انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الزمر

تفسير القرطبيالآيات 32–66

تفسير سورة الزمر آية آية، من تفسير القرطبي.

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُۥٓ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَٰفِرِينَ ۝٣٢ وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ ۝٣٣ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٣٤ لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٣٥

قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ} أي لا أحد أظلم {مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ} فزعم أن له ولداً وشريكاً {وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ} يعني القرآن {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ} استفهام تقرير {مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} أي مقام للجاحدين، وهو مشتق من ثَوَى بالمكان إذا أقام به يَثْوِي ثَوَاء وثُوِيًّا مثل مَضَى مَضَاء ومُضِيًّا، ولو كان من أَثْوَى لكان مُثْوًى. وهذا يدّل على أن ثَوَى هي اللغة الفصيحة. وحكى أبو عبيد أَثْوَى، وأنشد قول الأعشى:

أَثْوَى وقَصَّر لَيْلَةً لِيُزَوَّدَاومَضَى وأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدَا

والأصمعي لا يعرف إلا ثَوَى، ويروى البيت أَثَوَى على الاستفهام. وأَثْوَيتُ غيري يتعدى ولا يتعدّى.

قوله تعالى: {وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} في موضع رفع بالابتداء وخبره {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} واختلف في الذي جاء بِالصدق وصَدَّقَ بِهِ؛ فقال علي رضي الله عنه: «الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ» النبي صلى الله عليه وسلم «وَصَدَّقَ بِهِ» أبو بكر رضي الله عنه. وقال مجاهد: النبي عليه السلام وعليّ رضي الله عنه. السّدي: الذي جاء بالصدق جبريل صلى الله عليه وسلم والذي صدّق به محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن زيد ومقاتل وقتادة: «الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْق» النبي صلى الله عليه وسلم «وَصَدَّقَ بِهِ» المؤمنون. واستدلوا على ذلك بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} كما قال:

{ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ }[البقرة: 2]. وقال النَّخَعي ومجاهد: «الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِه» المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة فيقولون: هذا الذي أعطيتُمونا قد اتبعنا ما فيه؛ فيكون {الَّذِي} على هذا بمعنى جمع كما تكون مَنْ بمعنى جمع. وقيل: بل حذفت منه النون لطول الاسم، وتأوله الشعبي على أنه واحد. وقال: {الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} محمد صلى الله عليه وسلم فيكون على هذا خبره جماعة؛ كما يقال لمن يُعظَّم هو فعلوا، وزيد فعلوا كذا وكذا. وقيل: إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله عز وجل؛ قاله ابن عباس وغيره، واختاره الطبري. وفي قراءة ابن مسعود {وَالَّذِي جَاءُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَقُوا بِهِ} وهي قراءة على التفسير. وفي قراءة أبي صالح الكوفي {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَقَ بِهِ} مخففاً على معنى وصدق بمجيئه به، أي صدق في طاعة الله عز وجل، وقد مضى في «البقرة» الكلام في «الَّذِي» وأنه يكون واحداً ويكون جمعاً. {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} أي من النعيم في الجنة، كما يقال: لك إكرام عندي؛ أي ينالك مني ذلك. {ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} الثناء في الدنيا والثواب في الآخرة.

قوله تعالى: {لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} أي صدّقوا {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ}. {أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ} أي يكرمهم ولا يؤاخذهم بما عملوا قبل الإسلام. {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ} أي يثيبهم على الطاعات في الدنيا {بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ} وهي الجنة.

أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ۝٣٦ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى ٱنتِقَامٍ ۝٣٧

قوله تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} حذفت الياء من «كاف» لسكونها وسكون التنوين بعدها؛ وكان الأصل ألا تحذف في الوقف لزوال التنوين، إلا أنها حذفت ليعلم أنها كذلك في الوصل. ومن العرب من يثبتها في الوقف على الأصل فيقول: كافي. وقراءة العامة {عَبْدَهُ} بالتوحيد يعني محمداً صلى الله عليه وسلم يكفيه الله وعيد المشركين وكيدهم. وقرأ حمزة والكسائي {عِبَادَهُ} وهم الأنبياء أو الأنبياء والمؤمنون بهم. واختار أبو عبيد قراءة الجماعة لقوله عقيبه: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ}. ويحتمل أن يكون العبد لفظ الجنس؛ كقوله عز من قائل:

{ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ }[العصر: 2] وعلى هذا تكون القراءة الأولى راجعة إلى الثانية. والكفاية شر الأصنام، فإنهم كانوا يخوّفون المؤمنين بالأصنام، حتى قال إبراهيم عليه السلام. { وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ } [الأنعام: 81]. وقال الجرجاني: إن الله كافٍ عبده المؤمن وعبده الكافر، هذا بالثواب وهذا بالعقاب.

قوله تعالى: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} وذلك أنهم خوفوا النبيّ صلى الله عليه وسلم مَضَرَّة الأوثان، فقالوا: أتسب آلهتنا؟ لئن لم تكف عن ذكرها لتخبلنك أو تصيبنك بسوء. وقال قتادة: مشى خالد بن الوليد إلى العُزَّى ليكسرها بالفأس، فقال له سادِنها: أُحَذِّرُكَها يا خالد فإن لها شدّة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إلى العُزَّى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس. وتخويفهم لخالد تخويف للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الذي وجه خالداً. ويدخل في الآية تخويفهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بكثرة جمعهم وقوتهم؛ كما قال:

{ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ } [القمر: 44]. {وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ} تقدم. {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ } أي ممن عاداه أو عادى رسله.

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَٰتُ رَحْمَتِهِۦ قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ۝٣٨ قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَٰمِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝٣٩ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ۝٤٠ إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِۦ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ۝٤١

قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} أي ولئن سألتهم يا محمد {مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} بين أنهم مع عبادتهم الأوثان مُقِرُّون بأن الخالق هو الله، وإذا كان الله هو الخالق فكيف يخوفونك بآلتهم التي هي مخلوقة لله تعالى، وأنت رسول الله الذي خلقها وخلق السموات والأرض. {قُلْ أَفَرَأَيْتُم} أي قل لهم يا محمد بعد اعترافهم بهذا {أَفَرَأَيْتُمْ} {إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ} بشدة وبلاء {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} يعني هذه الأصنام {أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} نعمة ورخاء {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} قال مقاتل: فسألهم النبيّ صلى الله عليه وسلم فسكتوا. وقال غيره: قالوا لا تدفع شيئاً قدّره الله ولكنها تشفع. فنزلت: {قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ} وترك الجواب لدلالة الكلام عليه؛ يعني فسيقولون لا (أي لا تكشف ولا تمسك) فـ«ـقُلْ» أنت «حَسْبِيَ اللَّهُ» أي عليه توكلت أي اعتمدت و{عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} يعتمد المعتمدون. وقد تقدّم الكلام في التوكل. وقرأ نافع وابن كثير والكوفيون ما عدا عاصماً «كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ» بغير تنوين. وقرأ أبو عمرو وشيبة وهي المعروفة من قراءة الحسن وعاصم «هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتٌ ضُرَّهُ». «مُمْسِكَاتٌ رَحْمَتَهُ» بالتنوين على الأصل وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ لأنه اسم فاعل في معنى الاستقبال، وإذا كان كذلك كان التنوين أجود. قال الشاعر:

الضاربون عُمَيْراً عن بيوتهمبالليل يوم عُمَير ظالمٌ عادي

ولو كان ماضياً لم يجز فيه التنوين، وحذف التنوين على التحقيق، فإذا حذفت التنوين لم يبق بين الاسمين حاجز فخفضت الثاني بالإضافة. وحذف التنوين كثير في كلام العرب موجود حسن؛ قال الله تعالى: { هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ } [المائدة: 95] وقال: { إِنَّا مُرْسِلُو ٱلنَّاقَةِ } [القمر: 27] قال سيبويه: ومثل ذلك { غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ }[المائدة: 1] وأنشد سيبويه:

هل أَنْتَ باعِثُ دِينارٍ لحاجتِناأو عَبْد رَبٍّ أَخَا عَوْنِ بنِ مِخْرَاقِ

وقال النابغة:

احْكُمْ كَحُكْمِ فتاةِ الْحَيِّ إِذْ نَظَرَتْإِلَى حَمَامٍ شَرَاعٍ وَارِدِ الثَّمدِ

معناه واردٍ الثَّمَد فحذف التنوين؛ مثل {كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ}.

قوله تعالى: {قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ إِنِّي عَامِلٌ} أي على مكانتي أي على جهتي التي تمكنت عندي {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}. وقرأ أبو بكر «مَكَانَاتِكُمْ» وقد مضى في «الأنعام». {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي يهينه ويذله أي في الدنيا وذلك بالجوع والسيف. {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ} أي في الآخرة {عَذَابٌ مُّقِيمٌ}.

قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِّ فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ } تقدم الكلام في هذه الآية مستوفى في غير موضع.

ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝٤٢

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} أي يقبضها عند فناء آجالها {وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا} اختلف فيه. فقيل: يقبضها عن التصرف مع بقاء أرواحها في أجسادها {فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ} وهي النائمة فيطلقها بالتصرف إلى أجل موتها؛ قاله ابن عيسى. وقال الفراء: المعنى ويقبض التي لم تمت في منامها عند انقضاء أجلها. قال: وقد يكون توفيها نومها؛ فيكون التقدير على هذا والتي لم تمت وفاتها نومها. وقال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وقال سعيد بن جبير: إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأَخْرَى} أي يعيدها. قال علي رضي الله عنه: فما رأته نفس النائم وهي في السماء قبل إرسالها إلى جسدها فهي الرؤيا الصادقة، وما رأته بعد إرسالها وقبل استقرارها في جسدها تلقيها الشياطين، وتخيل إليها الأباطيل فهي الرؤيا الكاذبة. وقال ابن زيد: النوم وفاة والموت وفاة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

كما تنامون فكذلك تموتون وكما توقظون فكذلك تبعثون. وقال عمر: النوم أخو الموت. وروي مرفوعاً من حديث جابر بن عبد الله قيل: يا رسول الله أينام أهل الجنة؟ قال: «لا، النوم أخو الموت والجنة لا موت فيها» خرجه الدارقطني. وقال ابن عباس: في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل والتمييز، والروح التي بها النفس والتحريك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه. وهذا قول ابن الأنباري والزجاج. قال القشيري أبو نصر: وفي هذا بُعْد إذ المفهوم من الآية أنّ النفس المقبوضة في الحالين شيء واحد؛ ولهذا قال: {فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} فإذاً يقبض الله الروح في حالين في حالة النوم وحالة الموت، فما قبضه في حال النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه شيء مقبوض، وما قبضه في حال الموت فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم القيامة. وقوله: {وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ} أي يزيل الحابس عنه فيعود كما كان. فتوفي الأنفس في حال النوم بإزالة الحس وخلق الغفلة والآفة في محل الإدراك. وتوفيها في حالة الموت بخلق الموت وإزالة الحس بالكلية. {فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ} بألا يخلق فيها الإدراك كيف وقد خلق فيها الموت؟ {وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ} بأن يعيد إليها الإحساس.

الثانية: وقد اختلف الناس من هذه الآية في النفس والروح؛ هل هما شيء واحد أو شيئان على ما ذكرنا. والأظهر أنهما شيء واحد، وهو الذي تدل عليه الآثار الصحاح على ما نذكره في هذا الباب. من ذلك حديث أمّ سلمة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شَقَّ بصرُه فأغمضه، ثم قال:

إن الروح إذا قُبِض تَبِعه البصرُ وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:ألم تروا الإنسان إذا مات شَخَص بَصرُه» قال: فذلك حين يَتْبعَ بَصرُه نَفْسَه» خرجهما مسلم. وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحاً قالوا اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيّب اخرجي حميدة وأبشري برَوح وريحان وربٍّ راضٍ غير غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماءوذكر الحديث وإسناده صحيح خرجه ابن ماجه؛ وقد ذكرناه في «التذكرة». وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها. وذكر الحديث. وقال بلال في حديث الوادي: أخذ بنَفْسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مقابلاً له في حديث زيد بن أسلم في حديث الوادي: يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء ردّها إلينا في حين غير هذا».

الثالثة: والصحيح فيه أنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة، يُجذَب ويُخْرج وفي أكفانه يُلَف ويُدرَج، وبه إلى السماء يُعرَج، لا يموت ولا يفنى، وهو مما له أوّل وليس له آخر، وهو بعينين ويدين، وأنه ذو ريح طيبة وخبيثة؛ كما في حديث أبي هريرة. وهذه صفة الأجسام لا صفة الأعراض؛ وقد ذكرنا الأخبار بهذا كله في كتاب «التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة». وقال تعالى:

{ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ }[الواقعة: 83] يعني النفس إلى خروجها من الجسد؛ وهذه صفة الجسم. والله أعلم.

الرابعة: خرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه وليسمّ الله فإنه لا يعلم ما خَلفه بعد على فراشه فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقّه الأيمن وليقل سبحانك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نَفْسي فاغفر لها. وقال البخاري وابن ماجه والترمذي:فارحمهابدل «فاغفر لها»وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحينزاد الترمذي وإذا استيقظ فليقل الحمد لله الذي عافاني في جسدي وردّ عليّ روحي وأذن لي بذكره. وخرج البخاري عن حُذَيْفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خدّه؛ ثم يقول: اللهم باسمك أموت وأحيا وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور».

قوله تعالى: {فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ} هذه قراءة العامة على أنه مسمى الفاعل {الْمَوْتَ} نصباً؛ أي قضى الله عليها وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد؛ لقوله في أول الآية: {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ} فهو يقضي عليها. وقرأ الأعمش ويحيـى بن وثّاب وحمزة والكسائي {قُضِيَ عَلَيْهَا الْمَوْتُ} على ما لم يسم فاعله. النحاس، والمعنى واحد غير أن القراءة الأولى أبين وأشبه بنسق الكلام؛ لأنهم قد أجمعوا على {وَيُرْسِلُ} ولم يقرؤوا {ويُرسَل}. وفي الآية تنبيه على عظيم قدرته وانفراده بالألوهية، وأنه يفعل ما يشاء، ويحيي ويميت، لا يقدر على ذلك سواه. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} يعني في قبض الله نَفْس الميّت والنائم، وإرساله نَفْس النائم وحبسه نفس الميّت {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. وقال الأصمعي سمعت معتمراً يقول: روح الإنسان مثل كُبَّة الغَزْل، فترسل الروح، فتمضي ثم تمضي ثم تطوى فتجيء فتدخل؛ فمعنى الآية أنه يرسل من الروح شيء في حال النوم ومعظمها في البدن متصل بما يخرج منها اتصالاً خفياً، فإذا استيقظ المرء جذب معظم روحه ما انبسط منها فعاد. وقيل غير هذا؛ وفي التنزيل:

{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } [الإسراء: 85] أي لا يعلم حقيقته إلا الله. وقد تقدّم في «سبحان».

أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَمْلِكُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَعْقِلُونَ ۝٤٣ قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعًا لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٤٤ وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ۝٤٥

قوله تعالى: {أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ} أي بل اتخذوا يعني الأصنام وفي الكلام ما يتضمن لم؛ أي {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} لم يتفكروا ولكنهم اتخذوا آلهتهم شفعاء. {قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً} أي قل لهم يا محمد أتتخذونهم شفعاء وإن كانوا لا يملكون شيئاً من الشفاعة {وَلاَ يَعْقِلُونَ} لأنها جمادات. وهذا استفهام إنكار {قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} نص في أن الشفاعة لله وحده كما قال:

{ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ }[البقرة: 255] فلا شافع إلا من شفاعته { وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } [الأنبياء: 28]. {جَمِيعاً} نصب على الحال. فإن قيل: {جَميعاً} إنما يكون للاثنين فصاعداً والشفاعة واحدة. فالجواب أن الشفاعة مصدر والمصدر يؤدّي عن الاثنين والجميع {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.

قوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ} نصب على المصدر عند الخليل وسيبويه، وعلى الحال عند يونس. {ٱشْمَأَزَّتْ} قال المبرد: انقبضت. وهو قول ابن عباس ومجاهد. وقال قتادة: نفرت واستكبرت وكفرت وتعصت. وقال المؤرِّج أنكرت. وأصل الاشمئزاز النفور والازورار. قال عمرو بِن كُلْثوم:

إذا عَضَّ الثِّقَافُ بِهَا اشْمَأَزَّتْوَوَلَّتْهُمْ عَشَوْزَنَةً زَبُونَا

وقال أبو زيد: اشمأَز الرجل ذعر من الفزع وهو المذعور. وكان المشركون إذا قيل لهم «لا إِلٰه إِلا الله» نفروا وكفروا {وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} يعني الأوثان حين ألقى الشيطان في أمنية النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءته سورة «والنجم» تلك الغَرَانِيقُ الْعُلَى وإن شفاعتهم تُرْتَجَى. قاله جماعة المفسرين. {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي يظهر في وجوههم البشر والسرور.

قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ عَٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۝٤٦ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ ۝٤٧ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٤٨

قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} نصب لأنه نداء مضاف وكذا {عَالِمَ ٱلْغَيْبِ} ولا يجوز عند سيبويه أن يكون نعتاً. {أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} وفي صحيح مسلم

عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة رضي الله عنها بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل {فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» ولما بلغ الربيع بن خَيْثم قتل الحسين بن علي رضي الله عنهم قرأ: {قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}. وقال سعيد بن جبير: إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط فسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }.

قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي كذبوا وأشركوا {مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ} أي من سوء عذاب ذلك اليوم. وقد مضى هذا في سورة «آل عمران» و«الرعد». {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} من أجلِّ ما روي فيه ما رواه منصور عن مجاهد قال: عملوا أعمالاً توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات. وقاله السدي. وقيل: عملوا أعمالاً توهموا أنهم يتوبون منها قبل الموت فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة. ويجوز أن يكونوا توهموا أنه يغفر لهم من غير توبة فـ{وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} من دخول النار. وقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء ويل لأهل الرياء هذه آيتهم وقصتهم. وقال عكرمة بن عمار: جزع محمد بن المنكدر عند موته جزعاً شديداً، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: أخاف آية من كتاب الله {وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب. {وَبَدَا لَهُمْ} أي ظهر لهم {سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ} أي عقاب ما كسبوا من الكفر والمعاصي. {وَحَاقَ بِهِم} أي أحاط بهم ونزل {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}.

فَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَٰهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٤٩ قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٥٠ فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ۝٥١ أَوَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٥٢

قوله تعالى: {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا} قيل: إنها نزلت في حُذَيفة بن المغيرة. {ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} قال قتادة: {عَلى عِلْمٍ} عندي بوجوه المكاسب، وعنه أيضاً {عَلَى عِلْمٍ} على خير عندي. وقيل: {عَلَى عِلْمٍ} أي على علم من الله بفضلي. وقال الحسن: {عَلَى عِلْمٍ} أي بعلم علمني الله إياه. وقيل: المعنى أنه قال قد علمت أني إذا أوتيت هذا في الدنيا أن لي عند الله منزلة؛ فقال الله: {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} أي بل النعم التي أوتيتها فتنة تختبر بها. قال الفراء: أنث «هي» لتأنيث الفتنة، ولو كان بل هو فتنة لجاز. النحاس: التقدير بل أعطيته فتنة. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون أن إعطاءهم المال اختبار.

قوله تعالى: {قَدْ قَالَهَا} أنث على تأنيث الكلمة. {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني الكفار قبلهم كقارون وغيره حيث قال: «إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم عِنْدِي». {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} «ما» للجحد أي لم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئاً. وقيل: أي فما الذي أغنى أموالهم؟ فـ«ـما» استفهام. {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} أي جزاء سيئات أعمالهم. وقد يسمى جزاء السيئة سيئة. {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي أشركوا {مِنْ هَـٰؤُلاَءِ} الأمة {سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} أي بالجوع والسيف. {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي فائتين الله ولا سابقيه. وقد تقدّم.

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } خص المؤمن بالذكر؛ لأنه هو الذي يتدبر الآيات وينتفع بها. ويعلم أن سعة الرزق قد يكون مكراً واستدراجاً، وتقتيره رفعة وإعظاماً.

قُلْ يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۝٥٣ وَأَنِيبُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا۟ لَهُۥ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ۝٥٤ وَٱتَّبِعُوٓا۟ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ۝٥٥ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ۝٥٦ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٥٧ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٥٨ بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٥٩

قوله تعالى: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} وإن شئت حذفت الياء؛ لأن النداء موضع حذف. النحاس: ومن أجلّ ما روي فيه ما رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: لما اجتمعنا على الهجرة، اتّعدتُ أنا وهشام بن العاصي بن وائل السَّهْمي، وعَيَّاش بن أبي ربيعة بن عُتْبة، فقلنا: الموعد أضاة بني غفار، وقلنا: من تأخر منا فقد حُبِس فليمض صاحبه، فأصبحت أنا وعياش بن عتبة وحُبس عنا هشام، وإذا به قد فُتن فافتتن، فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله عز وجل وآمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم، ثم افتتنوا لبلاءٍ لحقهم لا نرى لهم توبة، وكانوا هم أيضاً يقولون هذا في أنفسهم، فأنزل الله عز وجل في كتابه: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} إلى قوله تعالى:

{ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ }[الزمر: 60] قال عمر: فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام. قال هشام: فلما قدمت عليّ خرجت بها إلى ذي طُوًى فقلت: اللهم فهمنيها فعرفت أنها نزلت فينا، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان قوم من المشركين قَتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فقالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم أو بعثوا إليه: إن ما تدعو إليه لحسن أوَ تخبرنا أن لنا توبة؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} ذكره البخاري بمعناه. وقد مضى في آخر «الفرقان». وعن ابن عباس أيضاً نزلت في أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، وكيف نهاجر ونُسْلم وقد عبدنا مع الله إلهاً آخر وقتلنا النفس التي حرم الله! فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنها نزلت في قوم من المسلمين أسرفوا على أنفسهم في العبادة، وخافوا ألاّ يتقبل منهم لذنوب سبقت لهم في الجاهلية. وقال ابن عباس أيضاً وعطاء: نزلت في وحشِيّ قاتل حمزة؛ لأنه ظن أن الله لا يقبل إسلامه: وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أتَى وَحْشيّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا محمد أتيتك مستجيراً فأجرني حتى أسمع كلام الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد كنت أحبّ أن أراك على غير جوار فأما إذ أتيتني مستجيراً فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله» قال: فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت، هل يقبل الله مني توبة؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ} [الفرقان: 68] إلى آخر الآية فتلاها عليه؛ فقال أرى شرطاً فلعلي لا أعمل صالحاً، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48] فدعا به فتلا عليه؛ قال: فلعلي ممن لا يشاء أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} فقال: نعم الآن لا أرى شرطاً. فأسلم. وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن شَهْر بن حَوْشَب عن أسماء: أنها سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ: {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ }. وفي مصحف ابن مسعود {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لِمَنْ يَشَاءُ}. قال أبو جعفر النحاس: وهاتان القراءتان على التفسير، أي يغفر الله لمن يشاء. وقد عرف الله عز وجل من شاء أن يغفر له، وهو التائب أو من عمل صغيرة ولم تكن له كبيرة، ودلّ على أنه يريد التائب ما بعده {وَأَنيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} فالتائب مغفور له ذنوبه جميعاً، يدل على ذلك { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ } [طه: 82] فهذا لا إشكال فيه. وقال عليّ بن أبي طالب: ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} وقد مضى هذا في «سبحان». وقال عبد الله بن عمر: وهذه أرجى آية في القرآن فردّ عليهم ابن عباس وقال أرجى آية في القرآن قوله تعالى: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ } [الرعد: 6] وقد مضى في «الرعد». وقرىء «وَلاَ تَقْنِطُوا» بكسر النون وفتحها. وقد مضى في «الحجر» بيانه.

قوله تعالى: {وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ} أي ارجعوا إليه بالطاعة. لما بين أن من تاب من الشرك يغفر له أمر بالتوبة والرجوع إليه، والإنابة الرجوع إلى الله بالإخلاص. {وَأَسْلِمُواْ لَهُ} أي اخضعوا له وأطيعوا {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ} في الدنيا {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} أي لا تمنعون من عذابه. وروي من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

من السعادة أن يطيل الله عمر المرء في الطاعة ويرزقه الإنابة، وإن من الشقاوة أن يعمل المرء ويعجب بعمله

قوله تعالى: {وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } {أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ} هو القرآن وكله حسن، والمعنى ما قال الحسن: التزموا طاعته، واجتنبوا معصيته. وقال السدّي: الأحسن ما أمر الله به في كتابه. وقال ابن زيد: يعني المحكمات، وكِلوا علم المتشابه إلى عالمه. وقال: أنزل الله كتباً التوراة والإنجيل والزبور، ثم أنزل القرآن وأمر باتباعه فهو الأحسن وهو المعجز. وقيل: هذا أحسن لأنه ناسخ قاض على جميع الكتب وجميع الكتب منسوخة. وقيل: يعني العفو؛ لأن الله تعالى خيّر نبيه عليه السلام بين العفو والقصاص. وقيل: ما علّم الله النبيّ عليه السلام وليس بقرآن فهو حسن؛ وما أوحى إليه من القرآن فهو الأحسن. وقيل: أحسن ما أنزل إليكم من أخبار الأمم الماضية.

قوله تعالى: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا} {أَنْ} في موضع نصب أي كراهة {أَنْ تَقُولَ} وعند الكوفيين لئلا تقول وعند البصريين حذر {أَنْ تَقُولَ}. وقيل: أي من قبل {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ} لأنه قال قبل هذا: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ}. الزمخشري: فإن قلت لم نكّرت؟ قلت: لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر. ويجوز أن يريد نفساً متميزة من الأنفس، إمّا بلجاج في الكفر شديد، أو بعقاب عظيم. ويجوز أن يراد التكثير كما قال الأعشى:

ورُبَّ بَقيع لو هَتَفْتُ بِجَوِّهِأتاني كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرأْسَ مُغْضَبَا

وهو يريد أفواجاً من الكرام ينصرونه لا كريماً واحداً، ونظيره: رُبَّ بلدٍ قطعت، ورُبَّ بطلٍ قارعت، ولا يقصد إلا التكثير. «يَا حَسْرَتَا» والأصل «يَا حَسْرَتِي» فأبدل من الياء ألف؛ لأنها أخف وأمكن في الاستغاثة بمد الصوت، وربما ألحقوا بها الهاء؛ أنشد الفراء:

يا مَرْحَباهُ بحمارٍ ناجِيَهْإذا أَتَى قَرَّبْتُه للسَّانِيَهْ

وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف؛ لتدل على الإضافة. وكذلك قرأها أبو جعفر: «يَا حَسْرَتَايَ» والحسرة الندامة. {عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ} قال الحسن: في طاعة الله. وقال الضحاك: أي في ذكر الله عز وجل. قال: يعني القرآن والعمل به. وقال أبو عبيدة: «في جنب الله» أي في ثواب الله. وقال الفراء: الجنب القرب والجوار؛ يقال فلان يعيش في جنب فلان أي في جواره؛ ومنه { وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ } [النساء: 36] أي على ما فرطت في طلب جواره وقربه وهو الجنة. وقال الزجاج: أي على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعاني إليه. والعرب تسمي السبب والطريق إلى الشيء جنباً؛ تقول: تجرعت في جنبك غصصاً؛ أي لأجلك وسببك ولأجل مرضاتك. وقيل: «في جَنْبِ اللَّهِ» أي في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله عز وجل وثوابه، والعرب تسمي الجانب جنباً، قال الشاعر:

قُسِمَ مَجْهُوداً لِذاكَ الْقَلْبُالنَّاسُ جَنْبٌ والأَمِيرُ جَنْبُ

يعني الناس من جانب والأمير من جانب. وقال ابن عرفة: أي تركت من أمر الله؛ يقال ما فعلت ذلك في جنب حاجتي؛ قال كُثَيِّر:

أَلاَ تَتَّقِينَ اللَّهَ في جَنْبِ عاشِقٍله كَبِدٌ حرَّى عليك تَقَطَّعُ

وكذا قال مجاهد؛ أي ضيعت من أمر الله. ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما جلس رجل مجلساً ولا مشى ممشى ولا اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله عز وجل فيه إلا كان عليه تِرَةً يوم القيامة أي حسرة؛ خرجه أبو داود بمعناه. وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي أتاه الله في الدنيا يوم القيامة في ميزان غيره، قد ورثه وعمل فيه بالحق، كان له أجره وعلى الآخر وزره، ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوّله الله إياه في الدنيا أقرب منزلة من الله عز وجل، أو يرى رجلاً يعرفه أعمى في الدنيا قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ } أي وما كنت إلا من المستهزئين بالقرآن وبالرسول في الدنيا وبأولياء الله (تعالى): قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها. ومحل «إِن كنت» النصب على الحال؛ كأنه قال: فرطت وأنا ساخر؛ أي فرطت في حال سخريتي. وقيل وما كنت إلا في سخرية ولعب وباطل؛ أي ما كان سعيي إلا في عبادة غير الله تعالى

قوله تعالى: {أَوْ تَقُولَ} هذه النفس {لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي} أي أرشدني إلى دينه {لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} أي الشرك والمعاصي. وهذا القول لو أن الله هداني لاهتديت قول صدق. وهو قريب من احتجاج المشركين فيما أخبر الرب جل وعز عنهم في قوله:

{ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا }[الأنعام: 148] فهي كلمة حق أريد بها باطل؛ كما قال عليّ رضي الله عنه لما قال قائل من الخوارج لا حكم إلا لله. {أَوْ تَقُولَ} يعني هذه النفس {حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً} أي رجعة. {فَأَكُونَ} نصب على جواب التمني، وإن شئت كان معطوفاً على {كَرَّةً} لأن معناها أن أكر؛ كما قال الشاعر:

لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِيأَحبُّ إِليَّ مِنْ لُبْسِ الشُفُوفِ

وأنشد الفراء:

فمَالكَ مِنها غَيْرُ ذِكْرى وخَشْيَةٍوتَسْألَ عن رُكْبَانِها أَيْنَ يَمَّمُوا

فنصب و(تسأل) على موضع الذكرى؛ لأن معنى الكلام فمالك منها إلا أن تذكر. ومنه للبس عباءة وتقرّ؛ أي لأن ألبس عباءة وتقرّ. وقال أبو صالح: كان رجل عالم في بني إسرائيل وجد رقعة: إن العبد ليعمل الزمان الطويل بطاعة الله فيختم له عمله بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بمعصية الله ثم يختم له عمله بعمل رجل من أهل الجنة فيدخل الجنة؛ فقال: ولأي شيء أتعب نفسي فترك عمله وأخذ في الفسوق والمعصية، وقال له إبليس: لك عمر طويل فتمتع في الدنيا ثم تتوب، فأخذ في الفسوق وأنفق ماله في الفجور، فأتاه ملك الموت في ألذ ما كان، فقال: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله؛ ذهب عمري في طاعة الشيطان، فندم حين لا ينفعه الندم؛ فأنزل الله خبره في القرآن. وقال قتادة: هؤلاء أصناف؛ صنف منهم قال: {يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ}. وصنف منهم قال: {لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}. وقال آخر: {لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} فقال الله تعالى ردّاً لكلامهم: {بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي} قال الزجاج: «بَلَى» جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي، ولكن معنى {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي} ما هداني، وكأن هذ القائل قال ما هدِيت؛ فقيل؛ بلى قد بيّن لك طريق الهدى فكنت بحيث لو أردت أن تؤمن أمكنك أن تؤمن. «آيَاتِي» أي القرآن. وقيل: عنى بالآيات المعجزات؛ أي وضح الدليل فأنكرته وكذبته. {وَٱسْتَكْبَرْتَ} أي تكبرت عن الإيمان {وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}. وقال: «اسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ» وهو خطاب الذكر؛ لأن النفس تقع على الذكر والأنثى. يقال: ثلاثة أنفس. وقال المبرد؛ تقول العرب نفس واحد أي إنسان واحد. وروى الربيع بن أنس عن أم سَلَمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ{قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}. وقرأ الأعمش {بَلَى قَدْ جَاءَتْهُ آيَاتِي} وهذا يدل على التذكير. والربيع بن أنس لم يلحق أمّ سَلَمة إلا أن القراءة جائزة؛ لأن النفس تقع للمذكر والمؤنث. وقد أنكر هذه القراءة بعضهم وقال: يجب إذا كسر التاء أن تقول وكنت من الكوافر أو من الكافرات. قال النحاس: وهذا لا يلزم؛ ألا ترى أن قبله {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ} ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} ولم يقل من السواخر ولا من الساخرات. والتقدير في العربية على كسر التاء {وَاسْتَكْبَرْتِ وَكُنْتِ} من الجمع الساخرين أو من الناس الساخرين أو من القوم الساخرين.

وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ ۝٦٠ وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٦١ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ۝٦٢ لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝٦٣ قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُوٓنِّىٓ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَٰهِلُونَ ۝٦٤

قوله تعالى: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} أي مما حاط بهم من غضب الله ونقمته. وقال الأخفش: {تَرَى} غير عامل في قوله: {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} إنما هو ابتداء وخبر. الزمخشري: جملة في موضع الحال إن كان «تَرَى» من رؤية البصر، ومفعول ثان إن كان من رؤية القلب. {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} وبيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى الكبر فقال عليه السلام:

سفَهُ الحقِّ وغَمْصُ الناس أي احتقارهم. وقد مضى في «البقرة» وغيرها. وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذرّ يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن جهنم».

قوله تعالى: {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} وقرىء: «ويُنْجي» أي من الشرك والمعاصي. {بِمَفَازَتِهِمْ} على التوحيد قراءة العامة لأنها مصدر. وقرأ الكوفيون: «بمَفَازَاتهِمْ» وهو جائز كما تقول بسعاداتهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير هذه الآية من حديث أبي هريرة، قال:

يحشر الله مع كل امرىء عمله فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة وأطيب ريح فكلما كان رُعْب أو خَوْف قال له لا تُرَع فما أنت بالمراد به ولا أنت بالمعنيّ به فإذا كثر ذلك عليه قال فما أحسنك فمن أنت فيقول أما تعرفني أنا عملك الصالح حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك ولأدفعن عنك فهي التي قال الله: {وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }. {ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } أي حافظ وقائم به. وقد تقدّم.

قوله تعالى: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} واحدها مِقليد. وقيل: مقلاد وأكثر ما يستعمل فيه إقليد. والمقاليد المفاتيح عن ابن عباس وغيره. وقال السدي: خزائن السموات والأرض. وقال غيره: خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات. وفيه لغة أخرى أقاليد وعليها يكون واحدها إقليد. قال الجوهري: والإقليد المفتاح، والمِقلد مفتاح كالمِنجل ربما يقلد به الكلأ كما يقلد القَتُّ إذا جعل حِبالاً؛ أي يفتل والجمع المقاليد. وأقلد البحرُ على خلقٍ كثير أي غرّقهم كأنه أغلق عليهم. وخرج البيهقي عن ابن عمر

أن عثمان بن عفان رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى: {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما سألني عنها أحد، لا إلٰه إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده استغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن يحيـي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير» ذكره الثعلبي في تفسيره، وزاد من قالها إذا أصبح أو أمسى عشر مرات أعطاه الله ست خصال: أولها يحرس من إبليس، والثانية يحضره اثنا عشر ألف ملك، والثالثة يعطى قنطاراً من الأجر، والرابعة ترفع له درجة، والخامسة يزوجه الله من الحور العين، والسادسة يكون له من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وله أيضاً من الأجر كمن حج واعتمر فقبلت حجته وعمرته، فإن مات من ليلته مات شهيداً. وروى الحارث عن عليّ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير المقاليد فقال: «يا عليّ لقد سألت عن عظيم المقاليد هو أن تقول عشراً إذا أصبحت وعشراً إذا أمسيت لا إلٰه إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله وأستغفر الله ولا قوّة إلا بالله الأوّل والآخر والظاهر والباطن له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير»من قالها عشراً إذا أصبح، وعشراً إذا أمسى أعطاه الله خصالاً ستاً: أولها يحرسه من الشيطان وجنوده فلا يكون لهم عليه سلطان، والثانية يعطى قنطاراً في الجنة هو أثقل في ميزانه من جبل أحد، والثالثة ترفع له درجة لا ينالها إلا الأبرار، والرابعة يزوجه الله من الحور العين، والخامسة يشهده اثنا عشر ألف مَلَك يكتبونها له في رق منشور ويشهدون له بها يوم القيامة، والسادسة يكون له من الأجر كأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وكمن حج واعتمر فقبل الله حجته وعمرته، وإن مات من يومه أو ليلته أو شهره طبع بطابع الشهداء. وقيل: المقاليد الطاعة يقال ألقى إلي فلان بالمقاليد أي أطاعه فيما يأمره؛ فمعنى الآية له طاعة من في السموات والأرض.

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ} أي بالقرآن والحجج والدلالات. {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تقدم.

قوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} وذلك حين دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام وقالوا هو دين آبائك. و«غير» نصب بـ«ـأَعْبُدُ» على تقدير أعبد غير الله فيما تأمرونني. ويجوز أن ينتصب بـ«ـتَأْمُرُونِّي» على حذف حرف الجرّ؛ التقدير: أتأمرونّي بغير الله أن أعبده، لأنّ أن مقدرة وأن والفعل مصدر، وهي بدل من غير؛ التقدير: أتأمرونّي بعبادة غير الله. وقرأ نافع: «تَأْمُرُونِي» بنون واحدة مخففة وفتح الياء. وقرأ ابن عامر: «تَأْمُرُونَنِي» بنونين مخففتين على الأصل. الباقون بنون واحدة مشددة على الإدغام، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنها وقعت في مصحف عثمان بنون واحدة. وقرأ نافع على حذف النون الثانية وإنما كانت المحذوفة الثانية؛ لأن التكرير والتثقيل يقع بها، وأيضاً حذف الأولى لا يجوز؛ لأنها دلالة الرفع. وقد مضى في «الأنعام» بيانه عند قوله تعالى:

{ أَتُحَاجُّوۤنِّي } [الأنعام: 80]. {أَعْبُدُ} أي أن أعبد فلما حذف «أن» رفع؛ قاله الكسائي. ومنه قول الشاعر:

أَلاَ أَيُّـهَـذَا الـزاجِـرِي أَحْـضُـرُ الـوَغَــى

والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ «أَعْبُدَ» بالنصب.

وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٦٥ بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ۝٦٦

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ} قيل: إن في الكلام تقديماً وتأخيراً؛ والتقدير: لقد أوحي إليك لئن أشركت وأوحي إلى الذين من قبلك كذلك. وقيل: هو على بابه؛ قال مقاتل: أي أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد والتوحيد محذوف. ثم قال: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} يا محمد {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقيل: الخطاب له والمراد أمته؛ إذ قد علم الله أنه لا يشرك ولا يقع منه إشراك. والإحباط الإبطال والفساد؛ قال القشيري: فمن ارتد لم تنفعه طاعاته السابقة ولكن إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة على الكفر؛ ولهذا قال:

{ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } [البقرة: 217] فالمطلق هاهنا محمول على المقيد؛ ولهذا قلنا: من حج ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام لا يجب عليه إعادة الحج.

قلت: هذا مذهب الشافعي. وعند مالك تجب عليه الإعادة وقد مضى في «البقرة» بيان هذا مستوفى.

قوله تعالى: {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ} النحاس: في كتابي عن أبي إسحاق لفظ اسم الله عز وجل منصوب بـ{ـاعْبُدْ} قال: ولا اختلاف في هذا بين البصريين والكوفيين. قال النحاس: وقال الفراء يكون منصوباً بإضمار فعل. وحكاه المهدوي عن الكسائي. فأما الفاء فقال الزجاج: إنها للمجازاة. وقال الأخفش: هي زائدة. وقال ابن عباس؛ «فاعْبُدْ» أي فوحِّد. وقال غيره: {بَلِ الله} فأطع {وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} لنعمه بخلاف المشركين.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ