انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الرحمن

تفسير القرطبيالآيات 1–40

تفسير سورة الرحمن آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱلرَّحْمَٰنُ ۝١ عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ ۝٢ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ ۝٣ عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ ۝٤ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ۝٥ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ۝٦ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ ۝٧ أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ ۝٨ وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ ۝٩ وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ۝١٠ فِيهَا فَٰكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلْأَكْمَامِ ۝١١ وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ ۝١٢ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝١٣

قوله تعالى: {ٱلرَّحْمَـٰنُ. عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} قال سعيد بن جبير وعامر الشَّعْبي: {ٱلرَّحْمَـٰنُ } فاتحة ثلاث سور إذا جُمعن كن ٱسماً من أسماء الله تعالى «الۤر» و «حۤم» و «نۤ» فيكون مجموع هذه {ٱلرَّحْمَـٰنُ. عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} أي علّمه نبيّه صلى الله عليه وسلم حتى أدّاه إلى جميع الناس. وأنزلت حين قالوا: وَمَا الرَّحْمٰنُ؟ وقيل: نزلت جواباً لأهل مكة حين قالوا: إنما يعلّمه بشر وهو رحمٰن اليمامة؛ يعنون مسيلِمة الكذّاب، فأنزل الله تعالى: {ٱلرَّحْمَـٰنُ} {عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} وقال الزجاج: معنى «عَلَّمَ الْقُرْآنَ» أي سهّله لأن يُذكر ويُقرأ كما قال:

{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ }.[القمر:17] وقيل: جعله علامة لما تعبد الناس به. {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} قال ٱبن عباس وقتادة والحسن يعني آدم عليه السلام. {عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} أسماء كل شيء. وقيل: علمه اللغات كلها. وعن ٱبن عباس أيضاً وٱبن كيسان: الإنسان هاهنا يراد به محمد صلى الله عليه وسلم والبيان بيان الحلال من الحرام، والهدى من الضلال. وقيل: ما كان وما يكون؛ لأنه بَيّن عن الأوّلين والآخرين ويوم الدِّين. وقال الضحاك: «البيان» الخير والشر. وقال الربيع بن أنس: هو ما ينفعه وما يضره؛ وقاله قتادة. وقيل: «الإنْسَانَ» يراد به جميع الناس فهو ٱسم للجنس و «الْبَيَانَ» على هذا الكلامُ والفهم، وهو مما فُضّل به الإنسان على سائر الحيوان. وقال السديّ: علّم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. وقال يمان: الكتابة والخط بالقلم. نظيره: { عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ. عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }.[العلق:4-5] {ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} أي يجريان بحساب معلوم فأضمر الخبر. قال ٱبن عباس وقتادة وأبو مالك: أي يجريان بحساب في منازل لا يعدوانها ولا يحيدان عنها. وقال ٱبن زيد وٱبن كيسان: يعني أن بهما تحسب الأوقات والآجال والأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يَحسب شيئاً لو كان الدهر كلّه ليلاً أو نهاراً. وقال السديّ: «بِحُسْبَانٍ» تقدير آجالهما أي تجري بآجال كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا؛ نظيره: { كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى }.[الزمر:5] وقال الضحاك: بقدر. مجاهد: «بِحُسْبَانٍ» كحسبان الرَّحَى يعني قطبها يدوران في مثل القطب. والحُسْبان قد يكون مصدر حَسَبته أحْسُبُه بالضم حَسْباً وحُسْباناً، مثل الغُفْران والكُفْران والرُّجْحان، وِحسابة أيضاً أي عددته. وقال الأخفش: ويكون جماعة الحساب مثل شِهاب وشُهبان. والحُسْبان أيضاً بالضم العذاب والسهام القصار، وقد مضى في «الكهف» الواحدة حُسْبانة، والحُسْبانة أيضاً الوسادة الصغيرة؛ تقول منه: حَسَّبتُه إذا وسَّدْته؛ قال:

... لَثَوَيْـتَ غيـر مُحَسَّـب

أي غير موسَّد يعني غير مكَرَّم ولا مكَفَّن {وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} قال ٱبن عباس وغيره: النجم ما لا ساق له والشجر ما له ساق، وأنشد ٱبن عباس قول صفوان بن أسد التميمي:

لَقَد أَنْجَمَ الْقَاعُ الكَبيرُ عِضَاهَهوتَمَّ به حيّاً تَميم ووَائلِ

وقال زهير بن أبي سُلْمى:

مُكَلَّلٌ بأُصولِ النَّجْم تَنْسِجُهريحُ الجَنوبِ لِضاحِي مائه حُبُكُ

واشتقاق النجم من نَجَم الشيءُ ينجُم بالضم نجوماً ظهر وطلع، وسجودهما بسجود ظلالهما؛ قاله الضحاك. وقال الفرّاء: سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء. وقال الزجاج: سجودهما دوران الظل معهما، كما قال تعالى: { يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ }[النحل:48]. وقال الحسن ومجاهد: النجم نجم السماء، وسجوده في قول مجاهد دوران ظله، وهو ٱختيار الطبري، حكاه المهدوي. وقيل: سجود النجم أفوله، وسجود الشجر إمكان الاجتناء لثمرها، حكاه الماوردي. وقيل: إن جميع ذلك مسخر لله، فلا تعبدوا النجم كما عبد قوم من الصابئين النجوم، وعبد كثير من العجم الشجر. والسجود الخضوع، والمعنىّ به آثار الحدوث، حكاه القشيري. النحاس: أصل السجود في اللغة الاستسلام والانقياد لله عز وجل، فهو من الموات كلها ٱستسلامها لأمر الله عز وجل وٱنقيادها له، ومن الحيوان كذلك ويكون من سجود الصلاة، وأنشد محمد بن يزيد في النجم بمعنى النجوم قال:

فباتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مَسْتَحيرةسَرِيعٍ بأَيْدي الآكِلينَ جُمُودُهَا

{وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا} وقرأ أبو السمَّال «والسَّمَاءُ» بالرفع على الابتداء وٱختار ذلك لما عطف على الجملة التي هي: {وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} فجعل المعطوف مركباً من مبتدإ وخبر كالمعطوف عليه. الباقون بالنصب على إضمار فعل يدل عليه ما بعده. {وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} أي العدل؛ عن مجاهد وقتادة والسدي، أي وضع في الأرض العدل الذي أمر به، يقال: وضع الله الشريعة. ووضع فلان كذا أي ألقاه؛ وقيل: على هذا الميزان القرآن، لأن فيه بيان ما يحتاج إليه وهو قول الحسين بن الفضل. وقال الحسن وقتادة ـ أيضاً ـ والضحاك: هو الميزان ذو اللسان الذي يوزن به لينتصف به الناس بعضهم من بعض، وهو خبر بمعنى الأمر بالعدل، يدل عليه قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ} والقسط العدل. وقيل: هو الحكم. وقيل: أراد وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال. وأصل مِيزان مِوزان وقد مضى في «الأعراف» القول فيه. {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ} موضع «أَنْ» يجوز أن يكون نصباً على تقدير حذف حرف الجرّ كأنه قال: لئلا تطغوا؛ كقوله تعالى: { يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ }.[النساء:176] ويجوز ألا يكون لـ «أن» موضع من الإعراب فتكون بمعنى أي و «تَطْغَوْا» على هذا التقدير مجزوماً؛ كقوله تعالى: { وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ }(أي امشوا). والطغيان مجاوزة الحدّ. فمن قال: الميزان العدل قال طغيانه الجور. ومن قال: إنه الميزان الذي يوزن به قال طغيانه البخس. قال ٱبن عباس: أي لا تخونوا من وزنتم له. وعنه أنه قال: يا معشر الموالي! وليتم أمرين بهما هلك الناس: المكيال والميزان. ومن قال إنه الحُكْم قال: طغيانه التحريف. وقيل: فيه إضمار؛ أي وضع الميزان وأمركم ألا تَطْغَوْا فيه. {وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ} أي ٱفعلوه مستقيماً بالعدل. وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: أقيموا لسان الميزان بالقسط والعدل. وقال ٱبن عيينة: الإقامة باليد والقسط بالقلب. وقال مجاهد: القسط العدل بالرومية. وقيل: هو كقولك أقام الصلاة أي أتى بها في وقتها، وأقام الناس أسواقهم أي أتوها لوقتها. أي لا تدعوا التعامل بالوزن بالعدل. {وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} ولا تنقصوا الميزان ولا تبخسوا الكيل والوزن، وهذا كقوله: { وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ }.[هود:84] وقال قتادة في هذه الآية: ٱعدل يا بن آدم كما تحبّ أن يُعدَل لك، وأوف كما تحبّ أن يُوفّى لك؛ فإن العدل صلاح الناس. وقيل: المعنى ولا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة فيكون ذلك حسرة عليكم. وكرر الميزان لحال رؤوس الآي. وقيل: التكرير للأمر بإيفاء الوزن ورعاية العدل فيه. وقراءة العامة «تُخْسِرُوا» بضم التاء وكسر السين. وقرأ بلال بن أبي بُرْدة وأبان عن عثمان «تَخْسَرُوا» بفتح التاء والسين وهما لغتان، يقال: أخسرت الميزان وخسرته كأجبرته وجبرته. وقيل: «تَخْسَرُوا» بفتح التاء والسين محمول على تقدير حذف حرف الجرّ؛ والمعنى ولا تخسروا في الميزان. {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} الأنام الناس؛ عن ٱبن عباس. الحسن: الجنّ والإنس. الضحاك: كل ما دبّ على وجه الأرض، وهذا عام. {فِيهَا فَاكِهَةٌ} أي كل ما يتفكه به الإِنسان من ألوان الثمار. {وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ} الأكمام جمع كِمٍّ بالكسر. قال الجوهري: والكِمَّة بالكسر والكِمَامة وعاء الطلع وغِطاء النَّوْر والجمع كِمَام وأَكِمَّة وأَكْمَام والأكاميم أيضاً. وكُمَّ الفصيلُ إذا أُشفق عليه فَسُتِر حتى يَقْوَى؛ قال العجاج:

بَلْ لَوْ شَهِدْتَ الناسَ إذْ تُكُمُّوابغُمَّةٍ لَوْ لَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا

وتُكُمُّوا أي أغمي عليهم وغُطُّوا. وأَكَمَّت النَّخلةُ وكَمَّمت أي أخرجت أكمامها. والكِمَام بالكسر والكِمَامة أيضاً ما يُكَمّ به فم البعير لئلا يَعضّ؛ تقول منه: بعير مكموم أي مَحْجوم. وكَمَّمت الشيء غّطيته. والكَمُّ ما ستر شيئاً وغطّاه؛ ومنه كُمُّ القميص بالضم والجمع أَكْمَام وكممة، مثل حُبّ وحِبَبَة. والكُمَّة القَلَنْسوة المدوَّرة؛ لأنها تغطِّي الرأس. قال:

فقلتُ لهمْ كِيلو بكُمَّةِ بعضِكُمْدَرَاهمَكُمْ إنِّي كذلك أَكْيَلُ

قال الحسن: {ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ} أي ذات الليف فإن النخلة قد تُكَمّم بالليف، وكِمَامها ليفها الذي في أعناقها. ٱبن زيد: ذات الطلع قبل أن يتفتق. وقال عكرمة: ذات الأحمال. {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} الحبّ الحِنطة والشعير ونحوهما؛ والعصف التِّبْن؛ عن الحسن وغيره. مجاهد: ورق الشجر والزرع. ٱبن عباس: تِبْن الزرع وورقه الذي تَعصِفه الرياح. سعيد بن جبير: بَقْل الزرع أي أوّل ما ينبت منه؛ وقاله الفرّاء. والعرب تقول: خرجنا نَعصِف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يُدرِك. وكذا في الصحاح: وعَصَفتُ الزَّرعَ أي جززته قبل أن يُدرِك. وعن ٱبن عباس أيضاً: العصف ورق الزرع الأخضر إذا قطع رؤوسه ويبس؛ نظيره: { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ }[الفيل: 6] الجوهري: وقد أَعصفَ الزرعُ، ومكان مُعْصِف أي كثير الزرع. قال أبو قيس بن الأَسْلت الأنصاريّ:

إذا جُمَادَى مَنَعَتْ قَطْرَهَازَانَ جَنَابِي عَطَنٌ مُعْصِفُ

والعَصْف أيضاً الكَسْب؛ ومنه قول الراجز:

بغيـرِ مـا عَصْـفٍ ولا ٱصْطِـرَافِ

وكذلك الاعتصاف. والعَصِيفة الورق المجتمع الذي يكون فيه السُّنْبل. وقال الهرويّ: والعصف والعَصِيفة ورق السُّنْبل. وحكى الثعلبي: وقال ٱبن السِّكِّيت تقول العرب لورق الزرع العصف والعَصِيفة والجِلُّ بكسر الجيم. قال عَلْقَمة بن عَبَدة:

تَسْقِي مَذَانِبَ قد مَالتْ عَصِيفَتُهَاحَدُورُها من أَتِيِّ الماءِ مَطْمُومُ

وفي الصحاح: والجِلُّ بالكسر قصب الزرع إذا حُصِد. والريحان الرزق؛ عن ٱبن عباس ومجاهد. الضحاك: هي لغة حِمْير. وعن ٱبن عباس أيضاً والضحاك وقتادة: أنه الريحان الذي يشمّ، وقاله ٱبن زيد. وعن ٱبن عباس أيضاً: أنه خضرة الزرع. وقال سعيد بن جبير: هو ما قام على ساق. وقال الفراء: العصف المأكول من الزرع، والريحان ما لا يؤكل. وقال الكلبي: إن العصف الورق الذي لا يؤكل، والريحان هو الحبّ المأكول. وقيل: الريحان كل بقلة طيبة الريح سميت رَيْحاناً؛ لأن الإنسان يَراحُ لها رائحةً طيبة. أي يشمّ فهو فَعْلان رَوْحان من الرائحة؛ وأصل الياء في الكلمة واو قلب ياء للفرق بينه وبين الرُّوحانيّ وهو كل شيء له رُوح. قال ٱبن الأعرابي: يقال شيء رُوحاني ورُيحاني أي له روح. ويجوز أن يكون على وزن فَيْعَلان فأصله رَيْوَحان فأبدل من الواو ياء وأدغم كهَيِّن ولَيِّن، ثم ألزم التخفيف لطوله ولحاق الزائدتين الألفِ والنونِ، والأصل فيما يتركب من الراء والواو والحاء الاهتزاز والحركة. وفي الصحاح: والرَّيحان نبت معروف؛ والريحان الرزق؛ تقول: خرجت أبتغي رَيْحَان اللَّهِ؛ قال النَّمِرُ بن تَوْلَب:

سلامُ الإلٰهِ ورَيْحَانُهُورَحْمَتُهُ وسَمَاءٌ دِرَرْ

وفي الحديث:الولد من ريحان الله. وقولهم: سبحانَ الله وريحانه، نصبوهما على المصدر يريدون تنزيهاً له وٱسترزاقاً. وأما قوله: {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} فالعصف ساق الزرع، والريحان ورقه؛ عن الفرّاء. وقراءة العامة {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} بالرفع فيها كلها على العطف على الفاكهة. ونصبها كلها ٱبن عامر وأبو حيوة والمغيرة عطفاً على الأرض. وقيل: بإضمار فعل، أي وخلق الحبّ ذا العصف والريحان؛ فمن هذا الوجه يحسن الوقف على «ذَاتُ الأَكْمَامِ». وجرّ حمزة والكسائي «الريحان» عطفاً على العصف؛ أي فيها الحب ذو العصفِ والريحانِ، ولا يمتنع ذلك على قول من جعل الريحان الرزق، فيكون كأنه قال: والحب ذو الرزق. والرزق من حيث كان العصف رزقاً؛ لأن العصف رزق للبهائم، والريحان رزق للناس، ولا شبهة فيه في قول من قال إنه الريحان المشموم.

قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} خطاب للإنس والجنّ؛ لأن الأنام واقع عليهما. وهذا قول الجمهور، يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة، وخرجه الترمذي وفيه «لَلْجِنُّ أحسنُ منكم ردًّا». وقيل: لما قال: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} و {وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ} دل ذلك على أن ما تقدّم وما تأخر لهما. وأيضاً قال: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ} وهو خطاب للإنس والجنّ وقد قال في هذه السورة: {يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ}. وقال الجرجاني: خاطب الجنّ مع الإنس وإن لم يتقدّم للجنّ ذكر؛ كقوله تعالى:

{ حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ }.[ص:32] وقد سبق ذكر الجنّ فيما سبق نزوله من القرآن، والقرآن كالسورة الواحدة؛ فإذا ثبت أنهم مكلّفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات. وقيل: الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية؛ حسب ما تقدّم من القول في { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ }.[ق:24] وكذلك قوله:

قِفَا نَبْكِ...

و

خَلِيلَيَّ مُرَّابِي...

فأما ما بَعْدَ {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} و {وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ} فإنه خطاب للإنس والجنّ، والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى: {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} والآلاء النعم، وهو قول جميع المفسرين، واحدها إِلىً وألىً مثل مِعًى وعصاً، وإِلْيٌ وأَلْيٌ أربع لغات حكاها النحاس قال: وفي واحد {آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ} ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام، وقد مضى في «الأعراف» و «النجم». وقال ٱبن زيد: إنها القدرة؛ وتقدير الكلام فبأيّ قدرة ربكما تكذّبان؛ وقاله الكلبي وٱختاره الترمذيّ محمد بن علي، وقال: هذه السورة من بين السور عَلَم القرآن، والعَلَم إمام الجند والجند تتبعه، وإنما صارت عَلَماً لأنها سورة صفة الملك والقدرة؛ فقال: {ٱلرَّحْمَـٰنُ} {عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} فٱفتتح السورة بٱسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال: {ٱلرَّحْمَـٰنُ} {عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ} ثم ذكر الإنسان فقال: «خَلَقَ الإِنْسَانَ» ثم ذكر ما صنع به وما منّ عليه به، ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نَجَم وشَجَر، وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل، ووضع الأرض للأنام؛ فخاطب هذين الثقلين الجنّ والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك، فأشركوا به الأوثان وكل معبود ٱتخذوه من دونه، وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم، فقال سائلاً لهم: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي بأيّ قدرة ربكما تكذبان، فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكاً يملك معه ويقدر معه، فذلك تكذيبهم. ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال، وذكر خلق الجانّ من مارج من نار، ثم سألهم فقال: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي بأيّ قدرة ربّكما تكذبان؛ فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة؛ فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير، وٱتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلقٍ خلقٍ. وقال القُتَبيّ: إن الله تعالى عدّد في هذه السورة نعماءه، وذكّر خلقه آلاءه، ثم أتبع كل خَلَّة وصفها ونعمة وضعها بهذه، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها؛ كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره: ألم تكن فقيراً فأغنيتك أفتنكر هذا؟! ألم تكن خاملاً فعززتك أفتنكر هذا؟! ألم تكن صَرُورة فحججت بك أفتنكر هذا؟! ألم تكن راجلاً فحملتك أفتنكر هذا؟! والتكرير حَسن في مثل هذا. قال:

كَمْ نِعْمَةٍ كانتْ لَكُمْ كَمْ كَمْ وَكَمْ

وقال:

لا تَقْتُلِي مُسْلِماً إنْ كنتِ مُسْلِمَةًإيّاكِ مِنْ دَمِهِ إيَّاكِ إيَّاكِ

وقال آخر:

لا تَقطعنَّ الصديقَ ما طَرَفتْعيناكَ من قول كاشح أشِرِ ولا تمَلَّنَّ من زيارته زُرْهُوزُرْهُ وزُرْ وزُرْ وزُرِ

وقال الحسين بن الفضل: التكرير طرداً للغفلة، وتأكيداً للحجة.

خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ ۝١٤ وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ۝١٥ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝١٦ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ۝١٧ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝١٨

قوله تعالى: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} لما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيهما من الدلالات على وحدانيته وقدرته ذكر خلق العالم الصغير فقال: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} باتفاق من أهل التأويل يعني آدم. {مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ} الصلصال الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، شبهه بالفَخَّار الذي طبخ. وقيل: هو طين خلط برمل. وقيل: هو الطين المنتن من صَلَّ اللحمُ وأَصلَّ إذا أنتن؛ وقد مضى في «الحجر». وقال هنا: {مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ} وقال هناك:

{ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ }[الحجر:26]. وقال: { إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ }.[الصافات:11] وقال: { كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ }[آل عمران:59] وذلك متفق المعنى؛ وذلك أنه أخذ من تراب الأرض فعجنه فصار طيناً، ثم ٱنتقل فصار كالحمإ المسنون، ثم ٱنتقل فصار صلصالاً كالفخَّار. {وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} قال الحسن: الجانّ إبليس وهو أبو الجنّ. وقيل: الجانّ واحد الجنّ، والمارج اللهب؛ عن ٱبن عباس، وقال: خلق الله الجانَّ من خالص النار. وعنه أيضاً من لسانها الذي يكون في طرفها إذا ٱلتهبت. وقال الليث: المارج الشُّعْلة الساطعة ذات اللهب الشديد. وعن ٱبن عباس أنه اللهب الذي يعلو النار فيختلط بعضه ببعض أحمر وأصفر وأخضر؛ ونحوه عن مجاهد؛ وكله متقارب المعنى. وقيل: المارج كل أمر مرسل غير ممنوع، ونحوه قول المبرد؛ قال المبرد: المارج النار المرسلة التي لا تمنع. وقال أبو عبيدة والحسن: المارج خلط النار، وأصله من مرج إذا ٱضطرب وٱختلط؛ ويروى أن الله تعالى خلق نارين فمرج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما الأخرى وهي نار السموم فخلق منها إبليس. قال القُشَيريّ: والمارج في اللغة المرسل أو المختلط وهو فاعل بمعنى مفعول؛ كقوله: { مَّآءٍ دَافِقٍ } [الطارق:6] و { عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [الحاقة:21] والمعنى ذو مرج؛ قال الجوهري في الصحاح: و{مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} نار لا دخان لها خلق منها الجان. {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.

قوله تعالى: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} أي هو رب المشرقين. وفي الصافات

{ وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ } [الصافات: 5] وقد مضى الكلام في ذلك هنالك.

مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ۝١٩ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ ۝٢٠ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٢١ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱللُّؤْلُؤُ وَٱلْمَرْجَانُ ۝٢٢ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٢٣

قوله تعالى: {مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ } {مَرَجَ} أي خَلَّى وأرسل وأهمل؛ يقال: مرج السلطان الناس إذا أهملهم. وأصل المَرْج الإهمال كما تُمْرَج الدابّةُ في المرعى. ويقال: مَرَجَ خَلَطَ. وقال الأخفش: ويقول قوم أَمْرَج البحرين مثل مَرَج، فَعَل وأَفْعَلَ بمعنًى. {ٱلْبَحْرَيْنِ} قال ٱبن عباس: بحر السماء وبحر الأرض؛ وقاله مجاهد وسعيد بن جبير. {يَلْتَقِيَانِ} في كل عام. وقيل: يلتقي طرفاهما. وقال الحسن وقتادة: بحر فارس والروم. وقال ٱبن جريج: إنه البحر المالِح والأنهار العذبة. وقيل: بحر المشرق والمغرب يلتقي طرفاهما. وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان. {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ} أي حاجز فعلى القول الأوّل ما بين السماء والأرض؛ قاله الضحاك. وعلى القول الثاني الأرض التي بينهما وهي الحجاز؛ قاله الحسن وقتادة. وعلى غيرهما من الأقوال القدرة الإلٰهية على ما تقدّم في «الفرقان». وفي الخبر عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:

أن الله تعالى كلّم الناحية الغربية فقال: إني جاعل فيك عباداً لي يُسبِّحوني ويُكَبِّروني ويهلِّلُوني ويُمجّدوني فكيف أنت لهم؟ فقالت: أُغرقُهم يا ربّ. قال: إني أحملهم على يدي، وأجعل بأسك في نواحيك. ثم كَلّمَ الناحية الشرقية فقال: إني جاعل فيك عباداً لي يُسبِّحوني ويكَبِّروني ويهلِّلُوني ويمجِّدوني فكيف أنت لهم؟ قالت: أسبِّحكَ معهم إذا سَبَّحوكَ، وأكبّرك معهم إذا كبروك، وأُهَلِّلكَ معهم إذا هَلَّلُوكَ، وأُمَجِّدُك معهم إذا مجَّدوك؛ فأثابها الله الْحِلية وجعل بينهما برزخاً، وتحوّل أحدهما مِلحاً أُجَاجاً، وبقي الآخر على حالته عذباً فُرَاتاًذكر هذا الخبر الترمذيّ الحكيم أبو عبد الله قال: حدّثنا صالح بن محمد، حدّثنا القاسم العمريّ عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة: {لاَّ يَبْغِيَانِ} قال قتادة: لا يبغيان على الناس فيغرقانهم؛ جعل بينهما وبين الناس يَبَساً. وعنه أيضاً ومجاهد: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه. ٱبن زيد: المعنى {لاَّ يَبْغِيَانِ} أن يلتقيا، وتقدير الكلام: مرج البحرين يلتقيان، لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا. وقيل: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة؛ أي بينهما مدّة قدرها الله وهي مدّة الدنيا فهما لا يبغيان؛ فإذا أذن الله في ٱنقضاء الدنيا صار البحران شيئاً واحداً؛ وهو كقوله تعالى: { وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ }.[الانفطار:3] وقال سهل بن عبد الله: البحران طريق الخير والشر، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة.

قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } أي يخرج لكم من الماء اللؤلؤ والمرجان، كما يخرج من التراب الحبّ والعصف والريحان. وقرأ نافع وأبو عمرو «يُخْرَجُ» بضم الياء وفتح الراء على الفعل المجهول. الباقون «يَخْرُجُ» بفتح الياء وضم الراء على أن اللؤلؤ هو الفاعل. وقال: «مِنْهُمَا» وإنما يخرج من الملح لا العذب لأن العرب تجمع الجنسين ثم تخبر عن أحدهما؛ كقوله تعالى:

{ يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ }[الأنعام:130] وإنما الرسل من الإنس دون الجن؛ قاله الكلبي وغيره. قال الزجاج: قد ذكرهما الله فإذا خرج من أحدهما شيء فقد خرج منهما؛ وهو كقوله تعالى: { أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً }[نوح:15] والقمر في سماء الدنيا ولكن أجمل ذكر السبع فكأن ما في إحداهنّ فيهنّ. وقال أبو عليّ الفارسيّ: هذا من باب حذف المضاف؛ أي من أحدهما؛ كقوله: { عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }[الزخرف:31] أي من إحدى القريتين. وقال الأخفش سعيد: زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ من العذب. وقيل: هما بحران يخرج من أحدهما اللؤلؤ ومن الآخر المرجان. ٱبن عباس: هما بحرا السماء والأرض. فإذا وقع ماء السماء في صدف البحر ٱنعقد لؤلؤاً فصار خارجاً منهما؛ وقاله الطبري. قال الثعلبي: ولقد ذُكر لي أن نواة كانت في جوف صدفة، فأصابت القطرةُ بعض النواة ولم تُصب البعضَ، فكان حيث أصاب القطرة من النواة لؤلؤة وسائرها نواة. وقيل: إن العذب والملح قد يلتقيان، فيكون العذب كاللقاح للملح، فنسب إليهما كما ينسب الولد إلى الذكر والأنثى وإن ولدته الأنثى؛ لذلك قيل: إنه لا يخرج اللؤلؤ إلا من موضع يلتقي فيه العذب والملح. وقيل: المرجان عظام اللؤلؤ وكباره؛ قاله عليّ وٱبن عباس رضي الله عنهما. واللؤلؤ صغاره. وعنهما أيضاً بالعكس: إن اللؤلؤ كبار اللؤلؤ والمرجان صغاره؛ وقاله الضحاك وقتادة. وقال ٱبن مسعود وأبو مالك: المرجان الخرز الأحمر.

وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَـَٔاتُ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَٰمِ ۝٢٤ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٢٥

قوله تعالى: {وَلَهُ ٱلْجَوَارِ} يعني السفن. {ٱلْمُنشَئَاتُ} قراءة العامة {ٱلْمُنشَئَاتُ} بفتح الشين؛ قال قتادة: أي المخلوقات للجري مأخوذ من الإنشاء. وقال مجاهد: هي السفن التي رُفِعَ قِلْعها؛ قال: وإذا لم يُرفع قِلْعها فليست بمنشَئات. وقال الأخفش: إنها الَمجريات. وفي الحديث: أن عليًّا رضي الله عنه رأى سفناً مُقْلَعة، فقال: وربّ هذه الجوارِي المنشآت ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بٱختلاف عنه «الْمُنْشِئآتُ» بكسر الشين أي المنشِئات السير؛ أضيف الفعل إليها على التجوز والاتساع. وقيل: الرافعات الشُّرُع أي القُلُع. ومن فتح الشين قال: المرفوعات الشُّرَع. {كَٱلأَعْلاَمِ} أي كالجبال، والعَلَم الجبل الطويل، قال:

إذا قَطَعْـنَ عَلَمـاً بَـدَا عَلَـمٌ

فالسفن في البحر كالجبال في البر، وقد مضى في «الشورى» بيانه. وقرأ يعقوب «الْجَوَارِي» بياء في الوقف؛ وحذف الباقون.

كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝٢٦ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ ۝٢٧ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٢٨

قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} الضمير في {عَلَيْهَا} للأرض، وقد جرى ذكرها في أول السورة في قوله تعالى: {وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} وقد يقال: هو أكرم مَنْ عليها، يعنون الأرض وإن لم يجر لها ذكر. وقال ٱبن عباس: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلك أهل الأرض فنزلت:

{ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }[القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك؛ وقاله مقاتل. ووجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام. وقيل: وجه النعمة أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب. {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ} أي ويبقى الله؛ فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه؛ قال الشاعر:

قَضَى على خَلْقه المنايافكلُّ شيء سواه فانِي

وهذا الذي ٱرتضاه المحققون من علمائنا: ٱبن فورك وأبو المعالي وغيرهم. وقال ٱبن عباس: الوجه عبارة عنه كما قال: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} وقال أبو المعالي: وأما الوجه فالمراد به عند معظم أئمتنا وجود الباري تعالى، وهو الذي ٱرتضاه شيخنا. ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ} والموصف بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء وجود الباري تعالى. وقد مضى في «البقرة» القول في هذا عند قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى مستوفى. قال القشيري: قال قوم هو صفة زائدة على الذات لا تُكَيف، يحصل بها الإقبال على من أراد الربّ تخصيصه بالإكرام. والصحيح أن يقال: وجهه وجوده وذاته، يقال: هذا وجه الأمر ووجه الصواب وعين الصواب. وقيل: أي يبقى الظاهر بأدلته كظهور الإنسان بوجهه. وقيل: وتبقى الجهة التي يتقرب بها إلى الله. {ذُو ٱلْجَلاَلِ} الجلال عظمة الله وكبرياؤه وٱستحقاقه صفات المدح؛ يقال: جَلَّ الشيءُ أي عَظُم وأجللته أي عظّمته، والجلال ٱسم من جلّ. {وَٱلإِكْرَامِ } أي هو أهل لأن يكرم عما لا يليق به من الشرك؛ كما تقول: أنا أكرمك عن هذا؛ ومنه إكرام الأنبياء والأولياء. وقد أتينا على هذين الاسمين لغةً ومعنًى في الكتاب الأسنى مستوفًى. وروى أنس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:أَلِظُّوا بيا ذا الجلالِ والإكرام. وروي أنه من قول ٱبن مسعود؛ ومعناه: ٱلزموا ذلك في الدعاء. قال أبو عبيد: الإلظاظ لزوم الشيء والمثابرة عليه. ويقال: الإلظاظ الإلحاح. وعن سعيد المقبري: أن رجلاً أَلَحَّ فجعل يقول: اللّهم يا ذا الجلال والإكرام! اللّهم يا ذا الجلال والإكرام! فنودي: إني قد سمعت فما حاجتك؟

يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ ۝٢٩ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٣٠

قوله تعالى: {يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قيل: المعنى يسأله من في السموات الرحمة، ومن في الأرض الرزق. وقال ٱبن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة ولا يسألونه الرزق؛ وأهل الأرض يسألونهما جميعاً. وقال ٱبن جريج: وتسأل الملائكة الرزق لأهل الأرض؛ فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء وأهل الأرض لأهل الأرض. وفي الحديث:

إن من الملائكة مَلكاً له أربعة أوجه وجه كوجه الإنسان وهو يسأل الله الرزق لبني آدم ووجه كوجه الأسد وهو يسأل الله الرزق للسباع ووجه كوجه الثور وهو يسأل الله الرزق للبهائم ووجه كوجه النّسر وهو يسأل الله الرزق للطير. وقال ٱبن عطاء: إنهم سألوه القوّة على العبادة. {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} هذا كلام مبتدأ. وٱنتصب «كُلَّ يَوْمٍ» ظرفاً، لقوله: «فِي شَأْنٍ» أو ظرفاً للسؤال؛ ثم يبتدىء {هُوَ فِي شَأْنٍ}. وروى أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} قال:«من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرّج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين». وعن ٱبن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} قال:«يغفر ذنباً ويكشف كرباً ويجيب داعياً». وقيل: من شأنه أن يحيـي ويميت، ويُعزّ ويذل، ويرزق ويمنع. وقيل: أراد شأنه في يومي الدنيا والآخرة. قال ٱبن بحر: الدهر كله يومان، أحدهما مدة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، فشأنه سبحانه وتعالى في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة الجزاء والحساب، والثواب والعقاب. وقيل: المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا وهو الظاهر. والشأن في اللغة الخطب العظيم والجمع الشؤون والمراد بالشأن هاهنا الجمع كقوله تعالى: { ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً }.[غافر:67] وقال الكلبي: شأنه سوق المقادير إلى المواقيت. وقال عمرو بن ميمون في قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} من شأنه أن يميت حَيًّا، ويُقِرَّ في الأرحام ما شاء، ويُعزّ ذليلاً، ويُذلّ عزيزاً. وسأل بعض الأمراء وزيره عن قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} فلم يعرف معناها، وٱستمهله إلى الغد فانصرف كئيباً إلى منزله فقال له غلام له أسود: ما شأنك؟ فأخبره. فقال له: عد إلى الأمير فإني أفسرها له، فدعاه فقال: أيها الأمير! شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحيّ من الميّت، ويخرج الميّت من الحيّ، ويَشفي سقيماً، ويُسقم سليماً، ويَبتلي معافًى، ويعافي مبتلًى، ويُعزّ ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويُفقر غنيًّا، ويغني فقيراً؛ فقال له: فَرَّجت عني فَرَّج الله عنك، ثم أمر بخلع ثياب الوزير وكساها الغلام؛ فقال: يا مولاي، هذا من شأن الله تعالى. وعن عبد الله بن طاهر: أنه دعا الحسين بن الفضل وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي: قوله تعالى: { فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ } [المائدة:31] وقد صح أن الندم توبة. وقوله: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} وقد صح أن القلم جفّ بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقوله: { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ }[النجم:39] فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله تعالى خص هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم. وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على حمله. وأما قوله: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها. وأما قوله: { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ }[النجم:39] فمعناه: ليس له إلا ما سعى عدلاً ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً فضلاً. فقام عبد الله وقبل رأسه وسوغ خراجه.

سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ ۝٣١ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٣٢ يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَٰنٍ ۝٣٣ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٣٤ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ ۝٣٥ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٣٦

قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ} يقال: فَرَغت من الشغل أفرغُ فُروغاً وفَرَاغاً وتفرّغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلته. والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه، إنما المعنى سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، وهذا وعيد وتهديد لهم كما يقول القائل لمن يريد تهديده: إذاً أتفرغ لك أي أقصدك. وفرغ بمعنى قصد؛ وأنشد ٱبن الأنباري في مثل هذا لجرير:

ألاَن وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍفهذا حينَ كُنْتُ لها عَذابَا

يريد وقد قصدت. وقال أيضاً وأنشده النحاس:

* فَرَغْـتُ إلـى العَبْـدِ المقَيَّدِ فـي الحِجْـلِ

وفي الحديث: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما بايع الأنصار ليلة العقبة، صاح الشيطان: يا أهل الجُبَاجب! هذا مُذَمَّم يبايع بني قَيْلة على حربكم؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«هذا إِزْبُ العَقَبة أَمَا والله يا عدوّ الله لأتفرغن لك» أي أقصد إلى إبطال أمرك. وهذا ٱختيار القتبي والكسائي وغيرهما. وقيل: إن الله تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور، ثم قال: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ» مما وعدناكم ونوصل كُلاًّ إلى ما وعدناه؛ أي أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن ومقاتل وٱبن زيد. وقرأ عبد الله وأبيّ «سَنَفْرُغُ إِلَيْكُمْ» وقرأ الأعمش وإبراهيم «سَيُفْرَغُ لَكُمْ» بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله. وقرأ ٱبن شهاب والأعرج «سَنَفْرَغُ لَكُمْ» بفتح النون والراء؛ قال الكسائي: هي لغة تميم يقولون فَرِغَ يَفرَغ، وحكي أيضاً فَرَغَ يَفرَغ ورواهما هُبيرة عن حفص عن عاصم. وروى الجُعْفي عن أبي عمرو «سَيَفْرَغُ» بفتح الياء والراء، ورويت عن ٱبن هُرْمز. وروي عن عيسى الثّقفي «سَنِفْرَغُ لَكُمْ» بكسر النون وفتح الراء، وقرأ حمزة والكسائي «سَيَفْرُغُ لَكُمْ» بالياء. الباقون بالنون وهي لغة تهامة. والثَّقلان الجنّ والإنس؛ سُمّيا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف. وقيل: سمّوا بذلك لأنهم ثقل على الأرض أحياءً وأمواتاً؛ قال الله تعالى: { وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا }[الزلزلة:2] ومنه قولهم: أعطه ثقله أي وزنه. وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قدر ووزن يُنافَسُ فيه فهو ثقل. ومنه قيل لبيض النعام ثقل؛ لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به. وقال جعفر الصادق: سمّيا ثقلين؛ لأنهما مثقلان بالذنوب. وقال: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} فجمع، ثم قال: {أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ} لأنهما فريقان وكل فريق جمع، وكذا قوله تعالى: {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ} ولم يقل إن ٱستطعتما؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: { فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ }[النمل:45] و { هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ }[الحج:19] ولو قال: سنفرغ لكما، وقال إن ٱستطعتما لجاز. وقرأ أهل الشام «أَيُّهُ الثَّقَلانِ» بضم الهاء. الباقون بفتحها وقد تقدّم.

مسألة: هذه السورة و«الأَحْقَاف» و{قُلْ أُوحِيَ} دليل على أنّ الجنّ مخاطبون مكلَّفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنُهم كمؤمنهم، وكافرُهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك.

قوله تعالى: {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ} الآية. ذكر ٱبن المبارك: وأخبرنا جويبر عن الضحاك قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت بأهلها، فتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الربّ، فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يأمر الله السماء التي تليها كذلك فينزلون فيكونون صفًّا من خلف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة؛ فينزل الملَك الأعلى في بهائه وملكه ومجنّبته اليسرى جهنم، فيسمعون زفيرها وشهيقها، فلا يأتون قُطْراً من أقطارها إلا وجدوا صفوفاً من الملائكة، فذلك قوله تعالى: {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} والسلطان العذر. وقال الضحاك أيضاً: بينما الناس في أسواقهم ٱنفتحت السماء، ونزلت الملائكة، فتهرب الجنّ والإنس، فتحدق بهم الملائكة، فذلك قوله تعالى: {لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} ذكره النحاس.

قلت: فعلى هذا يكون في الدنيا، وعلى ما ذكر ٱبن المبارك يكون في الآخرة. وعن الضحاك أيضاً: إن ٱستطعتم أن تهربوا من الموت فٱهربوا. وقال ٱبن عباس: إن ٱستطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فٱعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله تعالى. وعنه أيضاً أن معنى: {لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم. قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك. وقيل: لا تنفذون إلا إلى سلطان، الباء بمعنى إلى؛ كقوله تعالى:

{ وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ }[يوسف:100] أي إليّ. قال الشاعر:

أَسِيئي بِنا أو أحسِنِي لا ملولةٌلدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إِن تَقَلَّتِ

وقوله: «فَٱنْفُذُوا» أمر تعجيز.

قوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ} أي لو خرجتم أرسل عليكم شواظ من نار، وأخذكم العذاب المانع من النفوذ. وقيل: ليس هذا متعلقاً بالنفوذ بل أخبر أنه يعاقب العصاة عذاباً بالنار. وقيل: أي بآلاءِ ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس عقوبة على ذلك التكذيب. وقيل: يحاط على الخلائق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ}، فتلك النار قوله: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ} والشواظ في قول ٱبن عباس وغيره اللهب الذي لا دخان له. والنُّحاس: الدخان الذي لا لهب فيه؛ ومنه قول أمية بن أبي الصَّلْت يهجو حسان بن ثابت رضي الله عنه، كذا وقع في تفسير الثعلبيّ والماورديّ بن أبي الصَّلْت، وفي «الصحاح» و«الوقف والابتداء» لابن الأنباري: أمية بن خلف قال:

أَلاَ مَنْ مُبْلِغٌ حَسَّانَ عنِّيمُغَلْغَلَةً تَدُبُّ إلى عُكَاظِ أَلَيْسَ أبوكَ فينا كان قَيْناًلَدَى الْقَيْنَاتِ فَسْلاً في الحِفَاظَ يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشُدُّ كِيراًوينْفُخُ دَائباً لَهَبَ الشُّواظِ

فأجابه حسان رضي الله عنه فقال:

هَجَوْتُكَ فَٱخْتَضَعْتَ لها بِذُلٍّبِقافِيةٍ تَأَجَّجُ كالشُّواظِ

وقال رُؤبة:

إنّ لهم من وَقْعِنَا أَقْيَاظاًونارَ حربٍ تُسْعِرُ الشُّوَاظَا

وقال مجاهد: الشّواظ اللهب الأخضر المنقطع من النار. الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب. وقاله سعيد بن جبير. وقد قيل: إن الشواظ النار والدخان جميعاً؛ قاله أبو عمرو وحكاه الأخفش عن بعض العرب. وقرأ ٱبن كَثير «شِواظ» بكسر الشين. الباقون بالضم وهما لغتان؛ مثل صُوَار وصِوار لقطيع البقر. {وَنُحَاسٌ} قراءة العامة «وَنُحَاسٌ» بالرفع عطف على «شُوَاظ». وقرأ ٱبن كثير وٱبن محيصن ومجاهد وأبو عمرو «ونُحَاسٍ» بالخفض عطفاً على النار. قال المهدوي: من قال إن الشّواظ النارُ والدخان جميعاً فالجر في «نُحَاس» على هذا بيّن. فأما الجر على قول من جعل الشواظ اللهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ} وشيء من نحاس؛ فشيء معطوف على شواظ، ومن نحاس جملة هي صفة لشيء، وحذف شيء، وحذفت مِن لتقدم ذكرها في «مِنْ نَارٍ» كما حذفت على من قولهم: على من تنزل أنزل أي عليه. فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً بمن المحذوفة. وعن مجاهد وحُميد وعكرمة وأبي العالية «ونِحاسٍ» بكسر النون لغتان كالشِّواظ والشُّواظ. والنِّحاس بالكسر أيضاً الطبيعة والأصل؛ يقال: فلان كريم النِّحاس والنُّحاس أيضاً بالضم أي كريم النِّجار. وعن مسلم بن جُنْدَب «ونَحْسٌ» بالرفع. وعن حنظلة بن مرّة بن النعمان الأنصاري «ونَحْسٍ» بالجر عطف على نار. ويجوز أن يكون «ونِحاسٍ» بالكسر جمع نَحْسٍ كصَعْب وصِعاب «ونَحْسٌ» بالرفع عطف على «شواظ» وعن الحسن «ونُحُسٍ» بالضم فيها جمع نَحْس. ويجوز أن يكون أصله ونُحُوس فقصر بحذف واوه حسب ما تقدّم عند قوله: { وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ }[النحل:16]. وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة «وَنَحُسُّ» بفتح النون وضم الحاء وتشديد السين من حَسَّ يَحُسّ حَسًّا إذا ٱستأصل؛ ومنه قوله تعالى: { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ }[آل عمران:152] والمعنى ونقتل بالعذاب. وعلى القراءة الأولى «ونُحَاسٌ» فهو الصُّفْر المذاب يُصَبُّ على رؤوسهم؛ قاله مجاهد وقتادة، وروي عن ٱبن عباس. وعن ٱبن عباس أيضاً وسعيد بن جُبير أن النحاس الدخان الذي لا لهب فيه؛ وهو معنى قول الخليل؛ وهو معروف في كلام العرب بهذا المعنى؛ قال نابغة بني جَعْدة:

يُضِيءُ كضَوْءِ سِرَاج السَّلِيــطِ لم يَجْعَلِ اللَّهُ فيه نُحَاسَا

قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول السَّليط دهن السّمسم بالشام ولا دخان فيه. وقال مقاتل: هي خمسة أنهار من صُفْر مُذَاب، تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار؛ ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار. وقال ٱبن مسعود: النُّحَاس المُهْل. وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغليّ. وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة. {فَلاَ تَنتَصِرَانِ} أي لا ينصر بعضكم بعضاً يعني الجن والإنس.

فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ ۝٣٧ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٣٨ فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ ۝٣٩ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝٤٠

قوله تعالى: {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ} أي ٱنصدعت يوم القيامة {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} الدِّهَانُ الدهن؛ عن مجاهد والضحاك وغيرهما. والمعنى أنها صارت في صفاء الدهن؛ والدهان على هذا جمع دُهْن. وقال سعيد بن جُبير وقتادة: المعنى فكانت حمراء. وقيل: المعنى تصير في حمرة الورد وجريان الدهن؛ أي تذوب مع الانشقاق حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدُّهن لرقتها وذوبانها. وقيل: الدّهان الجلد الأحمر الصّرف؛ ذكره أبو عبيد والفراء. أي تصير السماء حمراء كالأديم لشدة حَرِّ النار. ٱبن عباس: المعنى فكانت كالفرس الْوَرْد؛ يقال للكُمَيت: وَرْدٌ إذا كان يتلوّن بألوان مختلفة. قال ٱبن عباس: الفرس الوَرْد؛ في الربيع كميت أصفر، وفي أوّل الشتاء كُمَيت أحمر، فإذا ٱشتد الشتاء كان كُمَيتاً أغبر. وقال الفراء: أراد الفرس الوَرْديّة، تكون في الربيع وَرْدةً إلى الصفرة، فإذا ٱشتد البرد كانت وَرْدةً حمراء، فإذا كان بعد ذلك كانت وَرْدةً إلى الغُبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الْوَرْد من الخيل. وقال الحسن: {كَٱلدِّهَانِ } أي كصبّ الدُّهْن فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً. وقال زيد بن أسلم: المعنى أنها تصير كعَكَر الزيت، وقيل: المعنى أنها تمرّ وتجيء. قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان. وهذا قريب مما قدمناه من أن الفرس الوَرْدة تتغير ألوانها. وقال قتادة: إنها اليوم خضراء وسيكون لها لون أحمر؛ حكاه الثعلبي. وقال الماورديّ: وزعم المتقدمون أن أصل لون السماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبُعد المسافة تُرى بهذا اللون الأزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء كحمرة الدم وتُرى بالحائل زرقاء؛ فإن كان هذا صحيحاً فإن السماء لقربها من النواظر يوم القيامة وٱرتفاع الحواجز ترى حمراء، لأنه أصل لونها. والله أعلم.

قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} هذا مثل قوله تعالى:

{ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ }[القصص:78] وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم؛ فيسأل في بعض ولا يسأل في بعض، وهذا قول عكرمة. وقيل: المعنى لا يسألون إذا ٱستقروا في النار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله حفظها عليهم، وكتبتها عليهم الملائكة. رواه العوفي عن ٱبن عباس. وعن الحسن ومجاهد أيضاً: المعنى لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم؛ دليله ما بعده. وقاله مجاهد عن ٱبن عباس. وعنه أيضاً في قوله تعالى: { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }[الحجر:92] وقوله: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} وقال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكنه يسألهم لم عملتموها سؤال توبيخ. وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم. وقال قتادة: كانت المسألة قبل؛ ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت الجوارح شاهدة عليهم. وفي حديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وفيه قال: فَيلْقَى العبدَ فيقول أي فُلْ ألم أُكْرِمك وأُسوِّدْك وأُزَوِّجْك وَأُسَخِّرْ لك الخيلَ والإبلَ وأَذرْك تَرْأَسُ وتَرْبَعُ فيقول بلى فيقول أفظننتَ أنك مُلاَقيّ فيقول لا فيقول إني أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثاني فيقول له مثل ذلك بعينه ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصلّيت وصمت وتصدّقت ويثني بخير ما ٱستطاع فيقول ها هنا إذاً ثُمَّ يقال له الآن نبعث شاهدنا عليك فيفتكر في نفسه مَن هذا الذي يشهد عليّ فيُختَم على فِيهِ ويقال لفخذه ولحمه وعظامه ٱنطقي فتنطق فخذُه ولحمُه وعظامُه بعمله وذلك ليعذِر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليهوقد مضى هذا الحديث في «حم السجدة» وغيرها.
الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ