انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الزمر

تفسير القرطبيالآيات 67–75

تفسير سورة الزمر آية آية، من تفسير القرطبي.

وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٦٧ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ۝٦٨

قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} قال المبرد: ما عظّموه حقّ عظمته من قولك فلان عظيم القدر. قال النحاس: والمعنى على هذا وما عظموه حق عظمته إذ عبدوا معه غيره وهو خالق الأشياء ومالكها. ثم أخبر عن قدرته وعظمته فقال: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}. ثم نزّه نفسه عن أن يكون ذلك بجارحة فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. وفي الترمذي عن عبد الله قال:

جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد إن الله يمسك السموات على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول أنا الملك. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: «وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ». قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض. وفي الترمذي عن عائشة: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} قالت قلت فأين الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: «على جسر جهنم» في رواية على الصراط يا عائشة قال: حديث حسن صحيح. وقوله: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ} «ويقبض الله الأرض» عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته؛ يقال: ما فلان إلا في قبضتي، بمعنى ما فلان إلا في قدرتي، والناس يقولون الأشياء في قبضته يريدون في ملكه وقدرته. وقد يكون معنى القبض والطي إفناء الشيء وإذهابه فقوله جل وعز: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ} يحتمل أن يكون المراد به والأرض جميعاً ذاهبة فانية يوم القيامة، والمراد بالأرض الأرضون السبع؛ يشهد لذلك شاهدان: قوله: {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً} ولأن الموضع موضع تفخيم وهو مقتضٍ للمبالغة. وقوله: {وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} ليس يريد به طيًّا بعلاج وانتصاب، وإنما المراد بذلك الفناء والذهاب؛ يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه وجاءنا غيره. وانطوى عنا دهر بمعنى المضي والذهاب. واليمين في كلام العرب قد تكون بمعنى القدرة والملك؛ ومنه قوله تعالى: { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [النساء: 3] يريد به الملك؛ وقال { لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ } [الحاقة: 45] أي بالقوّة والقدرة أي لأخذنا قوته وقدرته. قال الفرّاء والمبرد: اليمين القوّة والقدرة. وأنشدا:

إِذا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍتَلَقَّاهَا عَرابةُ بِالْيَمِينِ

وقال آخر:

ولمّا رَأَيْتُ الشَّمْسَ أَشْرَق نورُهاتَناولتُ مِنها حاجتِي بِيَمينِ قتلتُ شُنَيْفاً ثم فارانَ بَعدهوكان على الآيات غيرَ أمينِ

وإنما خص يوم القيامة بالذكر وإن كانت قدرته شاملة لكل شيء أيضاً؛ لأن الدعاوى تنقطع ذلك اليوم؛ كما قال: { وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } [الانفطار: 91] وقال: { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }[الفاتحة: 4] حسب ما تقدّم في «الفاتحة» ولذلك قال في الحديث:ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض وقد زدنا هذا الباب في «التذكرة» بياناً، وتكلمنا على ذكر الشمال في حديث ابن عمر قوله: «ثم يطوي الأرض بشماله».

قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } بين ما يكون بعد قبض الأرض وطيّ السماء وهو النفخ في الصور، وإنما هما نفختان؛ يموت الخلق في الأولى منهما ويحيون في الثانية وقد مضى الكلام في هذا في «النمل» و«الأنعام» أيضاً. والذي ينفخ في الصور هو إسرافيل عليه السلام. وقد قيل: إنه يكون معه جبريل لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن صاحبي الصور بأيديهما ـ أو في أيديهما ـ قرنان يلاحظان النظر متى يؤمرانخرجه ابن ماجه في السنن. وفي كتاب أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الصُّور، وقال: «عن يمينه جبرائيل وعن يساره ميكائيل». واختلف في المستثنى من هم؟ فقيل: هم الشهداء متقلّدين أسيافهم حول العرش. روي مرفوعاً من حديث أبي هريرة فيما ذكر القشيري، ومن حديث عبد الله بن عمر فيما ذكر الثعلبي. وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام. وروي من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} فقالوا: يا نبيّ الله من هم الذين استثنى الله تعالى؟ قال: «هم جبريل وميكائيل وإسرافيل ومَلَك الموت فيقول الله تعالى لمَلَك الموت يا مَلَك الموت من بقي من خلقي وهو أعلم فيقول يا رب بقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وعبدك الضعيف مَلَك الموت فيقول الله تعالى خذ نفس إسرافيل وميكائيل فيخران ميتين كالطودين العظيمين فيقول متّ يا مَلَك الموت فيموت فيقول الله تعالى لجبريل يا جبريل من بقي فيقول تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإِكرام وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني فيقول الله تعالى يا جبريل لا بدّ من موتك فيقع ساجداً يخفق بجناحيه يقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن فضل خلقه على خلق ميكائيل كالطَّود العظيم على الظَّرِب من الظِّراب ذكره الثعلبي. وذكره النحاس أيضاً من حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله جل وعز: {فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} قال: «جبريل وميكائيل وحملة العرش ومَلَك الموت وإسرافيل» وفي هذا الحديث:إن آخرهم موتاً جبريل عليه وعليهم السلاموحديث أبي هريرة في الشهداء أصح على ما تقدّم في «النمل». وقال الضحاك: هو رضوان والحور ومالك والزَّبانية. وقيل: عقارب أهل النار وحياتها. وقال الحسن: هو الله الواحد القهار وما يدع أحداً من أهل السماء والأرض إلا أذاقه الموت. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه. وقيل: الاستثناء في قوله: {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ} يرجع إلى من مات قبل النفخة الأولى؛ أي فيموت من في السموات والأرض إلا من سبق موته؛ لأنهم كانوا قد ماتوا. وفي الصحيحين وابن ماجه واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر؛ فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه؛ قال: تقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:قال الله عز وجل: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } فأكون أوّل من رفع رأسه فإذا أنا بموسى آخذ بقائمةٍ من قوائم العرش فلا أدري أرَفَع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب وخرجه الترمذي أيضاً وقال فيه: حديث حسن صحيح. قال القشيري: ومن حمل الاستثناء على موسى والشهداء فهؤلاءِ قد ماتوا غير أنهم أحياء عند الله. فيجوز أن تكون الصعقة بزوال العقل دون زوال الحياة، ويجوز أن تكون بالموت، ولا يبعد أن يكون الموت والحياة فكل ذلك مما يجوّزه العقل، والأمر في وقوعه موقوف على خبر صدق.

قلت: جاء في بعض طرق أبي هريرة أنه عليه السلام قال:

لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أوّل من يفِيق فإذا موسى باطِشٌ بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعِق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله خرجه مسلم. ونحوه عن أبي سعيد الخدري؛ والإفاقة إنما تكون عن غشية وزوال عقل لا عن موت بردّ الحياة. والله أعلم.

قوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} أي فإذا الأموات من أهل الأرض والسماء أحياء بعثوا من قبورهم، وأعيدت إليهم أبدانهم وأرواحهم، فقاموا ينظرون ماذا يؤمرون. وقيل: قيام على أرجلهم ينظرون إلى البعث الذي وعِدوا به. وقيل: هذا النظر بمعنى الانتظار؛ أي ينتظرون ما يفعل بهم. وأجاز الكسائي قياماً بالنصب؛ كما تقول: خرجت فإذا زيد جالساً.

وَأَشْرَقَتِ ٱلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ وَجِا۟ىٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝٦٩ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ۝٧٠

قوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} إشراقها إضاءتها؛ يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت وشَرَقت إذا طلعت. ومعنى: {بِنُورِ رَبِّهَا} بعدل ربها؛ قاله الحسن وغيره. وقال الضحاك: بحكم ربها؛ والمعنى واحد؛ أي أنارت وأضاءت بعدل الله وقضائه بالحق بين عباده. والظلم ظلمات والعدل نور. وقيل: إن الله يخلق نوراً يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق الأرض به. وقال ابن عباس: النور المذكور هاهنا ليس من نور الشمس والقمر، بل هو نور يخلقه الله فيضيء به الأرض. وروي أن الأرض يومئذٍ من فضة تشرق بنور الله تعالى حين يأتي لفصل القضاء. والمعنى أنها أشرقت بنورٍ خلقه الله تعالى، فأضاف النور إليه على حدّ إضافة الملك إلى المالك. وقيل: إنه اليوم الذي يقضي فيه بين خلقه؛ لأنه نهار لا ليل معه. وقرأ ابن عباس وعبيد بن عمير: {وأُشْرِقَتِ الأَرْضُ} على ما لم يسم فاعله وهي قراءة على التفسير. وقد ضل قوم هاهنا فتوهموا أن الله عز وجل من جنس النور والضياء المحسوس، وهو متعال عن (مشابهة) المحسوسات، بل هو منوّر السموات والأرض، فمنه كل نور خلقا وإنشاء. وقال أبو جعفر النحاس: وقوله عز وجل: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} يبين هذا الحديث المرفوع من طرق كثيرة صحاح:

تنظرون إلى الله عز وجل لا تضامّون في رؤيتهوهو يروى على أربعة أوجه: لا تُضامُون ولا تضارُون ولا تضامُّون ولا تضارُّون؛ فمعنى «لا تضامُون» لا يلحقكم ضيم كما يلحقكم في الدنيا في النظر إلى الملوك. و«لا تضارُون» لا يلحقكم ضير. و«لا تضامُّون» لا ينضم بعضكم إلى بعض ليسأله أن يريه. و«لا تضارُّون» لا يخالف بعضكم بعضاً؛ يقال: ضارّه مُضارّة وضِراراً أي خالفه.

قوله تعالى: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ} قال ابن عباس: يريد اللوح المحفوظ. وقال قتادة: يريد الكتاب والصحف التي فيها أعمال بني آدم، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. {وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ} أي جيء بهم فيسألهم عما أجابتهم به أممهم. {وَٱلشُّهَدَآءِ} الذين شهدوا على الأمم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى:

{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ }[البقرة: 143]. وقيل: المراد بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يوم القيامة لمن ذبّ عن دين الله؛ قاله السدي. قال ابن زيد: هم الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم. قال الله تعالى: { وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ } [قۤ: 21] فالسائق يسوقها إلى الحساب والشهيد يشهد عليها، وهو الملك الموكل بالإنسان على ما يأتي بيانه في «قاف». {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ} أي بالصدق والعدل. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} قال سعيد بن جبير: لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم. {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} من خير أو شر. {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} في الدنيا ولا حاجة به عز وجل إلى كتاب ولا إلى شاهد، ومع ذلك فتشهد الكتب والشهود إلزاماً للحجة.

وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٧١ قِيلَ ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ۝٧٢

قوله تعالى: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} هذا بيان توفية كل نفس عملها، فيساق الكافر إلى النار والمؤمن إلى الجنة. والزُّمَر: الجماعات واحدتها زُمْرة كظُلْمة وغُرْفة. وقال الأخفش وأبو عبيدة: {زُمَراً} جماعات متفرقة بعضها إثر بعض. قال الشاعر:

وتَرى النَّاسَ إلى مَنْزِلِهزُمَراً تَنْتَابُه بعْدَ زُمَرْ

وقال آخر:

حتّى احْزَأَلَّتْزُمَرٌ بعد زُمَرْ

وقيل: دفعاً وزجراً بصوت كصوت المزمار. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} جواب إذا، وهي سبعة أبواب. وقد مضى في «الحجر». {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ} واحدهم خازن نحو سدنة وسادن، يقولون لهم تقريعاً وتوبيخاً. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} أي الكتب المنزلة على الأنبياء.{وَيُنذِرُونَكُمْ} أي يخوّفونكم {لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ} أي قد جاءتنا، وهذا اعتراف منهم بقيام الحجة عليهم {وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} وهي قوله تعالى: { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }[هود: 119]. {قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} أي يقال لهم ادخلوا جهنم. وقد مضى الكلام في أبوابها. قال وهب: تستقبلهم الزبانية بمقامع من نار فيدفعونهم بمقامعهم، فإنه ليقع في الدفعة الواحدة إلى النار بعدد ربيعة ومضر. {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ} تقدم بيانه.

وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ۝٧٣ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ ۝٧٤ وَتَرَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٧٥

قوله تعالى: {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً} يعني من الشهداء والزهاد والعلماء والقراء وغيرهم، ممن اتقى الله تعالى وعمل بطاعته. وقال في حق الفريقين: {وَسِيقَ} بلفظ واحد، فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزي والهوان، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل، وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان؛ لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} قيل: الواو هنا للعطف عطف على جملة والجواب محذوف. قال المبرد: أي سعدوا وفتحت، وحذف الجواب بليغ في كلام العرب. وأنشد:

فلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعةًولكِنّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا

فحذف جواب لو والتقدير لكان أروح. وقال الزجاج: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا} دخلوها وهو قريب من الأول. وقيل: الواو زائدة. قاله الكوفيون وهو خطأ عند البصريين. وقد قيل: إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على الله تعالى، والتقدير حتى إذا جاءوها وأبوابها مفتحة، بدليل قوله: { جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ } [صۤ: 50] وحذف الواو في قصة أهل النار؛ لأنهم وقفوا على النار وفتحت بعد وقوفهم إذلالاً وترويعاً لهم. ذكره المهدوي وحكى معناه النحاس قبله. قال النحاس: فأما الحكمة في إثبات الواو في الثاني وحذفها من الأول، فقد تكلم فيه بعض أهل العلم بقول لا أعلم أنه سبقه إليه أحد، وهو أنه لما قال الله عز وجل في أهل النار: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} دلّ بهذا على أنها كانت مغلقة ولما قال في أهل الجنة: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} دلّ بهذا على أنها كانت مفتحة قبل أن يجيئوها؛ والله أعلم. وقيل: إنها واو الثمانية. وذلك من عادة قريش أنهم يعدون من الواحد فيقولون خمسة ستة سبعة وثمانية، فإذا بلغوا السبعة قالوا وثمانية. قاله أبو بكر بن عياش. قال الله تعالى: { سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ } [الحاقة: 7] وقال: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ} ثم قال في الثامن: { وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ }[التوبة: 112] وقال: { وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ }[الكهف: 22] وقال: { ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً }[التحريم: 5] وقد مضى القول في هذا في «براءة» مستوفى وفي «الكهف» أيضاً.

قلت: وقد استدل بهذا من قال إن أبواب الجنة ثمانية؛ وذكروا حديث عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما منكم من أحد يتوضأ فَيُبْلغ ـ أو فَيُسْبِغ الوضوء ـ ثم قال أشهد أن لا إلٰه إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاءخرجه مسلم وغيره. وقد خرج الترمذي حديث عمر هذا وقال فيه:فتح له من أبواب الجنة ثمانية أبواب يوم القيامةبزيادة مِن، وهو يدل على أن أبواب الجنة أكثر من ثمانية. وقد ذكرنا ذلك في كتاب «التذكرة» وانتهى عددها إلى ثلاثة عشر باباً، وذكرنا هناك عظم أبوابها وسعتها حسب ما ورد في الحديث من ذلك، فمن أراده وقف عليه هناك. {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} قيل: الواو ملغاة تقديره حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها {قَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا}. {سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ} أي في الدنيا. قال مجاهد: بطاعة الله. وقيل: بالعمل الصالح. حكاه النقاش والمعنى واحد. وقال مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم حُبِسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقَصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا وطُيِّبوا قال لهم رضوان وأصحابه: {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} بمعنى التحية {طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ}.

قلت: خرج البخاري حديث القنطرة هذا في جامعه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يَخْلُص المؤمنون من النار فيُحبَسون على قنطرة بين الجنة والنار فيُقَصُّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا وحكى النقاش: إن على باب الجنة شجرة ينبع من ساقها عينان يشرب المؤمنون من إحداهما فتطهر أجوافهم وذلك قوله تعالى: { وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً }[الإنسان: 21] ثم يغتسلون من الأخرى فتطيب أبشارهم فعندها يقول لهم خزنتها: {سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} وهذا يروى معناه عن عليّ رضي الله عنه. {وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} أي إذا دخلوا الجنة قالوا هذا. {وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ} أي أرض الجنة. قيل: إنهم ورثوا الأرض التي كانت تكون لأهل النار لو كانوا مؤمنين؛ قاله أبو العالية وأبو صالح وقتادة والسّدي وأكثر المفسرين وقيل: إنها أرض الدنيا على التقديم والتأخير. قوله تعالى: {فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} قيل: هو من قولهم أي نعم الثواب هذا. وقيل: هو من قول الله تعالى؛ أي نعم ثواب المحسنين هذا الذي أعطيتهم.

قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ} يا محمد {حَآفِّينَ} أي محدِقين {مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ} في ذلك اليوم {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} متلذذين بذلك لا متعبدين به؛ أي يصلّون حول العرش شكراً لربهم. والحافون أخذ من حافات الشيء ونواحيه. قال الأخفش: واحدهم حاف. وقال الفرّاء: لا واحد له إذ لا يقع لهم الاسم إلا مجتمعين. ودخلت «مِن» على «حَوْل» لأنه ظرف والفعل يتعدّى إلى الظرف بحرف وبغير حرف. وقال الأخفش: «مِنْ» زائدة أي حافّين حول العرش. وهو كقولك: ما جاءني من أحد، فمن توكيد. الثعلبي: والعرب تدخل الباء أحياناً في التسبيح وتحذفها أحياناً، فيقولون: سبح بحمد ربك، وسبح حمداً لله؛ قال الله تعالى:

{ سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ }[الأعلى: 1] وقال: { فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ } [الواقعة: 74]. {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ} بين أهل الجنة والنار. وقيل: قضي بين النبيين الذين جيء بهم مع الشهداء وبين أممهم بالحق والعدل. {وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي يقول المؤمنون الحمد لله على ما أثابنا من نعمه وإحسانه ونصرنا على من ظلمنا. وقال قتادة في هذه الآية: افتتح الله أول الخلق بالحمد لله، فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ } [الأنعام: 1] وختم بالحمد فقال: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} فلزم الاقتداء به، والأخذ في ابتداء كل أمر بحمده وخاتمته بحمده. وقيل: إن قول {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} من قول الملائكة فعلى هذا يكون حمدهم لله تعالى على عدله وقضائه. ورُوِيَ من حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر آخر سورة «الزمر» فتحرك المنبر مرتين.

تم تفسير سورة «الزمر»

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ