انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ابراهيم

تفسير القرطبيالآيات 1–25

تفسير سورة ابراهيم آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓر كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ۝١

قوله تعالى: {الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} تقدّم معناه. {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ} أي بالكتاب، وهو القرآن، أي بدعائك إليه. {مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي من ظلمات الكفر والضلالة والجهل إلى نور الإيمان والعلم؛ وهذا على التمثيل؛ لأن الكفر بمنزلة الظلمة؛ والإسلام بمنزلة النور. وقيل: من البدعة إلى السُّنة، ومن الشك إلى اليقين؛ والمعنى متقارب. {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي بتوفيقه إياهم ولطفه بهم، والباء في «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» متعلقة بـ«ـتخرج» وأضيف الفعل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه الداعي والمنذر الهادي. {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} هو كقولك: خرجت إلى زيد العاقِل الفاضِل من غير واو، لأنهما شيء واحد؛ والله هو العزيز الذي لا مثل له ولا شبيه. وقيل: «الْعَزِيز» الذي لا يغلبه غالب. وقيل: «الْعَزِيزِ» المنيع في ملكه وسلطانه. «الْحَمِيدِ» أي المحمود بكل لسان، والممجد في كل مكان على كل حال. وروى مِقْسَم عن ٱبن عباس قال: كان قوم آمنوا بعيسى ابن مريم، وقوم كفروا به، فلما بُعِث محمد صلى الله عليه وسلم آمن به الذين كفروا بعيسى، وكفر الذين آمنوا بعيسى؛ فنزلت هذه الآية، ذكره الماورديّ.

ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ۝٢ ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍ ۝٣

قوله تعالى: {ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي ملكاً وعبيداً وٱختراعاً وخلقاً. وقرأ نافع وٱبن عامر وغيرهما: «اللَّهُ» بالرفع على الابتداء «الَّذِي» خبره. وقيل: «الَّذي» صفة، والخبر مضمر؛ أي الله الذي له ما في السموات وما في الأرض قادر على كل شيء. الباقون بالخفض نعتاً للعزيز الحميد فقدم النعت على المنعوت؛ كقولك: مررت بالظريفِ زيدٍ. وقيل: على البدل من «الْحَمِيدِ» وليس صفة؛ لأن اسم الله صار كالعلَم فلا يوصف؛ كما لا يوصف بزيد وعمرو، بل يجوز أن يوصف به من حيث المعنى؛ لأن معناه أنه المنفرد بقدرة الإيجاد. وقال أبو عمرو: والخفض على التقديم والتأخير، مجازه: إلى صراط الله العزيز الحميد الذي له ما في السموات وما في الأرض. وكان يعقوب إذا وقف على «الْحَمِيدِ» رفع، وإذا وصل خفض على النعت. قال ٱبن الأنباري: من خفض وقف على {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}.

قوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} قد تقدّم معنى الويل في «البقرة» وقال الزجاج: هي كلمة تقال للعذاب والهَلَكة. «مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» أي في جهنم. {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} أي يختارونها على الآخرةِ، والكافرون يفعلون ذلك. فـ«ـالَّذِينَ» في موضع خفض صفة لهم. وقيل: في موضع رفع خبر ابتداء مضمر؛ أي هم الذين. وقيل: {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ} مبتدأ وخبره. «أُولَئِكَ». وكل من آثر الدنيا وزهرتها، وٱستحب البقاء في نعيمها على النعيم في الآخرة، وصدّ عن سبيل الله ـ أي صرف الناس عنه وهو دين الله، الذي جاءت به الرسل، في قول ٱبن عباس وغيره ـ فهو داخل في هذه الآية؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم:

إنّ أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلّونوهو حديث صحيح. وما أكثر ما هم في هذه الأزمان، والله المستعان. وقيل: «يَسْتَحِبُّونَ» أي يلتمسون الدنيا من غير وجهها؛ لأن نعمة الله لا تلتمس إلا بطاعته دون معصيته. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي يطلبون لها زَيْغاً وميلاً لموافقة أهوائهم، وقضاء حاجاتهم وأغراضهم. والسبيل تذكّر وتؤنّث. والعِوج بكسر العين في الدّين والأمر والأرض، وفي كل ما لم يكن قائماً؛ وبفتح العين في كل ما كان قائماً، كالحائط، والرُّمح ونحوه؛ وقد تقدم في «آل عمران» وغيرها. {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} أي ذهاب عن الحق بعيد عنه.

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٤

قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ} أي قبلك يا محمد {إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} أي بلغتهم، ليبيّنوا لهم أمر دينهم؛ ووحد اللسان وإن أضافه إلى القوم لأن المراد اللغة؛ فهي ٱسم جنس يقع على القليل والكثير؛ ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية؛ لأن كل من ترجِم له ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ترجمة يفهمها لزمته الحجة؛ وقد قال الله تعالى:

{ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً }[سبأ: 28]. وقال صلى الله عليه وسلم:أُرسِل كلُّ نبيّ إلى أمته بلسانها وأرسلني الله إلى كلّ أحمرَ وأسودَ من خَلْقه». وقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهوديّ ولا نصرانيّ ثم لم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار». خرجه مسلم، وقد تقدّم. {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} ردّ على القَدَرية في نفوذ المشيئة، وهو مستأنف، وليس بمعطوف على «لِيُبَيِّنَ» لأن الإرسال إنما وقع للتبيين لا للإضلال. ويجوز النصب في «يضل» لأن الإرسال صار سبباً للإضلال؛ فيكون كقوله: { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً }[القصص: 8] وإنما صار الإرسال سبباً للإضلال لأنهم كفروا به لما جاءهم؛ فصار كأنه سبب لكفرهم.{وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تقدّم معناه.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝٥

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ} أي بحجتنا وبراهيننا؛ أي بالمعجزات الدالة على صدقه. قال مجاهد: هي التسع الآيات. {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} نظيره قوله تعالى لنبينا عليه السلام أول السورة: {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}. وقيل: «أَنْ» هنا بمعنى أي، كقوله تعالى:

{ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ }[صۤ: 6] أي ٱمشوا.

قوله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} أي قل لهم قولاً يتذكرون به أيام الله تعالى. قال ٱبن عباس ومجاهد وقتادة: بنعم الله عليهم؛ وقاله أبيّ بن كعب ورواه مرفوعاً؛ أي بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون ومن التيه إلى سائر النعم، وقد تسمى النعم الأيام؛ ومنه قول عمرو بن كلثوم:

وأيـامٍ لنـا غُـرٍّ طِـوالٍ

وعن ٱبن عباس أيضاً ومقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة؛ يقال: فلان عالم بأيام العرب، أي بوقائعها. قال ٱبن زيد: يعني الأيام التي انتقم فيها من الأمم الخالية؛ وكذلك روى ٱبن وهب عن مالك قال: بلاؤه. وقال الطبريّ: وعظهم بما سلف في الأيام الماضية لهم؛ أي بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة؛ وقد كانوا عبيداً مستذلين؛ واكتفى بذكر الأيام عنه لأنها كانت معلومة عندهم. وروى سعيد بن جُبَير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بينا موسى عليه السلام في قومه يذكرهم بأيام الله وأيامُ الله بَلاؤه ونِعماؤه وذكر حديث الخضر؛ ودلّ هذا على جواز الوعظ المرقّق للقلوب، المقوِّي لليقين، الخالي من كل بدعة، والمنزه عن كل ضلالة وشبهة. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} أي في التذكير بأيام الله {لآيَاتٍ} أي دلالات. {لِّكُلِّ صَبَّارٍ} أي كثير الصبر على طاعة الله، وعن معاصيه. {شَكُورٍ} لنعم الله. وقال قتادة: هو العبد؛ إذا أُعطِي شَكر، وإذا ٱبتُلِيَ صَبر. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر ـ ثم تلا هذه الآية ـ {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}. ونحوه عن الشعبيّ موقوفاً. وتَوارَى الحسن البصريّ عن الحجّاج سبعَ سنين، فلما بلغه موته قال: اللهم قد أمتّه فأمِت سُنَّته، وسجد شكراً، وقرأ: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ». وإنما خص بالآيات كل صبار شكور؛ لأنه يعتبر بها ولا يغفل عنها؛ كما قال: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} وإن كان منذِراً للجميع.

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ۝٦ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ ۝٧

قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ } تقدم في «البقرة» مستوفى والحمد لله.

قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} قيل: هو من قول موسى لقومه. وقيل: هو من قول الله؛ أي وٱذكر يا محمد إذ قال ربك كذا. و«تَأَذَّنَ» وأذّن بمعنى أَعْلَم؛ مثل أَوْعَد وتَوَعَّد؛ روي معنى ذلك عن الحسن وغيره. ومنه الأذان، لأنه إعلام؛ قال الشاعر:

فَلَمْ نَشْعُرْ بضوءِ الصّبحِ حتّىسمِعنا في مجَالِسِنا الأَذِينَا

وكان ابن مسعود يقرأ «وَإِذْ قَالَ رَبُّكُمْ» والمعنى واحد. {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} أي لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي. الحسن: لئن شكرتم نعمتي لأزيدنكم من طاعتي. ٱبن عباس: لئن وَحَّدْتُم وأطعتم لأزيدنّكم من الثواب، والمعنى متقارب في هذه الأقوال؛ والآية نصٌّ في أن الشكر سبب المزيد؛ وقد تقدم في «البقرة» ما للعلماء في معنى الشكر. وسئل بعض الصلحاء عن الشكر لله فقال: ألاّ تتقَوّى بنعمه على معاصيه. وحكي عن داود عليه السلام أنه قال: أي رب كيف أشكرك، وشكري لك نعمة مجدّدة منك عليّ. قال: يا داود الآن شكرتني.

قلت: فحقيقة الشكر على هذا الاعترافُ بالنعمة للمنعم، وألاّ يصرفها في غير طاعته؛ وأنشد الهادي وهو يأكل:

أَنَالَكَ رِزقَه لتقومَ فيهِبطاعتهِ وتشكرَ بعض حقِّه فلم تشْكُر لِنعمتِهِ ولكِنْقَوِيتَ على معاصِيهِ برزقه

فغُصَّ باللقمة، وخنقته العَبْرة. وقال جعفر الصادق: إذا سمعت النعمة نعمة الشكر فتأهب للمزيد. {وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} أي جحدتم حقِّي. وقيل: نِعَمِي؛ وَعَد بالعذاب على الكفر، كما وَعَد بالزيادة على الشكر، وحذفت الفاء التي في جواب الشرط من «إن» للشهرة.

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ ۝٨ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ۝٩

قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي لا يلحقه بذلك نقص، بل هو الغني. «الْحَمِيدُ» أي المحمود.

قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} النبأ الخبر، والجمع الأنباء؛ قال:

أَلَمْ يَأْتِيـكَ وَٱلأنبـاءُ تَنْمِـي

ثم قيل: هو من قول موسى. وقيل: من قول الله؛ أي وٱذكر يا محمد إذ قال ربك كذا. وقيل: هو ٱبتداء خطاب من الله تعالى. وخبر قوم نوح وعاد وثمود مشهور قصه الله في كتابه. وقوله: {وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي لا يحصي عددهم إلا الله، ولا يعرف نسبهم إلا الله؛ والنّسابون وإن نَسَبوا إلى آدم فلا يدّعون إحصاء جميع الأمم، وإنما ينسبون البعض، ويمسِكون عن نسب البعض؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع النّسابين ينسبون إلى معدّ بن عدنان ثم زادوا فقال: «كذب النسابون إن الله يقول: {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ}». وقد رُوي عن عُرْوة بن الزبير أنه قال: ما وجدنا أحداً يعرف ما بين عدنان وإسمعيل. وقال ٱبن عباس: بين عدنان وإسمعيل ثلاثون أبا لا يعرفون. وكان ابن مسعود يقول حين يقرأ: «لاَ يعلمهُمْ إِلاَّ اللَّه»: كذب النّسابون. {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالحجج والدلالات. {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ} أي جعل أولئك القوم أيدي أنفسهم في أفواههم ليَعضُّوها غيظاً مما جاء به الرسل؛ إذ كان فيه تَسفيه أحلامهم، وشتم أصنامهم؛ قاله ابن مسعود، ومثله قاله عبد الرحمن بن زيد، وقرأ: « { عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظ }[آل عمران:119] وقال ابن عباس: لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم. وقال أبو صالح: كانوا إذا قال لهم نبيهم أنا رسول الله إليكم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم: أَنِ ٱسكت، تكذيباً له، وردًّا لقوله؛ وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى. والضميران للكفار؛ والقول الأول أصحها إسناداً؛ قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحق عن أبي الأحوص (عن) عبد الله في قوله تعالى: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ} قال: عَضُّوا عليها غيظاً؛ وقال الشاعر:

لو أنّ سَلْمَى أَبْصَرَتْ تَخَدُّدِيودِقَّةً في عظمِ ساقي ويَديوبُعْدَ أَهْليِ وجَفَاءَ عُوَّدِيعَضّتْ من الْوَجْدِ بأطرافِ اليدِ

وقد مضى هذا المعنى في «آل عمران» مجوّداً، والحمد لله. وقال مجاهد وقَتَادة: ردّوا على الرسل قولهم وكذّبوهم بأفواههم؛ فالضمير الأول للرسل، والثاني للكفار. وقال الحسن وغيره: جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردًّا لقولهم؛ فالضمير الأول على هذا للكفار، والثاني للرسل. وقيل معناه: أَوْمأوا للرسل أن يسكتوا. وقال مقاتل: أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم. وقيل: ردّ الرسل أيدي القوم في أفواههم. وقيل: إن الأيدي هنا النِّعم؛ أي ردّوا نِعم الرسل بأفواههم، أي بالنطق والتكذيب؛ ومجيء الرسل بالشرائع نِعَمٌ؛ والمعنى: كذّبوا بأفواههم ما جاءت به الرسل. و «في» بمعنى الباء؛ يقال: جلست في البيت وبالبيت؛ وحروف الصفات يقام بعضها مقام بعض. وقال أبو عبيدة: هو ضرب مَثَل؛ أي لم يُؤْمنوا ولم يُجيبوا؛ والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت: قد ردّ يده في فيه؛ وقاله الأخفش أيضاً. وقال القُتَبيّ: لم نسمع أحداً من العرب يقول: ردّ يده في فيه إذا ترك ما أمر به، وإنما المعنى: عضوا على الأيدي حنقاً وغيظاً؛ لقول الشاعر:

تَرُدّون في فِيهِ غِشَّ الْحَسُودِ حتى يَعَضَّ عليّ الأَكُفَّا

يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعضّ على أصابعه وكفّيه. وقال آخر:

قَد أَفْنَى أنَامِلَهُ أَزْمَةًفأضحَى يَعَضُّ عليَّ الْوَظِيفَا

وقالوا: - يعني الأمم للرسل ـ {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي بالإرسال على زعمكم، لا أنهم أقرّوا أنهم أُرسلوا. {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ} أي في ريب ومِرية. {مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ} من التوحيد. {مُرِيبٍ} أي موجب للرّيبة؛ يقال: أربته إذ فعلت أمراً أوجب ريبة وشكًّا؛ أي نظنّ أنكم تطلبون الملك والدنيا.

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝١٠

قوله تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ} ٱستفهام معناه الإنكار؛ أي لا شك في الله، أي في توحيده؛ قاله قَتَادة. وقيل: في طاعته. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أفي قدرة الله شك؟ٰ لأنهم متفقون عليها ومختلفون فيما عداها؛ يدلّ عليه قوله: {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خالقها ومخترعها ومنشئها وموجدها بعد العدم، لينبه على قدرته فلا تجوز العبادة إلا له. {يَدْعُوكُمْ} أي إلى طاعته بالرسل والكتب. {لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} قال أبو عبيد: «مِنْ» زائدة. وقال سيبويه: هي للتبعيض؛ ويجوز أن يذكر البعض والمراد منه الجميع. وقيل: «مِن» للبدل وليست بزائدة ولا مُبعِّضَة؛ أي لتكون المغفرة بدلاً من الذنوب. {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى} يعني الموت، فلا يعذبكم في الدنيا. {قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ} أي ما أنتم. {إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} في الهيئة والصورة؛ تأكلون مما نأكل، وتشربون مما نشرب، ولستم ملائكة. {تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا} من الأصنام والأوثان {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي بحجة ظاهرة؛ وكان هذا مِحالاً منهم؛ فإن الرسل ما دعوا إلا ومعهم المعجزات.

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١١ وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ۝١٢

قوله تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} أي في الصورة والهيئة كما قلتم. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي يتفضّل عليه بالنبوّة. وقيل؛ بالتوفيق والحكمة والمعرفة والهداية. وقال سهل بن عبد الله: بتلاوة القرآن وفهم ما فيه.

قلت: وهذا قول حسن؛ وقد خرّج الطبريّ من حديث ابن عمر قال قلت لأبي ذرّ: يا عمّ أوصني؛ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال:

ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيه صدقة يمنّ بها على من يشاء من عباده وما منّ الله تعالى على عباده بمثل أن يُلهمهم ذِكره». {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ} أي بحجة وآية. {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بمشيئته، وليس ذلك في قدرتنا؛ أي لا نستطيع أن نأتي بحجة كما تطلبون إلا بأمره وقدرته؛ فلفظه لفظ الخبر، ومعناه النفي، لأنه لا يحظر على أحد ما لا يقدر عليه. {وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تقدّم معناه.

قوله تعالى: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ} «ما» استفهام في موضع رفع بالابتداء، و «لَنَا» الخبر، وما بعدها في موضع الحال؛ التقدير: أيّ شيء لنا في ترك التوكل على الله. {وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} أي الطريق الذي يوصل إلى رحمته، وينجي من سخطه ونقمته. {وَلَنَصْبِرَنَّ} لام قسم؛ مجازه: والله لنصبرن {عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا} به، أي من الإهانة والضرب، والتكذيب والقتل، ثقة بالله أنه يكفينا ويثيبنا. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}.]

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ ۝١٤

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ} اللام لام قسم؛ أي والله لنخرجنكم. {أَوْ لَتَعُودُنَّ} أي حتى تعودوا أو إلا أن تعودوا؛ قاله الطبريّ وغيره. قال ابن العربي: وهو غير مفتقر إلى هذا التقدير؛ فإنّ «أوْ» على بابها من التخيير؛ خيّر الكفار الرسل بين أن يعودوا في مِلتهم أو يخرجوهم من أرضهم؛ وهذه سِيرة الله تعالى في رسله وعباده؛ ألا ترى إلى قوله: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاًسُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} [الإسراء: 76] وقد تقدم هذا المعنى في «الأعراف» وغيرها. {فِي مِلَّتِنَا} أي إلى ديننا، {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ}.

قوله تعالى: {ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} أي مقامه بين يديّ يوم القيامة؛ فأضيف المصدر إلى الفاعل. والمقام مصدر كالقيام؛ يقال: قام قياماً ومَقَاماً؛ وأضاف ذلك إليه لاختصاصه به. والمقام بفتح الميم مكان الإقامة، وبالضم فعل الإقامة؛ و«ذَلِكَ لَمَنْ خَافَ مَقَامي» أي قيامي عليه، ومراقبتي له؛ قال الله تعالى:

{ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ }[الرعد: 33]. وقال الأخفش: {ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي} أي عذابي، «وَخَافَ وَعِيدِ» أي القرآن وزواجره. وقيل: إنه العذاب. والوعيد الاسم من الوعد.

وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ۝١٥ مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ ۝١٦ يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌ ۝١٧

قوله تعالى: {وَٱسْتَفْتَحُواْ} أي وٱستنصروا؛ أي أذِن للرسل في الاستفتاح على قومهم، والدعاء بهلاكهم؛ قاله ابن عباس وغيره، وقد مضى في «البقرة». ومنه الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي يستنصر. وقال ابن زيد: استفتحت الأمم بالدعاء كما قالت قريش:

{ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ }[الأنفال: 32] الآية. وروي عن ابن عباس. وقيل قال الرسول: «إنهم كذبوني فافتح بيني وبينهم فتحاً» وقالت الأمم: إن كان هؤلاء صادقين فعذّبنا، عن ابن عباس أيضاً؛ نظيره { ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ }[العنكبوت: 29] { ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }[الأعراف: 77]. {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} الجبار المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقاً؛ هكذا هو عند أهل اللغة، ذكره النحاس. والعنيد المعاند للحق والمجانب له، عن ٱبن عباس وغيره؛ يقال: عَنَد عن قومه أي تباعد عنهم. وقيل: هو من العَنَد، وهو الناحية وعاند فلان أي أخذ في ناحية مُعْرِضاً؛ قال الشاعر:

إذا نزلتُ فٱجعلوني وَسَطَاإنّي كبيرٌ لا أُطِيقُ الْعُنَّدَا

وقال الهَرَويّ قوله تعالى: {جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي جائر عن القصد؛ وهو العَنُود والعَنِيد والعانِد؛ وفي حديث ٱبن عباس وسئِل عن المستحاضة فقال: إنه عِرْقٌ عانِدٌ. قال أبو عبيد: هو الذي عَنَد وبَغَى كالإنسان يعانِد؛ فهذا العِرق في كثرة ما يخرج منه بمنزلته. وقال شَمِر: العاند الذي لا يرقأ. وقال عمر يذكر سِيرته: أَضُمُّ العَنُود؛ قال الليث: العنود من الإبل الذي لا يخالطها إنما هو في ناحية أبداً؛ أراد من هَمَّ بالخلاف أو بمفارقة الجماعة عطفتُ به إليها. وقال مقاتل: العنِيد المتكبر. وقال ابن كَيْسان: هو الشامخ بأنفه. وقيل: العَنُود والعَنِيد الذي يتكبر على الرسل ويذهب عن طريق الحق فلا يسلكها؛ تقول العرب: شر الإبل العنود الذي يخرج عن الطريق. وقيل: العنيد العاصي. وقال قتادة: العنيد الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله.

قلت: والجبار والعنيد في الآية بمعنى واحد، وإن كان اللفظ مختلفاً، وكل متباعد عن الحق جبار وعنيد أي متكبر. وقيل: إن المراد به في الآية أبو جهل؛ ذكره المهدويّ. وحكى الماورديّ في كتاب «أدب الدنيا والدين» أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يوماً في المصحف فخرج له قوله عز وجل: {وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} فمزق المصحف وأنشأ يقول:

أتُوعِدُ كلَّ جَبَّارٍ عَنِيدِفها أنا ذاكَ جبَّارٌ عَنِيدُإذا ما جِئتَ ربَّكَ يوم حَشْرٍفَقُلْ يا رَبِّ مَزَّقنيِ الوليِدُ

فلم يلبث (إلا) أياماً حتى قُتل شرّ قِتلةٍ، وصُلِب رأسه على قصره، ثم على سُور بلده.

قوله تعالى: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ} أي من وراء ذلك الكافر جهنم، أي من بعد هلاكه. ووراء بمعنى بعدُ؛ قال النابغة:

حَلَفتُ فلم أتركْ لِنفسكَ رِيبةًوليس وراءَ اللَّهِ للمرء مذهبُ

أي بعد الله جلّ جلالُه، وكذلك قوله تعالى: {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} أي من بعده، وقوله تعالى: { وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ }[البقرة: 91] أي بما سواه؛ قاله الفراء. وقال أبو عبيد: بما بعده. وقيل: «مِنْ وَرَائِهِ» أي من أمامه، ومنه قول الشاعر:

ومِنْ ورائِكَ يومٌ أنتَ بالِغُهلا حاضرٌ مُعِجزٌ عنه ولا بادِي

وقال آخر:

أَتَرْجُو بنو مروانَ سمعِي وطاعتِيوقومي تميمٌ والفلاةُ ورائيا

وقال لبيد:

أليس ورائِي إنْ (تَراختْ) منِيَّتيِلُزومُ العَصَا تُحنَى عليها الأصابعُ

يريد أمامي. وفي التنزيل: { وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ }[الكهف: 79] أي أمامهم؛ وإلى هذا ذهب أبو عبيدة وأبو عليّ قُطُرب وغيرهما. وقال الأخفش: هو كما يقال هذا الأمر من ورائك، أي سوف يأتيك، وأنا من وراء فلان أي في طلبه وسأصل إليه. وقال النحاس: في قوله «مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ» أي من أمامه، وليس من الأضداد ولكنه من توارى؛ أي ٱستتر. وقال الأزهري: إن وراء تكون بمعنى خلف وأمام فهو من الأضداد، وقاله أبو عبيدة أيضاً، واشتقاقهما مما توارى واستتر، فجهنم تَوَارَى ولا تظهر، فصارت من وراء لأنها لا ترى؛ حكاه ابن الأنباري وهو حسن.

قوله تعالى: {وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} أي من ماء مثل الصديد، كما يقال للرجل الشجاع أسد، أي مثل الأسد، وهو تمثيل وتشبيه. وقيل: هو ما يسيل من أجسام أهل النار من القيح والدم. وقال محمد بن كعب القُرَظيّ والربيع بن أنَس: هو غسَالة أهل النار، وذلك ماء يسيل من فروج الزناة والزواني. وقيل: هو من ماء كرهته تَصدّ عنه، فيكون الصديد مأخوذاً من الصدّ. وذكر ابن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو عن عُبيد الله بن بُسْر عن أبي أُمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:{وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ} قال:

يُقرَّب إلى فِيهِ فيكرهه فإذا أدني منه شَوَى وجهه ووقعت فَرْوة رأسه فإذا شربه قطّع أمعاءه حتى تخرج من دبره يقول الله:{وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 15] ويقول الله:{وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ} [الكهف: 29]خرجه الترمذي، وقال: حديث غريب، وعُبيد الله بن بُسْر الذي روى عنه صفوان بن عمرو حديث أبي أمامة لعله أن يكون أخا عبد الله بن بُسْر. {يَتَجَرَّعُهُ} أي يَتَحَسَّاه جُرَعاً لا مرة واحدة لمرارته وحرارته. {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي يبتلعه؛ يقال: جرع الماء وٱجترعه وتجرعه بمعنى. وساغ الشَّرابُ في الحلق يسوغ سوغاً إذا كان سَلِساً سهلاً، وأساغه اللَّهُ إساغةً. و «يَكَادُ» صلة؛ أي يسيغه بعد إبطاء، قال الله تعالى: { وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ }[البقرة: 71] أي فعلوا بعد إبطاء؛ ولهذا قال: { يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُود }ُ} [الحج: 20] فهذا يدلّ على الإساغة. وقال ابن عباس: يجيزه ولا يمر به. {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} قال ابن عباس: أي يأتيه أسباب الموت من كل جهة عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته ومن قدّامه وخلفه، كقوله: { لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ }[الزمر: 16]. وقال إبراهيم التيمي: يأتيه من كل مكان من جسده حتى من أطراف شعره؛ للآلام التي في كل مكان من جسده. وقال الضحّاك: إنه ليأتيه الموت من كل ناحية ومكان حتى من إبهام رجليه. وقال الأخفش: يعني البلايا التي تصيب الكافر في النار سماها موتاً، وهي من أعظم الموت. وقيل: إنه لا يبقى عضو من أعضائه إلا وكِّل به نوع من العذاب؛ لو مات سبعين مرة لكان أهون عليه من نوع منها في فرد لحظة؛ إما حية تَنهشه، أو عقرب تَلسبه، أو نار تَسفعه، أو قيد برجليه، أو غُلّ في عنقه، أو سلسلة يقرن بها، أو تابوت يكون فيه، أو زقّوم أو حميم، أو غير ذلك من العذاب. وقال محمد بن كعب: إذا دعا الكافر في جهنم بالشراب فرآه مات موتاتٍ، فإذا دنا منه مات موتاتٍ، فإذا شرب منه مات موتاتٍ؛ فذلك قوله: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}. قال الضحّاك: لا يموت فيستريح. وقال ابن جريج: تعلق رُوحه في حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة؛ ونظيره قوله: { لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ }[طه: 74]. وقيل: يخلق الله في جسده آلاماً كل واحد منها كألم الموت. وقيل: «وَمَا هُوَ بِميِّتٍ» لتطاول شدائد الموت به، وٱمتداد سكراته عليه؛ ليكون ذلك زيادة في عذابه.

قلت: ويظهر من هذا أنه يموت، وليس كذلك؛ لقوله تعالى:

{ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا }[فاطر: 36] وبذلك وردت السنة؛ فأحوال الكفار أحوال من ٱستولى عليه سكرات الموت دائماً، والله أعلم. {وَمِن وَرَآئِهِ} أي من أمامه. {عَذَابٌ غَلِيظٌ} أي شديد متواصل الآلام من غير فتور؛ ومنه قوله: { وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَة }[التوبة: 123] أي شدة وقوة. وقال فُضَيل بن عِياض في قول الله تعالى: {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} قال: حبس الأنفاس.

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ أَعْمَٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلْبَعِيدُ ۝١٨ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ۝١٩ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ ۝٢٠

قوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} اختلف النحويون في رفع «مَثَلُ» فقال سيبويه: ارتفع بالابتداء والخبر مضمر؛ التقدير: وفيما يُتلى عليكم أو يُقَصّ «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ» ثم ابتدأ فقال: «أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ» أي كمثل رماد {ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ}. وقال الزجاج: أي مَثَل الذين كفروا فيما يتلى عليكم أعمالُهم كرماد، وهو عند الفرّاء على إلغاء المَثَل، التقدير: والذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد. وعنه أيضاً أنه على حذف مضاف؛ التقدير: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد؛ وذكر الأول عنه المهدويّ، والثاني القُشَيريّ والثّعلبيّ ويجوز أن يكون مبتدأ كما يقال: صفة فلان أسمر؛ فـ «مَثَلُ» بمعنى صفة. ويجوز في الكلام جر «أعمالهم» على بدل الاشتمال من «الَّذِينَ» وٱتصل هذا بقوله: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} والمعنى: أعمالهم مُحْبَطة غير مقبولة. والرماد ما بقي بعد ٱحتراق الشيء؛ فضرب الله هذه الآية مثلاً لأعمال الكفّار في أنه يمحقها كما تمحق الرّيحُ الشديدة الرّمادَ في يوم عاصف. والعَصْفُ شدة الريح؛ وإنما كان ذلك لأنهم أشركوا فيها غير الله تعالى. وفي وصف اليوم بالعُصُوف ثلاثة أقاويل: أحدها ـ أن العُصُوف وإن كان للريح فإن اليوم قد يوصف به؛ لأن الرّيح تكون فيه، فجاز أن يقال: يوم عاصف، كما يقال: يوم حارّ ويوم بارد، والبرد والحرّ فيهما. والثاني ـ أن يريد {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} الرّيح؛ لأنها ذكرت في أول الكلمة، كما قال الشاعر:

إذا جـاء يـومٌ مُظْلِـمُ الشَّمسِ كـاسِفُ

يريد كاسف الشمس فحذف؛ لأنه قد مرّ ذكره؛ ذكرهما الهَرَويّ. والثالث ـ أنه من نعت الريح؛ غير أنه لما جاء بعد اليوم أتبع إعرابه كما قيل: جُحْرُ ضَبٍّ خرِبٍ؛ ذكره الثعلبيّ والماورديّ. وقرأ ٱبن (أبي) إسحق وإبراهيم بن أبي بكر «في يومِ عاصفٍ». {لاَّ يَقْدِرُونَ} يعني الكفار. {مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ} يريد في الآخرة؛ أي من ثواب ما عمِلوا من البِرّ في الدنيا، لإحباطه بالكفر. {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} أي الخسران الكبير؛ وإنما جعله كبيراً بعيداً لفوات ٱستدراكه بالموت.

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ} الرؤية هنا رؤية القلب؛ لأن المعنى: ألم ينته علمك إليه؟. وقرأ حمزة والكسائي ـ «خَالِقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ». ومعنى «بِالْحَقِّ» ليستدلّ بها على قدرته. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أيها الناس؛ أي هو قادر على الإفناء كما قدر على إيجاد الأشياء؛ فلا تعصوه فإنكم إن عصيتموه {يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} أفضل وأطوع منكم؛ إذ لو كانوا مثل الأولين فلا فائدة في الإبدال. {وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي منيع متعذر.

وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ قَالُوا۟ لَوْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَٰكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ۝٢١ وَقَالَ ٱلشَّيْطَٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٢٢

قوله تعالى: {وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً} أي برزوا من قبورهم، يعني يوم القيامة. والبُرُوز الظّهور. والبَرَاز المكان الواسع لظهوره؛ ومنه ٱمرأة بَرْزة أي تظهر للناس؛ فمعنى، «بَرَزُوا» ظهروا من قبورهم. وجاء بلفظ؛ الماضي ومعناه الاستقبال، وٱتصل هذا بقوله: «وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ» أي وقاربوا لما ٱستفتحوا فأهلكوا، ثم بعثوا للحساب فبرزوا لله جميعاً لا يسترهم عنه ساتر. «لِلَّهِ» لأجل أمر الله إِياهم بالبروز. {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ} يعني الأتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ} وهم القادة. {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} يجوز أن يكون تَبعٌ مصدراً؛ التقدير: ذوي تبع. ويجوز أن يكون جمع تابع؛ مثل حارس وحَرَس، وخادم وخَدَم، وراصد ورَصَد، وباقر وبَقَر. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ} أي دافعون {عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} أي شيئاً، و «مِن» صلة؛ يقال: أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع. {قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} أي لو هدانا الله إلى الإِيمان لهديناكم إليه. وقيل: لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها. وقيل؛ لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه. {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ} هذا ابتداء خبره «أَجَزِعْنَا» أي: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} أي من مهرب وملجأ. ويجوز أن يكون بمعنى المصدر، وبمعنى الاسم؛ يقال: حَاصَ فلان عن كذا أي فرّ وزاغ يَحِيص حَيْصاً وحُيُوصاً وحَيَصَاناً؛ والمعنى: ما لنا وجه نتباعد به عن النار. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

يقول أهل النار إذا ٱشتدّ بهم العذاب تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا هَلُمَّ فلنجزع فيجزعون ويصيحون خمسمائة عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا «سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ» وقال محمد بن كعب القُرَظيّ: ذُكِر لنا أن أهل النار يقول بعضهم لبعض: يا هؤلاء! قد نزل بكم من البلاء والعذاب ما قد ترون، فهلمّ فلنصبر؛ فلعلّ الصّبر ينفعنا كما صبر أهل الطّاعة على طاعة الله فنفعهم الصّبر إذ صبروا؛ فأجمعوا رأيهم على الصّبر فصبروا، فطال صبرهم فجزعوا، فنادوا: «سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيص» أي مَنجَى، فقام إبليس عند ذلك فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} يقول: لست بمغنٍ عنكم شيئاً {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} الحديث بطوله، وقد كتبناه في كتاب «التذكرة» بكماله.

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} قال الحسن: يقف إبليس يوم القيامة خطيباً في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعاً. ومعنى: «لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ» أي حُصِّل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، على ما يأتي بيانه في «مريم» عليها السلام. {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} يعني البعث والجنة والنار وثواب المطيع وعقاب العاصي فصدَقكم وعدَه، ووعدتكم أن لا بعث ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب فأخلفتكم. وروى ابن المبارك من حديث عُقْبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة قال:

فيقول عيسى أدلّكم على النبي الأمي فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم فَيثُور مجلسي من أطيب ريح شَمَّها أحدٌ حتى آتي ربي فيشفِّعني ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ثم يقول الكافرون قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا فيقولون ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه فيقولون قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فاشفع لنا فإنك أضللتنا فَيثُور مجلسه من أنتن ريح شَمَّها أحدٌ ثم يَعظُم نَحِيبُهم ويقول عند ذلك: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} الآية. «وَعْدَ الْحَقِّ» هو إضافة الشيء إلى نعته كقولهم: مسجد الجامع؛ قال الفرّاء قال البصريون: وعدكم وعد اليوم الحقّ أو وعدكم وعد الوعد الحقّ فصدَقكم؛ فحذف المصدر لدلالة الحال. {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي من حجة وبيان؛ أي ما أظهرت لكم حجة على ما وعدتكم وزيّنته لكم في الدنيا، {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} أي أغويتكم فتابعتموني. وقيل: لم أقهركم على ما دعوتكم إليه. «إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ» هو ٱستثناء منقطع؛ أي لكن دعوتكم بالوسواس فٱستجبتم لي باختياركم، {فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}. وقيل: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي على قلوبكم وموضع إيمانكم لكن دعوتكم فاستجبتم لي؛ وهذا على أنه خَطَب العاصيَ المؤمنَ والكافَر الجاحد؛ وفيه نظر؛ لقوله: «لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ» فإنه يدلّ على أنه خَطَب الكفّار دون العاصين الموحِّدين؛ والله أعلم. {فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} إِذا جِئتمونيِ من غير حجة. {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} أي بمغيثكم. {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} أي بمغيثيّ. والصّارخ والمستصرخ هو الذي يطلب النُّصرة والمعاونة، والمُصْرِخ هو المغِيث. قال سَلاَمة بن جَنْدَل:

كنّا إِذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌكَان الصُّراخُ له قَرْعُ الظَّنَابِيب

وقال أُميّة بن أبي الصَّلْت:

ولا تَجَزعوا إنّي لكم غيرُ مُصْرِخٍوليس لكم عندي غَنَاءٌ ولا نَصْرُ

يقال: صَرَخ فلان أي ٱستغاث يَصرُخ صَرْخاً وصُرَاخاً وصَرْخة. وٱصطرخ بمعنى صَرَخ. والتَّصرخ تَكلُّف الصُّراخ. والمُصْرِخْ المُغِيث، والمستصرِخ المستغيث؛ تقول منه: ٱستصرخني فأصرخته. والصَّرِيخ صوت المستصرِخ. والصّرِيخ أيضاً الصارِخ، وهو المغِيث والمستغِيث، وهو من الأضداد؛ قاله الجوهري. وقراءة العامة «بِمُصْرِخِيَّ» بفتح الياء. وقرأ الأعمش وحمزة «بِمصِرخيِ» بكسر الياء. والأصل فيها بمصرخيين فذهبت النون للإضافة، وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة، فمن نصب فلأجل التضعيف، ولأن ياء الإضافة إذا سكن ما قبلها تعيّن فيها الفتح مثل: هَوايَ وعَصايَ، فإن تحرك ما قبلها جاز الفتح والإسكان، مثل: غلامِيَ وغلامَتِي، ومن كسر فلالتقاء الساكنين حركت إلى الكسر، لأن الياء أخت الكسرة. وقال الفرّاء: قراءة حمزة وَهَمٌ منه، وقَلَّ مَن سلِم منهم عن خطأ. وقال الزجّاج: هذه قراءة رديئة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف. وقال قُطْرُب: هذه لغة بني يَرْبُوع يزيدون على ياء الإضافة ياء. القُشَيريّ: والذي يغني عن هذا أن ما يثبت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يقال فيه هو خطأ أو قبيحٌ أو رديءٌ، بل هو في القرآن فصيح، وفيه ما هو أفصح منه، فلعل هؤلاء أرادوا أن غير هذا الذي قرأ به حمزة أفصح. {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} أي كفرت بإشراككم إياي مع الله تعالى في الطاعة؛ فـ «ـما» بمعنى المصدر. وقال ابن جريج: إني كفرت اليوم بما كنتم تدعونه في الدنيا من الشّرك بالله تعالى. قتادة: إني عصيت الله. الثوريّ: كفرت بطاعتكم إياي في الدنيا. {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وفي هذه الآيات ردّ على القَدَرية والمعتزلة والإمامية ومن كان على طريقهم؛ ٱنظر إلى قول المتبوعين: {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} وقول إبليس: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} كيف اعترفوا بالحق في صفات الله تعالى وهم في دركات النار؛ كما قال في موضع آخر: { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ }[الملك: 8] إلى قوله: {فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ} واعترافهم في دَرَكات لَظًى بالحقّ ليس بنافع، وإنما ينفع الاعترافُ صاحبَه في الدنيا؛ قال الله عز وجل: { وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }[التوبة: 102] و «عَسَى» من الله واجبة.

وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌ ۝٢٣

قوله تعالى: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ} أي في جنات لأن دخلت لا يتعدى، كما لا يتعدى نقيضه وهو خرجت، ولا يقاس عليه؛ قاله المهدوي. ولما أخبر تعالى بحال أهل النار أخبر بحال أهل الجنة أيضاً. وقراءة الجماعة «أُدْخِلَ» على أنه فعل مبني للمفعول. وقرأ الحسن «وَأُدْخِلُ» على الاستقبال والاستئناف. {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي بأمره. وقيل: بمشيئته وتيسيره. وقال: «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» ولم يقل: بإذني تعظيماً وتفخيماً. {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} تقدم في «يونس». والحمد لله.

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۝٢٤ تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ۝٢٥

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً} لما ذكر تعالى مَثَل أعمال الكفار وأنها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف، ذكر مَثَل أقوال المؤمنين وغيرها، ثم فسّر ذلك المَثَل فقال: {كَلِمَةً طَيِّبَةً} الثّمر، فحذف لدلالة الكلام عليه. قال ابن عباس: الكلمة الطيبة لا إله إلا الله والشجرة الطيبة المؤمن. وقال مجاهد وابن جريج: الكلمة الطيبة الإيمان. عطية الْعَوْفيّ والرّبيع بن أنَس: هي المؤمن نفسه. وقال مجاهد أيضاً وعِكْرمة: الشّجرة النَّخلة؛ فيجوز أن يكون المعنى: أصل الكلمة في قلب المؤمن ـ وهو الإيمان ـ شبّهه بالنخلة في الْمنْبِت، وشّبه ارتفاع عمله في السماء بارتفاع فروع النّخلة، وثواب الله له بالثّمر. وروي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

إن مَثَل الإيمان كمثل شجرة ثابتةٍ الإيمان عُروقُها والصلاةُ أصلُها والزكاةُ فروعُها والصيامُ أغصانُها والتأذي في الله نباتُها وحسنُ الخُلُقِ ورقُها والكفُّ عن محارم الله ثمرتُها. ويجوز أن يكون المعنى: أصل النّخلة ثابت في الأرض؛ أي عروقُها تشرب من الأرض وتسقيها السماء من فوقها، فهي زاكية نامية. وخرّج الترمذيّ من حديث أَنَس بن مالك قال: اتيِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقِناع فيه رُطَب، فقال: مَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرةَ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فيِ السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ـ قال ـ هي النخلة وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْض مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ـ قال ـ هي الحنظل. وروي عن أنس قوله (وقال): وهو أصح. وخرج الدَّارقُطْنيّ عن ٱبن عمر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما هي» فوقع في نفسي أنها النّخلة. قال السُّهَيليّ ولا يصح فيها ما روي عن عليّ بن أبي طالب أنها جَوْزة الهند. لمِا صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر:إنّ من الشجرة شجرةً لا يسقط ورقها وهي مِثْلُ المؤمن خبِّروني ما هي ـ ثم قال ـ هي النخلةخرّجه مالك في «الموطأ» من رواية ابن القاسم وغيره إلاّ يحيـى فإنه أسقطه من روايته. وخرجه أهل الصحيح وزاد فيه الحارث بن أسامة زيادة تساوي رِحلة؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وهي النخلة لا تسقط لها أنملة وكذلك المؤمن لا تسقط له دعوة». فبيّن معنى الحديث والمماثلة.

قلت: وذكر الغَزْنَويّ عنه عليه السلام:

مَثَلُ المؤمن كالنّخلة إن صاحبتَه نفعَك وإن جالستَه نفعَك وإن شاورتَه نفعك كالنخلة كل شيء منها ينتفع به. وقال: «كُلُوا من عَمَّتكم» يعني النخلة خلقت من فَضْلة طينة آدم عليه السلام، وكذلك أنها برأسها تَبقى، وبقلبها تَحيا، وثمرها بامتزاج الذّكر والأنثى. وقد قيل: إنها لما كانت أشبه الأشجار بالإنسان شُبّهت به؛ وذلك أن كل شجرة إذا قطع رأسها تشعبت الغصون من جوانبها، والنخلة إذا قطع رأسها يبست وذهبت أصلاً؛ ولأنها تشبه الإنسان وسائر الحيوان في الالتقاح لأنها لا تحمل حتى تُلْقَح قال النبي صلى الله عليه وسلم:خير المال سِكّة مَأْبُورَة ومُهْرَة مأمورة. والإبّار اللقاح وسيأتي في سورة «الحجر» بيانه. ولأنها من فضلة طينة آدم. ويقال: إن الله عز وجل لما صوّر آدم من الطّين فَضَلت قطعة طين فصوّرها بيده وغرسها في جنّة عَدْن. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أكرموا عَمّتكم» قالوا: ومن عمتنا يا رسول الله؟ قال: «النخلة». {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} قال الربيع: «كُلِّ حِينٍ» غدوة وعِشية كذلك يصعد عمل المؤمن أول النهار وآخره؛ وقاله ابن عباس. وعنه {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} قال: هو شجرة (جوزة) الهند لا تتعطل من ثمرة، تحمل في كل شهر، شبّه عمل المؤمن لله عز وجل في كل وقت بالنخلة التي تؤتي أكلها في أوقات مختلفة. وقال الضحاك: كل ساعة من ليل أو نهار شتاء وصيفاً يؤكل في جميع الأوقات، وكذلك المؤمن لا يخلو من الخير في الأوقات كلها. وقال النحاس: وهذه الأقوال متقاربة غير متناقضة، لأن الحين عند جميع أهل اللغة إلا من شذّ منهم بمعنى الوقت يقع لقليل الزمان وكثيره، وأنشد الأصمعيّ بيت النّابغة:

تَنَاذَرها الرَّاقُونَ مِن سُوءِ سمّهاتُطَلِّقُه حِيناً وحِيناً تُرَاجِعُ

فهذا يبيّن لك أن الحين بمعنى الوقت، فالإيمان ثابت في قلب المؤمن، وعمله وقوله وتسبيحه عالٍ مرتفع في السماء ارتفاع فروع النخلة، وما يكسب من بركة الإيمان وثوابه كما يُنال من ثمرة النّخلة في أوقات السنة كلها، من الرطب والبُسْر والبلح والزَّهْو والتّمر والطلع. وفي رواية عن ابن عباس: إن الشجرة شجرة في الجنة تثمر في كل وقت. و «مَثَلاً» مفعول بـ «ـضَرَبَ»، «وكَلمَةً» بدل منه، والكاف في قوله: «كَشَجَرَةٍ» في موضع نصب على الحال من «كَلمة» التقدير: كلمة طيبة مشبهة بشجرة طيبة.

الثانية: قوله تعالى: {تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} لما كانت الأشجار تؤتي أكلها كل سنة مرة كان في ذلك بيان حكم الحين؛ ولهذا قلنا: من حلف ألاّ يكلّم فلاناً حيناً، ولا يقول كذا حيناً إن الحين سنة. وقد ورد الحين في موضع آخر يراد به أكثر من ذلك لقوله تعالى:

{ هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْر }ِ} [الإنسان:1] قيل في «التفسير»: أربعون عاماً. وحكى عِكرمة أن رجلاً قال: إن فعلت كذا وكذا إلى حين فغلامه حُرٌّ، فأتى عمر بن عبد العزيز فسأله، فسألني عنها فقلت: إن من الحين حيناً لا يدرك، قوله: { وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ }[الأنبياء: 111] فأرى أن تُمسك ما بين صِرَام النّخلة إلى حَمْلها، فكأنه أعجبه؛ وهو قول أبي حنيفة في الحين أنه ستة أشهر اتباعاً لعكرمة وغيره. وقد مضى ما للعلماء في الحين في «البقرة» مستوفى والحمد لله. {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} أي الأشباه {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ويعتبرون؛ وقد تقدم.
الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ