انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الشورى

تفسير البغويالآيات 1–53

تفسير سورة الشورى آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

حمٓ ۝١ عٓسٓقٓ ۝٢ كَذَٰلِكَ يُوحِىٓ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٣

{حـۤمۤ عۤسۤقۤ}، سُئل الحسين بن الفضل: لِمَ يُقطّع حـۤمۤ عۤسۤقۤ ولم يُقطع كۤهيعۤصۤ؟ فقال: لأنها سورة أوائلها حـۤمۤ، فجرت مجرى نظائرها، فكان {حـۤمۤ} مبتدأ و{عۤسۤقۤ} خبره، ولأنهما عُدَّا آيتين، وأخواتها مثل: {كۤهيعۤصۤ} و{الۤمۤصۤ} و{الۤمۤر} عُدَّتْ آية واحدة.

وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في {كۤهيعۤصۤ} وأخواتها أنها حروف التهجي لا غير. واختلفوا في {حـۤمۤ} فاخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلاً، وقال: معناها حُمَّ أي: قُضِى ما هو كائن.

وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حۤ حلمه، مۤ مجده، عۤ علمه، سۤ سناؤه، قۤ قدرته، أقسم الله بها.

وقال شهر بن حوشب وعطاء بن أبي رباح: حۤ حرب يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز من قريش، مۤ ملك يتحول من قوم إلى قوم، عۤ عدو لقريش يقصدهم، سۤ سيء، يكون فيهم، قۤ قدرة الله النافذة في خلقه.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أُوحيت إليه {حـۤمۤ عۤسۤقۤ}. فلذلك قال:

{كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ}، قرأ ابن كثير "يُوحَى" بفتح الحاء وحجته قوله:

{ وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ }[الزمر:65]، فعلى هذه القراءة قوله، {ٱللهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}، [تبين للفاعل كأنه قيل: من يوحي؟ فقيل: الله العزيز الحكيم].

وقرأ الآخرون "يوحي" بكسر الحاء، إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم.

قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أخبار الغيب.

لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ ۝٤ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۝٥ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ۝٦ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ ۝٧

{لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلعَظِيمُ * تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ}, أي: كل واحدة منها تتفطر فوق التي تليها من قول المشركين: {ٱتَّخذ ٱللهُ وَلَداً} نظيره في سورة مريم:

{ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ }[مريم: 88-90]. {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلأَرْضِ}، من المؤمنين، {أَلاَ إِنَّ ٱللهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}.

{وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ٱللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ}، يحفظ أعمالهم ويحصيها عليهم ليجازيهم بها، {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ}، لم يوكلك الله بهم حتى تؤخذ بهم.

{وَكَذَلِكَ}، مثل ما ذكرنا، {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ}، مكة، يعني: أهلها، {وَمَنْ حَوْلَهَا}، يعني قرى الأرض كلها، {وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ}، أي: تنذرهم بيوم الجمع وهو يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين وأهل السموات والأرضين، {لاَ رَيْبَ فِيهِ}، لا شك في الجمع أنه كائن ثم بعد الجمع يتفرقون. {فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ}.

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، حدثنا أبو منصور الخشماذي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان التنوخي، حدثنا بشر بن بكر، حدثني سعيد بن عثمان عن أبي الزاهر، حدثنا جرير بن كريب عن عبدالله بن عمرو بن العاص، قال الثعلبي: وأخبرنا أبو عبدالله بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ليث، حدثني أبو قبيل المعافري عن شفي الأصبحي عن عبدالله بن عمرو قال:

خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قابضاً على كفيه ومعه كتابان،. فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟" قلنا: لا يا رسول الله، فقال:"للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفاً في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفاً في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة، [ثم قال للذي في يساره: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفاً في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفاً في الأرحام إذْ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم ولا بناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة]، فقال عبد الله بن عمرو: ففيم العمل إذاً يا رسول الله؟ فقال:"اعملوا وسددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيَّ عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيّ عمل، ثم قال: {فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ} فضل من الله، {وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ}، عدل من الله عزّ وجلّ".

وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِۦ وَٱلظَّٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ ۝٨

قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْ شَآءَ ٱللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: على دين واحد. وقال مقاتل: على ملة الإِسلام لقوله تعالى:

{ وَلَوْ شَآءَ ٱللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ }[الأنعام: 35]، {وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ}، في دين الإسلام، {وَٱلظَّـٰلِمُونَ}، الكافرون، {مَا لَهُم مِّن وَلِىٍّ}، يدفع عنهم العذاب، {وَلاَ نَصِيرٍ}، يمنعهم من النار.

أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِىُّ وَهُوَ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٩ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ۝١٠ فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَمِنَ ٱلْأَنْعَٰمِ أَزْوَٰجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ۝١١ لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ۝١٢ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ۝١٣ وَمَا تَفَرَّقُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِنۢ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ۝١٤ فَلِذَٰلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ۝١٥ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ٱسْتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۝١٦ ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ ۝١٧ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِى ٱلسَّاعَةِ لَفِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍ ۝١٨ ٱللَّهُ لَطِيفٌۢ بِعِبَادِهِۦ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ ۝١٩ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ۝٢٠

{أَمِ ٱتَّخَذُواْ}، [بل اتخذوا، أي: الكافرون]، {مِن دُونِهِ}، [أي: من دون الله]، {أَوْلِيَآءَ فَٱللهُ هُوَ ٱلْوَلِىُّ}، [قال ابن عباس رضي الله عنهما]: وليّك يا محمد وولي مَنِ اتّبعك، {وَهُوَ يُحْيي ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

{وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ}، من أمر الدين، {فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللهِ}، يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يزيل الريب، {ذَلِكُمُ ٱللهُ}، الذي يحكم بين المختلفين هو، {رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}.

{فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجاً}، من مثل خلقكم حلائل، قيل: إنما قال "من أنفسكم" لأنه خلق حواء من ضلع آدم. {وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجاً}، أصنافاً ذكوراً وإناثاً، {يَذْرَؤُكُمْ}، يخلقكم، {فِيهِ}، أي: في الرحم. وقيل: في البطن. وقيل: على هذا الوجه من الخلقة. قال مجاهد: نسلاً بعد نسل من الناس والأنعام. وقيل: "في" بمعنى الباء أي: يذرؤكم به. وقيل: معناه يكثركم بالتزويج. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ}، "مثل" صلة، أي: ليس هو كشيء، فأدخل المثل للتوكيد، كقوله:

{ فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُمْ بِهِ }[البقرة: 137]، وقيل: الكاف صلة، مجازه: ليس مثله شيء. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس له نظير {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}.

{لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، مفاتيح الرزق في السموات والأرض. قال الكلبي: المطر والنبات {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} لأن مفاتيح الرزق بيده، {إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}. قوله عزّ وجلّ: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ}، بيّن لكم وسنّ لكم {مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً}، وهو أول أنبياء الشريعة. قال مجاهد: أوصيناك وإياه يا محمد ديناً واحداً. {وَٱلَّذِىۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ}، من القرآن وشرائع الإسلام، {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ}، واختلفوا في وجه الآية: فقال قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام. وقال الحكم: تحريم الأمهات والبنات والأخوات.

وقال مجاهد: لم يبعث الله نبياً إلاّ وَصَّاه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإِقرار لله بالطاعة له، فذلك دينه الذي شرع لهم.

وقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك. وقيل: هو ما ذكر من بَعْدُ، وهو قوله: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ}، بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة.

{كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}، من التوحيد ورفض الأوثان ثم قال: {ٱللهُ يَجْتَبِىۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ}، يصطفي إليه من عباده من يشاء، {وَيَهْدِىۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}، يقبل إلى طاعته.

{وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ}، يعني أهل الأديان المختلفة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني أهل الكتاب كما ذكر في سورة المنفكين. {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ}، بأن الفرقة ضلالة ولكنهم فعلوا ذلك، {بَغْيًا بَيْنَهُمْ}، أي: للبغي، قال عطاء: يعني بغياً بينهم على محمد صلى الله عليه وسلم، {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ}، في تأخير العذاب عنهم، {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}، وهو يوم القيامة، {لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ}، بين من آمن وكفر، يعني أنزل العذاب بالمكذبين في الدنيا، {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ}، يعني اليهود والنصارى، {مِن بَعْدِهِمْ}، من بعد أنبيائهم، وقيل: من بعد الأمم الخالية. وقال قتادة: معناه من قبلهم أي: من قبل مشركي مكة. {لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ}، أي: من محمد صلى الله عليه وسلم. {فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ}، أي: فإلى ذلك كما يقال دعوت إلى فلان ولفلان، وذلك إشارة إلى ما وصّى به الأنبياء من التوحيد، {وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ}، أثبت على الدين الذي أُمرت به، {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللهُ مِن كِتَـٰبٍ}، أي: آمنت بكتب الله كلِّها، {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}، أن أعدل بينكم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أُمرتُ أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم من الأحكام. وقيل: لأعدل بينكم في جميع الأحوال والأشياء، {ٱللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ}، يعني: إلهنا واحد، وإن اختلفت أعمالنا، فكلٌّ يُجازَى بعمله، {لاَ حُجَّةَ}، لا خصومة، {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ}، نسختها آية القتال، فإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة، {ٱللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا}، في المعاد لفصل القضاء، {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}.

{وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللهِ}، يخاصمون في دينَ اللهِ تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة: هم اليهود قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبيّنا قبل نبيكم، فنحن خير منكم، فهذه خصومتهم، {مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ}، أي: استجاب له الناس فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته، {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ}، خصومتهم باطلة، {عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}، في الآخرة.

{ٱللهُ ٱلَّذِىۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ}، قال قتادة، ومجاهد، ومقاتل: سُمي العدل ميزاناً لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله تعالى بالوفاء، ونهى عن البَخْس. {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ}، ولم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي، ومجازه: الوقت. وقال الكسائي: إتيانها قريب. قال مقاتل: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الساعة وعنده قوم من المشركين، قالوا تكذيباً: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله هذه الآية {يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا}، ظناً منهم أنها غير آتية، {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ}، أي: خائفون، {مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ}، أنها آتية لا ريب فيها، {أَلآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ}، يخاصمون، وقيل: تدخلهم المرية والشك، {فَى ٱلسَّاعَةِ لَفِى ضَلَـٰلَ بَعِيدٍ}.

قوله عزّ وجل {ٱللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: حفيٌّ بهم. قال عكرمة: بارٌّ بهم. قال السدي: رفيق. قال مقاتل: لطيف بالبرِّ والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم، يدل عليه: قوله

{ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ }[البقرة: 212]، وكل من رزقه الله من مؤمن وكافر وذي روح فهو ممن يشاء الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات، والثاني: أنه لم يدفعه إليك بمرة واحدة. {وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ}.

{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ}، الحرث في اللغة: الكسب، يعني: من كان يريد بعمله الآخرة، {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ}، بالتضعيف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة، {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا}، يريد بعمله الدنيا، {نُؤْتِهِ مِنْهَا}، قال قتادة: أي: نؤته بقدر ما قَسَم الله له، كما قال:

{ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ }[الإسراء: 18]. {وَمَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}، لأنه لم يعمل للآخرة.

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين ابن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال، حدثنا أبو الأزهر أحمد بن منيع العبدي، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا سفيان عن المغيرة عن أبي العالية عن أُبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصرة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب».

أَمْ لَهُمْ شُرَكَٰٓؤُا۟ شَرَعُوا۟ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٢١ تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا۟ وَهُوَ وَاقِعٌۢ بِهِمْ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِى رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ۝٢٢ ذَٰلِكَ ٱلَّذِى يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُۥ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ۝٢٣ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦٓ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٢٤ وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَعْفُوا۟ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ۝٢٥

قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللهُ}، يعني كفار مكة، يقول: أم لهم آلهة سنُّوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟

قال ابن عباس رضي الله عنهما: شرعوا لهم ديناً غير دين الإِسلام.

{وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلفَصْلِ}، لولا أن الله حكم في كلمة الفصل بين الخلق بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة، حيث قال:

{ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ }[القمر: 46]، {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}، لفُرغ من عذاب الذين يكذبونك في الدنيا، {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، المشركين، {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، في الآخرة. {تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ}، المشركين يوم القيامة، {مُشْفِقِينَ}، وجلين، {مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ}، جزاء كسبهم واقع بهم، {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَـٰتِ ٱلْجَنَّـٰتِ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ}.

{ذَلِكَ ٱلَّذِى}، ذكرت من نعيم الجنة، {يُبَشِّرُ ٱللهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ}، فإنهم أهله، {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ}.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت طاووساً عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن قوله: {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ}، قال سعيد بن جبير: قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: عجلتَ، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلاَّ كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة.

وكذلك روى الشعبي وطاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ} يعني أن تحفظوا قرابتي وتودوني وتصلوا رحمي. وإليه ذهب مجاهد، وقتادة، وعكرمة، ومقاتل، والسدي، والضحاك، رضي الله عنهم.

وقال عكرمة: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلاّ أن تحفظوني في قرابتي بيني وبينكم، وليس كما يقول الكذابون.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في معنى الآية: إلاّ أن تودُّوا الله وتتقربوا إليه بطاعته، وهذا قول الحسن، قال: هو القربى إلى الله، يقول: إلا التقرب إلى الله والتودد إليه بالطاعة والعمل الصالح.

وقال بعضهم: معناه إلا أن تودّوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وهو قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب.

واختلفوا في قرابته قيل: هم فاطمة وعلي وأبناؤهما، وفيهم نزل:

{ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ }[الأحزاب: 33].

وروينا عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، قيل لزيد بن أرقم: مَنْ أهل بيته؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبدالله بن عبدالوهاب، حدثنا خالد، حدثنا شعبة عن واقد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر عن أبي بكر قال: ارقبُوا محمداً في أهل بيته.

وقيل: هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخمس، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، الذين لم يتفرقوا في جاهلية ولا في إسلام.

وقال قوم: هذه الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة، وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية فأمرهم فيها بمودة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلة رحمه، فلما هاجر إلى المدينة وآواه الأنصار ونصروه أحبَّ اللهُ عزّ وجلّ أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء عليهم السلام حيث قالوا:

{ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }[الشعراء: 109]، فأنزل الله تعالى {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللهِ}، فهي منسوخة بهذه الآية، وبقوله: { قُلْ مَآ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ }[ص: 86]، وغيرها من الآيات. وإلى هذا ذهب الضحاك بن مزاحم، والحسين بن الفضل.

وهذا قول غير مرضي؛ لأن مودة النبي صلى الله عليه وسلم وكف الأذى عنه ومودة أقاربه، والتقرب إلى الله بالطاعة، والعمل الصالح من فرائض الدين، وهذه أقاويل السلف في معنى الآية، فلا يجوز المصير إلى نسخ شيء من هذه الأشياء.

وقوله: {إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ}، ليس باستثناء متصل بالأول حتى يكون ذلك أجراً في مقابلة أداء الرسالة، بل هو منقطع، ومعناه: ولكني أذكركم المودة في القربى وأذكركم قرابتي منكم. كما روينا في حديث زيد بن أرقم:

أذكركم الله في أهل بيتي».

قوله عزّ وجلّ: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً}، أي: من يزد طاعةً نزد له فيها حسناً بالتضعيف، {إِنَّ ٱللهَ غَفُورٌ}، للذنوب، {شَكُورٌ}، للقليل حتى يضاعفها.

{أَمْ يَقُولُونَ}، بل يقولون يعني: كفار مكة، {ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللهِ كَذِباً فَإِن يَشَإِ ٱللهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ}، قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشق عليك أذاهم، وقولهم إنه مفتر، قال قتادة: يعني يطبع على قلبك فينسيك القرآن وما أتاك، فأخبرهم أنه لو افترى على الله لفعل به ما أخبر عنه في هذه الآية، ثم ابتدأ فقال: {وَيَمْحُ ٱللهُ ٱلْبَـٰطِلَ}، قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه: والله يمحو الباطل. وهو في محل رفع، ولكنه حذف منه الواو في المصحف على اللفظ كما حذفت من قوله:

{ وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ }[الإسراء: 11] و { سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ }[العلق: 18] أخبر أن ما يقولونه باطل يمحوه الله، {وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ}، أي: الإسلام بما أنزل من كتابه، وقد فعل الله ذلك فمحا باطلهم وأعلى كلمة الإسلام، {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}، قال ابن عباس: لما نزلت: {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ}، وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنهم اتهموه وأنزل هذه الآية، فقال القوم: يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق؟ فنزل:

{وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أولياءه وأهل طاعته، قيل: التوبة ترك المعاصي نيةً وفعلاً، والإِقبال على الطاعة نيةً وفعلاً، قال سهل بن عبدالله: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَـٰتِ}، إذا تابوا.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة عن سليمان عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن الحارث بن سويد قال: دخلت على عبدالله أعوده، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

لله أفرح بتوبة عبده من رجل، أظنه قال: في بِرّية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنزل فنام فاستيقظ وقد ضلّتْ راحلته، فطاف عليها حتى أدركه العطش، فقال: أرجع إلى حيث كانت راحلتي فأموت عليه، فرجع فأغفى فاستيقظ فإذْ هو بها عنده عليها طعامه وشرابه".

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قالا: حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك وهو عمه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذْ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهمّ أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح".

{وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَـٰتِ} فيمحوها إذا تابوا. {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}، قرأ حمزة والكسائي وحفص "تفعلون" بالتاء، وقالوا: هو خطاب للمشركين، وقرأ الآخرون بالياء لأنه بين خبرين عن قوم، فقال: قبله عن عباده, وبعده ويزيدهم من فضله.

وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ وَٱلْكَٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۝٢٦ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرٌۢ بَصِيرٌ ۝٢٧

{وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}، أي: ويجيب الذين آمنوا، {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ}، إذا دعوه, وقال عطاء عن ابن عباس: ويثيب الذين آمنوا. {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ}، سوى ثواب أعمالهم تفضلاً منه. قال أبو صالح عنه: يُشفّعهم في إخوانهم، ويزيدهم من فضله. قال: في إخوان إخوانهم. {وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}.

{وَلَوْ بَسَطَ ٱللهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ}، قال خباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنّا نظرنا إلى أموال بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع فتمنّيناها فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية {وَلَوْ بَسَطَ ٱللهُ ٱلرِّزْقَ} وسع الله الرزق {لِعِبَادِهِ}، {لَبَغَوْاْ}، لطغوا وعتوا، {فِى ٱلأَرْضِ}.

قال ابن عباس: بغيُهم طلبهم منزلةً بعد منزلة ومركباً بعد مركب وملبساً بعد ملبس.

{وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ}، أرزاقهم، {بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ}، كما يشاء نظراً منه لعباده،{إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}.

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو عمر بكر ابن محمد المزني، حدثنا أبو بكر محمد بن عبدالله حفيد العباس بن حمزة، حدثنا الحسين بن الفضل البجلي، حدثنا أبو حفص عمر بن سعيد الدمشقي، حدثنا صدقة عن عبدالله، حدثنا هشام الكناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله عزّ وجلّ قال:

يقول الله عزّ وجلّ من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث الحرد، وما تقَرَّبَ إليّ عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه، وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً ومؤيداً، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته ولا بدّ له منه، وإن من عبادي المؤمنين لمن يسألني الباب من العبادة فأكفه عنه أنْ لا يدخله عُجبٌ فيفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلاّ السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، إني أدبّر أمر عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير».

وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِنۢ بَعْدِ مَا قَنَطُوا۟ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُۥ وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ ٱلْحَمِيدُ ۝٢٨ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ ۝٢٩ وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ ۝٣٠

قوله عزّ وجلّ: {وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ}، المطر، {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ}، يعني: من بعد ما يئس الناس منه، وذلك أدعى لهم إلى الشكر، قال مقاتل: حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حتى قنطوا، ثم أنزل الله المطر فذكّرهم الله نعمته، {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ}، يبسط مطره، كما قال:

{ وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ }[الأعراف: 57]. {وَهُوَ ٱلوَلِىُّ}، لأهل طاعته، {ٱلْحَمِيدُ}، عند خلقه.

{وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ}، يعني: يوم القيامة.

{وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}، قرأ أهل المدينة والشام "بما كسبت"، بغير فاء، وكذلك هو في مصاحفهم، فمن حذف الفاء جعل "ما" في أول الآية بمعنى الذي أصابكم بما كسبت أيديكم. {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}, قال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلاَّ بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر".

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني أبو عبدالله بن فنجويه، حدثنا أبو بكر ابن مالك القطيعي، حدثنا بشر بن موسى الأسدي، حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا مروان بن معاوية، أخبرني الأزهر بن راشد الباهلي عن الخضر بن القواس البجلي عن أبي سخيلة قال: قال علي بن أبي طالب: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله عز وجل حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ {وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}، قال: وسأفسرها لك يا علي:

ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله عزّ وجلّ أكرم من أن يُثَنّي عليهم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنكم في الدنيا فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه».

قال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبداً فما فوقها إلاّ بذنب لم يكن الله ليغفر له إلاّ بها، أو درجة لم يكن الله ليبلغها إلاّ بها.

وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ ۝٣١ وَمِنْ ءَايَٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَٰمِ ۝٣٢ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝٣٣ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا۟ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ ۝٣٤ وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ۝٣٥

{وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ}، بفائتين، {فِى ٱلأَرْضِ}، هرباً يعني لا تعجزونني حيث ما كنتم ولا تسبقونني، {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ}، يعني: السفن، واحدتها جارية وهي السائرة، {فِى ٱلْبَحْرِ كَـٱلأَعْلَـٰمِ}، أي: الجبال، قال مجاهد: القصور واحدها عَلَم، وقال الخليل بن أحمد: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علَم.

{إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ}، التي تجريها، {فَيَظْلَلْنَ}، يعني: الجواري، {رَوَاكِدَ}، ثوابت، {عَلَىٰ ظَهْرِهِ}، على ظهر البحر لا تجري، {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}، أي: لكل مؤمن لأن صفة المؤمن الصبر في الشدة والشكر في الرخاء.

{أَوْ يُوبِقْهُنَّ}، يهلكهن ويغرقهن، {بِمَا كَسَبُوا}، أي: بما كسبت ركبانها من الذنوب، {وَيَعْفُ عَن كَثيرٍ}، من ذنوبهم فلا يعاقب عليها.

{وَيَعْلَمَ}، قرأ أهل المدينة والشام: "ويعلمُ" برفع الميم على الاستئناف كقوله عزّ وجلّ في سورة براءة:

{ وَيَتُوبُ ٱللهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ }[التوبة: 15]، وقرأ الآخرون بالنصب على الصرف، والجزم إذا صرف عنه معطوفه نصب، وهو كقوله تعالى: { وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ }[آل عمران: 142]، صرف من حال الجزم إلى النصب استخفافاً وكراهية لتوالي الجزم. {ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ}، أي: يعلم الذين يكذبون بالقرآن إذا صاروا إلى الله بعد البعث أن لا مهرب لهم من عذاب الله.

فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۝٣٦ وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا۟ هُمْ يَغْفِرُونَ ۝٣٧ وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ ۝٣٨ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ۝٣٩ وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤٠ وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ۝٤١ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٤٢ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ۝٤٣

{فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَىْءٍ}، من رياش الدنيا، {فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، ليس من زاد المعاد، {وَمَا عِندَ ٱللهِ}، [من الثواب]، {خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}، فيه بيان أن المؤمن والكافر يستويان في أن الدنيا متاع قليل لهما يتمتعان بها فإذا صارا إلى الآخرة كان ما عند الله خيرٌ للمؤمن.

{وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإِثْمِ} قرأ حمزة والكسائي: "كبير الإثم" على الواحد هاهنا، وفي سورة النجم، وقرأ الآخرون: "كبائر" بالجمع، وقد ذكرنا معنى الكبائر في سورة النساء.

{وَٱلْفَوَٰحِشَ}، قال السدي: يعني الزنا. وقال مجاهد ومقاتل: ما يوجب الحدّ. {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ}، يحلمون ويكظمون الغيظ ويتجاوزون.

{وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ}، أجابوه إلى ما دعاهم إليه من طاعته، {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}، يتشاورون فيما يبدوا لهم ولا يعجلون {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ}.

{وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ}، الظلم والعدوان، {هُمْ يَنتَصِرُونَ}، ينتقمون من ظالميهم من غير أن يعتدوا. قال ابن زيد: جعل الله المؤمنين صنفين: صنف يعفون عن ظالميهم فبدأ بذكرهم، وهو قوله {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ}، وصنف ينتصرون من ظالميهم، وهم الذين ذكروا في هذه الآية.

قال إبراهيم في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا.

قال عطاء: هم المؤمنون الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم، ثم مكنهم الله في الأرض حتى انتصروا ممن ظلمهم، ثم ذكر الله الانتصار فقال:

{وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}، سمى الجزاء سيئة وإن لم تكن سيئة لتشابههما في الصورة. قال مقاتل: يعني القصاص في الجراحات والدماء.

قال مجاهد والسدي: هو جواب القبيح إذا قال: أخزاك الله تقول: أخزاك الله، وإذا شتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي.

قال سفيان بن عيينة: قلت لسفيان الثوري ما قوله عزّ وجلّ: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}؟ قال: أن يشتمك رجل فتشتمه، وأن يفعل بك فتفعل به، فلم أجد عنده شيئاً، فسألت هشام بن حجيرة عن هذه الآية؟ فقال: الجارح إذا جرح يُقتص منه، وليس هو أن يشتمك فتشتمه.

ثم ذكر العفو فقال: {فَمَنْ عَفَا}، عمن ظلمه، {وَأَصْلَحَ}، بالعفو بينه وبين ظالمه، {فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللهِ}، قال الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: من كان له على الله أجر فليقم. فلا يقوم إلا من عفا، ثم قرأ هذه الآية. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، قال ابن عباس: الذين يبدؤون بالظلم.

{وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ}، أي: بعد ظلم الظالم إياه، {فَأُوْلَـٰئِكَ}، يعني المنتصرين، {مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ}، بعقوبة ومؤاخذة.

{إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ}، يبدؤون بالظلم، {وَيَبْغُونَ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}، يعملون فيها بالمعاصي، {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

{وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ}، فلم ينتصر، {إِنَّ ذَلِكَ}، الصبر والتجاوز، {لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}، حقها وجزمها. قال مقاتل: من الأمور التي أمر الله بها. قال الزجَّاج: الصابر يؤتى بصبره الثواب فالرغبة في الثواب أتم عزماً.

وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِىٍّ مِّنۢ بَعْدِهِۦ وَتَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ ۝٤٤ وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱلْخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ ۝٤٥ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ۝٤٦ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ ۝٤٧

{وَمَن يُضْلِلِ ٱللهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِىٍّ مِّن بَعْدِهِ}، فماله من أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إيّاه و يمنعه من عذاب الله، {وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ}، يوم القيامة، {يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ}، يسألون الرجعة في الدنيا.

{وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَاَ}، أي: على النار، {خَـٰشِعِينَ}، خاضعين متواضعين، {مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ}، خفيِّ النظر لما عليهم من الذل يسارقون النظر إلى النار خوفاً منها وذلةً في أنفسهم. وقيل: "من" بمعنى الباء أي: بطرف خفي ضعيف من الذل. وقيل: إنما قال: "مِن طرف خفى} لأنه لا يفتح عينه إنما ينظر ببعضها. وقيل: معناه ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم يحشرون عمياً، والنظر بالقلب خفي. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، قيل: خسروا أنفسهم بأن صاروا إلى النار، وأهليهم بأن صاروا لغيرهم في الجنة. {أَلاَ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ}.

{وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللهِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ}، طريق إلى الصواب وإلى الوصول إلى الحق في الدنيا والجنة في العقبى، قد انسدَّ عليهم طريق الخير.

{ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ}، أجيبوا داعي الله يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللهِ}، لا يقدر أحد على دفعه وهو يوم القيامة {مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ} تلجأون إليه {يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ} من منكر يغير ما بكم.

فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ كَفُورٌ ۝٤٨ لِّلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ۝٤٩ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَٰثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا إِنَّهُۥ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ۝٥٠ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌ ۝٥١ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلْنَٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٥٢ صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ ۝٥٣

{فَإِنْ أَعْرَضُواْ}، عن الإجابة، {فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ}، ما عليك، {إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً}، قال ابن عباس: يعني الغنى والصحة. {فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ}، قحط، {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ كَفُورٌ}، أي: لما تقدم من نعمة الله عليه ينسى ويجحد بأول شدة جميع ما سلف من النعم.

{للهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، له التصرف فيهما بما يريد، {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثاً}، فلا يكون له ولد ذكر، قيل: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، لأن الله تعالى بدأ بالإناث، {وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ}، فلا يكون له أنثى.

{أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَـٰثاً}، يجمع له بينهما فيولد له الذكور والإناث، {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً}، فلا يلد ولا يولد له. قيل: هذا في الأنبياء عليهم السلام {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثاً} يعني: لوطاً لم يولد له ذكر إنما ولد له ابنتان، {وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ}، يعني: إبراهيم عليه السلام لم يولد له أنثى، {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَـٰثاً} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم ولد له بنون وبنات، {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} يحيى وعيسى عليهما السلام لم يولد لهما، وهذا على وجه التمثيل، والآية عامة في حق كافة الناس. {إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللهُ إِلاَّ وَحْياً}، وذلك أن اليهود قالُوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تُكلم الله وتنظر إليه، إن كنتَ نبيّاً، كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فقال: لم ينظر موسى إلى الله عزّ وجلّ، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللهُ إِلاَّ وَحْياً} يوحي إليه في المنام أو بالإلهام، {أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ}، يسمعه كلامه ولا يراه، كما كلمه موسى عليه الصلاة والسلام، {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً}، إما جبريل أو غيره من الملائكة، {فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ}، أي: يوحي ذلك الرسول إلى المرسَل إليه بإذن الله ما يشاء.

قرأ نافع: "أو يرسلُ" برفع اللام على الابتداء، "فيوحي" ساكنة الياء، وقرأ الآخرون بنصب اللام والياء عطفاً على محل الوحي لأن معناه: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل رسولاً. {إِنَّهُ عَلِىٌّ حَكِيمٌ}.

{وَكَذَلِكَ}، أي: كما أوحينا إلى سائر رسلنا، {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا}، قال ابن عباس: نبوة. وقال الحسن: رحمة. وقال السدي ومقاتل: وحياً. وقال الكلبي: كتاباً، وقال الربيع: جبريل. وقال مالك بن دينار: يعني القرآن. {مَا كُنتَ تَدْرِى}، قبل الوحي، {مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ}، يعني شرائع الإِيمان ومعالمه. قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: "الإيمان" في هذا الموضع: الصلاة، ودليله: قوله عزّ وجلّ:

{ وَمَا كَانَ ٱللهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } [البقرة: 143].

وأهل الأصول على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا مؤمنين قبل الوحي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم، ولم يتبين له شرائع دينه.

{وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُوراً}، قال ابن عباس: يعني الإيمان. وقال السدي: يعني القرآن. {نَّهْدِى بِهِ}، نرشد به، {مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىۤ}، أي لتدعو، {إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، يعني الإسلام. {صِرَٰطِ ٱللهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ أَلاَ إِلَى ٱللهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ}، أي: أمور الخلائق كلها في الآخرة.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ