انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ابراهيم

تفسير البغويالآيات 45–52

تفسير سورة ابراهيم آية آية، من تفسير البغوي.

وَسَكَنتُمْ فِى مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ ۝٤٥ وَقَدْ مَكَرُوا۟ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ۝٤٦

{وَسَكَنتُمْ} في الدنيا، {فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ}، بالكفر والعصيان، يعني قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ}، أي: عرفتم عقوبتنا إيّاهم، {وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ}، أي: بينَّا أن مثلكم كمثلهم.

{وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ}، أي: جزاء مكرهم، {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ}، قرأ علي وابن مسعود: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ} بالدال، وقرأ العامة بالنون.

{لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ}، قرأ العامة لتزول بكسر اللام الأولى ونصب الثانية.

معناه: وما كان مكرهم.

قال الحسن: إن كان مكرهم لأضعف من أن تزول منه الجبال.

وقيل: معناه إن مكرهم لا يزيل أمر محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ثابت كثبوت الجبال.

وقرأ ابن جريج والكسائي: {لتزول} بفتح اللام الأولى ورفع الثانية، معناه: إن مكرهم وإن عظم حتى بلغ محلاً يزيل الجبال لم يقدروا على إزالة أمر محمد صلى الله عليه وسلم.

قال قتادة: معناه وإن كان شركهم لتزول منه الجبال وهو قوله تعالى:

{ { وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْاْ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً } } [مريم:90، 91].

ويُحكى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في معنى الآية: أنها نزلت في نمرود الجبَّار الذي حاج إبراهيم في ربه، وذلك أنه قال: إن كان ما يقول إبراهيم حقاً فلا أنتهي حتى أصعد السماء فأعلم ما فيها، فعمد إلى أربعة أفراخ من النسور فربَّاها حتى شبت واتخذ تابوتاً، وجعل له باباً من أعلى وباباً من أسفل، وقعد نمرود مع الرجل في التابوت، ونصب خشباتٍ في أطراف التابوت، وجعل على رؤوسها اللحم وربط، التابوت بأرجل النسور، فطِرْن وصعدن طمعاً في اللحم، حتى مضى يوم وأَبْعَدْنَ في الهواء، فقال نمرود لصاحبه: افتح الباب الأعلى وانظر إلى السماء هل قربناها، ففتح الباب ونظر فقال: إن السماء كهيئتها ثم قال: افتح الباب الأسفل وانظر إلى الأرض كيف تراها؟ ففعل، فقال: أرى الأرض مثل اللجَّة والجبال مثل الدخان، فطارت النسور يوماً آخر، وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران، فقال لصاحبه: افتح البابين ففتح الأعلى فإذا السماء كهيئتها، وفتح الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة، فنودي: أيها الطاغية أين تريد؟

قال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل معه القوس والنشَّاب فرمى بسهم فعاد إليه السهم ملطخاً بدم سمكة قذفت نفسها من بحر في الهواء - وقيل: طائر أصابه السهم ـ فقال: كفيت شغل إله السماء.

قال: ثم أمر نمرود صاحبه أن يصوِّب الخشبات ينكص اللحم، ففعل، فهبطت النسور بالتابوت، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور، ففزعت وظنت أنه قد حَدَثَ حدثٌ من السماء، وأن الساعة قد قامت، فكادت تزول عن أماكنها، فذلك قوله تعالى: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ}.

فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِۦ رُسُلَهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ ۝٤٧ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ ۝٤٨

{فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ}، بالنصر لأوليائه وهلاك أعدائه، وفيه تقديم وتأخير، تقديره: ولا تحسبن الله مخلف رسله وعده، {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ}.

قوله عزّ وجلّ: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ}.

أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يوسف، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد عن محمد بن جعفر بن أبي كثير، حدثني أبو حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم::

يُحشر الناسُ يوم القيامة على أرض بيضاء عفراءَ كقٌرْصة النَّقِيِّ ليس فيها عَلَمٌ لأحد «.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بُكير، حدثنا الليث، عن خالدٍ - هو ابن يزيد - عن سعيد ابن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم::

تكون الأرض يوم القيامة خبزةً واحدة يتكفؤها الجبَّار بيده كما يتكفؤ أحدكم خبزته في السفر نُزُلاً لأهل الجنة «.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه في هذه الآية قال: تبدل الأرض بأرض كفضة بيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم تعمل عليها خطيئة.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: تبدل الأرض من فضة والسماء من ذهب.

وقال محمد بن كعب وسعيد بن جبير: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه.

وقيل: معنى التبديل جعل السموات جناناً وجعل الأرض نيراناً.

وقيل: تبديل الأرض تغييرها من هيئة إلى هيئة، وهي تسيير جبالها، وطمّ أنهارها، وتسوية أوديتها وقطع أشجارها، وجعلها قاعاً صفصفاً، وتبديل السموات: تغييرها عن حالها بتكوير شمسها، وخسوف قمرها وانتثار نجومها، وكونها مرة كالدهان، ومرة كالمهل.

أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر، عن داود - وهو ابن أبي هند - عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت:

سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عزّ وجلّ: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ} فأين يكون الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ فقال: "على الصراط".

وروى ثوبان

أن حبراً من اليهود سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؛ قال: "هم في الظلمة دون الجسر".

قوله تعالى: {وَبَرَزُواْ}، خرجوا من قبورهم، {لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}، الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ ۝٤٩ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ ۝٥٠ لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝٥١ هَٰذَا بَلَٰغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٥٢

{وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ}، مشدودين بعضهم ببعض، {فِى ٱلأَصْفَادِ}، في القيود والأغلال، واحدها صَفَد، وكل من شددته شداً وثيقاً فقد صفدته.

قال أبو عبيدة: صَفَدْتُ الرجل فهو مصفود، وصفَّدته بالتشديد فهو مصفَّد.

وقيل: يقرن كل كافر مع شيطانه في سلسلة، بيانه قوله تعالى:

{ { ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَٰجَهُمْ } } [الصافات: 22]، يعني: قرناءهم من الشياطين.

وقيل: معناه مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد والقيود، ومنه قيل للحبْل: قَرَن.

{سَرَابِيلُهُم}، أي: قُمُصُهم، واحدها سربال. {مِّن قَطِرَانٍ} هو ما تهنأ به الإِبل.

وقرأ عكرمة ويعقوب {من قطرِآنٍ} على كلمتين منونتين والقطر: النحاس، والصفر المذاب، والآن: الذي انتهى حرُّه، قال الله تعالى:

{ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ } } [الرحمن: 44].

{وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ}، أي: تعلو.

{لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ}، من خير وشر، {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}.

{هَـٰذَا}، أي: هذا القرآن، {بَلَـٰغٌ}، أي: تبليغ وعظة، {لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ}، وليخوفوا، {بِهِ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}، أي: ليستدلوا بهذه الآيات على وحدانية الله، {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ}، أي: ليتعظ أولوا العقول.

الجمعة، 23 أكتوبر 2026 12 جمادى الأولى 1448 هـ