انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الشورى

تفسير الطبريالآيات 1–23

تفسير سورة الشورى آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الشورى

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 37:09

  1. 1 الآيات 1–12في هذه الصفحة 7:54
  2. 2 الآيات 13–26في هذه الصفحة 12:42
  3. 3 الآيات 27–50 13:54
  4. 4 الآيات 51–53 2:39

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

حمٓ ۝١ عٓسٓقٓ ۝٢ كَذَٰلِكَ يُوحِىٓ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٣

قد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في معاني حروف الهجاء التي افتتحت بها أوائل ما افتتح بها من سور القرآن، وبيَّنا الصواب من قولهم في ذلك عندنا بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع، إذ كانت هذه الحروف نظيرة الماضية منها. وقد ذكرنا عن حُذيفة في معنى هذه خاصة قولاً، وهو ما:

حدثنا به أحمد بن زهير، قال: ثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، قال: ثنا أبو المُغيرة عبد القدوس بن الحجاج الحمصي، عن أرطاة بن المنذر قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال له وعنده حُذيفة بن اليمان، أخبرني عن تفسير قول الله:{ حَم. عسق}، قال: فأطرق ثم أعرض عنه، ثم كرّر مقالته فأعرض فلم يجبه بشيء وكره مقالته، ثم كرّرها الثالثة فلم يجبه شيئاً، فقال له حُذيفة: أنا أنبئك بها، قد عرفت بم كرهها نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الإله أو عبدالله ينزل على نهر من أنهار المشرق، تبنى عليه مدينتان يشقّ النهر بينهما شقاً، فإذا أذن الله في زوال مُلكهم، وانقطاع دولتهم ومدتهم، بعث الله على إحداهما ناراً ليلاً، فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت، كأنها لم تكن مكانها، وتصبح صاحبتها متعجبة، كيف أفلتت، فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجتمع فيها كلّ جبار عنيد منهم، ثم يخسف الله بها وبهم جميعاً، فذلك قوله:{ حم. عسق} يعني: عزيمة من الله وفتنة وقضاء حم، عين: يعني عدلاً منه، سين: يعني سيكون، وقاف: يعني واقع بهاتين المدينتين.

وذُكر عن ابن عباس أنه كان يقرأه «حم. سق» بغير عين، ويقول: إن السين: عمر كل فرقة كائنة وإن القاف: كل جماعة كائنة ويقول: إن علياً إنما كان يعلم العين بها. وذُكر أن ذلك في مصحف عبد الله على مثل الذي ذكر عن ابن عباس من قراءته من غير عين.

وقوله:{ كَذَلَكَ يُوحِي إلَيْكَ وَإلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ} يقول تعالى ذكره: هكذا يوحِي إليك يا محمد وإلى الذين من قبلك من أنبيائه. وقيل: إن حم عين سين ق أوحيت إلى كلّ نبيّ بُعث، كما أُوحيت إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، ولذلك قيل:{ كَذَلَكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللّهُ العَزِيزُ} في انتقامه من أعدائه {الحَكِيمُ} في تدبيره خلقه.

لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ ۝٤ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۝٥

يقول تعالى ذكره: لِلّهِ مُلك {مَا فِي السَّمَواتِ وَمَا فِي الأرْضِ } من الأشياء كلها{ وَهُوَ العَلِيُّ} يقول: وهو ذو علوّ وارتفاع على كلّ شيء، والأشياء كلها دونه، لأنهم في سلطانه، جارية عليهم قُدرته، ماضية فيهم مشيئته{ الّعَظِيمُ } الذي له العظمة والكبرياء والجبرية.

وقوله:{ تَكادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ } يقول تعالى ذكره: تكاد السموات يتشققن من فوق الأرضين، من عظمة الرحمن وجلاله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ تَكادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ} قال: يعني من ثقل الرحمن وعظمته تبارك وتعالى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ تَكادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ}: أي من عظمة الله وجلاله.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ{ تَكادُ السَّمَواتُ يَتَفَطَّرْنَ } قال: يتشقَّقن في قوله:

{ مُنْفَطِرٌ بِهِ } قال: منشقّ به.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله:{ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ } يقول: يتصدّعن من عظمة الله.

حدثنا محمد بن منصور الطوسي، قال: ثنا حسين بن محمد، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قال: جاء رجل إلى كعب فقال: يا كعب أين ربنا؟ فقال له الناس: دقّ الله تعالى، أفتسأل عن هذا؟ فقال كعب: دعوه، فإن يك عالماً ازداد، وإن يك جاهلاً تعلم. سألت أين ربنا، وهو على العرش العظيم متكىء، واضع إحدى رجليه على الأخرى، ومسافة هذه الأرض التي أنت عليها خمسمائة سنة ومن الأرض إلى الأرض مسيرة خمس مئة سنة، وكثافتها خمس مئة سنة، حتى تمّ سبع أرضين، ثم من الأرض إلى السماء مسيرة خمس مئة سنة، وكثافتها خمس مئة سنة، والله على العرش متكىء، ثم تفطر السموات. ثم قال كعب: اقرأوا إن شئتم{ تَكادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ... } الآية.

وقوله:{ وَالمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } يقول تعالى ذكره: والملائكة يصلون بطاعة ربهم وشكرهم له من هيبة جلاله وعظمته، كما:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {وَالمَلائِكَةُ يَسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } قال: الملائكة يسبحون له من عظمته.

وقوله:{ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ } يقول: ويسألون ربهم المغفرة لذنوب من في الأرض من أهل الإيمان به، كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله:{ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ } قال: للمؤمنين. يقول الله عزّ وجلّ: ألا إن الله هو الغفور لذنوب مؤمني عباده، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد توبتهم منها.

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ۝٦

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا} يا محمد من مشركي قومك{ مِنْ دُونِهِ اللّهِ} آلهة يتولونها ويعبدونها {اللّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ } يُحْصِي عليهم أفعالهم، ويحفظ أعمالهم، ليجازيهم بها يوم القيامة جزاءهم {وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} يقول: ولست أنت يا محمد بالوكيل عليهم بحفظ أعمالهم، وإنما أنت منذر، فبلغهم ما أرسلت به إليهم، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ ۝٧

يقول تعالى ذكره: وهكذا{ أوْحَيْنا إلَيْكَ } يا محمد{ قُرْآنا عَرَبِيّاً} بلسان العرب، لأن الذين أرسلتك إليهم قوم عرب، فأوحينا إليك هذا القرآن بألسنتهم، ليفهموا ما فيه من حجج الله وذكره، لأنا لا نرسل رسولاً إلا بلسان قومه، ليبين لهم{ لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى} وهي مكة {وَمَنْ حَوْلَهَا} يقول: ومن حول أمّ القرى من سائر الناس. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى} قال: مكة.

وقوله:{ وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ} يقول عزّ وجلّ: وتنذر عقاب الله في يوم الجمع عباده لموقف الحساب والعرض. وقيل: وتنذر يوم الجمع، والمعنى: وتنذرهم يوم الجمع، كما قيل: يخوّف أولياءه، والمعنى: يخوّفكم أولياءه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ } قال: يوم القِيامَةِ.

وقوله:{ لا رَيْبَ فِيهِ } يقول: لا شكّ فيه.

وقوله:{ فَرِيقٌ فِي الجَنَّة وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } يقول: منهم فريق في الجنة، وهم الذين آمنوا بالله واتبعوا ما جاءهم به رسوله صلى الله عليه وسلم {وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } يقول: ومنهم فريق في الموقدة من نار الله المسعورة على أهلها، وهم الذين كفروا بالله، وخالفوا ما جاءهم به رسوله. وقد:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي قبيل المعافريّ، عن شفيّ الأصبحيّ، عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال:

هَلْ تَدْرُونَ ما هَذَا؟ فقلنا: لا، إلا أن تخبرنا يا رسول الله، قال: هَذَا كِتابٌ مِنْ رَبّ العالَمِينَ، فِيهِ أسْماءُ أهْلِ الجَنَّةِ، وأسماءُ آبائِهِمْ وَقَبَائِلِهمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ، على آخِرِهِم، فَلا يُزادُ فِيهِمْ وَلا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أبَداً، وَهَذَا كِتابُ أهْلِ النَّارِ بِأسمْائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ على آخِرِهِم، فَلا يُزَادُ وَلا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أبَداً، قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ففيم إذن نعمل إن كان هذا أمر قد فُرغ منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:بَلْ سَدِّدُوا وَقارِبُوا، فإنَّ صَاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتمُ لَهُ بعَمَلِ الجَنَّةِ وَإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ، وَصَاحِبُ النَّارِ يُخْتَمُ لَه بعَمَلِ النَّارِ وَإنْ عَمِلَ أيّ عَمَلٍ، فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ العِبادِ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه فنبذهما: فَرَغ رَبُّكُمْ مِنَ الخَلْقِ، فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ قالوا: سبحان الله، فلم نعمل وننصب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العَمَلُ إلى خَوَاتِمِهِ

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحرث وحيوة بن شريح، عن يحيى بن أبي أسيد، أن أبا فراس حدثه أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: إن الله تعالى ذكره لما خلق آدم نفضه نفض المزود، فأخرج منه كلّ ذرية، فخرج أمثال النغف، فقبضهم قبضتين، ثم قال: شقي وسعيد، ثم ألقاهما، ثم قبضهما فقال:{فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}.

قال: أخبرني عمرو بن الحرث، عن أبي شُبُّويه، حدثه عن ابن حجيرة أنه بلغه أن موسى قال: يا ربّ خلقك الذين خلقتهم، جعلت منهم فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير، لوما أدخلتهم كلهم الجنة قال: يا موسى ارفع زرعك، فرفع، قال: قد رفعت، قال: ارفع، فرفع، فلم يترك شيئاً، قال: يا ربّ قد رفعت، قال: ارفع، قال: قد رفعت إلا ما لا خير فيه، قال: كذلك أدخل خلقي كلهم الجنة إلا ما لا خير فيه. وقيل:{ فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } فرفع، وقد تقدّم الكلام قبل ذلك بقوله:{ لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} بالنصب، لأنه أريد به الابتداء، كما يقال: رأيت العسكر مقتول أو منهزم، بمعنى: منهم مقتول، ومنهم منهزم.

وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِۦ وَٱلظَّٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ ۝٨

يقول تعالى ذكره: ولو أراد الله أن يجمع خلقه على هدى، ويجعلهم على ملة واحدة لفعل، و{لجعلهم أمة واحدة} يقول: أهل ملة واحدة، وجماعة مجتمعة على دين واحد{ وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ} يقول: لم يفعل ذلك فيجعلهم أمة واحدة، ولكن يُدخل من يشاء، من عباده في رحمته، يعني أنه يُدخله في رحمته بتوفيقه إياه للدخول في دينه، الذي ابتعث به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم{ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيّ وَلا نَصِيرٍ } يقول: والكافرون بالله ما لهم من وليّ يتولاهم يوم القيامة، ولا نصير ينصرهم من عقاب الله حين يعاقبهم، فينقذهم من عذابه، ويقتصّ لهم ممن عاقبهم، وإنما قيل هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسلية له عما كان يناله من الهمّ بتولية قومه عنه، وأمراً له بترك إدخال المكروه على نفسه من أجل إدبار من أدبر عنه منهم، فلم يستجب لما دعاه إليه من الحقّ، وإعلاماً له أن أمور عباده بيده، وأنه الهادي إلى الحقّ من شاء، والمضلّ من أراد دونه، ودون كلّ أحد سواه.

أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِىُّ وَهُوَ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٩ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ۝١٠

يقول تعالى ذكره: أم اتخذ هؤلاء المشركون بالله أولياء من دون الله يتولونهم {فاللّهُ هُوَ الوَلِيّ } يقول: فالله هو وليّ أوليائه، وإياه فليتخذوا ولياً لا الآلهة والأوثان، ولا ما لا يملك لهمّ ضرّاً ولا نفعاً،{ وَهُوَ يُحْي المَوْتَى} يقول: والله يحيى الموتى من بعد مماتهم، فيحشرهم يوم القيامة{ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يقول: والله القادر على إحياء خلقه من بعد مماتهم وعلى غير ذلك، إنه ذو قدرة على كلّ شيء.

وقوله:{ وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللّهِ} يقول تعالى ذكره: وما اختلفتم أيها الناس فيه من شيء فتنازعتم بينكم، فحكمه إلى الله. يقول: فإن الله هو الذي يقضي بينكم ويفصل فيه الحكم. كما.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللّهِ} قال ابن عمرو في حديثه: فهو يحكم فيه، وقال الحارث: فالله يحكم فيه.

وقوله:{ ذَلِكُمْ اللّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين بالله هذا الذي هذه الصفات صفاته ربي، لا آلهتكم التي تدعون من دونه، التي لا تقدر على شيء{ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في أموري، وإليه فوّضت أسبابي، وبه وثقت{ وَإلَيْهِ أُنِيبُ} يقول: وإليه أرجع في أموري وأتوب من ذنوبي.

فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَمِنَ ٱلْأَنْعَٰمِ أَزْوَٰجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ۝١١

يقول تعالى ذكره:{ فَاطِرُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ}، خالق السموات السبع والأرض. كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله:{ فاطِرُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ } قال: خالق.

وقوله:{ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجاً } يقول تعالى ذكره: زوّجكم ربكم من أنفسكم أزواجاً. وإنما قال جلّ ثناؤه: {مِنْ أنْفُسِكُمْ} لأنه خلق حوّاء من ضلع آدم، فهو من الرجال.{ وَمِنَ الأنْعامِ أزْوَاجاً} يقول جلّ ثناؤه: وجعل لكم من الأنعام أزواجاً من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ذكوراً وإناثاً، ومن كل جنس من ذلك{ يَذْرَؤُكُم فِيهِ}: يقول: يخلقكم فيما جعل لكم من أزواجكم، ويعيشكم فيما جعل لكم من الأنعام.

وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله:{ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } في هذا الموضع، فقال بعضهم: معنى ذلك: يخلقكم فيه. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } قال: نسل بعد نسل من الناس والأنعام.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: {يَذْرَؤُكُمْ} قال: يخلقكم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله:{ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } قال: نسلاً بعد نسل من الناس والأنعام.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، أنه قال في هذه الآية:{ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } قال: يخلقكم.

وقال آخرون: بل معناه: يعيشكم فيه. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجاً وَمِنَ الأنْعام أزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } يقول: يجعل لكم فيه معيشة تعيشون بها.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة{ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} قال: يعيشكم فيه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} قال: عيش من الله يعيشكم فيه.

وهذان القولان وإن اختلفا في اللفظ من قائليهما فقد يحتمل توجيههما إلى معنى واحد، وهو أن يكون القائل في معناه يعيشكم فيه، أراد بقوله ذلك: يحييكم بعيشكم به كما يحيى من لم يخلق بتكوينه إياه، ونفخه الروح فيه حتى يعيش حياً. وقد بيَّنت معنى ذرء الله الخلق فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادته.

وقوله:{ لَيْس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فيه وجهان: أحدهما أن يكون معناه: ليس هو كشيء، وأدخل المثل في الكلام توكيداً للكلام إذا اختلف اللفظ به وبالكاف، وهما بمعنى واحد، كما قيل:

ما إنْ نَدِيتُ بشَيْءٍ أنْتَ تَكْرَهُهُ

فأدخل على «ما» وهي حرف جحد «إن» وهي أيضاً حرف جحد، لاختلاف اللفظ بهما، وإن اتفق معناهما توكيداً للكلام، وكما قال أوس بن حَجَر:

وَقَتْلَى كمِثْلِ جُذوعِ النَّخيل ْتَغَشَّاهُمْ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ

ومعنى ذلك: كجذوع النخيل، وكما قال الآخر:

سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذَا أبْصَرْتَ فَضْلَهُمُ ما إنْ كمِثْلِهِمِ فِي النَّاسِ مِنَ أحَدِ

والآخر: أن يكون معناه: ليس مثله شيء، وتكون الكاف هي المدخلة في الكلام، كقول الراجز:

وَصَالِياتِ كَكَما يُؤْثَفَيْنِ

فأدخل على الكاف كافاً توكيداً للتشبيه، وكما قال الآخر:

تَنْفِي الغَيادِيقُ عَلى الطَّرِيقِ قَلَّصَ عَنْ كَبَيْضَةٍ فِي نِيقِ

فأدخل الكاف مع «عن»، وقد بيَّنا هذا في موضع غير هذا المكان بشرح هو أبلغ من هذا الشرح، فلذلك تجوّزنا في البيان عنه في هذا الموضع.

وقوله:{ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} يقول جلّ ثناؤه واصفاً نفسه بما هو به، وهو يعني نفسه: السميع لما تنطق به من خلقه قول، البصير لأعمالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا يعزب عنه علم شيء منه، وهو محيط بجميعه، محصٍ صغيره وكبيره

{ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } من خير أو شرّ.

لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ۝١٢

يعني تعالى ذكره بقوله:{ لَهُ مَقالِيدُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ}: له مفاتيح خزائن السموات والأرض وبيده مغاليق الخير والشرّ ومفاتيحها، فما يفتح من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد{ لَهُ مَقالِيدُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ } قال: مفاتيح بالفارسية.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة{ لَهُ مَقالِيدُ السَّمَوَاتِ والأرْض} قال: مفاتيح السموات والأرض. وعن الحسن بمثل ذلك.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ{ لَهُ مَقاليدُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ } قال: خزائن السموات والأرض.

وقوله:{ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ} يقول: يوسع رزقه وفضله على من يشاء من خلقه، ويبسط له، ويكثر ماله ويغنيه. ويقدر: يقول: ويقتر على من يشاء منهم فيضيقه ويفقره{ إنَّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } يقول: إن الله تبارك وتعالى بكل ما يفعل من توسيعه على من يوسع، وتقتيره على من يقتر، ومن الذي يصلحه البسط عليه في الرزق، ويفسده من خلقه، والذي يُصلحه التقتير عليه ويفسده، وغير ذلك من الأمور، ذو علم لا يخفى عليه موضع البسط والتقتير وغيره، من صلاح تدبير خلقه. يقول تعالى ذكره: فإلى من له مقاليد السموات والأرض الذي صفته ما وصفت لكم في هذه الآيات أيها الناس فارغبوا، وإياه فاعبدوا مخلصين له الدين لا الأوثان والآلهة والأصنام، التي لا تملك لكم ضرّاً ولا نفعاً.

شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ۝١٣

يقول تعالى ذكره:{ شَرَعَ لَكُمْ} ربكم أيها الناس {مِنَ الدّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً } أن يعمله {وَالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ} يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وشرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك يا محمد، فأمرناك به{ وَما وَصَّيْنا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أنْ أقِيمُوا الدّينَ} يقول: شرع لكم من الدين، أن أقيموا الدين «فأن» إذ كان ذلك معنى الكلام، في موضع نصب على الترجمة بها عن «ما» التي في قوله: {ما وَصَّى بِهِ نُوحاً}. ويجوز أن تكون في موضع خفض ردّاً على الهاء التي في قوله:{ بِهِ}، وتفسيراً عنها، فيكون معنى الكلام حينئذٍ: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً، أن أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه. وجائز أن تكون في موضع رفع على الاستئناف، فيكون معنى الكلام حينئذٍ: شرع لكم من الدين ما وصى به، وهو أن أقيموا الدين. وإذ كان معنى الكلام ما وصفت، فمعلوم أن الذي أوصى به جميع هؤلاء الأنبياء وصية واحدة، وهي إقامة الدين الحق، ولا تتفرّقوا فيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ما وَصَّى بِهِ نُوحاً} قال: ما أوصاك به وأنبيائه، كلهم دين واحد.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله:{ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً} قال: هو الدين كله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً} بعث نوح حين بعث بالشريعة بتحليل الحلال، وتحريم الحرام{ وَما وَصَّيْنا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَموسَى وَعِيسَى}.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة{ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً} قال: الحلال والحرام.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدّين ما وَصَّى بِهِ نُوحاً...} إلى آخر الآية، قال: حسبك ما قيل لك.

وعنى بقوله: {أنْ أقِيمُوا الدّينَ} أن اعملوا به على ما شرع لكم وفرض، كما قد بينا فيما مضى قبل في قوله:{ أقِيمُوا الصَّلاة}. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله:{ أنْ أقِيمُوا الدّينَ} قال: اعملوا به.

وقوله:{ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} يقول: ولا تختلفوا في الدين الذي أُمِرتُم بالقيام به، كما اختلف الأحزاب من قبلكم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} تعلَّموا أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة.

وقوله:{ كَبُرَ على المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ } يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: كبر على المشركين بالله من قومك يا محمد ما تدعوهم إليه من إخلاص العبادة لله، وإفراده بالألوهية والبراءة مما سواه من الآلهة والأنداد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة{ كَبُرَ على المُشْرِكيِنَ ما تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ } قال: أنكرها المشركون، وكبر عليهم شهادة أن لا إله إلا الله، فصادمها إبليس وجنوده، فأبى الله تبارك وتعالى إلا أن يمضيها وينصرها ويفلجها ويظهرها على من ناوأها.

وقوله:{ اللّهُ يَجْتَبي إلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيهْدِي إلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} يقول: الله يصطفي إليه من يشاء من خلقه، ويختار لنفسه، وولايته من أحبّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ اللّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَنْ يَشاءُ، وَيَهْدِي إلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ } يقول: ويوفق للعمل بطاعته، واتباع ما بعث به نبيه عليه الصلاة والسلام من الحقّ من أقبل إلى طاعته، وراجع التوبة من معاصيه. كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وَيَهْدِي إلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}: من يقبل إلى طاعة الله.

وَمَا تَفَرَّقُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِنۢ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ۝١٤

يقول تعالى ذكره: وما تفرّق المشركون بالله في أديانهم فصاروا أحزاباً، إلا من بعد ما جاءهم العلم، بأن الذي أمرهم الله به، وبعث به نوحاً، هو إقامة الدين الحقّ، وأن لا تتفرّقوا فيه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَما تَفَرَّقُوا إلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ} فقال: إياكم والفرْقة فإنها هَلكة{ بَغْياً بَيْنَهُمْ} يقول: بغياً من بعضكم على بعض وحسداً وعداوة على طلب الدنيا {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى } يقول جلّ ثناؤه: ولولا قول سبق يا محمد من ربك لا يعاجلهم بالعذاب، ولكنه أخر ذلك إلى أجل مسمى، وذلك الأجل المسمى فيما ذُكر: يوم القيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ{ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكْ إلى أجَلٍ مُسَمًّى } قال: يوم القيامة.

وقوله: {لقضي بينهم} يقول: لفرغ ربك من الحكم بين هؤلاء المختلفين في الحقِّ الذي بعث به نبيه نوحاً من بعد علمهم به، بإهلاكه أهل الباطل منهم، وإظهاره أهل الحق عليهم.

وقوله: {وإنَّ الَّذِينَ أُورثُوا الكِتابَ مِنْ بَعْدَهِمْ } يقول: وإن الذين آتاهم الله من بعد هؤلاء المختلفين في الحقّ كتابه التوراة والإنجيل{ لَفِي شَكْ مِنْهُ مُرِيبٌ} يقول: لفي شكّ من الدين الذين وصّى الله به نوحاً، وأوحاه إليك يا محمد، وأمركما بإقامته مريب. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله:{ وَإنَّ الَّذِينَ أُورثُوا الكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ } قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله:{ وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ } قال: اليهود والنصارى.

فَلِذَٰلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ۝١٥

يقول تعالى ذكره: فإلى ذلك الدين الذي شَرَع لكم، ووصّى به نوحاً، وأوحاه إليك يا محمد، فادع عباد الله، واستقم على العمل به، ولا تَزِغ عنه، واثبتْ عليه كما أمرك ربك بالاستقامة. وقيل: فلذلك فادع، والمعنى: فإلى ذلك، فوضعت اللام موضع إلى، كما قيل:

{ بأنَّ رَبَّكَ أوْحَى لَهَا }. وقد بيَّنا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا.

وكان بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك، في قوله:{ فَلِذَلكَ فادْعُ } إلى معنى هذا، ويقول: معنى الكلام: فإلى هذا القرآن فادع واستقم. والذي قال من هذا القول قريب المعنى مما قلناه، غير أن الذي قلنا في ذلك أولى بتأويل الكلام، لأنه في سياق خبر الله جلّ ثناؤه عما شرع لكم من الدين لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بإقامته، ولم يأت من الكلام ما يدلّ على انصرافه عنه إلى غيره.

وقوله:{ وَلا تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُم} يقول تعالى ذكره: ولا تتبع يا محمد أهواء الذين شكُّوا في الحقّ الذي شرعه الله لكم من الذين أورثوا الكتاب من بعد القرون الماضية قبلهم، فتشك فيه، كالذي شكوا فيه{ وقُلْ آمَنْتُ بِمَا أنْزَلَ اللّهُ مِنْ كِتابٍ } يقول تعالى ذكره: وقل لهم يا محمد: صدّقتُ بما أنزل الله من كتاب كائناً ما كان ذلك الكتاب، توراة كان أو أنجيلاً أو زبوراً أو صحف إبراهيم، لا أكذّب بشيء من ذلك تكذيبكم ببعضه معشر الأحزاب، وتصديقكم ببعض.

وقوله:{ وأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ } يقول تعالى ذكره: وقل لهم يا محمد: وأمرني ربي أن أعدل بينكم معشر الأحزاب، فأسير فيكم جميعاً بالحقّ الذي أمرني به وبعثني بالدعاء إليه. كالذي:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمْ } قال: أمر نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أن يعدل، فعدل حتى مات صلوات الله وسلامه عليه. والعدل ميزان الله في الأرض، به يأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل يصدّق الله الصادق، ويكذّب الكاذب، وبالعدل يردّ المعتدي ويوبخه.

ذُكر لنا أن نبيّ الله داود عليه السلام: كان يقول: ثلاث من كنّ فيه أعجبني جداً: القصد في الفاقة والغنى، والعدل في الرضا والغضب، والخشية في السرّ والعلانية وثلاث من كنّ فيه أهلكه: شحّ مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء بنفسه. وأربع من أُعطِيَهُنّ فقد أُعطي خير الدنيا والآخرة: لسان ذاكر، وقلب شاكر، وبدن صابر، وزوجة مؤمنة.

واختلف أهل العربية في معنى اللام التي في قوله:{ وأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمْ } فقال بعض نحويي البصرة: معناها: كي، وأمرت كي أعدل وقال غيره: معنى الكلام: وأمرت بالعدل، والأمر واقع على ما بعده، وليست اللام التي في لأعدل بشرط قال: {وأُمِرْتُ} تقع على «أن» وعلى «كي» واللام أمرت أن أعبد، وكي أعبد، ولأعبد. قال: وكذلك كلّ ما طالب الاستقبال، ففيه هذه الأوجه الثلاثة.

والصواب من القول في ذلك عندي أن الأمر عامل في معنى لأعدل، لأن معناه: وأمرت بالعدل بينكم.

وقوله:{ اللّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ } يقول: الله مالكنا ومالككم معشر الأحزاب من أهل الكتابين التوراة والإنجيل{ لنَا أعمالُنا ولَكُمْ أعمالُكُمْ} يقول: لنا ثواب ما اكتسبناه من الأعمال، ولكم ثواب ما اكتسبتم منها.

وقوله:{ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} يقول: لا خصومة بيننا وبينكم. كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:{ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } قال: لا خصومة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ:{ لا حُجَّةَ بَيْنَا وَبَيْنَكُمْ}: لا خصومة بيننا وبينكم، وقرأ:

{ وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلاَّ بالتي هِيَ أحْسَنُ... } إلى آخر الآية.

وقوله:{ اللّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا } يقول: الله يجمع بيننا يوم القيامة، فيقضي بيننا بالحقّ فيما اختلفنا فيه{ وإلَيْهِ المَصِيرُ} يقول: وإليه المعاد والمرجع بعد مماتنا.

وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ٱسْتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۝١٦

يقول تعالى ذكره: والذين يخاصمون في دين الله الذي ابتعث به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم من بعد ما استجاب له الناس، فدخلوا فيه من الذين أورثوا الكتاب{ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ } يقول: خصومتهم التي يخاصمون فيه باطلة ذاهبة عند ربهم{ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ } يقول: وعليهم من الله غضب، ولهم في الآخرة عذاب شديد، وهو عذاب النار.

وذُكر أن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود خاصموا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في دينهم، وطمعوا أن يصدّوهم عنه، ويردّوهم عن الإسلام إلى الكفر. ذكر الرواية عمن ذكر ذلك عنه:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ وَالَّذِينَ يُحاجُّونَ فِي اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبّهِمْ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، ولَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } قال: هم أهل الكتاب كانوا يجادلون المسلمين، ويصدّونهم عن الهدى من بعد ما استجابوا لله. وقال: هم أهل الضلالة كان استجيب لهم على ضلالتهم، وهم يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد{ وَالَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ } قال: طمع رجال بأن تعود الجاهلية.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، أنه قال في هذه الآية{ وَالَّذِينَ يُحاجُّونَ فِي اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتَجيبَ لَهُ} قال: بعد ما دخل الناس في الإسلام.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة{ وَالَّذِينَ يُحاجُّونَ في الله مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحضَةٌ عِنْدَ رَبّهِمْ } قال: هم اليهود والنصارى، قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَالَّذِينَ يُحاجُّونَ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتَجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ...} الآية، قال: هم اليهود والنصارى حاجوا أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن أولى بالله منكم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَالَّذِينَ يُحاجُونَ فِي اللّهِ... } إلى آخر الآية، قال: نهاه عن الخصومة.

ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ ۝١٧ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِى ٱلسَّاعَةِ لَفِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍ ۝١٨

يقول تعالى ذكره:{ اللّهُ الَّذِي أنْزَلَ }هذا{ الكِتابَ } يعني القرآن{ بالحَقّ والمِيزَانِ } يقول: وأنزل الميزان وهو العدل، ليقضي بين الناس بالإنصاف، ويحكم فيهم بحكم الله الذي أمر به في كتابه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنا الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ أنْزَلَ الكِتابَ بالحَقّ والمِيزَانَ} قال: العدل.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله:{ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بالحَقّ والمِيزَان} قال: الميزان: العدل.

وقوله:{ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} يقول تعالى ذكره: وأيّ شيء يدريك ويعلمك، لعل الساعة التي تقوم فيها القيامة قريب،{ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها}: يقول: يستعجلك يا محمد بمجيئها الذين لا يوقنون بمجيئها، ظناً منهم أنها غير جائية{ وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا } يقول: والذين صدّقوا بمجيئها، ووعد الله إياهم الحشر فيها، {مشفقون منها}: يقول: وَجِلون من مجيئها، خائفون من قيامها، لأنهم لا يدرون ما الله فاعل بهم فيها{ وَيَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ } يقول: ويوقنون أن مجيئها الحقّ اليقين، لا يمترون في مجيئها{ ألاَ إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ} يقول تعالى ذكره: ألا إن الذين يخاصمون في قيام الساعة ويجادلون فيه{ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ } يقول: لفي جَور عن طريق الهدى، وزيغ عن سبيل الحقّ والرشاد، بعيد من الصواب.

ٱللَّهُ لَطِيفٌۢ بِعِبَادِهِۦ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ ۝١٩ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ۝٢٠

يقول تعالى ذكره: الله ذو لطف بعباده، يرزق من يشاء فيوسع عليه ويقترِّ على من يشاء منهم{ وَهُوَ القَوِيُّ} الذي لا يغلبه ذو أيدٍ لشدّته، ولا يمتنع عليه إذا أراد عقابه بقدرته{ العَزِيزُ } في انتقامه إذا انتقم من أهل معاصيه {مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } يقول تعالى ذكره: من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه: يقول: نزد له في عمله الحسن، فنجعل له بالواحدة عشراً، إلى ما شاء ربنا من الزيادة{ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنيْا نُؤْتِهِ مِنْها} يقول: ومن كان يريد بعمله الدنيا ولها يسعى لا للآخرة، نؤته منها ما قسمنا له منها {وما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ } يقول: وليس لمن طلب بعمله الدنيا، ولم يرد الله به في ثواب الله لأهل الأعمال التي أرادوه بأعمالهم في الدنيا حظّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ...} إلى {وَما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ } قال: يقول: من كان إنما يعمل للدنيا نؤته منها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة{ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ له فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا...} الآية، يقول: من آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيباً في الآخرة إلا النار، ولم نزده بذلك من الدنيا شيئاً إلا رزقاً قد فرغ منه وقسم له.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } قال: من كان يريد الآخرة وعملها نزد له في عمله{ وَمنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنيْا نُؤْتِهِ مِنْها...} إلى آخر الآية، قال: من أراد الدنيا وعملها آتيناه منها، ولم نجعل له في الآخرة من نصيب الحرث العمل، من عمل للآخرة أعطاه الله، ومن عمل للدنيا أعطاه الله.

حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله:{ مَنْ كانَ يُرِدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } قال: من كان يريد عمل الآخرة نزد له في عمله.

وقوله:{ وَما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} قال: للكافر عذاب أليم.

أَمْ لَهُمْ شُرَكَٰٓؤُا۟ شَرَعُوا۟ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٢١

يقول تعالى ذكره أم لهؤلاء المشركين بالله شركاء في شركهم وضلالتهم{ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللّهُ} يقول: ابتدعوا لهم من الدين ما لم يبح الله لهم ابتداعه{ وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} يقول تعالى ذكره: ولولا السابق من الله في أنه لا يعجل لهم العذاب في الدنيا، وأنه مضى من قيله إنهم مؤخرون بالعقوبة إلى قيام الساعة، لفرغ من الحكم بينكم وبينهم بتعجيله العذاب لهم في الدنيا، ولكن لهم في الآخرة من العذاب الأليم، كما قال جلّ ثناؤه:{ وَإنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ} يقول: وإن الكافرين بالله لهم يوم القيامة عذاب مؤلم مُوجِع.

تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا۟ وَهُوَ وَاقِعٌۢ بِهِمْ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِى رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ۝٢٢

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ترى يا محمد الكافرين بالله يوم القيامة {مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا} يقول: وَجِلِين خائفين من عقاب الله على ما كسبوا في الدنيا من أعمالهم الخبيثة.{ وَهُوَ وَاقِعٌ بهِمْ} يقول: والذين هم مشفقون منه من عذاب الله نازل بهم، وهم ذائقوه لا محالة.

وقوله:{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضَاتِ الجَنَّاتِ} يقول تعالى ذكره: والذين آمنوا بالله وأطاعوه فيما أمر ونهى في الدنيا في روضات البساتين في الآخرة. ويعني بالروضات: جمع روضة، وهي المكان الذي يكثر نبته، ولا تقول العرب لمواضع الأشجار رياض ومنه قول أبي النجم.

والنَّغضَ مِثْلَ الأجْرَبِ المُدَّجَّلِ حَدَائِقَ الرَّوْضِ التي لَمْ تُحْلَلِ

يعني بالروض: جمع روضة. وإنما عنى جلّ ثناؤه بذلك: الخبر عما هم فيه من السرور والنعيم. كما:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضَاتِ الجَنَّاتِ} إلى آخر الآية. قال في رياض الجنة ونعيمها.

وقوله:{ لَهمْ ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبَّهِمْ} يقول للذين آمنوا وعملوا الصالحات عند ربهم في الآخرة ما تشتهيه أنفسهم، وتلذّه أعينهم، ذلك هو الفضل الكبير، يقول تعالى ذكره: هذا الذي أعطاهم الله من هذا النعيم، وهذه الكرامة في الآخرة: هو الفضل من الله عليهم، الكبير الذي يفضل كلّ نعيم وكرامة في الدنيا من بعض أهلها على بعض.

ذَٰلِكَ ٱلَّذِى يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُۥ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ۝٢٣

يقول تعالى ذكره: هذا الذي أخبرتكم أيها الناس أني أعددته للذين آمنوا وعملوا الصالحات في الآخرة من النعيم والكرامة، البشرى التي يبشر الله عباده الذين آمنوا به في الدنيا، وعملوا بطاعته فيها{ قُلْ لا أسألُكمْ عَلَيْهِ أجْراً} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للذين يمارونك في الساعة من مشركي قومك: لا أسألكم أيها القوم على دعايتكم إلى ما أدعوكم إليه من الحقّ الذي جئتكم به، والنصيحة التي أنصحكم ثواباً وجزاءً، وعوضاً من أموالكم تعطونَنِيه{ إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبى}.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله:{ إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبى } فقال بعضهم: معناه: إلا أن تودّوني في قرابتي منكم، وتصلوا رحمي بيني وبينكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب ويعقوب، قالا: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن ابن عباس، في قوله:{ لا أسأَلُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} قال: لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم إلا قرابة، فقال:

قُل لا أسألكم عليه أجراً أن تودّوني في القرابة التي بيني وبينكم

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس، في قوله:{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} قال: سئل عنها ابن عباس، فقال ابن جبير: هم قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلتَ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من بطون قريش إلا وله فيهم قرابة، قال: فنزلت{ قُلْ لا أسألْكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبى} قال: «إلا القرابة التي بيني وبينكم أن تصلوها».

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة في جميع قريش، فلما كذّبوه وأبَوْا أن يبايعوه قال:

يا قوم إذا أبيتم أن تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم لا يكن غيركم من العرب أولى بحفظي ونُصرتي منكم

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ قُلْ لا أسألْكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، قال لقريش:

لا أسألكم من أموالكم شيئاً، ولكن أسألكم أن لا تؤذوني لقرابة ما بيني وبينكم، فإنكم قومي وأحقّ من أطاعني وأجابني

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عكرمة، قال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان واسطاً من قريش، كان له في كلّ بطن من قريش نسب، فقال:

لا أسألْكُمْ على ما أدْعُوكُمْ إلَيْهِ إلاَّ أنْ تَحْفَظُوني في قَرَابَتِي،{ قُل لا أسألُكُمْ عَلَيْه أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ في القُرّبَى}

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أَبي مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم واسط النسب من قريش ليس حيّ من أحياء قريش إلاّ وقد ولدوه قال: فقال الله عزّ وجلّ:{ قُلْ لا أسألُكُم عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبى}

: «إلا أن تودّوني لقرابتي منكم وتحفظوني

حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك في هذه الآية:{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وأمه من بني زهرة وأم أبيه من بني مخزوم، فقال:

احفظوني في قرابتي

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا حرمى، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عمارة، عن عكرمة، في قوله:{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} قال: تعرفون قرابتي، وتصدّقونني بما جئت به، وتمنعوني.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } وإن الله تبارك وتعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن لا يسأل الناس على هذا القرآن أجراً إلا أن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة، وكلّ بطون قريش قد ولدته وبينه وبينهم قرابة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } أن تتبعوني، وتصدقوني وتصلوا رحمي.

حدثنا محمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله:{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } قال لم يكن بطن من بطون قريش إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ولادة، فقال: قل لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودّوني لقرابتي منكم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَودَّةَ فِي القُرْبَى} يعني قريشاً. يقول: إنما أنا رجل منكم، فأعينوني على عدوّي، واحفظوا قرابتي، وإن الذي جئتكم به لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القُربى، أن تودّوني لقرابتي، وتعينوني على عدوي.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبى} قال: يقول: إلا أن تودّوني لقرابتي كما توادّون في قرابتكم وتواصلون بها، ليس هذا الذي جئت به يقطع ذلك عني، فلست أبتغي على الذي جئت به أجراً آخذه على ذلك منكم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن عطاء بن دينار، في قوله:{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } يقول: لا أسألكم على ما جئتكم به أجراً، إلا أن تودّوني في قرابتي منكم، وتمنعوني من الناس.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله:{ قُلْ لا أسألُكمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } قال: كل قريش كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة، فقال: قل لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودّوني بالقرابة التي بيني وبينكم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل لمن تبعك من المؤمنين: لا أسألكم على ما جئتكم به أجراً إلا أن تودّوا قرابتي. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا إسماعيل بن أبان، قال: ثنا الصباح بن يحيى المريّ، عن السديّ، عن أبي الديلم قال: لما جيء بعليّ بن الحسين رضي الله عنهما أسيراً، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، وقطع قربى الفتنة، فقال له عليّ بن الحسين رضي الله عنه: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: أقرأت آل حم؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم، قال: ما قرأت{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى}؟ قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا عبد السلام، قال: ثنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا، فكأنهم فخروا، فقال ابن عباس، أو العباس، شكّ عبد السلام: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم في مجالسهم، فقال:

يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ أَلَمْ تَكُونُوا أذِلَّةً فأعَزَّكُمُ اللّهُ بِي؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «أَلَمْ تَكُونُوا ضُلاَّلاً فَهَداكُمُ اللّهُ بِي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «أفَلاَ تُجِيبُونِي؟» قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: ألا تقولونَ: أَلَمْ يُخْرِجْكَ قَوْمُكَ فآوَيْناكَ، أوَ لَمْ يُكَذّبوكَ فَصَدَّقْناكَ، أوَ لَمْ يَخْذُلُوكَ فَنَصَرْناكَ؟ قال: فما زال يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله، قال: فنزلت{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى}.

حدثني يعقوب، قال: ثنا مروان، عن يحيى بن كثير، عن أبي العالية، عن سعيد بن جُبير، في قوله:{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} قال: هي قُربى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني محمد بن عمارة الأسدي ومحمد بن خلف قالا: ثنا عبيد الله قال أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق قال: سألت عمرو بن شعيب، عن قول الله عزّ وجلّ:{ قُلْ لا أسألْكُمْ عَلَيه أجْراً إلاَّ الموَدَّةَ فِي القُرْبَى} قال: قُربى النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل لا أسألكم أيها الناس على ما جئتكم به أجراً إلا أن تَوَدَّدوا إلى الله، وتتقرّبوا بالعمل الصالح والطاعة. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ بن داود ومحمد بن داود أخوه أيضاً قالا: ثنا عاصم بن علي، قال: ثنا قزعة بن سويد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:

قُلْ لا أسألُكُمْ على ما أتَيْتُكُمْ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ وَالهُدَى أجْراً إلاَّ أنُ تَوَدَّدُوا للّهِ، وتَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بطاعَتِهِ

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن أنه قال في هذه الآية{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْه أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} قال: القُربى إلى الله.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف، عن الحسن، في قوله:{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} قال: إلا التقرّب إلى الله، والتودّد إليه بالعمل الصالح.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن: في قوله:{ قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } قل لا أسألكم على ما جئتكم به، وعلى هذا الكتاب أجراً، إلا المودّة في القربى، إلا أن تودّدوا إلى الله بما يقرّبكم إليه، وعمل بطاعته.

قال بشر: قال يزيد: وحدثنيه يونس، عن الحسن، حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبى} إلا أن تودّدوا إلى الله فيما يقرّبكم إليه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تصلوا قرابتكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن عبد الله بن القاسم، في قوله:{ إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } قال: أمرت أن تصل قرابتك.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال: معناه: قل لا أسألكم عليه أجراً يا معشر قريش، إلا أن تودّوني في قرابتي منكم، وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم.

وإنما قلت: هذا التأويل أولى بتأويل الآية لدخول «في» في قوله:{ إلاَّ المَوَدَةَ فِي القُرْبَى}، ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال: إلا أن تودّوا قرابتي، أو تقربوا إلى الله، لم يكن لدخول «في» في الكلام في هذا الموضع وجه معروف، ولكان التنزيل: إلا مودّة القربى إن عُنِيَ به الأمر بمودّة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلا المودّة بالقُرْبَى، أو ذا القربَى إن عُنِيَ به التودّد والتقرّب. وفي دخول «في» في الكلام أوضح الدليل على أن معناه: إلا مودّتي في قرابتي منكم، وأن الألف واللام في المودّة أدخلتا بدلاً من الإضافة، كما قيل:{فَإنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى}. وقوله: «إلا» في هذا الموضع استثناء منقطع. ومعنى الكلام: قل لا أسألكم عليه أجراً، لكن أسألكم المودّة في القُربى، فالمودّة منصوبة على المعنى الذي ذكرت. وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: هي منصوبة بمضمر من الفعل، بمعنى: إلا أن أذكر مودّة قرابتي.

وقوله:{ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً} يقول تعالى ذكره: ومن يعمل حسنة، وذلك أن يعمل عملاً يطيع الله فيه من المؤمنين {نَزِدْ لَهُ فيها حُسْناً} يقول: نضاعف عمله ذلك الحسن، فنجعل له مكان الواحد عشراً إلى ما شئنا من الجزاء والثواب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قول الله عزّ وجلّ: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً } قال: يعمل حسنة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً} قال: من يعمل خيراً نزد له. الاقْتراف: العمل.

وقوله:{ إنَّ اللّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} يقول: إن الله غفور لذنوب عباده، شكور لحسناتهم وطاعتهم إياه. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{ إنَّ اللّهَ غَفُورٌ} للذنوب{ شَكُورٌ } للحسنات يضاعفها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إنَّ اللّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} قال: غفر لهم الذنوب، وشكر لهم نعماً هو أعطاهم إياها، وجعلها فيهم.

الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ