلك أن الندب والحضّ لا يقع على بعض الليل دون بعض؛ لأن قيامه ليس مخصوصاً به وقتاً دون وقت. وأيضاً فقد جاء التوقيف بذلك عن عائشة وغيرها على ما يأتي. وٱختلف أيضاً: هل كان فرضاً على النبيّ صلى الله عليه وسلم وحده، أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء، أو عليه وعلى أمته؟ ثلاثة أقوال: الأوّل قول سعيد بن جبير لتوجه الخطاب إليه خاصة. الثاني قول ٱبن عباس، قال: كان قيام الليل فريضة على النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء قبله. الثالث قول عائشة وٱبن عباس أيضاً وهو الصحيح؛ كما في صحيح مسلم عن زرارة بن أوْفَى: أن سعد بن هشام بن عامر أراد أن يغزو في سبيل الله... الحديث، وفيه: فقلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: ألست تقرأ {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } قلت: بلى! قالت فإن الله عز وجل ٱفترض قيام الليل في أوّل هذه السورة، فقام صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً، وأمسك الله عز وجل خاتمتها ٱثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله عز وجل في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوّعاً بعد فريضة. وذكر الحديث. وذكر وكيع ويَعْلَى قالا: حدّثنا مِسْعر عن سِماك الحنفي قال: سمعت ٱبن عباس يقول لما أنزل أوّل {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرُها، وكان بين أوّلها وآخرها نحو من سنة. وقال سعيد بن جبير: مكث النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه عشر سنين يقومون الليل، فنزل بعد عشر سنين: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ} فخفّف الله عنهم.

السادسة: قوله تعالى: {إِلاَّ قَلِيلاً} ٱستثناء من الليل، أي صلّ الليل كله إلا يسيراً منه؛ لأن قيام جميعه على الدوام غير ممكن، فٱستثنى منه القليل لراحة الجسد. والقليل من الشيء ما دون النصف؛ فحكي عن وهب بن منبّه أنه قال: القليل ما دون المعشار والسدس. وقال الكلبي ومقاتل: الثلث. ثم قال تعالى: {نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً} فكان ذلك تَخْفيفاً إذ لم يكن زمان القيام محدوداً، فقام الناس حتى ورمت أقدامهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ}. وقال الأخفش: «نِصْفَهُ» أي أو نصفَه؛ يقال: أعطه درهما درهمين ثلاثة: يريد: أو درهمين أو ثلاثة. وقال الزجاج: «نِصفَه» بدل من الليل و{إِلاَّ قَلِيلاً} ٱستثناء من النصف. والضمير في «منه» و«عليه» للنصف. المعنى: قم نصف الليل أو ٱنقص من النصف قليلاً إلى الثلث أو زد عليه قليلاً إلى الثلثين؛ فكأنه قال: قم ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه. وقيل: إن «نِصْفَهُ» بدل من قوله «قَلِيلاً» وكان مخيراً بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه؛ كأن تقدير الكلام: قم الليل إلا نصفه، أو أقل من نصفه، أو أكثر من نصفه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

يَنزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأوّل، فيقول أنا الملِك أنا الملِك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر. ونحوه عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعاً وهو يدل على ترغيب قيام ثلثي الليل. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا مضى شطر الليل ـ أو ثلثاه ـ ينزل الله... الحديث. رواه من طريقين عن أبي هريرة هكذا على الشك. وقد جاء في كتاب النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شَطْر الليل الأوّل، ثم يأمر منادياً يقول: هل من داع يُستجاب له؟ هل من مستغفر يُغفر له؟ هل من سائل يُعطَى؟صحّحه أبو محمد عبد الحقّ؛ فبين هذا الحديث مع صحته معنى النزول، وأن ذلك يكون عند نصف الليل. وخرّج ٱبن ماجه من حديث ٱبن شهاب، عن أبي سَلَمة وأبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ينزل ربنا تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخِر كل ليلة فيقول من يسألني فأعطيَه؟ من يدعوني فأستجيبَ له؟ من يستغفرني فأغفرَ له؟ حتى يطلع الفجر. فكانوا يستحبون صلاة آخر الليل على أوّله. قال علماؤنا: وبهذا الترتيب ٱنتظم الحديث والقرآن، فإنهما يبصران من مشكاة واحدة. وفي الموطأ وغيره من حديث ٱبن عباس: بتُّ عند خالتي ميمونة حتى إذا ٱنتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ٱستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام إلى شَنّ معلق فتوضأ وضوءاً خفيفاً. وذكر الحديث.

السابعة: ٱختلف العلماء في الناسخ للأمر بقيام الليل؛ فعن ٱبن عباس وعائشة أن الناسخ للأمر بقيام الليل قوله تعالى:

{ { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ } } [المزمل: 20] إلى آخر السورة. وقيل قوله تعالى: { { عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ } } [المزمل: 20]. وعن ٱبن عباس أيضاً: هو منسوخ بقوله تعالى: { { عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ } } [المزمل: 20]. وعن عائشة أيضاً والشافعيّ ومقاتل وٱبن كيسان: هو منسوخ بالصلوات الخمس. وقيل الناسخ لذلك قوله تعالى: { { فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } } [المزمل: 20]. قال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: لما نزلت «يَٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ» قاموا حتى ورمت أقدامهم وسُوقهم، ثم نزل قوله تعالى: { { فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } } [المزمل: 20]. قال بعض العلماء: وهو فرض نُسخ به فرض؛ كان على النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة لفضله؛ كما قال تعالى: { { وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ } } [الإسراء: 79].

قلت: القول الأوّل يعم جميع هذه الأقوال، وقد قال تعالى:

{ { وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } } [البقرة: 43] فدخل فيها قول من قال إن الناسخ الصلوات الخمس. وقد ذهب الحسن وٱبن سيرين إلى أن صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو على قدر حلْب شاة. وعن الحسن أيضاً أنه قال في هذه الآية: الحمد لله تطوّع بعد الفريضة. وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لما جاء في قيامه من الترغيب والفضل في القرآن والسنة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أجعل للنبيّ صلى الله عليه وسلم حصيراً يصلّي عليه من الليل، فتسامع الناس به، فلما رأى جماعتهم كره ذلك، وخشي أن يُكتب عليهم قيام الليل، فدخل البيت كالمغضَب، فجعلوا يتنحنحون ويتفلون فخرج إليهم فقال:«أيها الناس ٱكْلَفوا من الأعمال ما تُطِيقون، فإن الله لا يَمَلّ من الثواب، حتى تَمَلُّوا من العمل، وإن خيرَ العمل أدومُه وإن قلّ». فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } فكُتب عليهم، فأنزل بمنزلة الفريضة، حتى إن كان أحدُهم ليَربُط الحبل فيتعلقُ به، فمكثوا ثمانية أشهر، فرحمهم الله وأنزل: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ} فردهم الله إلى الفريضة، ووضع عنهم قيام الليل إلا ما تطوّعوا به ».

قلت: حديث عائشة هذا ذكره الثعلبيّ، ومعناه ثابت في الصحيح إلى قوله: «وإن قَلَّ» وباقيه يدل على أن قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ } نزل بالمدينة وأنهم مكثوا ثمانية أشهر يقومون. وقد تقدّم عنها في صحيح مسلم: حولاً. وحكى الماورديّ عنها قولاً ثالثاً وهو ستة عشر شهراً، لم يذكر غيره عنها. وذكر عن ٱبن عباس أنه كان بين أوّل المزّمل وآخرها سنة؛ قال: فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان فرضاً عليه. وفي نسخة عنه قولان: أحدهما: أنه كان فرضه عليه إلى أن قبضه الله تعالى. الثاني: أنه نسخ عنه كما نسخ عن أمته. وفي مدّة فرضه إلى أن نسخ قولان: أحدهما: المدّة المفروضة على أمته في القولين الماضيين، يريد قول ٱبن عباس حولاً، وقول عائشة ستة عشر شهراً. الثاني: أنها عشر سنين إلى أن خفف عنه بالنسخ زيادةً في التكليف، ليميزه بفعل الرسالة؛ قاله ٱبن جبير.

قلت: هذا خلاف ما ذكره الثعلبيّ عن سعيد بن جبير حَسْب ما تقدّم فتأمله. وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في آخر السورة إن شاء الله تعالى

الثامنة ـ قوله تعالى: {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} أي لا تعجل بقراءة القرآن بل ٱقرأه في مَهَل وبيان مع تدبر المعاني. وقال الضحاك: ٱقرأه حرفاً حرفاً. وقال مجاهد: أحبّ الناس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه. والترتيل التنضيد والتنسيق وحسن النظام؛ ومنه ثغر رَتِل ورَتَل، بكسر العين وفتحها: إذا كان حسن التنضيد. وتقدّم بيانه في مقدّمة الكتاب. وروى الحسن

أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ برجل يقرأ آية ويبكي، فقال: «ألم تسمعوا إلى قول الله عز وجل: {وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} هذا الترتيل». وسمع عَلْقَمةُ رجلاً يقرأ قراءة حسنة فقال: لقد رتّل القرآن، فِداه أبي وأمّي، وقال أبو بكر بن طاهر: تدبَّر في لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبَك بفهم معانيه، وسرَّك بالإقبال عليه. وروى عبد الله بن عمرو قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:يؤتَى بقارىء القرآن يوم القيامة، فيوقف في أوّل درج الجنة ويقال له ٱقرأ وٱرتقِ ورتِّل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤهاخرجه أبو داود وقد تقدّم في أوّل الكتاب. وروى أنس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يمدّ صوته بالقراءة مدّاً.

إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ۝٥

قوله تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } هو متصل بما فُرض من قيام الليل، أي سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل قولاً ثقيلاً يثقل حمله؛ لأن الليل للمنام، فمن أمر بقيام أكثره لم يتهيأ له ذلك إلا بِحَمْل شديد على النفس ومجاهدة للشيطان، فهو أمر يثقل على العبد. وقيل: إنا سنوحي إليك القرآن، وهو قول ثقيل يثقل العمل بشرائعه. قال قتادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده. مجاهد: حلاله وحرامه. الحسن: العمل به. أبو العالية: ثقيلاً بالوعد والوعيد والحلال والحرام. محمد بن كعب: ثقيلاً على المنافقين. وقيل: على الكفار، لما فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان لضلالتهم وسبّ آلهتهم، والكشف عما حرفه أهل الكتاب. السُّديّ: ثقيل بمعنى كريم؛ مأخوذ من قولهم: فلان ثقيل عليّ، أي يكرم عليّ. الفرّاء: «ثقِيلاً» رزيناً ليس بالخفيف السَّفْساف لأنه كلام ربنا. وقال الحسين بن الفضل: ثَقيلاً لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق، ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ٱبن زيد: هو والله ثقيل مبارك، كما ثقل في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة. وقيل: «ثَقِيلاً» أي ثابتاً كثبوت الثقيل في محله، ويكون معناه أنه ثابت الإعجاز، لا يزول إعجازه أبداً. وقيل: هو القرآن نفسه؛ كما جاء في الخبر:

أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحَي إليه وهو على ناقته وضعت جِرانها ـ يعني صدرها ـ على الأرض، فما تستطيع أن تتحرك حتى يُسرَّى عنه. وفي الموطأ وغيره: أنه عليه السلام سئل: كيف يأتيك الوحي؟ فقال:أحياناً يأتيني مثل صَلْصَلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فَيُفصِم عنّي وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي المَلَك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفصِم عنه وإن جبينه ليتَفصَّد عرقاً. قال ٱبن العربيّ: وهو أولى؛ لأنه الحقيقة، وقد جاء { { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } } [الحج: 78]. وقال عليه السلام:بُعِثْتُ بالحنيفية السَّمْحة. وقيل: القول في هذه السورة: هو قول لا إلٰه إلا الله؛ إذ في الخبر: خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان؛ ذكره القشيريّ.

إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْـًٔا وَأَقْوَمُ قِيلًا ۝٦ إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ۝٧

فيه خمس مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ} قال العلماء: نائشة الليل أي أوقاته وساعاته، لأن أوقاته تنشأ أوّلاً فأولاً؛ يقال: نشأ الشيء ينشأ: إذا ٱبتدأ وأقبل شيئاً بعد شيء، فهو ناشىء وأنشأه الله فنشأ، ومنه نشأت السحابة إذا بدأت وأنشأها الله؛ فناشئة: فاعلة من نشأت تنشأ فهي ناشئة، ومنه قوله تعالى:

{ { أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } } [الزخرف: 18] والمراد إن ساعات الليل النائشة، فٱكتفى بالوصف عن الاسم، فالتأنيث للفظ ساعة، لأن كل ساعة تحدث. وقيل: الناشئة مصدر بمعنى قيام الليل كالخاطئة والكاذبة؛ أي إن نشأة الليل هي أشدّ وطأ. وقيل: إن ناشئة الليل قيام الليل. قال ٱبن مسعود: الحَبَشة يقولون: نشأ أي قام. فلعله أراد أن الكلمة عربية، ولكنها شائعة في كلام الحبشة، غالبة عليهم، وإلا فليس في القرآن ما ليس في لغة العرب. وقد تقدّم بيان هذا في مقدّمة الكتاب مستوفًى.

الثانية ـ بيّن تعالى في هذه الآية فضل صلاة الليل على صلاة النهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن، أعظم للأجر، وأجلب للثواب.

وٱختلف العلماء في المراد بناشئة الليل؛ فقال ٱبن عُمر وأنس بن مالك: هو ما بين المغرب والعشاء، تمسكاً بأن لفظ نشأ يعطي الابتداء، فكان بالأولية أحقّ؛ ومنه قول الشاعر:

ولولا أَنْ يُقالَ صَبَا نُصَيبٌلَقلتُ بِنفسِيَ النَّشَأ الصِّغارُ

وكان عليّ بن الحسين يصلّي بين المغرب والعشاء ويقول: هذا ناشئة الليل. وقال عطاء وعِكرمة: إنه بدء الليل. وقال ٱبن عباس ومجاهد وغيرهما: هي الليل كله؛ لأنه ينشأ بعد النهار، وهو الذي ٱختاره مالك بن أنس. قال ٱبن العربيّ: وهو الذي يعطيه اللفظ وتقتضيه اللغة. وقالت عائشة وٱبن عباس أيضاً ومجاهد: إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم. ومن قام أوّل الليل قبل النوم فما قام نائشة. فقال يَمان وٱبن كَيْسان: هو القيام من آخر الليل. وقال ٱبن عباس: كانت صلاتهم أوّل الليل. وذلك أن الإنسان إذا نام لا يدري متى يستيقظ. وفي الصحاح: وناشئة الليل أوّل ساعاته. وقال القُتَبيّ: إنه ساعات الليل؛ لأنها تنشأ ساعة بعد ساعة. وعن الحسن ومجاهد: هي ما بعد العشاء الآخرة إلى الصبح. وعن الحسن أيضاً: ما كان بعد العشاء فهو ناشئة. ويقال: ما ينشأ في الليل من الطاعات؛ حكاه الجوهريّ.

الثالثة ـ قوله تعالى: {هِيَ أَشَدُّ وَطْأً} قرأ أبو العالية وأبو عمرو وٱبن أبي إسحاق ومجاهد وحُميد وٱبن محيصن وابن عامر والمغيرة وأبو حَيْوة «وِطَاء» بكسر الواو وفتح الطاء والمدّ، وٱختاره أبو عبيد. الباقون: «وَطأً» بفتح الواو وسكون الطاء مقصورة، وٱختاره أبو حاتم؛ من قولك: ٱشتدت على القوم وطأة سلطانهم. أي ثقل عليهم ما حمَّلهم من المُؤَن، ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:

اللهم ٱشدد وطأتك على مُضَرفالمعنى أنها أثقل على المصلّي من ساعات النهار. وذلك أن الليل وقت منام وتودّع وإجمام، فمن شغله بالعبادة فقد تحمل المشقة العظيمة. ومن مدّ فهو مصدر واطأت وِطاء ومواطأة أي وافقته. ٱبن زيد واطأته على الأمر مواطأة: إذا وافقته من الوِفاق، وفلان يواطىء ٱسمه ٱسمي، وتواطؤُ عليه أي توافقوا؛ فالمعنى أشد موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان؛ لانقطاع الأصوات والحركات؛ قاله مجاهد وٱبن أبي مُلَيكة وغيرهما. وقال ٱبن عباس بمعناه، أي يواطىء السمع القلب؛ قال الله تعالى: { { لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ } } [التوبة: 37] أي ليوافقوا. وقيل: المعنى أشد مِهاداً للتصرف في التفكر والتدبر. والوِطاء خلاف الغِطاء. وقيل: «أَشَدُّ وَطْأً» بسكون الطاء وفتح الواو أي أشد ثباتاً من النهار؛ فإن الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله، فيكون ذلك أثبت للعمل وأتفى لما يلهى ويشغل القلب. والوطأ الثبات، تقول: وطئت الأرض بقدَمي. وقال الأخفش: أشد قياماً. الفراء: أثبت قراءة وقياماً. وعنه: {أَشَدُّ وَطْأً} أي أثبت للعمل وأدوم لمن أراد الاستكثار من العبادة، والليل وقت فراغ عن ٱشتغال المعاش، فعبادته تدوم ولا تنقطع. وقال الكلبي: {أَشَدُّ وَطْأً} أي أشد نشاطاً للمصلّي؛ لأنه في زمان راحته. وقال عبادة: «أَشَدُّ وَطأً» أي نشاطاً للمصلّي وأخفّ، وأثبت للقراءة.

الرابعة ـ قوله تعالى: {وَأَقْوَمُ قِيلاً} أي القراءة بالليل أقوم منها بالنهار؛ أي أشد ٱستقامة وٱستمراراً على الصواب؛ لأن الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلّي ما يقرؤه. قال قتادة ومجاهد: أي أصوب للقراءة وأثبت للقول؛ لأنه زمان التفهم. وقال أبو علي: «أَقْوَمُ قِيلاً» أي أشد ٱستقامة لفراغ البال بالليل. وقيل: أي أعجل إجابة للدعاء. حكاه ٱبن شجرة. وقال عِكرمة: عبادة الليل أتم نشاطاً، وأتم إخلاصاً، وأكثر بركة. وعن زيد ٱبن أسلم: أجدر أن يتفقَّه في القرآن. وعن الأعمش قال: قرأ أنس بن مالك «إن نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَصْوَبُ قِيلاً» فقيل له: «وَأَقْوَمُ قِيلاً» فقال: أقوم وأصوب وأهيأ: سواء. قال أبو بكر الأنباريّ: وقد ترامى ببعض هؤلاء الزائغين إلى أن قال: من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآن فهو مصيب، إذا لم يخالف معنًى ولم يأت بغير ما أراد الله وقصد له، وٱحتجوا بقول أنس هذا. وهو قول لا يُعرَّج عليه ولا يلتفت إلى قائله؛ لأنه لو قرأ بألفاظ تخالف ألفاظ القرآن إذا قاربت معانيها وٱشتملت على عامتها، لجاز أن يقرأ في موضع

{ { ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } } [الفاتحة: 2]: الشكر للباري ملك المخلوقين، ويتسع الأمر في هذا حتى يبطل لفظ جميع القرآن، ويكون التالي له مفترياً على الله عز وجل، كاذباً على رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا حجة لهم في قول ٱبن مسعود: نزل القرآن على سبعة أحرف، إنما هو كقول أحدكم: هَلُمّ وتعال وأقبل؛ لأن هذا الحديث يوجب أن القراءات المأثورة المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا ٱختلفت ألفاظها، وٱتفقت معانيها، كان ذلك فيها بمنزلة الخلاف في هلمّ، وتعال، وأقبل، فأما ما لم يقرأ به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعوهم رضي الله عنهم، فإنه من أورد حرفاً منه في القرآن بهت ومال وخرج من مذهب الصواب. قال أبو بكر: والحديث الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة حديث لا يصح عن أحد من أهل العلم؛ لأنه مبني على رواية الأعمش عن أنس، فهو مقطوع ليس بمتصل فيؤخذ به، من قِبَل أن الأعمش رأى أنساً ولم يسمع منه.

الخامسة ـ قوله تعالى: {إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً} قراءة العامة بالحاء غير معجمة؛ أي تصرُّفاً في حوائجك، وإقبالاً وإدباراً وذهاباً ومجيئاً. والسبْح: الجري والدوران، ومنه السابح في الماء؛ لتقلبه بيديه ورجليه. وفرس سابح: شديد الجري؛ قال ٱمرؤ القيس:

مِسَحٌّ إِذا ما السَّابِحاتُ على الوَنَىأثَرْنَ الغُبارَ بِالكَدِيدِ المُرَكَّلِ

وقيل: السبح الفراغ؛ أي إن لك فراغاً للحاجات بالنهار. وقيل: {إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً} أي نوماً، والتسبح التمدّد؛ ذكره الخليل. وعن ٱبن عباس وعطاء: «سَبْحاً طَوِيلاً» يعني فراغاً طويلاً لنومك وراحتك، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك. وقال الزجاج: إن فاتك في الليل شيء فلك في النهار فراغ الاستدراك.

وقرأ يحيـى بن يَعْمَر وأبو وائل «سَبْخا» بالخاء المعجمة. قال المهدويّ: ومعناه النوم؛ روي ذلك عن القارئين بهذه القراءة. وقيل: معناه الخفة والسَّعة والاستراحة؛ ومنه

قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد دعت على سارق ردائها: «لا تُسبِّخِي عنه بدعائك عليه». أي لا تخفّفي عنه إثمه؛ قال الشاعر:

فَسَبِّخْ عليك الْهَمَّ وٱعلم بِأَنَّهُإذا قَدَّرَ الرحْمنُ شيئاً فَكَائِنُ

الأصمعيّ: يقال سَبَّخ اللَّهُ عنك الحُمَّى أي خفّفها. وسَبَخ الحَرُّ: فتر وخَفَّ. والتَّسبِيخ النوم الشديد. والتَّسبيخ أيضاً توسيع القطن والكَتَّان والصوف وتنفيشها؛ يقال للمرأة: سبخي قطنك. والسَّبيخُ من القطن ما يسبَّخ بعد النَّدْف، أي يُلفّ لتغزله المرأة، والقطعة منه سَبِيخة، وكذلك من الصوف والوبر. ويقال لقطع القطن سبائخ؛ قال الأخطل يصف القُنَّاص والكلاب:

فأَرسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التّرابَ كمايُذْرِي سَبَائخَ قُطْنٍ نَدْفُ أَوْتَارِ

وقال ثعلب: السَّبْخ بالخاء التردّد والاضطراب، والسَّبْخ أيضاً السكون؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:الحُمّى من فيح جهنم، فسبِّخوها بالماءأي سكِّنوها. وقال أبو عمرو: السَّبْخ: النوم والفراغ.

قلت: فعلى هذا يكون من الأضداد، وتكون بمعنى السبح، بالحاء غير المعجمة.

وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ۝٨

فيه ثلاث مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ} أي ٱدعه بأسمائه الحسنى، ليحصل لك مع الصلاة محمود العاقبة. وقيل: أي ٱقصد بعملك وجه ربك. وقال سهل: ٱقرأ باسم الله الرحمن الرحيم في ٱبتداء صلاتك توصلك بركة قراءتها إلى ربك، وتقطعك عما سواه. وقيل: ٱذكر ٱسم ربك في وعده ووعيده لتَوَفَّر على طاعته وتعدل عن معصيته. وقال الكلبيّ: صلّ لربك أي بالنهار.

قلت: وهذا حسن فإنه لما ذكر الليل ذكر النهار؛ إذ هو قسيمه؛ وقد قال الله تعالى:

{ { وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } } [الفرقان: 62] على ما تقدّم.

الثانية ـ قوله تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} التبتل: الانقطاع إلى عبادة الله عز وجل؛ أي ٱنقطع بعبادتك إليه، ولا تشرك به غيره. يقال: بتلت الشيء أي قطعته، ومنه قولهم. طلقها بَتّةً بَتلة، وهذه صدقة بتة بتلة؛ أي بائنة منقطعة عن صاحبها؛ أي قُطِع ملكه عنها بالكلية؛ ومنه مريم البتول لانقطاعها إلى الله تعالى، ويقال للراهب متبتّل؛ لانقطاعه عن الناس، وٱنفراده بالعبادة. قال:

تُضِيءُ الظَّلامَ بالعِشَاءِ كأَنَّهَامَنارةُ مُمْسَى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ

وفي الحديث النهي عن التبتل، وهو الانقطاع عن الناس والجماعات. وقيل: إن أصله عند العرب التفرد؛ قاله ٱبن عرفة. والأوّل أقوى لما ذكرنا. ويقال: كيف قال: تَبْتِيلاً، ولم يقل تَبَتُّلاً؟ قيل له: لأن معنى تَبتَّل بَتَّل نفسه، فجيء به على معناه مراعاة لحقّ الفواصل.

الثالثة ـ قد مضي في «المائدة» في تفسير قوله تعالى:

{ { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ } } [المائدة: 87] كراهة لمن تبتَّل وٱنقطع وسلك سبيل الرهبانية بما فيه كفاية. قال ٱبن العربيّ: وأما اليوم وقد مَرِجت عهودُ الناس، وخفّت أماناتهم، وٱستولى الحرام على الحُطام، فالعزلة خير من الخُلْطة، والعُزْبة أفضل من التأهُّل، ولكن معنى الآية: ٱنقطِعْ عن الأوثان والأصنام وعن عبادة غير الله، وكذلك قال مجاهد: معناه: أخلص له العبادة، ولم يرد التبّتل، فصار التبتل مأموراً به في القرآن، منهيّاً عنه في السنة، ومتعلق الأمر غير متعلق النهي، فلا يتناقضان، وإنما بعث ليبيِّن للناس ما نزل إليهم؛ فالتبتّل المأمور به: الانقطاع إلى الله بإخلاص العبادة؛ كما قال تعالى: { { وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } } [البيّنة: 5] والتبتُّل المنهيّ عنه: هو سلوك مسلك النصارى في ترك النكاح والترهب في الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون خيرُ مال المسلم غَنَماً يتبع بها شَعف الجبال ومواقع القَطْر، يفرّ بدينه من الفتن.

رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلًا ۝٩ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ۝١٠ وَذَرْنِى وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُو۟لِى ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ۝١١

قوله تعالى: {رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} قرأ أهل الحرمين وٱبن مُحَيْصن ومجاهد وأبو عمرو وٱبن أبي إسحاق وحفص «رَبُّ» بالرفع على الابتداء والخبر {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}. وقيل: على إضمار «هو». الباقون «رَبِّ» بالخفض على نعت الربّ تعالى في قوله تعالى: {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ} «رَبِّ الْمَشْرِقِ»، ومن علم أنه ربّ المشارق والمغارب ٱنقطع بعمله وأمله إليه. {فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} أي قائماً بأمورك. وقيل: كفيلاً بما وعدك.

قوله تعالى: {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أي من الأذى والسبّ والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم، ولا تمتنع من دعائهم. {وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} أي لا تتعرض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم، فإن في ذلك ترك الدعاء إلى الله. وكان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بعدُ بقتالهم وقتلهم، فنَسخت آية القتال ما كان قبلها من الترك؛ قاله قتادة وغيره. وقال أبو الدرداء: إنا لَنَكْشِرُ في وجوه أقوام ونضحك إليهم وإن قلوبنا لتقَلْيهم أو لتلعنهم.

قوله تعالى: {وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ} أي ٱرض بي لعقابهم. نزلت في صناديد قريش ورؤوساء مكة من المستهزئين. وقال مقاتل: نزلت في المطعِمِين يوم بدر وهم عشرة. وقد تقدّم ذكرهم في «الأنفال». وقال يحيـى بن سلاّم: إنهم بنو المغيرة. وقال سعيد بن جُبير أخبرت أنهم ٱثنا عشر رجلاً. {أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ} أي أولى الغنى والترفُّه واللذة في الدنيا {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} يعني إلى مدّة آجالهم. قالت عائشة رضي الله عنها: لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيراً حتى وقعت وقعة بدر. وقيل: {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} يعني إلى مدة الدنيا.

إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالًا وَجَحِيمًا ۝١٢ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ۝١٣ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا ۝١٤

قوله تعالى: {إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً} الأنكال: القيود. عن الحسن ومجاهد وغيرهما. واحدها نِكْل، وهو ما منع الإنسان من الحركة. وقيل سمّي نِكلاً، لأنه يُنَكَّل به. قال الشعبيّ: أترون أن الله تعالى جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن يهربوا؟ لا والله! ولكنهم إذا أرادوا أن يرتفعوا ٱسْتَفَلت بهم. وقال الكلبيّ: الأنكال: الأغلال، والأوّل أعرف في اللغة؛ ومنه قول الخنساء:

دَعاكَ فَقَطَّعْتَ أنْكَالَهوقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لا تُقْطَعُ

وقيل: إنه أنواع العذاب الشديد؛ قاله مقاتل. وقد جاء أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:إن الله يحبّ النَّكَل على النَّكَل» - بالتحريك، قاله الجوهريّ - قيل: وما النَّكَل؟ قال: «الرجل القويّ المجَّرب، على الفرس القويّ المجَّربذكره الماورديّ. قال: ومن ذلك سمي القيد نِكْلاً لقوته، وكذلك الغُلّ، وكل عذاب قوي فٱشتد. والجحيم النار المؤجَّجة. {وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ} أي غير سائغ؛ يأخذ بالحلق، لا هو نازل ولا هو خارج، وهو الغِسلِين والزُّقوم والضّريع؛ قاله ٱبن عباس. وعنه أيضاً: أنه شوك يدخل الحلق، فلا ينزل ولا يخرج. وقال الزجاج: أي طعامهم الضّريع؛ كما قال: { { لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ } } [الغاشية: 6] وهو شوك كالعَوْسَج. وقال مجاهد: هو الزَّقوم، كما قال: { { إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ } } [الدخان: 44]. والمعنى واحد. وقال حُمْران بن أَعْيَن: قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم {إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً. وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ} فصعق. وقال خُلَيد بن حسان: أمسى الحسن عندنا صائماً، فأتيته بطعام فعرضتْ له هذه الآية {إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً} {وَطَعَاماً} فقال: ٱرفع طعامك. فلما كانت الثانية أتيته بطعام فعرضت له هذه الآية، فقال: ٱرفعوه. ومثله في الثالثة؛ فٱنطلق ٱبنه إلى ثابت البُنَاني ويزيدَ الضَّبيّ ويحيى البكّاء فحدّثهم، فجاؤوه فلم يزالوا به حتى شرب شربة من سَوِيق. والغُّصَة: الشَّجا، وهو ما يَنَشب في الحلق من عَظْم أو غيره، وجمعها غُصَصٌ. والغَصَصُ بالفتح مصدر قولك: غَصِصْتَ يا رجل تَغَصّ، فأنت غاصّ بالطعام وغصّان، وأغصصته أنا، والمنزل غاصّ بالقوم أي ممتليء بهم.

قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ} أي تتحرّك وتضطرب بمن عليها. وٱنتصب «يوم» على الظرف أي ينكل بهم ويعذّبون {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ}.وقيل: بنزع الخافض؛ يعني هذه العقوبة في يوم ترجف الأرض والجبال. وقيل: العامل «ذَرْنِي» أي وذرني والمكذبين يوم ترجُف الأرض والجبال. {وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً} أي وتكون. والكثيب الرمل المجتمع ـ قال حسان:

عَرَفْتُ دِيار زَيْنَبَ بالْكَثِيبِكَخَطِّ الْوَحْيِ في الْوَرَقِ الْقَشِيبِ

والمَهِيل: الذي يمرّ تحت الأرجل. قال الضحاك والكلبيّ: المهيل: هو الذي إذا وطئته بالقدم زلّ من تحتها، وإذا أخذت أسفله ٱنهال. وقال ٱبن عباس: «مَهِيلاً» أي رملاً سائلاً متناثراً. وأصله مَهْيول وهو مَفْعول من قولك: هِلْت عليه التراب أَهِيله هيلاً: إذا صببته. يقال: مَهِيل ومَهْيول، ومَكِيل ومَكْيول، ومَدِين ومَدْيون، ومَعِين ومَعْيون؛ قال الشاعر:

قد كان قَوْمُك يَحْسَبونَكَ سَيِّداًوإِخَالُ أَنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ

وفي حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهم شكوا إليه الجدُوبة؛ فقال: «أَتكيلون أم تَهِيلون» قالوا: نَهِيل. قال «كِيلوا طعامكم يُبَارَكْ لكم فيه». وأَهَلْت الدقيق لغة في هِلْت فهو مُهال ومَهِيل. وإنما حذفت الواو، لأن الياء تثقل فيها الضمة، فحذفت فسكنت هي والواو فحذفت الواو لالتقاء الساكنين.

إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَٰهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا ۝١٥ فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَٰهُ أَخْذًا وَبِيلًا ۝١٦ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَٰنَ شِيبًا ۝١٧ ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌۢ بِهِۦ كَانَ وَعْدُهُۥ مَفْعُولًا ۝١٨ إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا ۝١٩

قوله تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً} يريد النبيّ صلى الله عليه وسلم أرسله إلى قريش {كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً} وهو موسى {فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ} أي كذب به ولم يؤمن. قال مقاتل: ذكَر موسى وفرعون؛ لأن أهل مكة ٱزدرَوا محمداً صلى الله عليه وسلم وٱستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم، كما أن فرعون ٱزدرى موسى؛ لأنه ربّاه ونشأ فيما بينهم، كما قال تعالى:

{ { أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً } } [الشعراء: 18]. قال المهدويّ: ودخلت الألف واللام في الرسول لتقدّم ذكره؛ ولذلك ٱختير في أوّل الكتب سلام عليكم، وفي آخرها السلام عليكم. {وَبِيلاً} أي ثقيلاً شديداً. وضَرْبٌ وبيل وعذاب وبيل: أي شديد؛ قاله ٱبن عباس ومجاهد. ومنه مطر وابل أي شديد؛ قاله الأخفش. وقال الزجاج: أي ثقيلاً غليظاً. ومنه قيل للمطر وابل. وقيل: مُهلكاً والمعنى عاقبناه عقوبة غليظة قال:

أَكَلْتِ بَنِيِك أَكْلَ الضَّبِّ حتىوجَدْتِ مَرَارةَ الْكَلإَ الْوَبِيلِ

واستوبل فلان كذا: أي لم يَحَمد عاقبته. وماء وبيل: أي وخيم غير مريء، وَكَلأٌ مستَوْبَل وطعام وبيل ومُستَوبَلٌ: إذا لم يُمْرِيء ولم يُسْتَمْرأْ؛ قال زهير:

فَقَضَّوْا مَنايَا بَيْنَهُمْ ثم أَصْدَرُواإِلَى كَلأٍ مُسْتَوَبَلٍ مُتَوَخَّمِ

وقالت الخنساء:

لَقَدْ أَكَلَتْ بَجِيلَةُ يومَ لاَقَتْفَوَارِسَ مَالك أَكْلاً وَبِيلاً

والوبيل أيضاً: العصا الضخمة؛ قال:

لوَ ٱصْبَحَ في يُمْنى يَدَيَّ زِمامُهاوفيِ كَفِّيَ الاُّخْرى وَبِيلٌ تُحاذِرُهْ

وكذلك المَوْبِل بكسر الباء، والمَوْبِلة أيضاً: الحُزْمة من الحطب، وكذلك الوَبِيل، قال طَرفة:

عَقِيـلَةُ شَيْـخ كالوَبيـلِ يَلَنْـدَد

قوله تعالى: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً} هو توبيخ وتقريع، أي كيف تتقونَ العذاب إن كفرتم. وفيه تقديم وتأخير، أي كيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم. وكذا قراءة عبد الله وعطية. قال الحسن: أي بأي صلاة تتقون العذاب؟ بأي صوم تتقون العذاب؟ وفيه إضمار، أي كيف تتقون عذاب يوم. وقال قتادة: واللَّهِ ما يتقي من كفر بالله ذلك اليوم بشيء. و «يَوْماً» مفعول بـ«ـتَتَّقُونَ» على هذه القراءة وليس بظرف، وإن قدر الكفر بمعنى الجحود كان اليوم مفعول «كَفَرْتُمْ». وقال بعض المفسرين: وقف التمام على قوله: {كَفَرْتُمْ} والابتداء «يَوْماً» يذهب إلى أن اليوم مفعول «يجعل» والفعل لله عز وجل، وكأنه قال: يجعل الله الولدان شيباً في يوم. قال ابن الأنباري: وهذا لا يصلح؛ لأن اليوم هو الذي يفعل هذا من شدّة هوله. المهدويّ: والضمير في «يجعل» يجوز أن يكون لله عز وجل، ويجوز أن يكون لليوم، وإذا كان لليوم صلح أن يكون صفة له، ولا يصلح ذلك إذا كان الضمير لله عز وجل إلا مع تقدير حذف؛ كأنه قال: يوماً يجعل الله الولدان فيه شيباً. ٱبن الأنباريّ: ومنهم من نصب اليوم بـ «ـكفرتم» وهذا قبيح؛ لأن اليوم إذا عُلّق بـ «ـكفرتم» ٱحتاج إلى صفة؛ أي كفرتم بيوم. فإن ٱحتج محتج بأن الصفة قد تحذف وينصب ما بعدها، ٱحتججنا عليه بقراءة عبد الله {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْماً}.

قلت: هذه القراءة ليست متواترة، وإنما جاءت على وجه التفسير. وإذا كان الكفر بمعنى الجحود فـ«ـيوماً» مفعول صريح من غير صفة ولا حذفها؛ أي فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء. وقرأ أبو السَّمَّال قَعْنَب «فكيف تتقونِ» بكسر النون على الإضافة. و {ٱلْوِلْدَانَ} الصبيان. وقال السُّدي: هم أولاد الزنا. وقيل: أولاد المشركين. والعموم أصح؛ أي يشيب فيه الصغير من غير كبر. وذلك حين يقال:

يا آدم قم فٱبعث بَعْث النار. على ما تقدّم في أوّل سورة «الحج». قال القُشيريّ: ثم إن أهل الجنة يغيّر الله أحوالهم وأوصافهم على ما يريد. وقيل: هذا ضربُ مَثَل لشدّة ذلك اليوم وهو مجاز؛ لأن يوم القيامة لا يكون فيه وِلدان، ولكن معناه أن هيبة ذلك اليوم بحال لو كان فيه هناك صبي لَشابَ رأسه من الهيبة. ويقال: هذا وقت الفزع، وقبل أن يُنْفَخ في الصور نفخة الصعْق؛ فالله أعلم. الزمخشريّ: وقد مّر بي في بعض الكتب أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب، فأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثَّغامة، فقال: أرِيت القيامة والجنة والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون. ويجوز أن يوصف اليوم بالطول، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيّب.

قوله تعالى: {السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} أي متشققة لشدّته. ومعنى «بِهِ» أي فيه؛ أي في ذلك اليوم لهوله. هذا أحسن ما قيل فيه. ويقال: مُثْقَلة به إثقالاً يؤدّي إلى ٱنفطارها لعظمته عليها وخشيتها من وقوعه؛ كقوله تعالى:

{ { ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } } [الأعراف: 187]. وقيل: «بِهِ» أي له، أي لذلك اليوم؛ يقال: فعلت كذا بحرمتك ولحرمتك، والباء واللام وفي: متقاربة في مثل هذا الموضع؛ قال الله تعالى: { { وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ } } [الأنبياء: 47] أي في يوم القيامة. وقيل: «بِهِ» أي بالأمر أي السماء مُنْفطر بما يجعل الولدان شِيباً. وقيل: منفطر بالله، أي بأمره. وقال أبو عمرو بن العلاء: لم يقل منفطرة؛ لأن مجازها السقف؛ تقول: هذا سماء البيت؛ قال الشاعر:

فَلَوْ رَفَعَ السَّمَاءُ إلَيْهِ قوماًلَحِقْنا بالسَّماءِ وبالسَّحابِ

وفي التنزيل: { { وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً } } [الأنبياء: 32]. وقال الفراء: السماء يذكر ويؤنث. وقال أبو علي: هو من باب الجراد المنتشر، والشجر الأخضر، و { { أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } } [القمر: 20]. وقال أبو عليّ أيضاً: أي السماء ذات ٱنفطار؛ كقولهم: ٱمرأة مرضع، أي ذات إرضاع، فجرى على طريق النسب. {كَانَ وَعْدُهُ} أي بالقيامة والحساب والجزاء {مَفْعُولاً} كائناً لا شك فيه ولا خُلْف. وقال مقاتل: كان وعده بأن يظهر دينه على الدين كلّه.

قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ} يريد هذه السورة أو الآيات عِظَة. وقيل: آيات القرآن، إذ هو كالسورة الواحدة. {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ} أي من أراد أن يؤمن ويتخذ بذلك إلى ربه {سَبِيلاً} أي طريقاً إلى رضاه ورحمته فليرغب، فقد أمكن له؛ لأنه أظهر له الحجج والدلائل. ثم قيل: نسخت بآية السيف، وكذلك قوله تعالى:

{ { فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ } } [عَبَس: 12] قال الثعلبيّ: والأشبه أنه غير منسوخ.رر

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ ۝٢٠

فيه ثلاث عشرة مسألة:

الأولى ـ قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ} هذه الآية تفسير لقوله تعالى: {قُمِ ٱلْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} كما تقدّم، وهي الناسخة لفرضية قيام الليل كما تقدّم. «تَقُومُ» معناه تصلّي و {أَدْنَىٰ} أي أقلّ. وقرأ ٱبن السَّمَيْقَع وأبو حَيْوة وهشام عن أهل الشام {ثُلُثَيِ} بإسكان اللام. {وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} بالخفض قراءة العامة عطفاً على «ثُلُثَيِ»؛ المعنى: تقوم أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه وثلثه. وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ كقوله تعالى: {عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ} فكيف يقومون نصفه أو ثلثه وهم لا يحصونه. وقرأ ٱبن كثير والكوفيون «ونِصْفَهُ وَثُلُثَه» بالنصب عطفاً على «أَدْنَى» التقدير: تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وثلثَه. قال الفراء: وهو أشبه بالصواب؛ لأنه قال أقلّ من الثلثين، ثم ذكر نفس القِلّة لا أقلّ من القلّة. القُشَيْري: وعلى هذه القراءة يحتمل أنهم كانوا يصيبون الثلث والنصف؛ لخفة القيام عليهم بذلك القدر، وكانوا يزيدون، وفي الزيادة إصابة المقصود، فأما الثلثان فكان يثقل عليهم قيامه فلا يصيبونه، وينقصون منه. ويحتمل أنهم أُمروا بقيام نصف الليل، ورُخّص لهم في الزيادة والنقصان، فكانوا ينتهون في الزيادة إلى قريب من الثلثين، وفي النصف إلى الثلث. ويحتمل أنهم قدّر لهم النصف وأنقص إلى الثلث، والزيادة إلى الثلثين، وكان فيهم من يفي بذلك، وفيهم من يترك ذلك إلى أن نُسخ عنهم. وقال قوم: إنما ٱفترض الله عليهم الربع، وكانوا ينقصون من الربع. وهذا القول تحكُّم.

الثانية ـ قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} أي يعلم مقادير الليل والنهار على حقائقها، وأنتم تعلمون بالتحرّي والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ. {عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ} أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك والقيامَ به. وقيل: أي لن تطيقوا قيام الليل. والأوّل أصح؛ فإنّ قيام الليل ما فُرض كله قطّ. قال مقاتل وغيره: لما نزلت {قُمِ ٱلْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} شقّ ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطيء، فٱنتفخت أقدامهم، وٱنْتُقِعت ألوانهم، فرحمهم الله وخفّف عنهم؛ فقال تعالى: {عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ} و «أَنْ» مخفّفة من الثقيلة؛ أي علم أنكم لن تحصوه؛ لأنكم إن زدتم ثقل عليكم، وٱحتجتم إلى تكليف ما ليس فرضاً، وإن نقصتم شقّ ذلك عليكم.

الثالثة ـ قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أي فعاد عليكم بالعفو، وهذا يدل على أنه كان فيهم في ترك بعض ما أمر به. وقيل: أي فتاب عليكم من فرض القيام إذْ عجزتم. وأصل التوبة الرجوع كما تقدّم؛ فالمعنى رجع لكم من تثقيل إلى تخفيف، ومن عُسْر إلى يُسْر. وإنما أمروا بحفظ الأوقات على طريق التحرّي، فخّفف عنهم ذلك التحرّي. وقيل: معنى {وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} يخلقهما مقدَّرَين؛ كقوله تعالى:

{ { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } } [الفرقان: 2]. ٱبن العربي: تقدير الخلقة لا يتعلّق به حكم، وإنما يربط الله به ما يشاء من وظائف التكليف.

الرابعة ـ قوله تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} فيه قولان: أحدهما أن المراد نفس القراءة؛ أي فٱقرؤوا فيما تصلّونه بالليل ما خفّ عليكم. قال السُّديّ: مائة آية. الحسن: من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجّه القرآن. وقال كعب: من قرأ في ليلة مائة آية كُتب من القانتين. وقال سعيد: خمسون آية.

قلت: قول كعب أصح؛ لقوله عليه السلام:

من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من الُمَقْنِطرينخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو. وقد ذكرناه في مقدّمة الكتاب والحمد لله. القول الثاني: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ} أي فصلّوا ما تيسّر عليكم، والصلاة تسمى قرآناً؛ كقوله تعالى: { { وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ } } [الإسراء: 78] أي صلاة الفجر. ٱبن العربي: وهو الأصح؛ لأنه عن الصلاة أخبر، وإليها يرجع القول.

قلت: الأوّل أصح حملاً للخطاب على ظاهر اللفظ، والقول الثاني مجاز؛ فإنه من تسمية الشيء ببعض ما هو من أعماله.

الخامسة ـ قال بعض العلماء: قوله تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} نَسخَ قيام الليل ونصفه، والنقصان من النصف والزيادة عليه. ثم ٱحتمل قول الله عز وجل: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} معنيين أحدهما أن يكون فرضاً ثانياً؛ لأنه أزيل به فرضٌ غيره. والآخر أن يكون فرضاً منسوخاً أزيل بغيره كما أزيل به غيره؛ وذلك لقوله تعالى:

{ { وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً } } [الإسراء: 79] فاحتمل قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} أي يتهجد بغير الذي فُرض عليه مما تيسّر منه. قال الشافعيّ: فكان الواجب طلب الاستدلال بالسُّنة على أحد المعنيين، فوجدنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على أن لا واجب من الصلاة إلا الخمس.

السادسة ـ قال القُشيريّ أبو نصر: والمشهور أن نسخ قيام الليل كان في حقّ الأمة، وبقيت الفريضة في حقّ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: نسخ التقدير بمقدار، وبقي أصل الوجوب؛ كقوله تعالى:

{ { فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ } } [البقرة: 196] فالهدي لا بدّ منه، كذلك لم يكن بُدٌّ من صلاة الليل، ولكن فُوّض قدره إلى ٱختيار المصلّي، وعلى هذا فقد قال قوم: فَرْض قيام الليل بالقليل باقٍ؛ وهو مذهب الحسن. وقال قوم: نسخ بالكلية، فلا تجب صلاة الليل أصلاً؛ وهو مذهب الشافعي. ولعل الفريضة التي بقيت في حقّ النبيّ صلى الله عليه وسلم هي هذا، وهو قيامه، ومقداره مفوّض إلى خِيرتِه. وإذا ثبت أن القيام ليس فرضاً فقوله تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} معناه ٱقرؤوا إن تيّسر عليكم ذلك، وصلّوا إن شئتم. وصار قوم إلى أن النسخ بالكلية تقرّر في حقّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أيضاً، فما كانت صلاة الليل واجبة عليه. وقوله: {نَافِلَةً لَّكَ} محمول على حقيقة النفل. ومن قال: نسخ المقدار وبقي أصل وجوب قيام الليل ثم نسخ، فهذا النسخ الثاني وقع ببيان مواقيت الصلاة؛ كقوله تعالى: { { أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } } [الإسراء: 78]، وقوله: { { فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } } [الروم: 17]، ما في الخبر من أن الزيادة على الصلوات الخمس تطوّع. وقيل: وقع النسخ بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وللأمة، كما أنّ فرضية الصلاة وإن خوطب بها النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلْلَّيْلَ} كانت عامة له ولغيره. وقد قيل: إن فريضة الله ٱمتدّت إلى ما بعد الهجرة، ونسخت بالمدينة؛ لقوله تعالى: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}، وإنما فرض القتال بالمدينة؛ فعلى هذا بيان المواقيت جرى بمكة، فقيام الليل نسخ بقوله تعالى: { { وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ } } [الإسراء: 79]. وقال ٱبن عباس: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم نَسَخ قولُ الله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ} وجوبَ صلاة الليل.

السابعة ـ قوله تعالى: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ} الآية؛ بيّن سبحانه علة تخفيف قيام الليل، فإن الخَلْق منهم المريض، ويشّق عليهم قيام الليل، ويشقّ عليهم أن تفوتهم الصلاة، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، والمجاهد كذلك، فخفّف الله عن الكل لأجل هؤلاء. و «أَنْ» في «أَنْ سَيَكُونُ» مخففة من الثقيلة؛ أي علم أنه سيكون.

الثامنة ـ سَوَّى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله، والإحسان والإفضال، فكان هذا دليلاً على أن كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله. وروي إبراهيم عن علقمة قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما من جالب يجلب طعاماً من بلد إلى بلد فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداءثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وقال ٱبن مسعود: أيّما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء. وقرأ {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ} الآية. وقال ٱبن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحبّ إليّ من الموت بين شعبتي رَحْلِي، ٱبتغي من فضل الله ضارباً في الأرض. وقال طاوس: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله. وعن بعض السلف أنه كان بواسط، فجهز سفينة حِنطة إلى البصرة، وكتب إلى وكيله: بِعِ الطعام يوم تدخل البصرة، ولا تؤخره إلى غدٍ؛ فوافق سعةً في السعر؛ فقال التجار للوكيل: إن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، فكتب إلى صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذاٰ إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وقد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال وتصدّق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من الاحتكار كَفافاً لا عليّ ولا لي. ويروي أن غلاماً من أهل مكة كان ملازماً للمسجد، فافتقده ٱبن عمر، فمشي إلى بيته، فقالت أمه: هو على طعام له يبيعه؛ فلقيه له: يا بني! مالك وللطعام؟ فهلاّ إبلاً، فهلاّ بقراً، فهلاّ غنما! إن صاحب الطعام يحب المَحْل، وصاحب الماشية يحب الغيث.

التاسعة ـ قوله تعالى: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} أي صلّوا ما أمكن؛ فأوجب الله من صلاة الليل ما تيسر، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات الخمس على ما تقدّم. قال ٱبن العربي وقد قال قوم: إن فرض قيام الليل سُنَّ في ركعتين من هذه الآية؛ قاله البخاريّ وغيره، وعقد باباً ذكر فيه حديث.

يَعقِد الشيطانُ على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقَد، يضرب على كل عُقْدَة مكانها: عليك ليل طويل فٱرقد. فإن ٱستيقظ فذكر الله ٱنحلت عُقْدة، فإن توضأ ٱنحلت عُقْدة، فإن صلّى ٱنحلت عُقَده كلّها، فأصبح نشيطاً طيّب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلانوذكر حديث سَمُرة بن جُنْدُبَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الرؤيا قال: «أما الذي يُثْلَغ رأسُه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفُضه، وينام عن الصلاة المكتوبة». وحديث عبد الله بن مسعود قال: ذكر عند النبيّ صلى الله عليه وسلم رجل ينام الليل كلّه فقال: «ذلك رجل بال الشيطان في أذنيه»فقال ٱبن العربيّ: فهذه أحاديث مقتضية حمل مطلق الصلاة على المكتوبة؛ فيحمل المطلق على المقيد لاحتماله له، وتسقط الدعوى ممَّن عيَّنه لقيام الليل. وفي الصحيح واللفظُ للبخاري: قال عبد الله بن عمرو: وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:يا عبد الله لا تكن مثَل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليلولو كان فرضاً ما أقره النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا أخبر بمثل هذا الخبر عنه، بل كان يذمه غاية الذمّ، وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: كان الرجل في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا رأي رؤيا قصّها على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكنت غلاماً شابًّا عَزَباً، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطويّة كطيّ البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. قال: ولقينا مَلَك آخر، فقال لي: لم تُرَعْ. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل»، فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً؛ فلو كان تَرْك القيام معصية لما قال له المَلك: لم تُرَعْ. والله أعلم.

العاشرة ـ إذا ثبت أن قيام الليل ليس بفرض، وأن قوله: {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ}؛ {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} محمول على ظاهره من القراءة في الصلاة، فاختلف العلماء في قدر ما يلزمه أن يقرأ به في الصلاة؛ فقال مالك والشافعيّ: فاتحة الكتاب لا يجزيء العدول عنها، ولا الاقتصار على بعضها، وقدّره أبو حنيفة بآية واحدة، من أيّ القرآن كانت. وعنه ثلاث آيات؛ لأنها أقلّ سورة. ذكر القول الأوّل الماورديّ والثاني ٱبن العربيّ. والصحيح ما ذهب إليه مالك والشافعيّ، على ما بيّناه في سورة «الفاتحة» أوّل الكتاب والحمد لله. وقيل: إن المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة؛ قال الماورديّ: فعلى هذا يكون مطلق هذا الأمر محمولاً على الوجوب، أو على الاستحباب دون الوجوب. وهذا قول الأكثرين؛ لأنه لو وجب عليه أن يقرأ لوجب عليه أن يحفظه. الثاني أنه محمول على الوجوب؛ ليقف بقراءته على إعجازه، وما فيه من دلائل التوحيد وبعث الرسل، ولا يلزمه إذا قرأه وعرف إعجازه ودلائل التوحيد منه أن يحفظه؛ لأن حِفظ القرآن من القُرَب المستحبة دون الواجبة. وفي قدر ما تضمنه هذا الأمر من القراءة خمسة أقوال: أحدها جميع القرآن؛ لأن الله تعالى يسره على عبادِه؛ قاله الضحاك. الثاني ثلث القرآن؛ حكاه جوبير. الثالث مائتا آية؛ قاله السُّديّ. الرابع مائة آية؛ قاله ٱبن عباس. الخامس ثلاث آيات كأقصر سورة؛ قاله أبو خالد الكناني.

الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} يعني المفروضة وهي الخمس لوقتها. {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} الواجبة في أموالكم؛ قاله عكرمة وقتادة. وقال الحارث العُكْلي: صدقة الفطر لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك. وقيل: صدقة التطوّع. وقيل: كل أفعال الخير. وقال ٱبن عباس: طاعة الله والإخلاص له.

الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} القرض الحسن ما قصد به وجه الله تعالى خالصاً من المال الطيّب. وقد مضى في سورة «الحديد» بيانه. وقال زيد ٱبن أسلم: القرض الحسن النفقة على الأهل. وقال عمر بن الخطاب: هو النفقة في سبيل الله.

الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} «البقرة». وروي عن عمر بن الخطاب أنه ٱتخذ حَيْساً ـ يعني تمراً بلبن ـ فجاءه مسكين فأخذه ودفعه إليه. فقال بعضهم: ما يدري هذا المسكين ما هذا؟ فقال عمر: لكن رب المسكين يدري ما هو. وكأنه تأوّلَ {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً} أي مما تركتم وخلفتم، ومن الشّح والتقصير. {وَأَعْظَمَ أَجْراً} قال أبو هريرة: الجنة؛ ويحتمل أن يكون أعظم أجراً؛ لإعطائه بالحسنة عشراً. ونصب «خيرا وأَعْظَم» على المفعول الثاني لـ «ـتَجِدُوهُ» و «هو»: فصل عند البصريين، وعماد في قول الكوفيين، لا محل له من الإعراب. و «أَجْرَاً» تمييز. {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} أي سلوه المغفرة لذنوبكم {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} لما كان قبْلَ التوبة {رَّحِيمٌ} لكم بعدها؛ قاله سعيد بن جبير. ختمت السورة والحمد لله.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ