انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الرحمن

تفسير الطبريالآيات 1–25

تفسير سورة الرحمن آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الرحمن

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطع واحد · 23:27

  1. 1 السورة كاملةفي هذه الصفحة 23:27

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱلرَّحْمَٰنُ ۝١ عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ ۝٢ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ ۝٣ عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ ۝٤ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ۝٥

يقول تعالى ذكره: الرحمن أيها الناس برحمته إياكم علمكم القرآن، فأنعم بذلك عليكم، إذ بصَّركم به ما فيه رضا ربكم، وعرّفكم ما فيه سخطه، لتطيعوه باتباعكم ما يرضيه عنكم، وعملكم بما أمركم به، وبتجنبكم ما يُسخطه عليكم، فتستوجبوا بذلك جزيل ثوابه، وتنجوا من أليم عقابه. وروي عن قتادة في ذلك ما:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان العقيلي، قال: ثنا أبو العوام العجلي، عن قتادة، أنه قال في تفسير {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ} قال: نعمة والله عظيمة.

وقوله: {خَلَقَ الإنْسانَ} يقول تعالى ذكره: خلق آدم وهو الإنسان في قول بعضهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: {خَلَقَ الإنْسانَ} قال: الإنسان: آدم صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: قال: ثنا مهران، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {خَلَقَ الإنْسانَ} قال: الإنسان: آدم صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: بل عنى بذلك الناس جميعاً، وإنما وحد في اللفظ لأدائه عن جنسه، كما قيل: إن الإنسان لفي خُسر والقولان كلاهما غير بعيدين من الصواب لاحتمال ظاهر الكلام إياهما.

وقوله: {عَلَّمَهُ البَيانَ} يقول تعالى ذكره: علَّم الإنسان البيان.

ثم اختلف أهل التأويل في المعنيّ بالبيان في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى به بيان الحلال والحرام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {عَلَّمَهُ البَيانَ}: علمه الله بيان الدنيا والآخرة بين حلاله وحرامه، ليحتجّ بذلك على خلقه.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سعيد، عن قتادة {عَلَّمَهُ البَيانَ} الدنيا والآخرة ليحتجّ بذلك عليه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة، في قوله: {عَلَّمَهُ البَيانَ} قال: تَبَيَّنَ له الخيرُ والشرّ، وما يأتي، وما يدع.

وقال آخرون: عنى به الكلام: أي أن الله عزّ وجلّ علم الإنسان البيان. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {عَلَّمَهُ البَيانَ} قال: البيان: الكلام.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: معنى ذلك: أن الله علَّم الإنسان ما به الحاجة إليه من أمر دينه ودُنياه من الحلال والحرام، والمعايش والمنطق، وغير ذلك مما به الحاجة إليه، لأن الله جلّ ثناؤه لم يخصص بخبره ذلك، أنه علَّمه من البيان بعضاً دون بعض، بل عمّ فقال: علَّمه البيان، فهو كما عمّ جلّ ثناؤه.

وقوله: {الشَّمْسُ والقَمَرُ بحُسْبانٍ} اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: الشمس والقمر بحسبان، ومنازل لها يجريان ولا يعدوانها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا سماك بن حرب، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: {الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ} قال: بحساب ومنازل يرسلان.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ} قال: يجريان بعدد وحساب.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك {الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ} قال: بحساب ومنازل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ}: أي بحساب وأجل.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ} قال: يجريان في حساب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ} قال: يحسب بهما الدهر والزمان لولا الليل والنهار، والشمس والقمر لم يدرك أحد كيف يحسب شيئاً لو كان الدهر ليلاً كله، كيف يحسب، أو نهاراً كله كيف يحسب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة {الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحسْبانٍ} قال: بحساب وأجل.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهما يجريان بقَدَر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا عبد الله بن داود، عن أبي الصهباء، عن الضحاك، في قوله: {الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ} قال: بقدر يجريان.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهما يدوران في مثل قطب الرحا. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا محمد بن يوسف، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو يحيى عن مجاهد وقال: ثنا محمد بن يوسف، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {بِحُسْبانٍ} قال: كحسبان الرحا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {بِحُسْبانٍ} قال: كحسبان الرحا.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: الشمس والقمر يجريان بحساب ومنازل، لأن الحسبان مصدر من قول القائل: حسبته حساباً وحسباناً، مثل قولهم: كُفرته كفراناً، وغُفْرته غُفْراناً. وقد قيل: إنه جمع حساب، كما الشهبان: جمع شهاب.

واختلف أهل العربية فيما رفع به الشمس والقمر، فقال بعضهم: رفعا بحسبان: أي بحساب، وأضمر الخبر، وقال: وأظنّ والله أعلم أنه قال: يجريان بحساب وقال بعض من أنكر هذا القول منهم: هذا غلط، بحسبان يرافع الشمس والقمر: أي هما بحساب، قال: والبيان يأتي على هذا: علَّمه البيان أن الشمس والقمر بحسبان قال: فلا يحذف الفعل ويُضمر إلاَّ شاذّاً في الكلام.

وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ۝٦ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ ۝٧ أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ ۝٨ وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ ۝٩

اختلف أهل التأويل في معنى النجم في هذا الموضع مع إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق، فقال بعضهم: عني بالنجم في هذا الموضع من النبات: ما نجم من الأرض، مما ينبسط عليها، ولم يكن على ساق مثل البقل ونحوه. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: {والنَّجْمُ} قال: ما يُبَسط على الأرض.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: {والنَّجْمُ} قال: النجم كلّ شيء ذهب مع الأرض فرشاً، قال: والعرب تسمي الثيل نجماً.

حدثني محمد بن خلف العسقلانيّ، قال: ثنا رَوّاد بن الجرّاح، عن شريك، عن السديّ {والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجَدَانِ} قال: النجم: نبات الأرض.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {والنَّجْمُ} قال: النجم: الذي ليس له ساق.

وقال آخرون: عُنِي بالنجم في هذا الموضع: نجم السماء. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {والنَّجْمُ} قال: نجم السماء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {والنَّجْمُ} يعني: نجم السماء.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ} قال: إنما يريد النجم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، نحوه.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بالنجم: ما نجم من الأرض من نبت لعطف الشجر عليه، فكان بأن يكون معناه لذلك: ما قام على ساق وما لا يقوم على ساق يسجدان لله، بمعنى: أنه تسجد له الأشياء كلها المختلفة الهيئات من خلقه أشبه وأولى بمعنى الكلام من غيره. وأما قوله: {والشَّجَرُ} فإن الشجر ما قد وصفت صفته قبل. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {والشَّجَرُ يَسْجُدانِ} قال: الشجر: كل شيء قام على ساق.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: {والشَّجَرُ} قال: الشجر: كلّ شيء قام على ساق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {والشَّجَرُ} قال: الشجر: شجر الأرض.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {والشَّجَرُ يَسْجُدانِ} قال: الشجر الذي له سُوْق.

وأما قوله {يَسْجُدانِ} فإنه عُني به سجود ظلهما، كما قال جلّ ثناؤه

{ ولِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ والأرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بالغُدُّوِّ والآصَالِ }. كما:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا تميم بن عبد المؤمن، عن زبرقان، عن أبي رزين وسعيد {والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ} قالا: ظلهما سجودهما.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوام، عن قتادة {والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} ما نَزَّل من السماء شيئا من خلقه إلاَّ عَبَّده له طوعاً وكرهاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، وهو قول قتادة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ} قال: يسجد بكرة وعشياً. وقيل {والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ} فثنى وهو خبر عن جمعين.

وقد زعم الفراء أن العرب إذا جمعت الجمعين من غير الناس مثل السدر والنخل، جعلوا فعلهما واحداً، فيقولون الشاء والنعم قد أقبل، والنخل والسدر قد ارتوى، قال: وهذا أكثر كلامهم، وتثنيته جائزة.

وقوله: {والسَّماءَ رَفَعَها} يقول تعالى ذكره: والسماء رفعها فوق الأرض.

وقوله: {وَوَضَعَ المِيزَانَ} يقول: ووضع العدل بين خلقه في الأرض. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله «وخَفَضَ المِيزَانَ» والخفض والوضع: متقاربا المعنى في كلام العرب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وَوَضَعَ المِيزَانَ} قال: العدل.

وقوله: {ألاَّ تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ} يقول تعالى ذكره: ألا تظلموا وتبخَسُوا في الوزن. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ألاَّ تَطْغَوْا في المِيزَانِ} اعدل يا ابن آدم كما تحبّ أن يعدل عليك، وأوف كما تحبّ أن يُوَفى لك، فإن بالعدل صلاح الناس.

وكان ابن عباس يقول: يا معشر المَوالِي، إنكم قد وليتم أمرين، بهما هلك من كان قبلكم، هذا المكيال والميزان.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن مغيرة، عن مسلم، عن أبي المغيرة، قال: سمعت ابن عباس يقول في سُوق المدينة: يا معشر الموالي، إنكم قد بُليتم بأمرين أهلك فيهما أمتان من الأمم: المِكْيال، والمِيزان.

قال: ثنا مروان، عن مغيرة، قال: رأى ابن عباس رجلاً يزن قد أرجح، فقال: أقم اللسان، أقم اللسان، أليس قد قال الله: {وأقِيمُوا الْوَزْنَ بالقِسْط وَلا تُخْسِرُوا المِيزَانَ}.

وقوله: {وأقِيمُوا الوَزْنَ بالقِسْطِ} يقول: وأقيموا لسان الميزان بالعدل.

وقوله: {وَلا تُخْسِرُوا المِيزَانَ} يقول تعالى ذكره: ولا نتقصوا الوزن إذا وزنتم للناس وتظلموهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة {والسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ المِيزَانَ ألاَّ تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ وأقِيمُوا الوَزْنَ بالقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا المِيزَانَ} قال قتادة قال ابن عباس: يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم، اتقى الله رجل عند مِيزانه، اتقى الله رجل عند مكياله، فإنما يعدله شيء يسير، ولا ينقصه ذلك، بل يزيده الله إن شاء الله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأقِيمُوا الوَزْنَ بالقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا المِيزَانَ} قال: نقصه، إذا نقصه فقد خَسَّره تخسيره نقصه.

وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ۝١٠ فِيهَا فَٰكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلْأَكْمَامِ ۝١١ وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ ۝١٢

يقول تعالى ذكره: {وَالأَرْضَ وَضَعَها لِلأَنَامِ} والأرض وَطَّأها وهم الأنام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {للأَنامِ} يقول: للخلق.

حدثني محمد بن سعد، ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {والأرْضَ وَضَعَها للأَنامِ} قال: كلّ شيء فيه الروح.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن الحسن، في قوله: {والأرْضَ وَضَعَها للأَنام} قال: للخلق الجنّ والإنس.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {للأَنامِ} قال: للخلائق.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {للأَنامِ} قال: للخلق.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَضَعَها للأَنامِ} قال: الأنام: الخلق.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة {والأرْضَ وَضَعَها للأَنامِ} قال: للخلق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله.

وقوله: {فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذَاتُ الأكمَامِ} يقول تعالى ذكره: في الأرض فاكهة، والهاء والألف فيها من ذكر الأرض. {والنَّخْلُ ذَاتُ الأكمامِ} والأكمام: جمع كمّ، وهو ما تكممت فيه.

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: عنى بذلك تكمم النخل في الليف. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سألت الحسن، عن قوله: {والنَّخْلُ ذَاتُ الأكمامِ} فقال: سَعَفة من ليف عُصِبَتْ بها.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة والحسن {ذَاتُ الأكمامِ} أكمامها: ليفها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {والنَّخْلُ ذَاتُ الأكمامِ}: الليف الذي يكون عليها.

وقال آخرون: يعني بالأكمام: الرُّفَات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة {وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأكمامِ} قال: أكمامها رُفاتها.

وقال آخرون: بل معنى الكلام: والنخل ذات الطلع المتكمم في كمامه. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {والنَّخْلُ ذَاتُ الأكمامِ} وقيل له: هو الطلع، قال: نعم، وهو في كم منه حتى ينفتق عنه قال: والحبّ أيضاً في أكمام. وقرأ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أكمامِها.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وصف النخل بأنها ذات أكمام، وهي متكممة في ليفها، وطلعها متكمم في جُفِّهِ، ولم يخصص الله الخبر عنها بتكممها في ليفها ولا تكمم طلعها في جفه، بل عمّ الخبر عنها بأنها ذات أكمام.

والصواب أن يقال: عني بذلك ذات ليف، وهي به مُتَكَممة وذات طَلْع هو في جُفِّه متكَمِّم فيُعَمَّم، كما عَمَّ جلّ ثناؤه.

وقوله: {والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيحانِ} يقول تعالى ذكره: وفيها الحبّ، وهو حبّ البُرّ والشعير ذو الورق، والتبن: هو العَصْف، وإياه عنى علقمة بن عَبَدَة:

تَسْقِي مَذَانِبَ قَدْ مالَتْ عَصِيفَتُهاحَدُورَها مِنْ أتِيّ المَاء مَطْمومُ

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ} يقول: التبن.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ} قال: العصف: ورق الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه فهو يسمى العصف إذا يبس.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد {والحَبُّ ذُو العَصْفِ} البقل من الزرع.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والحَبُّ ذُو العَصْفِ} وعصفه تبنه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: العصف: التبن.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الضحاك {والحَبُّ ذِو العَصْفِ} قال: الحبّ البرّ والشعير، والعصف: التِّبن.

حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا عبد الله بن المبارك الخُراسانيّ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك قوله: {والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ} قال: الحبّ أوّل ما ينبت.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا روقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ} قال: العصف: الورق من كل شيء. قال: يقال للزرع إذا قُطع: عصافة، وكلّ ورق فهو عصافة.

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثني يونس بن محمد، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا أبو روق عطية بن الحارث، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {والحَبُّ ذُو العَصْفِ} قال: العصف: التبن.

حدثنا سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كُدَينة، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس {ذُو العَصْفِ} قال: العصف: الزرع.

وقال بعضهم: العصف: هو الحبّ من البرّ والشعير بعينه. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ} أما العصف: فهو البرّ والشعير.

وأما قوله: {والرَّيْحانُ} فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: هو الرزق. ذكر من قال ذلك:

حدثني زيد بن أخزم الطائي، قال: ثنا عامر بن مدرك، قال: ثنا عتبة بن يقظان، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: كلّ ريحان في القرآن فهو رزق.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {والرَّيْحانُ} قال: الرزق.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الضحاك {والرَّيْحانُ}: الرزق، ومنهم من يقول: ريحاننا.

حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس {والرَّيْحانُ} قال: الريح.

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثني يونس بن محمد، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا أبو روق عطية بن الحارث، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَالرَّيْحانُ} قال: الرزق والطعام.

وقال آخرون: هو الريحان الذي يشمّ. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: {الرَّيْحانُ} ما تنبت الأرض من الريحان.

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {والرَّيْحانُ} أما الريحان: فما أنبتت الأرض من ريحان.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن {والرَّيْحانُ} قال: ريحانكم هذا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {والرَّيْحانُ}: الرياحين التي توجد ريحها.

وقال آخرون: هو خُضرة الزرع. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {والرَّيْحانُ} يقول: خُضرة الزرع.

وقال آخرون: هو ما قام على ساق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: {الرَّيْحانُ} ما قام على ساق.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي به الرزق، وهو الحبّ الذي يؤكل منه.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه أخبر عن الحبّ أنه ذو العصف، وذلك ما وصفنا من الورق الحادث منه، والتبن إذا يبس، فالذي هو أولى بالريحان، أن يكون حبه الحادث منه، إذ كان من جنس الشيء الذي منه العصف، ومسموع من العرب تقول: خرجنا نطلب رَيْحان الله ورزقه، ويقال: سبحانَك وريحانَك: أي ورزقك، ومنه قول النْمر بن تَوْلب:

سَلامُ الإلهِ وَرَيْحانُهُوجَنَّتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ

وذُكر عن بعضهم أنه كان يقول: العصف: المأكول من الحبّ والريحان: الصحيح الذي لم يؤكل.

واختلفت القراء في قراءة قوله: {والرَّيْحانُ} فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض المكيين وبعض الكوفيين بالرفع عطفاً به على الحبّ، بمعنى: وفيها الحبّ ذو العصف، وفيها الريحان أيضاً. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين «والرَّيْحانِ» بالخفض عطفاً به على العصف، بمعنى: والحبّ ذو العصف وذو الريحان.

وأولى القراءتين في ذلك بالصواب: قراءة من قرأه بالخفص للعلة التي بينت في تأويله، وأنه بمعنى الرزق. وأما الذين قرأوه رفعاً، فإنهم وجَّهوا تأويله فيما أرى إلى أنه الريحان الذي يشمّ، فلذلك اختاروا الرفع فيه وكونه خفضا بمعنى: وفيها الحبّ ذو الورق والتبن، وذو الرزق المطعوم أولى وأحسن لما قد بيَّناه قبل.

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝١٣ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ ۝١٤ وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ۝١٥ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝١٦

يعني تعالى ذكره بقوله: {فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذّبانِ}: فبأيّ نِعَم ربكما معشر الجنّ والإنس من هذه النعم تكذّبان. كما:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سهل السراج، عن الحسن {فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذّبانِ} فبأيّ نعمة ربكما تكذّبان.

قال عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: {فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذّبانِ} قال: لا بأيتها يا ربّ.

حدثنا محمد بن عباد بن موسى وعمرو بن مالك النضري، قالا: ثنا يحيى بن سليمان الطائفي، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن، أو قُرئت عنده، فقال:

ما لِي أسْمَعُ الجِنَّ أحْسَنَ جَوَاباً لِرَبِّها مِنْكُمْ؟ قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال:ما أتَيْتُ على قَوْلِ اللّهِ: {فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تكَذِّبانِ}؟ إلاَّ قالَتِ الجِنُّ: لا بِشَيْءٍ مِنْ نِعْمَةِ رَبِّنا نُكَذّبُ

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} يقول: فبأيّ نعمة الله تكذّبان.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} يقول للجنّ والإنس: بأيّ نِعم الله تكذّبان.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش وغيره، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ {فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} قال: لا بأيتها ربنا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} قال: الآلاء: القدرة، فبأيّ آلائه تكذّب خلقكم كذا وكذا، فبأيّ قُدرة الله تكذّبان أيها الثَّقَلان، الجنّ والإنس.

فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: {فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} فخاطب اثنين، وإنما ذكر في أوّل الكلام واحد، وهو الإنسان؟ قيل: عاد بالخطاب في قوله: {فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} إلى الإنسان والجانّ، ويدلّ على أن ذلك كذلك ما بعد هذا من الكلام، وهو قوله: {خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ صَلْصَالٍ كالفَخَّارِ وَخَلَقَ الجانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ}. وقد قيل: إنما جعل الكلام خطاباً لاثنين، وقد ابتدىء الخبر عن واحد، لما قد جرى من فعل العرب، تفعل ذلك وهو أن يخاطبوا الواحد بفعل الاثنين، فيقولون: خلياها يا غلام، وما أشبه ذلك مما قد بيَّناه من كتابنا هذا في غير موضع.

وقوله: {خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ صَلْصَالٍ كالفَخَّارِ} يقول تعالى ذكره: خلق الله الإنسان وهو آدم من صلصال: وهو الطين اليابس الذي لم يطبخ، فإنه من يبسه له صلصلة إذا حرّك ونقر كالفخار يعني أنه من يُبسه وإن لم يكن مطبوخاً، كالذي قد طُبخ بالنار، فهو يصلصل كما يصلصل الفخار، والفخار: هو الذي قد طُبخ من الطين بالنار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عبيد الله بن يوسف الجبيريّ، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا مسلم، يعني الملائيّ، عن مجاهد، عن ابن عباس، قوله: {مِنْ صَلْصَالٍ كالفَخَّارِ} قال: هو من الطين الذي إذا مطرت السماء فيبست الأرض كأنه خزف رقاق.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: خلق الله آدم من طين لازب، واللازب: اللَّزِج الطيب من بعد حمأ مسنون مُنْتن. قال: وإنما كان حَمَأً مسنوناً بعد التراب، قال: فخلق منه آدم بيده، قال: فمكث أربعين ليلة جسداً ملقًى، فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل فيصوّت، قال: فهو قول الله تعالى: {كالفَخَّارِ} يقول: كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن سعيد وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: الصلصال: التراب المدقق.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: الصَّلصال: التراب المدقَّق.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ صَلْصَالٍ كالفَخَّارِ} يقول: الطين اليابس.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرِمة، في قوله: {مِنْ صَلْصَالٍ كالفَخَّارِ} قال: الصلصال: طين خُلط برمل فكان كالفخار.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {مِنْ صَلْصَالٍ كالفَخَّارِ} والصلصال: التراب اليابس الذي يُسمع له صلصلة فهو كالفخار، كما قال الله عزّ وجلّ.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {مِنْ صَلْصَالٍ كالفَخَّارِ} قال: من طين له صلصلة كان يابساً، ثم خلق الإنسان منه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {مِنْ صَلْصَالٍ كالفَخَّارِ} قال: يبس آدم في الطين في الجنة، حتى صار كالصلصال، وهو الفخار، والحمأ المسنون: المنتن الريح.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة {خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ صَلْصَالٍ كالفَخَّارِ} قال: من تراب يابس له صلصلة.

قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شبيب، عن عكرِمة، عن ابن عباس {خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ صَلْصَالٍ كالفَخَّارِ} قال: ما عُصِر، فخرج من بين الأصابع، ولو وجّه موجّه قوله: صلصال إلى أنه فعلال من قولهم صلّ اللحم: إذا أنتن وتغيرت ريحه، كما قيل من صرّ الباب صرصر، وكبكب من كَبّ، كان وجهاً ومذهباً.

وقوله: {وَخَلَقَ الجانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ} يقول تعالى ذكره: وخلق الجانّ من مارج من نار، وهو ما اختلط بعضه ببعض، من بين أحمر وأصفر وأخضر، من قولهم: مَرِج أمر القوم: إذا اختلط، ومن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو:

كَيْفَ بِكَ إذَا كُنْتَ فِي حُثالَةٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وأماناتُهُمْ وَذلكَ هُوَ لَهَبُ النَّارِ وَلِسانُهُ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبد الله بن يوسف الجبيريّ أبو حفص، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: {مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ} قال: من أوسطها وأحسنها.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَخَلَقَ الجانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ} يقول: خلقه من لهب النار من أحسن النار.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ} يقول: خالص النار.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك عن ابن عباس، قال: خلقت الجنّ الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ألهبت.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرِمة، في قوله: {مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ} قال: من أحسن النار.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ} قال: اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت.

وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله، إلاَّ أنه قال: والأحمر.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد {وَخَلَقَ الجانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ} قال: هو اللَّهب المنقطع الأحمر.

قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الضحاك، في قوله: {وَخَلَقَ الجانَّ مِنْ مارجٍ مِنْ نارٍ} قال: أحسن النار.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ} قال: من لهب النار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَخَلَقَ الجانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ}: أي من لهب النار.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: {مِنْ مارِجٍ مِنْ نار} قال: من لهب النار.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَخَلَقَ الجانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ} قال: المارج: اللهب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة {وَخَلَقَ الجانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ} قال: من لهب من نار.

وقوله: {فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبان} يقول تعالى ذكره فبأيّ نعمة ربكما معشر الثقلين من هذه النعم تكذّبان؟

رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ۝١٧ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝١٨ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ۝١٩ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ ۝٢٠ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٢١

يقول تعالى ذكره: ذلكم أيها الثقلان {رَبُّ المَشْرِقَينِ} يعني بالمشرقين: مشرق الشمس في الشتاء، ومشرقها في الصيف.

وقوله: {وَرَبُّ المَغْرِبَينِ} يعني: وربّ مغرب الشمس في الشتاء، ومغربها في الصيف. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن ابن أبزى، قوله: {رَبُّ المَشْرقَينِ وَرَبُّ المَغْرِبَينِ} قال: مشارق الصيف ومغارب الصيف، مشرقان تجري فيهما الشمس ستون وثلاث مئة في ستين وثلاث مئة بُرْج، لكلّ برج مطلع، لا تطلع يومين من مكان واحد. وفي المغرب ستون وثلاث مئة برج، لكل برج مغيب، لا تغيب يومين في برج.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {رَبُّ المَشْرِقَينِ وَرَبُّ المَغْرِبَينِ} قال: مشرق الشتاء ومغربه، ومشرق الصيف ومغربه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {رَبُّ المَشْرِقَينِ وَرَبُّ المَغْرِبَينِ} فمشرقها في الشتاء، ومشرقها في الصيف.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة قوله: {رَبُّ المَشْرِقَينِ وَرَبُّ المَغْرِبَينِ} قال: مشرق الشتاء ومغربه، ومشرق الصيف ومغربه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {رَبُّ المَشْرِقَينِ وَرَبُّ المَغْرِبَينِ} قال: أقصر مشرق في السنة، وأطول مشرق في السنة وأقصر مغرب في السنة، وأطول مغرب في السنة.

وقوله: {فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} يقول: فبأيّ نعم ربكما معشر الجنّ والإنس من هذه النعم التي أنعم بها عليكم من تسخيره الشمس لكم في هذين المشرقين والمغربين تجري لكما دائبة بمرافقكما، ومصالح دنياكما ومعايشكما تكذبان.

وقوله: {مَرَجَ البَحْرَيْن يَلْتَقِيانِ} يقول تعالى ذكره: مرج ربّ المشرقين وربّ المغربين البحرين يلتقيان، يعني بقوله: {مَرَجَ}: أرسل وخلى، من قولهم: مرج فلان دابته: إذا خلاها وتركها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {مَرَجَ البَحْرَين} يقول: أرسل.

واختلف أهل العلم في البحرين اللذين ذكرهما الله جلّ ثناؤه في هذه الآية، أيّ البحرين هما؟ فقال بعضهم: هما بحران: أحدهما في السماء، والآخر في الأرض. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن ابن أبزى {مَرَجَ البَحْرَيْن يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ} قال: بحر في السماء، وبحر في الأرض.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر عن سعيد، في قوله: {مَرَجَ البَحْرَيْن يَلْتَقِيانِ} قال: بحر في السماء، وبحر في الأرض.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ} قال: بحر في السماء والأرض يلتقيان كلّ عام.

وقال آخرون: عنى بذلك بحر فارس وبحر الروم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن زياد مولى مصعب، عن الحسن {مَرَجَ البَحْرَيْن يَلْتَقِيانِ} قال: بحر الروم، وبحر فارس واليمن.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {مَرَجَ البَحْرَيْن يَلْتَقِيانِ} فالبحران: بحر فارس، وبحر الروم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ} قال: بحر فارس وبحر الروم.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عُنِيَ به بحر السماء، وبحر الأرض، وذلك أن الله قال {يَخْرُجُ منْهُما اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجانُ} واللؤلؤ والمرجان إنما يخرج من أصداف بحر الأرض عن قَطْر ماء السماء، فمعلوم أن ذلك بحر الأرض وبحر السماء.

وقوله: {بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ} يقول تعالى ذكره: بينهما حاجز وبعدٌ، لا يُفسد أحدهما صاحبه فيبغي بذلك عليه، وكل شيء كان بين شيئين فهو برزخ عند العرب، وما بين الدنيا والآخرة برزخ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن ابن أبزى {بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ} لا يبغي أحدهما على صاحبه.

قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا فطر، عن مجاهد، قوله: {بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغيانِ} قال: بينهما حاجز من الله، لا يبغي أحدهما على الآخر.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغيانِ} يقول: حاجز.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغيانِ} والبرزخ: هذه الجزيرة، هذا اليبَس.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: البرزخ الذي بينهما: الأرض التي بينهما.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة {بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ} قال: حُجِز المالح عن العذب، والعذب عن المالح، والماء عن اليبس، واليبس عن الماء، فلا يبغي بعضه على بعض بقوّته ولطفه وقُدرته.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ} قال: منعهما أن يلتقيا بالبرزخ الذي جعل بينهما من الأرض. قال: والبرزخ بعد الأرض الذي جعل بينهما.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {لا يَبْغِيانِ} فقال بعضهم: معنى ذلك: لا يبغي أحدهما على صاحبه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن ابن أبزى {لا يَبْغِيانِ}: لا يبغي أحدهما على صاحبه.

قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا فطر، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة مثله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهما لا يختلطان. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {لا يَبْغِيانِ} قال: لا يختلطان.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يبغيان على اليَبَس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا يَبْغِيانِ} على اليبس، وما أخذ أحدهما من صاحبه فهو بغي، فحجز أحدهما عن صاحبه بقدرته ولطفه وجلاله تبارك وتعالى.

وقال آخرون: بل معناه: لا يبغيان أن يلتقيا. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {لا يَبْغِيانِ} قال: لا يبغي أحدهما أن يلتقي مع صاحبه.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وصف البحرين اللذين ذكرهما في هذه الآية أنهما لا يبغيان، ولم يخصص وصفهما في شيء دون شيء، بل عمّ الخبر عنهما بذلك، فالصواب أن يُعَمَّ كما عمّ جلّ ثناؤه، فيقال: إنهما لا يبغيان على شيء، ولا يبغي أحدهما على صاحبه، ولا يتجاوزان حدّ الله الذي حدّه لهما.

وقوله: {فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذّبانِ} يقول تعالى ذكره: فبأيّ نعم الله ربكما معشر الجنّ والإنس تكذّبان من هذه النعم التي أنعم عليكم من مَرْجه البحرين، حتى جعل لكم بذلك حلية تلبسونها كذلك.

يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱللُّؤْلُؤُ وَٱلْمَرْجَانُ ۝٢٢ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٢٣ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَـَٔاتُ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَٰمِ ۝٢٤ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٢٥

يقول تعالى ذكره: يخرج من هذين البحرين اللذين مرجهما الله، وجعل بينهما برزخاً اللؤلؤ والمرجان.

واختلف أهل التأويل في صفة اللؤلؤ والمرجان، فقال بعضهم: اللؤلؤ: ما عظم من الدر، والمرجان: ما صغُر منه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس {اللُّؤلُؤُ وَالمَرْجانُ} قال: اللؤلؤ: العظام.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يخْرُجُ مِنْهُما اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجانُ} أما اللؤلؤ فعظامه، وأما المرجان فصغاره، وإن لله فيهما خزانة دلّ عليها عامة بني آدم، فأخرجوا متاعاً ومنفعة وزينة، وبُلغة إلى أجل.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {يَخْرُجُ مِنْهُما اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجانُ} قال: اللؤلؤ الكبار من اللؤلؤ، والمرجان: الصغار منه.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجانُ} أما المرجان: فاللؤلؤ الصغار، وأما اللؤلؤ: فما عظُم منه.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {يَخْرُجُ مِنْهُما اللُّؤلُؤُ وَالمَرْجانُ} قال: اللؤلؤ: ما عظُم منه، والمرجان: اللؤلؤ الصغار.

وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: المرجان: هو اللؤلؤ الصغار.

وحدثنا عمرو بن سعيد بن بشار القرشي، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا عبد الله بن ميسرة الحراني، قال: ثني شيخ بمكة من أهل الشام، أنه سمع كعب الأحبار يُسأل عن المرجان، فقال: هو البسذ.

قال أبو جعفر: البسذ له شُعَب، وهو أحسن من اللؤلؤ.

وقال آخرون: المرجان من اللؤلؤ: الكبار، واللؤلؤ منها: الصغار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، أو قيس بن وهب، عن مرّة، قالَ: المرجان: اللؤلؤ العظام.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: المرجان، قال: ما عظم من اللؤلؤ.

حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا الحسين بن الحسن الأشقر، قال: ثنا زُهير، عن جابر، عن عبد الله بن يحيى، عن عليّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: المرجان: عظيم اللؤلؤ.

وقال آخرون: المرجان: جيد اللؤلؤ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا شريك، عن موسى بن أبي عائشة، قال: سألت مرّة عن اللؤلؤ والمرجان قال: المرجان: جيد اللؤلؤ.

وقال آخرون: المرجان: حجر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عمرو بن ميمون الأودي عن ابن مسعود {اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجانُ} قال: المرجان حجر.

والصواب من القول في اللؤلؤ، أنه هو الذي عرفه الناس مما يخرج من أصداف البحر من الحبّ وأما المرجان، فإني رأيت أهل المعرفة بكلام العرب لا يتدافعون أنه جمع مرجانة، وأنه الصغار من اللؤلؤ، قد ذكرنا ما فيه من الاختلاف بين متقدمي أهل العلم، والله أعلم بصواب ذلك.

وقد زعم بعض أهل العربية أن اللؤلؤ والمرجان يخرج من أحد البحرين، ولكن قيل: يخرج منهما، كما يقال أكلت: خبزاً ولبناً، وكما قيل:

وَرأيْتُ زَوْجَكِ فِي الوَغَىمُتَقَلِّدا سَيْفاً وَرُمْحاً

وليس ذلك كما ذهب إليه، بل ذلك كما وصفت من قبل من أن ذلك يخرج من أصداف البحر، عن قطر السماء، فلذلك قيل: {يَخْرُجُ مِنْهُما اللُّؤلُؤُ} يعني بهما: البحران. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: إن السماء إذا أمطرت، فتحت الأصداف أفواهها، فمنها اللؤلؤ.

حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثنا أبو يحيى الحماني، قال: ثنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: إذا نزل القطر من السماء تفتَّحت الأصداف فكان لؤلؤاً.

حدثني عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، قال: ثنا الفريابي، قال: ذكر سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: إن السماء إذا أمطرت تفتحت لها الأصداف، فما وقع فيها من مطر فهو لؤلؤ.

حدثنا محمد بن إسماعيل الفزاري، قال: أخبرنا محمد بن سوار، قال: ثنا محمد بن سليمان الكوخي ابن أخي عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الرحمن الأصبهاني، عن عكرِمة، قال: ما نزلت قطرة من السماء في البحر إلاَّ كانت بها لؤلؤة أو نبتت بها عنبرة، فيما يحسب الطبري.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {يَخْرُجُ مِنْهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ} فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: «يُخْرَجُ» على وجه ما لم يسمّ فاعله. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة وبعض المكيين بفتح الياء.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، لتقارب معنييهما.

وقوله: {فَبِأَيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذّبانِ} يقول تعالى ذكره: فبأيّ نِعم ربكما معشر الثقلين التي أنعم بها عليكم فيما أخرج لكم من نافع هذين البحرين تكذّبان.

وقوله: {وَلَهُ الجَوَارِ المُنْشَئاتُ فِي البَحْرِ كالأعْلام} يقول تعالى ذكره: ولربّ المشرقين والمغربين الجواري، وهي السفن الجارية في البحار.

وقوله: {المُنْشَئاتُ فِي البَحْرِ} اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة «المُنْشِئاتُ» بكسر الشين، بمعنى: الظاهرات السير اللاتي يقبلن ويدبرن. وقرأ ذلك عامة قرّاء البصرة والمدينة وبعض الكوفيين {المُنْشَئاتُ} بفتح الشين، بمعن المرفوعات القلاع اللاتي تقبل بهنّ وتدبر.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى متقاربتاه، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. ذكر من قال في تأويل ذلك ما ذكرناه فيه:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {المُنْشَئاتُ فِي البَحْرِ} قال: ما رفع قلعه من السفن فهي منشئات، وإذا لم يرفع قلعها فليست بمنشأة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلَهُ الجَوَارِ المُنْشَئاتُ فِي البَحْرِ كالأعْلام} يعني: السفن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَلَهُ الجوَارِ المُنْشَئاتُ فِي البَحْرِ كالأعْلامِ} يعني السفن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَلَهُ الجَوَارِ المُنْشَئاتُ فِي البَحْرِ كالأعْلامِ} قال السفن.

وقوله: {كالأعْلام} يقول: كالجبال، شبَّه السفن بالجبال، والعرب تسمي كل جبل طويل علماً ومنه قوله جرير:

إذا قَطَعْنا عَلَماً بَدَا عَلَمُ

وقوله: {فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذّبان} يقول تعالى ذكره: فبأيّ نعم ربكما معشر الجنّ والإنس التي أنعمها عليكم بإجرائه الجواري المنشئات في البحر جارية بمنافعكم تكذّبان.
الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ