انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الرحمن

تفسير القرطبيالآيات 41–78

تفسير سورة الرحمن آية آية، من تفسير القرطبي.

يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَٰهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَٰصِى وَٱلْأَقْدَامِ ۝٤١ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٤٢ هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٤٣ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ ۝٤٤ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٤٥

قوله تعالى: {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} قال الحسن: سواد الوجه وزرقة الأعين، قال الله تعالى:

{ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً } [طه:102] وقال تعالى: { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ }. [آل عمران:106] {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ} أي تأخذ الملائكة بنواصيهم؛ أي بشعور مقدم رؤوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار. والنواصي جمع ناصية. وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره. وعنه: يؤخذ برجلي الرجل فيجمع بينهما وبين ناصيته حتى يندق ظهره ثم يلقى في النار. وقيل: يفعل ذلك به ليكون أشدّ لعذابه وأكثر لتشويهه. وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النار؛ تارةً تأخذ بناصيته وتجره على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على رأسه.

قوله تعالى: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} أي يقال لهم هذه النار التي أخبرتم بها فكذبتم. {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} قال قتادة: يطوفون مرةً بين الحميم ومرةً بين الجحيم، والجحيم النار، والحميم الشراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه، أحدها أنه الذي ٱنتهى حَرُّه وحميمه. قاله ٱبن عباس وسعيد بن جُبير والسّدي؛ ومنه قول النابغة الذُّبْياني:

وتُخْضَبْ لْحِيَةٌ غَدَرتْ وخَانتبأحمَر من نجيعِ الجوفِ آنِ

قال قتادة: {آنٍ } طبخ منذ خلق الله السموات والأرض؛ يقول: إذا ٱستغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك. وقال كعب: «آن» واد من أودية جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فيغمسون بأغلالهم فيه حتى تنخلع أوصالهم، ثم يخرجون منها وقد أحدث الله لهم خلقاً جديداً فيلقون في النار، فذلك قوله تعالى: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}. وعن كعب أيضاً: أنه الحاضر. وقال مجاهد: إنه الذي قد آن شربه وبلغ غايته. والنعمة فيما وصف من هول القيامة وعقاب المجرمين ما في ذلك من الزجر عن المعاصي والترغيب في الطاعات. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنه أتى على شاب في الليل يقرأ {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} فوقف الشاب وخنقته العَبْرة وجعل يقول: وَيْحِي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«وَيْحَك يا فتى مثلها فوالذي نفسي بيده لقد بكت ملائكة السماء من بكائك»

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ ۝٤٦ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٤٧

قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} فيه مسألتان:

الأولى: لما ذكر أحوال أهل النار ذكر ما أعدّ للأبرار. والمعنى خاف مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية. فـ «ـمَقَامَ» مصدر بمعنى القيام. وقيل: خاف قيام ربه عليه أي إشرافه وٱطلاعه عليه؛ بيانه قوله تعالى:

{ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ }.[الرعد:33] وقال مجاهد وإبراهيم النخعي: هو الرجل يَهُمّ بالمعصية فيذكر الله فيدعها من خوفه.

الثانية: هذه الآية دليل على أن من قال لزوجه: إن لم أكن من أهل الجنة فأنت طالق أنه لا يحنث إن كان هَمَّ بالمعصية وتركها خوفاً من الله وحياءً منه. وقال به سفيان الثوريّ وأفتى به. وقال محمد بن عليّ الترمذيّ: جنةٌ لخوفه من ربه، وجنةٌ لتركه شهوته. وقال ٱبن عباس: من خاف مقام ربه بعد أداء الفرائض. وقيل: المقام الموضع؛ أي خاف مقامه بين يدي ربه للحساب كما تقدّم. ويجوز أن يكون المقام للعبد ثم يضاف إلى الله، وهو كالأجل في قوله:

{ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ }[الأعراف:34] وقوله في موضع آخر: { إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ }[نوح:4]. {جَنَّتَانِ} أي لمن خاف جنتان على حدة؛ فلكل خائف جنتان. وقيل: جنتان لجميع الخائفين؛ والأوّل أظهر. وروي عن ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:الجنتان بستانان في عرض الجنة كل بستان مسيرة مائة عام في وسط كل بستان دار من نور وليس منها شيء إلا يهتز نغمة وخضرة، قرارها ثابت وشجرها ثابتذكره المهدوي والثعلبي أيضاً من حديث أبي هريرة. وقيل: إن الجنتين جنته التي خلقت له وجنة ورثها. وقيل: إحدى الجنتين منزله والأخرى منزل أزواجه كما يفعله رؤساء الدنيا. وقيل: إن إحدى الجنتين مسكنه والأخرى بستانه. وقيل: إن إحدى الجنتين أسافل القصور والأخرى أعاليها. وقال مقاتل: هما جنة عدن وجنة النعيم. وقال الفراء: إنما هي جنة واحدة؛ فثنى لرؤوس الآي. وأنكر القتبي هذا وقال: لا يجوز أن يقال خزنة النار عشرون وإنما قال تسعة عشر لمراعاة رؤوس الآي. وأيضاً قال: {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ}. وقال أبو جعفر النحاس: قال الفراء قد تكون جنة فَتُثَنَّى في الشعر؛ وهذا القول من أعظم الغلط على كتاب الله عز وجل، يقول الله عز وجل: «جَنَّتَانِ» ويصفهما بقوله: «فِيهِمَا» فيدع الظاهر ويقول: يجوز أن تكون جنة ويحتج بالشعر! وقيل: إنما كانتا ٱثنتين ليضاعف له السرور بالتنقل من جهة إلى جهة. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه خَاصةً حين ذكر ذات يوم الجنة حين أُزْلِفَت والنار حين بُرِّزَت؛ قاله عطاء وٱبن شَوْذَب. وقال الضحاك: بل شرب ذات يوم لبناً على ظمإ فأعجبه، فسأل عنه فأخبر أنه من غير حِلّ فاستقاءه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه؛ فقال:رحمك الله لقد أنزلت فيك آيةوتلا عليه هذه الآية.

ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ ۝٤٨ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٤٩ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ۝٥٠ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٥١

قوله تعالى: {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} قال ٱبن عباس وغيره: أي ذواتا ألوان من الفاكهة الواحد فنّ. وقال مجاهد: الأفنان الأغصان واحدها فنن؛ قال النابغة:

بكاء حمامةٍ تَدْعو هَدِيلاًمُفَجَّعَةٍ على فَنَنٍ تُغنِّي

وقال آخر يصف طائرين:

باتا على غُصْنِ بَانٍ في ذُرَى فَنَنٍيُرَددانِ لُحوناً ذاتَ أَلْوَانِ

أراد باللحون اللغات. وقال آخر:

ما هاجَ شَوْقَك مِن هَدِيلِ حمامةٍتَدْعو على فَنَنِ الغُصونِ حَمامَا تدعو أبا فَرْخَيْن صادف ضارِياًذا مِخْلَبَيْنِ مِن الصُّقورِ قَطَامَا

والفنن جمعه أفنان ثم الأفانين؛ وقال يصف رَحىً:

لها زِمـامٌ مِـن أفانِيـنِ الشَّجَـرْ

وشجرة فَنَّاء أي ذات أفنان وفنواء أيضاً على غير قياس. وفي الحديث:أن أهل الجنة مُرْدٌ مكحَّلون أولو أفانينيريد أولو فَنَن وهو جمع أفنان، وأفنان جمع فننٍ وهو الخُصْلة من الشعر شبّه بالغصن. ذكره الهروي. وقيل: {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} أي ذواتاً سعة وفضل على ما سواهما؛ قاله قتادة. وعن مجاهد أيضاً وعكرمة: إن الأفنان ظل الأغصان على الحيطان.

قوله تعالى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} أي في كل واحدة منهما عين جارية. قال ٱبن عباس: تجريان ماءً بالزيادة والكرامة من الله تعالى على أهل الجنة. وعن ٱبن عباس أيضاً والحسن: تجريان بالماء الزّلال؛ إحدى العينين التسنيم والأخرى السلسبيل. وعنه أيضاً: عينان مثل الدنيا أضعافاً مضاعفةً، حصباؤها الياقوت الأحمر والزَّبَرْجَد الأخضر، وترابهما الكافور، وحمأتهما المسك الأذفر، وحافتاهما الزعفران. وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين. وقيل: تجريان من جبل من مسك. وقال أبو بكر الوّراق: فيهما عينان تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة الله عز وجل.

فِيهِمَا مِن كُلِّ فَٰكِهَةٍ زَوْجَانِ ۝٥٢ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٥٣ مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشٍۭ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ۝٥٤ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٥٥

قوله تعالى: {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} أي صنفان وكلاهما حلوٌ يستلذ به. قال ٱبن عباس: ما في الدنيا شجرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو. وقيل: ضربان رطب ويابس لا يقصر هذا عن ذلك في الفضل والطِّيب. وقيل: أراد تفضيل هاتين الجنتين على الجنتين اللتين دونهما، فإنه ذكرها هنا عينين جاريتين، وذكر ثَمَّ عينين تَنْضخان بالماء والنّضخ دون الجري؛ فكأنه قال: في تَيْنك الجنتين من كل فاكهة نوع، وفي هذه الجنة من كل فاكهة نوعان.

قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ} هو نصب على الحال. والفُرُش جمع فراش. وقرأ أبو حَيْوة «فُرْشٍ» بإسكان الراء. {بَطَآئِنُهَا} جمع بطانة وهي التي تحت الظهارة. والإستبرق ما غلظ من الديباج وخشن؛ أي إذا كانت البطانة التي تلي الأرض هكذا فما ظنك بالظهارة؛ قاله ٱبن مسعود وأبو هريرة. وقيل لسعيد بن جُبير: البطائن من إستبرق فما الظواهر؟ قال: هذا مما قال الله:

{ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }.[السجدة:17] وقال ٱبن عباس: إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه قلوبكم، فأما الظواهر فلا يعلمها إلا الله. وفي الخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:ظواهرها نور يتلألأ. وعن الحسن: بطائنها من إستبرق، وظواهرها من نور جامد. وعن الحسن أيضاً: البطائن هي الظواهر؛ وهو قول الفراء، وروي عن قتادة. والعرب تقول للظهر بطناً، فيقولون: هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء؛ لظاهرها الذي نراه. وأنكر ٱبن قتيبة وغيره هذا، وقالوا: لا يكون هذا إلا في الوجهين المتساويين إذا وَلى كلُّ واحد منهما قوماً، كالحائط بينك وبين قوم؛ وعلى ذلك أمر السماء. {وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} الجَنَى ما يُجتنَى من الشجر؛ يقال: أتانا بجَنَاةٍ طيبة لكل ما يجتنى. وثمر جنِيّ على فَعِيل حين جُنِي؛ وقال:

هذا جَنَايَ وخِيَاره فِيهْإِذْ كلُّ جانٍ يَدُهُ إِلى فِيهْ

وقرىء «جِنَى» بكسر الجيم. «دانٍ» قريب. قال ٱبن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها وليُّ اللَّهِ إن شاء قائماً وإن شاء قاعداً وإن شاء مضطجعاً؛ لا يرد يدَه بُعدٌ ولا شوك.

فِيهِنَّ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ ۝٥٦ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٥٧

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} قيل: في الجنتين المذكورتين. قال الزجاج: وإنما قال: {فِيهِنَّ} ولم يقل فيهما؛ لأنه عنى الجنتين وما أعدّ لصاحبهما من النعيم. وقيل: «فِيهِنَّ» يعود على الفُرُش التي بطائنها من إستبرق؛ أي في هذه الفرش {قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} أي نساء قاصرات الطرف، قصرن أعينهن على أزواجهن فلا يرين غيرهم. وقد مضى في «والصافات» ووحّد الطرف مع الإضافة إلى الجمع لأنه في معنى المصدر؛ من طَرَفت عينه تطرِف طَرْفاً، ثم سميت العين بذلك فأدّى عن الواحد والجمع؛ كقولهم: قوم عَدْل وصَوْم.

الثانية: قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} أي لم يصبهنّ بالجماع قبل أزواجهن هؤلاء أحد. الفراء: والطمث الافتضاض وهو النكاح بالتَّدْمِيَة؛ طَمَثَها يطمِثُها ويَطمُثها طَمْثاً إذا ٱفتضّها. ومنه قيل: ٱمرأة طامِث أي حائض. وغير الفراء يخالفه في هذا ويقول: طمثها بمعنى وطئها على أي الوجوه كان. إلا أن قول الفراء أعرف وأشهر. وقرأ الكسائي «لَمْ يَطْمُثْهُنَّ» بضم الميم؛ يقال: طَمَثت المرأة تطمُث بالضم حاضت. وطَمِثت بالكسر لغة فهي طامث؛ وقال الفرزدق:

وقَعْنَ إليَّ لم يُطْمَثْن قَبْلِيوهنّ أَصَحُّ مِنْ بَيْضِ النَّعَامِ

وقيل: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} لم يمسسهن؛ قال أبو عمرو: والطمث المسّ وذلك في كل شيء يمسّ. ويقال للمَرْتع: ما طمَث ذلك المرتعَ قبلنا أحدٌ، وما طمَث هذه الناقَة حَبْل: أي ما مسَّها عِقال. وقال المبرِّد: أي لم يذلِّلهن إنس قبلهم ولا جان؛ والطمث التذليل. وقرأ الحسن «جَأن» بالهمز.

الثالثة: في هذه الآية دليل على أن الجن تغشى كالإنس، وتدخل الجنة ويكون لهم فيها جنِّيات. قال ضمرة: للمؤمنين منهم أزواج من الحور العين؛ فالإنسيات للإنس، والجنيات للجن. وقيل: أي لم يطمث ما وهب الله للمؤمنين من الجن في الجنة من الحور العين من الجنيات جنّ، ولم يطمث ما وهب الله للمؤمنين من الإنس في الجنة من الحور العين من الإنسيات إنس؛ وذلك لأن الجن لا تطأ بنات آدم في الدنيا. ذكره القشيري.

قلت: قد مضى في «النمل» القول في هذا وفي «سبحان» أيضاً، وأنه جائز أن تطأ بنات آدم. وقد قال مجاهد: إذا جامع الرجل ولم يسم ٱنطوى الجان على إحليله فجامع معه فذلك قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} وذلك بأن الله تبارك وتعالى وصف الحور العين بأنه لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان. يعلمك أن نساء الآدميات قد يطمثهن الجان، وأن الحور العين قد برئن من هذا العيب ونزّهن، والطمث الجماع. ذكره بكماله الترمذي الحكيم، وذكره المهدوي أيضاً والثعلبي وغيرهما والله أعلم.

كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ ۝٥٨ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٥٩ هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَٰنُ ۝٦٠ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٦١

قوله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ} روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقيها من وراء سبعين حُلّة حتى يرى مخهاوذلك بأن الله تعالى يقول: {كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ} فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سِلكاً ثم ٱستصفيته لأرِيته من ورائه ويروى موقوفاً. وقال عمرو بن ميمون: إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حُلّة فيرى مخ ساقها من وراء ذلك، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء. وقال الحسن: هنّ في صفاء الياقوت، وبياض المرجان.

قوله تعالى: {هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} «هَلْ» في الكلام على أربعة أوجه: تكون بمعنى قد كقوله تعالى:

{ هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ }[الإنسان:1]، وبمعنى الاستفهام كقوله تعالى: { فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً }[الأعراف:44]، وبمعنى الأمر كقوله تعالى: { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ }[المائدة:91]، وبمعنى ما في الجحد كقوله تعالى: { فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ }[النحل:35]، و {هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ}. قال عكرمة: أي هل جزاء من قال لا إلٰه إلا الله إلا الجنة. ٱبن عباس: ما جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة. وقيل: هل جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة؛ قاله ٱبن زيد. وروى أنس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ {هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} ثم قال:«هل تدرون ماذا قال ربكم» قالوا الله ورسوله أعلم؛ قال: «يقول ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» . وروى ٱبن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال:يقول الله هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا أن أسكنه جنتي وحظِيرة قُدْسي برحمتيوقال الصادق: هل جزاء من أحسنت عليه في الأزل إلا حفظ الإحسان عليه في الأبد. وقال محمد بن الحنفية والحسن: هي مُسْجَلة للبَرّ والفاجر؛ أي مرسلة على الفاجر في الدنيا والبر في الآخرة.

وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ۝٦٢ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٦٣ مُدْهَآمَّتَانِ ۝٦٤ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٦٥

قوله تعالى: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} أي وله من دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان. قال ٱبن عباس: ومن دونهما في الدَّرَج. ٱبن زيد: ومن دونهما في الفضل. ٱبن عباس: والجنات لمن خاف مقام ربه؛ فيكون في الأوليين النخل والشجر، وفي الأخريين الزرع والنبات وما ٱنبسط. الماورديّ: ويحتمل أن يكون {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} لأتباعه لقصور منزلتهم عن منزلته، إحداهما للحور العين، والأخرى للولدان المخلّدين؛ ليتميّز بهما الذكور عن الإناث. وقال ٱبن جريج: هي أربع: جنتان منها للسابقين المقرَّبين {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} و {عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ}، وجنتان لأصحاب اليمين {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} و {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ}. وقال ٱبن زيد: إن الأُوليين من ذهب للمقرّبين، والأُخريين من ورِقٍ لأصحاب اليمين.

قلت: إلى هذا ذهب الحَلِيميّ أبو عبد الله الحسن بن الحسين في كتاب (منهاج الدين له)؛ وٱحتج بما رواه سعيد بن جُبير عن ٱبن عباس {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} إلى قوله: {مُدْهَآمَّتَانِ } قال: تانك للمقرَّبين، وهاتان لأصحاب اليمين. وعن أبي موسى الأشعري نحوه. ولما وصف الله الجنتين أشار إلى الفرق بينهما فقال في الأُوليين: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ}، وفي الأُخريين: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} أي فوّارتان ولكنهما ليستا كالجاريتين لأن النضخ ذون الجري. وقال في الأوليين: {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} فعمّ ولم يخصّ. وفي الأخريين: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} ولم يقل من كل فاكهة، وقال في الأوليين: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} وهو الديباج، وفي الأخريين {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} والعبقرِيّ الوَشْي، ولا شك أن الديباج أعلى من الوشي، والرفرف كِسَر الخِباء، ولا شك أن الفرش المعدّة للاتكاء عليها أفضل من فضل الخِباء. وقال في الأوليين في صفة الحور: {كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ}، وفي الأخريين {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان. وقال في الأوليين: {ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ} وفي الأخريين {مُدْهَآمَّتَانِ } أي خضراوان كأنهما من شدّة خضرتهما سوداوان، ووصف الأوليين بكثرة الأغصان، والأخريين بالخضرة وحدها، وفي هذا كله تحقيق للمعنى الذي قصدنا بقوله: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} ولعل ما لم يذكر من تفاوت ما بينهما أكثر مما ذكر. فإن قيل: كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين كما ذكر أهل الجنتين الأوليين؟ قيل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه إلا أن الخائفين لهم مراتب، فالجنتان الأوليان لأعلى العباد رتبة في الخوف من الله تعالى، والجنتان الأخريان لمن قصرت حاله في الخوف من الله تعالى. ومذهب الضحاك أن الجنتين الأوليين من ذهب وفضّة، والأخريين من ياقوت وزمرد وهما أفضل من الأوليين، وقوله: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} أي ومن أمامهما ومن قِبلهما وإلى هذا القول ذهب أبو عبد الله الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) فقال: ومعنى «وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ» أي دون هذا إلى العرش؛ أي أقرب وأدنى إلى العرش، وأخذ يفضلهما على الأوليين بما سنذكره عنه. وقال مقاتل: الجنتان الأوليان جنة عدن وجنة النعيم، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى.

قوله تعالى: {مُدْهَآمَّتَانِ } أي خضراوان من الريّ؛ قاله ٱبن عباس وغيره. وقال مجاهد: مسودتان. والدُّهْمة في اللغة السواد؛ يقال: فرس أدهم وبعير أدهم وناقة دهماء أي ٱشتدت زرقته حتى ذهب البياض الذي فيه؛ فإن زاد على ذلك حتى ٱشتد السواد فهو جَوْن. وادْهَمَّ الفرس ٱدهمَاماً أي صار أدهم. وٱدهامَّ الشيءُ ٱدهِيماماً أي ٱسوادّ؛ قال الله تعالى: {مُدْهَآمَّتَانِ } أي سوداوان من شدة الخضرة من الرِّيّ؛ والعرب تقول لكل أخضر أسود. وقال لَبيد يرثي قتلى هَوازِن:

وجاؤوا به في هَوْدَجٍ وَوَراءهُكَتَائِبُ خُضْرٌ في نَسِيجِ السَّنَوَّرِ

السَّنَوَّر لَبُوسٌ من قِدٍّ كالدِّرْع. وسميت قُرَى العراق سواداً لكثرة خضرتها. ويقال لليل المظلم: أخضر. ويقال: أباد الله خضراءهم أي سوادهم.

فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ۝٦٦ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٦٧ فِيهِمَا فَٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ۝٦٨ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٦٩

قوله تعالى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} أي فوارتان بالماء؛ عن ٱبن عباس. والنضخ بالخاء أكثر من النضح بالحاء. وعنه أن المعنى نضَّاختان بالخير والبركة؛ وقاله الحسن ومجاهد. ٱبن مسعود وٱبن عباس أيضاً وأنس: تَنضَخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة كما ينضَخ رش المطر. وقال سعيد بن جُبير: بأنواع الفواكه والماء. الترمذي: قالوا بأنواع الفواكه والنِّعم والجَوارِي المزيّنات والدواب المسرَجات والثياب الملوّنات. قال الترمذيّ: وهذا يدل على أن النضخ أكثر من الجري. وقيل: تنبعان ثم تجريان.

قوله تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} فيه مسألتان.

الأولى: قال بعض العلماء: ليس الرمان والنخل من الفاكهة؛ لأن الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره. وهذا ظاهر الكلام. وقال الجمهور: هما من الفاكهة وإنما أعاد ذكر النخل والرمان لفضلهما وحسن موقعهما على الفاكهة؛ كقوله تعالى:

{ حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ }[البقرة:238] وقوله: { مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ }[البقرة:98] وقد تقدّم. وقيل: إنما كررهما لأن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البُرّ عندنا؛ لأن النخل عامّةً قوتهم، والرمان كالثمرات، فكان يكثر غرسهما عندهم لحاجتهم إليهما، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها؛ فإنما ذكر الفاكهة ثم ذكر النخل والرمان لعمومهما وكثرتهما عندهم من المدينة إلى مكة إلى ما والاها من أرض اليمن؛ فأخرجهما في الذكر من الفواكه وأفرد الفواكه على حدتها. وقيل: أُفِردا بالذكر لأن النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكُّه؛ ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله، وهي المسألة:

الثانية: إذا حلف أن لا يأكل فاكهة فأكل رمّاناً أو رُطَباً لم يحنث. وخالفه صاحباه والناس. قال ٱبن عباس: الرمانة في الجنة مثل البعير المُقَتَّب. وذكر ٱبن المبارك قال: أخبرنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ٱبن عباس قال: نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر، وكرانيفها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مُقطَّعاتهم وحُللَهم، وثمرها أمثال القِلال والدلاء؛ أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزُّبْد؛ ليس فيه عَجمَ. قال: وحدّثنا المسعوديّ عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة، قال: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وإنّ ماءها ليجري في غير أخدود، والعنقود ٱثنا عشر ذراعاً.

فِيهِنَّ خَيْرَٰتٌ حِسَانٌ ۝٧٠ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٧١

قوله تعالى: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} يعني النساء الواحدة خَيْرة على معنى ذوات خير. وقيل: «خَيِّرات» بمعنى خيرات فخفِّف؛ كهيِّن وليّن. ٱبن المبارك: حدثنا الأوزاعيّ عن حسان بن عطية عن سعيد بن عامر قال: لو أن خَيْرة من {خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} ٱطلعت من السماء لأضاءت لها، ولقهر ضوء وجهها الشمس والقمر، ولَنِصيفٌ تُكساه خيرة خير من الدنيا وما فيها. «حِسان» أي حسَان الخلق، وإذا قال الله تعالى: «حِسَانٌ» فمن ذا الذي يقدر أن يصف حسنهنٰ وقال الزهريّ وقتادة: «خَيْرَاتُ» الأخلاق «حِسان» الوجوه. وروي ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من حديث أمّ سلمة. وقال أبو صالح: لأنهنّ عَذَارى أبكار.

وقرأ قتادة وٱبن السَّمَيْقَع وأبو رجاء العُطارديّ وبكر بن حبيب السهميّ «خَيِّرَاتٌ» بالتشديد على الأصل. وقد قيل: إنّ خَيْرات جمع خَيْر والمعنى ذوات خَير. وقيل: مختارات. قال الترمذيّ: فالخيرات ما ٱختارهنّ الله فأبدع خلقهن بٱختياره، فاختيار الله لا يشبه ٱختيار الآدميين. ثم قال: «حِسانٌ» فوصفهن بالحسن فإذا وصف خالق الحسن شيئاً بالحسن فانظر ما هناك. وفي الأوليين ذكر بأنهن {قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} و {كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ} فانظركم بين الخيرة وهي مختارة الله، وبين قاصرات الطرف. وفي الحديث:

إن الحور العين يأخذ بعضهنّ بأيدي بعض ويتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بأحسن منها ولا بمثلها نحن الراضيات فلا نسخط أبداً ونحن المقيمات فلا نَظعن أبداً ونحن الخالدات فلا نموت أبداً ونحن الناعمات فلا نَيْؤُس أبداً ونحن خَيْرَات حسان حبيبات لأزواج كرامٍ. خرجه الترمذي بمعناه من حديث عليّ رضي الله عنه. وقالت عائشة رضي الله عنها: إن الحور العين إذا قلن هذه المقالة أجابهنّ المؤمنات من نساء أهل الدنيا: نحن المصلِّيات وما صَلَّيتنّ؛ ونحن الصائمات وما صُمتن، ونحن المتوضئات وما توضأتنّ، ونحن المتصدِّقات وما تصدّقتنّ. فقالت عائشة رضي الله عنها: فغلبنهنّ واللَّهِ.

الثانية: وٱختلف أيهما أكثر حسناً وأبهر جمالاً الحور أو الآدميات؟ فقيل: الحور لما ذكر من وصفهنّ في القرآن والسنّة؛

ولقوله عليه الصلاة والسلام في دعائه على الميت في الجنازة:«وأبدلْه زوجاً خيراً من زوجه». وقيل: الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف؛ وروي مرفوعاً. وذكر ٱبن المبارك: وأخبرنا رشْدين عن ٱبن أَنْعُم عن حبان بن أبي جبلة، قال: إن نساء الدنيا من دخل منهنّ الجنة فُضِّلن على الحور العين بما عملن في الدنيا. وقد قيل: إن الحور العين المذكورات في القرآن هن المؤمنات من أزواج النبيين والمؤمنين يُخْلَقن في الآخرة على أحسن صورة؛ قاله الحسن البصري. والمشهور أن الحور العين لَسْنَ من نساء أهل الدنيا وإنما هنّ مخلوقات في الجنة؛ لأن الله تعالى قال: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} وأكثر نساء أهل الدنيا مطموثات، ولأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:إنّ أقَلَّ ساكِني الجنةِ النّساءفلا يصيب كل واحد منهم ٱمرأة، ووعد الحور العين لجماعتهم، فثبت أنهن من غير نساء الدنيا.

حُورٌ مَّقْصُورَٰتٌ فِى ٱلْخِيَامِ ۝٧٢ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٧٣ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ ۝٧٤ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٧٥

قوله تعالى: {حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ} «حُورٌ» جمع حوراء، وهي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها وقد تقدم. «مَقْصُورَاتٌ» محبوسات مستورات «فيِ الْخِيَامِ» في الحجال لسن بالطوّافات في الطرق؛ قاله ٱبن عباس. وقال عمر رضي الله عنه: الخيمة دُرة مجوّفة. وقاله ٱبن عباس. وقال: هي فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب. وقال الترمذيّ الحكيم أبو عبد الله في قوله تعالى: {حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ}: بلغنا في الرواية أن سحابة أمطرت من العرش فخلقت الحور من قَطَرات الرحمة، ثم ضرب على كل واحدة منهنّ خيمة على شاطىء الأنهار سعتها أربعون ميلا وليس لها باب، حتى إذا دخل وليّ الله الجنة ٱنصدعت الخيمة عن باب ليعلم وليّ الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها، فهي مقصورة قد قصر بها عن أبصار المخلوقين. والله أعلم. وقال في الأوليين: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} قصرن طرفهنّ على الأزواج ولم يذكر أنهنّ مقصورات، فدل على أن المقصورات أعلى وأفضل. وقال مجاهد: «مَقْصُورَاتٌ» قد قُصِرن على أزواجهنّ فلا يُرِدن بدلاً منهم. وفي الصحاح: وقصرت الشيء أقصره قصراً حبسته؛ ومنه مقصورة الجامع، وقصرت الشيء على كذا إذا لم تجاوز به إلى غيره، وٱمرأة قَصِيرة وقَصُورة أي مقصورة في البيت لا تترك أن تخرج؛ قال كُثَيِّر:

وأنتِ التي حَبَّبْتِ كلَّ قَصِيرَةٍإليّ وما تَدْرِي بذاكَ الْقَصَائرُ عَنَيْتُ قَصِيرَاتِ الحجالِ ولم أُرِدْقِصارَ الخُطَا شَرُّ النّساءِ البَحاتِرُ

وأنشده الفراء قَصُورة؛ ذكرة ٱبن السِّكّيت. وروى أنس قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «مررت ليلة أُسري بي في الجنة بنهر حافتاه قِبَاب المرجان فنوديت منه السلام عليك يا رسول الله فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء جوارٍ من الحور العِين ٱستأذنّ ربهنّ في أن يُسلِّمن عليك فأذن لهنّ فقلن نحن الخالدات فلا نموت أبداً ونحن الناعمات فلا نَبْؤُس أبداً ونحن الراضيات فلا نسخَط أبداً أزواج رجال كرام» ثم قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم {حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ} أي محبوسات حبس صيانةٍ وتكرمة. وروي عن أسماء بنت يزيد الأشهلية أنها أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعدُ بيوتكم وحواملُ أولادكم، فهل نشارككم في الأجر؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«نعم إذا أحسنتن تَبعُّلَ أزواجكنّ وطلبتن مرضاتهم»

قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} أي لم يمسسهن على ما تقدم قبل. وقراءة العامة {يَطْمِثْهُنَّ} بكسر الميم. وقرأ أبو حيوة الشامي وطلحة بن مُصرِّف والأعرج والشيرازي عن الكسائي بضم الميم في الحرفين. وكان الكسائي يكسر إحداهما ويضم الأخرى ويُخَيِّر في ذلك، فإذا رفع الأولى كسر الثانية وإذا كسر الأولى رفع الثانية. وهي قراءة أبي إسحاق السّبيعي. قال أبو إسحق: كنت أصلّي خلف أصحاب عليّ فيرفعون الميم، وكنت أَصَلِّي خلف أصحاب عبد الله فيكسرونها، فٱستعمل الكسائي الأثرين. وهما لغتان طَمُث وطَمِث مثل يَعرُشُون ويَعْكِفُون؛ فمن ضم فللجمع بين اللغتين، ومن كسر فلأنها اللغة السائرة. وإنما أعاد قوله: «لَمْ يَطْمِثْهُنَّ»؛ ليبين أن صفة الحور المقصورات في الخيام كصفة الحور القاصرات الطرف. يقول: إذا قصرن كانت لهنّ الخيام في تلك الحال.

مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِىٍّ حِسَانٍ ۝٧٦ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٧٧ تَبَٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِى ٱلْجَلَٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ ۝٧٨

قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ} الرفرف المحابس. وقال ٱبن عباس: الرفرف فضول الفرش والبسط. وعنه أيضاً: الرفرف المحابس يتكئون على فضولها؛ وقاله قتادة. وقال الحسن والقرظي: هي البسط. وقال ٱبن عيينة: هي الزرابي. وقال ٱبن كيسان: هي المرافق؛ وقاله الحسن أيضاً. وقال أبو عبيدة: هي حاشية الثوب. وقال الليث: ضرب من الثياب الخضر تبسط. وقيل: الفُرُش المرتفعة. وقيل: كل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف. قال ٱبن مقبل:

وإنّا لنَزَّالونَ تَغْشَى نِعَالُنَاسَوَاقِطَ من أصناف رَيْطٍ ورفرفِ

وهذه أقوال متقاربة. وفي الصحاح: والرفرف ثياب خضر تتخذ منها المحابس، الواحدة رَفْرَفة. وقال سعيد بن جبير وٱبن عباس أيضاً: الرفرف رياض الجنة؛ وٱشتقاق الرفرف من رَفَّ يَرف إذا ٱرتفع؛ ومنه رَفْرَفة الطائر لتحريكه جناحيه في الهواء. وربما سموا الظَّلِيم رَفْرافاً بذلك؛ لأنه يرفرف بجناحيه ثم يعدو. ورفرف الطائر أيضاً إذا حرك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه. والرفرف أيضاً كِسَر الخباء وجوانب الدِّرْع وما تدلى منها؛ الواحدة رَفْرَفة. وفي الخبر في وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم: فرفَع الرفرفَ فرأينا وجهه كأنه وَرَقةً تُخَشْخِش أي رفع طرف الفسطاط. وقيل: أصل الرفرف من رَفَّ النبتُ يَرِفّ إذا صار غضًّا نضيراً؛ حكاه الثعلبي. وقال القتبي: يقال للشيء إذا كثر ماؤه من النَّعمة والغَضَاضة حتى كاد يهتز: رَفّ يرِفّ رفيفاً؛ حكاه الهروي. وقد قيل: إن الرفرف شيء إذا ٱستوى عليه صاحبه رفرف به وأهوى به كالمِرْجاح يميناً وشمالاً ورفعاً وخفضاً يتلذذ به مع أنيسته؛ قاله الترمذيّ الحكيم في (نوادر الأصول) وقد ذكرناه في «التذكرة». قال الترمذي: فالرفرف أعظم خطراً من الفرش فذكره في الأوليين {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} وقال هنا: {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ} فالرفرف هو شيء إذا ٱستوى عليه الوليّ رفرف به؛ أي طار به هكذا وهكذا حيث ما يريد كالْمِرجاح؛ وأصله من رفرف بين يدي الله عز وجل، روي لنا في حديث المعراج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ سِدْرة المنتهى جاءه الرفرف فتناوله من جبريل وطار به إلى مَسْنَد العرش، فذكر أنه قال: «طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بي بين يدي ربّي» ثم لما حان الانصراف تناوله فطار به خفضاً ورفعاً يهوي به حتى أداه إلى جبريل صلوات الله وسلامه عليه وجبريل يبكي ويرفع صوته بالتحميد ؛ فالرفرف خادم من الخدم بين يدي الله تعالى له خواص الأمور في محل الدنو والقرب، كما أن البُرَاق دابة يركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضه، فهذا الرفرف الذي سخره الله لأهل الجنتين الدانيتين هو متكأهما وفرشهما، يرفرف بالولي على حافات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات الحسان. ثم قال: {وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} فالعبقري ثياب منقوشة تبسط، فإذا قال خالق النقوش إنها حسان فما ظنك بتلك العباقر!. وقرأ عثمان رضي الله عنه والجحدري والحسن وغيرهم «مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفَارِفَ» بالجمع غير مصروف كذلك «وَعَبَاقِرِيٍّ حِسَانٍ» جمع رَفْرَف وعَبْقريّ. و «رَفْرَف» ٱسم للجمع و «عَبْقَرِيّ» واحد يدل على الجمع المنسوب إلى عَبْقَر. وقد قيل: إن واحد رَفْرف وعَبْقريّ رَفْرَفة وعَبْقريّة، والرفارف والعَبَاقِر جمع الجمع. والعبقريّ الطَّنَافس الثخان منها؛ قاله الفراء. وقيل: الزَّرَابي؛ عن ٱبن عباس وغيره. الحسن: هي البُسُط. مجاهد: الدِّيباج. القتبيّ: كل ثوب وشي عند العرب عبقريّ. قال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي فينسب إليها كل وَشْي حُبِك. قال ذو الرُّمَّة:

حتى كأنّ رِياضَ الْقُفِّ أَلْبَسهامِن وَشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ

ويقال: عَبْقر قرية بناحية اليمن تنسج فيها بُسُط منقوشة. وقال ٱبن الأنباري: إن الأصل فيه أن عَبْقر قرية يسكنها الجنّ ينسب إليها كل فائق جليل. وقال الخليل: كل جليل نافس فاضل وفاخر من الرجال والنساء وغيرهم عند العرب عبقريّ. ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه:فلم أر عبقرياً من الناس يَفْرِي فَرِيَّهوقال أبو عمرو بن العلاء وقد سئل عن قوله صلى الله عليه وسلمفلم أر عَبْقريًّا يَفْرِي فَرِيَّهفقال: رئيس قوم وجليلهم. وقال زُهَير:

بِخَيْلٍ عليها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌجَديرون يوماً أَنْ يَنَالُوا فَيَسْتَعلُوا

وقال الجوهري: العبقريّ موضع تزعم العرب أنه من أرض الجنّ.

قال لبِيد:

كُهُولٌ وشُبَّان كجِنَّةِ عَبْقَرِ

ثم نسبوا إليه كل شيء يعجبون من حذقه وجودة صنعته وقوّته فقالوا: عَبْقريّ وهو واحد وجمع. وفي الحديث:إنه كان يسجد على عبقريّ. وهو هذه البسط التي فيها الأصباغ والنقوش حتى قالوا: ظُلْم عبقريّ وهذا عبقريُّ قومٍ للرجل القويّ. وفي الحديث:فلم أر عبقريًّا يَفْرِي فَرِيَّهثم خاطبهم الله بما تعارفوه فقال: {وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} وقرأه بعضهم «عَبَاقِريٌّ» وهو خطأ لأن المنسوب لا يجمع على نسبته. وقال قُطْرُب: ليس بمنسوب وهو مثل كُرْسيّ وكَراسِيّ وبُخْتيّ وبَخَاتيّ. وروى أبو بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ «مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفَارِفَ خُضرٍ وَعَبَاقِرَ حِسَانٍ» ذكره الثعلبي. وضمّ الضاد من «خضر» قليل.

قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} {تَبَارَكَ} تفاعل من البركة وقد تقدّم. {ذِي ٱلْجَلاَلِ} أي العظمة. وقد تقدّم {وَٱلإِكْرَامِ }. وقرأ عامر «ذُو الْجَلاَلِ» بالواو وجعله وصفاً للاسم، وذلك تقوية لكون الاسم هو المسمى. الباقون {ذِي ٱلْجَلاَلِ} جعلوا «ذِي» صفة لـ {رَبِّكَ}. وكأنه يريد به الاسم الذي ٱفتتح به السورة؛ فقال: «الرَّحْمَنُ» فافتتح بهذا الاسم، فوصف خلق الإنسان والجنّ، وخلق السموات والأرض وصنعه، وأنه «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» ووصف تدبيره فيهم، ثم وصف يوم القيامة وأهوالها، وصفة النار ثم ختمها بصفة الجنان. ثم قال في آخر السورة: {تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} أي هذا الاسم الذي ٱفتتح به هذه السورة؛ كأنه يعلمهم أن هذا كله خرج لكم من رحمتي، فمن رحمتي خلقتكم وخلقت لكم السماء والأرض والخلق والخليقة والجنة والنار؛ فهذا كله لكم من ٱسم الرحمن فمدح ٱسمه ثم قال: {ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} جليل في ذاته، كريم في أفعاله. ولم يختلف القراء في إجراء النعت على الوجه بالرفع في أوّل السورة، وهو يدل على أن المراد به وجه الله الذي يلقى المؤمنون عندما ينظرون إليه، فيستبشرون بحسن الجزاء، وجميل اللقاء، وحسن العطاء. والله أعلم.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ