انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ابراهيم

تفسير الطبريالآيات 1–17

تفسير سورة ابراهيم آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة ابراهيم

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 42:27

  1. 1 الآيات 1–9في هذه الصفحة 9:18
  2. 2 الآيات 10–27في هذه الصفحة 15:57
  3. 3 الآيات 28–52 17:12

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓر كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ۝١

قال أبو جعفر الطبري: قد تقدم منا البـيان عن معنى قوله: {الر} فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وأما قوله: {كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَـيْكَ} فإن معناه: هذا كتاب أنزلناه إلـيك يا مـحمد يعنـي القرآن. { لِتُـخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُـماتِ إلـى النُّورِ} يقول: لتهديهم به من ظلـمات الضلالة والكفر إلـى نور الإيـمان وضيائه، وتبصِّر به أهل الـجهل والعمّى سبل الرشاد والهُدى.

وقوله: {بإذْنِ رَبِّهِمْ} يعنـي: بتوفـيق ربهم لهم بذلك ولطفه بهم. {إلـى صراطِ العَزِيزِ الـحَمِيدِ} يعنـي: إلـى طريق الله الـمستقـيـم، وهو دينه الذي ارتضاه وشرعه لـخـلقه. والـحميد: فعيـل، صُرف من مفعول إلـى فعيـل، ومعناه: الـمـحمود بآلائه، وأضاف تعالـى ذكره إخراج الناس من الظلـمات إلـى النور بإذن ربهم لهم بذلك إلـى نبـيه صلى الله عليه وسلم، وهو الهادي خـلقه والـموفِّق من أحبّ منهم للإيـمان، إذ كان منه دعاؤهم إلـيه، وتعريفهم ما لهم فـيه وعلـيهم، فبـين بذلك صحة قول أهل الإثبـات الذين أضافوا أفعال العبـاد إلـيهم كسبـاً، وإلـى الله جلّ ثناؤه إنشاءً وتدبـيراً، وفساد قول أهل القدر الذين أنكروا أن يكون لله فـي ذلك صنع.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {لِتُـخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُـماتِ إلـى النُّورِ}: أي من الضلالة إلـى الهُدى.

ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ۝٢

اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والشام: {اللّهُ الَّذِي لَهُ ما فِـي السَّمَوَاتِ} برفع اسم الله علـى الابتداء، وتصيـير قوله: {الَّذِي لَهُ ما فِـي السَّمَوَاتِ} خبره. وقرأته عامَّة قرّاء أهل العراق والكوفة والبصرة: {اللّهِ الَّذِي} بخفض اسم الله علـى إتبـاع ذلك

{ { العَزِيزِ الـحَمِيدِ } } وهما خفض.

وقد اختلف أهل العربـية فـي تأويـله إذا قرىء كذلك، فذكر عن أبـي عمرو بن العلاء أنه كان يقرؤه بـالـخفض ويقول: معناه: بإذن ربهم إلـى صراط العزيز الـحميد، الذي له ما فـي السموات، ويقول: هو من الـمؤخر الذي معناه التقديـم، ويـمثله بقول القائل: مررت بـالظريف عبد الله، والكلام الذي يوضع مكان الاسم: النعت، ثم يجعل الاسم مكان النعت، فـيتبع إعرابه إعراب النعت الذي وضع موضع الاسم كما قال بعض الشعراء:

لَوْ كُنْتَ ذَا نَبْلٍ وذَا شَرِيبِما خِفْتَ شَدَّاتِ الـخَبِـيثِ الذّيبِ

وأما الكسائيّ فإنه كان يقول فـيـما ذكر عنه من خفض أراد أن يجعله كلاماً واحداً وأتبع الـخفض الـخفْضَ، وبـالـخفض كان يقرأه.

والصواب من القول فـي ذلك عندي، أنهم قراءتان مشهورتان قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء معناهما واحد، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وقد يجوز أن يكون الذي قرأه بـالرفع، أراد معنى من خفض فـي إتبـاع الكلام بعضه بعضاً، ولكنه رفع لانفصاله من الآية التـي قبله، كما قال جلّ ثناؤه:

{ { إنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ أَنْفُسَهُمْ وأمْوَالَهُمْ } } ... إلـى آخر الآية، ثم قال: { { التَّائِبُونَ العابِدُونَ } }. ومعنى قوله: {اللّهُ الَّذِي لَهُ ما فِـي السَّمَوَاتِ وَما فِـي الأرْضِ} الله الذي يـملك جميع ما فـي السموات وما فـي الأرض يقول لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتدعو عبـادي إلـى عبادة من هذه صفته، ويدعوا عبادة من لا يملك لهم ولا لنفسه ضرّاً ولا نفعاً من الآلهة والأوثان. ثم توعد جلّ ثناؤه من كفر به ولـم يستـجب لدعاء رسوله إلـى ما دعاه إلـيه من إخلاص التوحيد له، فقال: {وَوَيْـلٌ للكافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} يقول: الوادي الذي يسيـل من صديد أهل جهنـم، لـمن جحد وحدانـيته وعبد معه غيره، من عذاب الله الشديد.

ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍ ۝٣

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {الَّذِينَ يَسْتَـحِبُّونَ الـحَياةَ الدُّنْـيا علـى الآخرَةِ} الذين يختارون الـحياة الدنـيا ومتاعها ومعاصيَ الله فـيها علـى طاعة الله وما يقربهم إلـى رضاه من الأعمال النافعة فـي الآخرة. {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ} يقول: ويـمنعون من أراد الإيـمان بـالله واتبـاع رسوله علـى ما جاء به من عند الله من الإيـمان به واتبـاعه. {وَيَبْغُونَها عِوَجاً} يقول: ويـلتـمسون سبـيـل الله، وهي دينه الذي ابتعث به رسوله. عوجاً: تـحريفـاً وتبديلاً بـالكذب والزور. «والعِوَج» بكسر العين وفتـح الواو فـي الدين والأرض وكلّ ما لـم يكن قائماً، فأما فـي كل ما كان قائماً كالـحائط والرمـح والسنّ فإنه يقال بفتـح العين والواو جميعاً «عَوَج» يقول الله عزّ ذكره: {أُولَئِكَ فِـي ضَلالٍ بَعِيدٍ} يعنـي: هؤلاء الكافرين الذي يستـحبون الـحياة الدنـيا علـى الآخرة، يقول: هم فـي ذهاب عن الـحقّ بعيد، وأخذ علـى غير هدى، وجَوْر عن قصد السبـيـل.

وقد اختلف أهل العربـية فـي وجه دخول «علـى» فـي قوله: {علـى الآخِرَةِ} فكان بعض نـحويـيّ البصرة يقول: أوصل الفَعَل بـ «علـى»، كما قـيـل: ضربوه فـي السيف، يريد بـالسيف، وذلك أن هذه الـحروف يوصل بها كلها وتـحذف، نـحو قول العرب: نزلت زيداً، ومررت زيداً، يريدون: مررت به، ونزلت علـيه. وقال بعضهم: إنـما أدخـل ذلك، لأن الفعل يؤدّي عن معناه من الأفعال، ففـي قوله: {يَسْتَـحبُّونَ الـحَياةَ الدُّنـيْا علـى الآخِرَةِ} ولذلك أدخـلت «علـى». وقد بـيِّنت هذا ونظائره فـي غير موضع من الكتاب بـما أغنى عن الإعادة.

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٤

يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا إلـى أمة من الأمـم يا مـحمد من قبلك ومن قبل قومك رسولاً إلا بلسان الأمة التـي أرسلناه إلـيها ولغتهم، {ليُبَيِّنَ لهم} يقول: لـيفهمهم ما أرسله الله به إلـيهم من أمره ونهيه، لـيثبت حجة الله علـيهم، ثم التوفـيق والـخذلان بـيد الله، فـيخذل عن قبول ما أتاه به رسوله من عنده من شاء منهم، ويوفِّق لقبوله من شاء ولذلك رفع «فـيُضلُّ»، لأنه أريد به الابتداء لا العطف علـى ما قبله، كما قـيـل:

{ لنُبَـيِّنَ لَكُمْ ونُقِرُّ فـي الأرْحَامِ ما نَشاءُ } وهو العزيز الذي لا يـمتنع مـما أراده من ضلال أو هداية من أراد ذلك به، والـحكيـم فـي توفـيقه للإيـمان من وفقه له وهدايته له من هداه إلـيه، وفـي إضلاله من أضلّ عنه، وفـي غير ذلك من تدبـيره.

وبنحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَما أرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إلاَّ بِلِسان قَوْمِهِ}: أي بلغة قومه ما كانت، قال الله عزّ وجلّ: {لـيُبَـيِّنَ لَهُمْ} الذي أرسل إلـيهم لـيتـخذ بذلك الـحجة، قال الله عزّ وجلّ: {فَـيُضِلّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الـحَكِيـمُ}.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝٥

يقول تعالـى ذكره: ولقد أرسلنا موسى بأدلتنا وحججنا من قبلك يا مـحمد، كما أرسلناك إلـى قومك بـمثلها من الأدلة والـحجج. كما:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح «ح» وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن الأشيب، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد «ح» وحدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسَى بآياتِنا} قال: بـالبـينات.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسَى بآياتِنا} قال: التسع الآيات: الطوفـان وما معه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد،: {أرْسَلْنا مُوسَى بآياتِنا} قال: التسع البـينات.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقوله: {أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُـماتِ إلـى النُّورِ} كما أنزلنا إلـيك يا مـحمد هذا الكتاب، لتـخرج الناس من الظلـمات إلـى النور

{ { بـاذْنِ رَبِّهِمْ } }، ويعنـي بقوله: {أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُـماتِ إلـى النُّورِ}: أي ادعهم من الضلالة إلـى الهُدى، ومن الكفر إلـى الإيـمان. كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسَى بآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُـماتِ إلـى النُّورِ} يقول: من الضلالة إلـى الهُدى.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، مثله.

وقوله: {وَذَكِّرْهُمْ بأيَّامِ اللّهِ} يقول عزّ وجلّ: وعظهم بـما سلف من نعمي علـيهم فـي الأيام التـي خـلت. فـاجتزىء بذكر الأيام من ذكر النعم التـي عناها، لأنها أيام كانت معلومة عندهم، أنعم الله علـيهم فـيها نعماً جلـيـلة، أنقذهم فـيها من آل فرعون بعد ما كانوا فـيـما كانوا من العذاب الـمهين، وغرق عدوّهم فرعون وقومه، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم. وكان بعض أهل العربـية يقول: معناه: خوّفهم بـما نزل بعاد وثمود وأشبـاههم من العذاب، وبـالعفو عن الآخرين. قال: وهو فـي الـمعنى كقولك: خذهم بـالشدّة واللـين. وقال آخرون منهم: قد وجدنا لتسمية النعم بـالأيام شاهداً فـي كلامهم. ثم استشهد لذلك بقول عمرو بن كلثوم:

وأيَّامٍ لَنا غُرَ طِوَالٍعَصَيْنا الـمَلْكَ فِـيها أنْ نَدِينا

وقال: فقد يكون إنما جعلها غرّا طوالاً لإنعامهم على الناس فيها. وقال: فهذا شاهد لـمن قال: {وَذَكِّرْهمْ بأيَّامِ اللّهِ} بنعم الله. ثم قال: وقد يكون تسميتها غرًّا، لعلوّهم علـى الـملك وامتناعهم منه، فأيامهم غرّ لهم وطوال علـى أعدائهم.

قال أبو جعفر: ولـيس للذي قال هذا القول، من أن فـي هذا البـيت دلـيلاً علـى أن الأيام معناها النعم وجهٌ، لأن عمرو بن كلثوم إنـما وصف ما وصف من الأيام بأنها غرّ، لعزّ عشيرته فـيها، وامتناعهم علـى الـملك من الإذعان له بـالطاعة، وذلك كقول الناس: ما كان لفلان قطّ يوم أبـيض، يعنون بذلك: أنه لـم يكن له يوم مذكور بخير. وأما وصفه إياها بـالطول، فإنها لا توصف بـالطول إلا فـي حال شدّة، كما قال النابغة:

كِلِـينـي لِهَمَ يا أُمَيْـمَةَ ناصِبِولَـيْـلٍ أُقاسِيهِ بَطِيءِ الكَوَاكِبِ

فإنـما وصفها عمرو بـالطول لشدّة مكروهها علـى أعداء قومه، ولا وجه لذلك غير ما قلت.

وبنحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يحيى بن طلـحة الـيربوعي، قال: ثنا فضيـل بن عياض، عن لـيث، عن مـجاهد: {وَذَكِّرْهُمْ بأيَّامِ اللّهِ} قال: بأنعم الله.

حدثنـي إسحاق بن إبراهيـم بن حبـيب بن الشهيد. قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن سفـيان، عن عبـيد الـمكَّتب عن مـجاهد: {وَذَكِّرْهُمْ بأيَّامِ اللّهِ} قال: بنعم الله.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن عبـيد الـمكتب، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبثر، عن حصين، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى «ح» وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {بأيَّامِ اللّهِ} قال: بنعم الله.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَذَكِّرْهُمْ بأيَّامِ اللّهِ} قال: بـالنعم التـي أنعم بها علـيهم: أنـجاهم من آل فرعون، وفلق لهم البحر، وظلَّل علـيهم الغمام، وأنزل علـيهم الـمنّ والسلوى.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا حبـيب بن حسان، عن سعيد بن جبـير: {وَذَكِّرْهُمْ بأيَّامِ اللّهِ} قال: بنعم الله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَذَكِّرْهُمْ بأيَّامِ اللّهِ} يقول: ذكرهم بنعم الله علـيهم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَذَكِّرْهُمْ بأيامِ الله} قال: بنعم الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قول الله: {وَذَكِّرْهُمْ بأيَّامِ اللّهِ} قال: أيامه التـي انتقم فـيها من أهل معاصيه من الأمـم خوْفهم بها، وحذّرهم إياها، وذكَّرهم أن يصيبهم ما أصاب الذين من قبلهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحِمَّانـي، قال: ثنا مـحمد بن أبـان، عن أبـي إسحاق، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس. عن أُبَـيِّ، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم: {وَذَكِّرْهُمْ بأيَّامِ اللّهِ} قال: «نِعَم اللّه».

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبـيد الله أو غيره، عن مـجاهد: {وَذَكِّرْهُمْ بأيَّامِ اللّهِ} قال: بنعم الله. {إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ لِكُلّ صَبَّـارٍ شَكُورٍ} يقول: إن فـي الأيام التي سلفت بنعمي علـيهم، يعنـي على قوم موسى لآيات، يعنـي: لعبراً ومواعظَ لكل صبّـار شكور: يقول: لكلّ ذي صبر علـى طاعة الله وشكر له علـى ما أنعم علـيه من نعمه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، فـي قول الله عزّ وجلّ: {إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ لِكُلّ صَبَّـارٍ شَكُورٍ} قال: نَعْم العبد، عبد إذا ابتلـى صبر وإذا أُعطي شكر.

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ۝٦

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا مـحمد إذ قال موسى بن عمران لقومه من بنـي إسرائيـل: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ} التـي أنعم بها علـيكم {إذْ أنـجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} يقول: حين أنـجاكم من أهل دين فرعون وطاعته. {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِ}: أي يذيقونكم شديد العذاب. {ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ} وأدخـلت الواو فـي هذا الـموضع لأنه أريد بقوله: {وَيُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ} الـخبر عن أنّ آل فرعون كانوا يعذّبون بنـي إسرائيـل بأنواع من العذاب غير التذبـيح وبـالتذبـيح. وأما فـي موضع آخر من القرآن، فآنه جاء بغير الواو: {يَسُومُونُكُمْ سُوءَ العَذَابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ} فـي موضع وفـي موضع:

{ { يُقَتِّلُونَ أبْناءَكُمْ } }، ولـم تدخـل الواو فـي الـمواضع التـي لـم تدخـل فـيها لأنه أريد بقوله: {يُذَبِّحُونَ} وبقوله: { { يُقَتلُونَ } } تبـيـينه صفـات العذاب الذي كانوا يسومونهم، وكذلك العمل فـي كل جملة أريد تفصيـلها فبغير الواو تفصيـلها، وإذا أريد العطف علـيها بغيرها وغير تفصيـلها فـالواو.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن ابن عيـينة، فـي قوله: {وَإذْ قالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ}: أيادي الله عندكم وأيامه.

وقوله: {وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ} يقول: ويبقون نساءكم فـيتركون قتلهنّ وذلك استـحياؤهم كان إياهنّ. وقد بـيَّنا ذلك فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع، ومعناه: يتركونهم، والـحياة: هي الترك. ومنه الـخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

اقْتُلُوا شُيُوخَ الـمُشْرِكِينَ وَاسْتَـحْيُوا شَرْخَهُمْبـمعنى: استبقوهم فلا تقتلوهم. {وفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيـمٌ} يقول تعالـى: وفـيـما يصنع بكم آل فرعون من أنواع العذاب بلاء لكم من ربكم عظيـم: أي ابتلاء واختبـار لكم من ربكم عظيـم. وقد يكون البلاء فـي هذا الـموضع نعماء، وقد يكون معناه: من البلاء الذي قد يصيب الناس فـي الشدائد وغيرها.

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ ۝٧

يقول جلّ ثناؤه: واذكروا أيضاً حين آذنكم ربكم. وتأذّن: تفعَّل من أذن، والعرب ربـما وضعت «تفعَّل» موضع «أفعل»، كما قالوا: أوعدته وتوعدته بـمعنى واحد، وآذن: أعلـم، كما قال الـحارث بن حِلَّزة:

آذَنَتْنا بِبَـيْنِها أسمْاءُرُبَّ ثاوٍ يُـمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ

يعنـي بقوله: آذنتنا: أعلـمتنا.

وذُكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ {وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ} «وإذ قال ربكم».

حدثنـي بذلك الحارث، قال: ثنـي عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش عنه حدثنـي يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ}: وإذ قال ربكم ذلك التأذّن.

وقوله: {لَئِنْ شَكَرْتُـمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} يقول: لئن شكرتـم ربكم بطاعتكم إياه فـيـما أمركم ونهاكم لأزيدنكم فـي أياديه عندكم ونعمه علـيكم علـى ما قد أعطاكم من النـجاة من آل فرعون والـخلاص من عذابهم. وقـيـل فـي ذلك قول غيره، وهو ما:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا الـحسين بن الـحسن، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، قال: سمعت علـيّ بن صالـح، يقول فـي قول الله عزّ وجلّ: {لَئِنْ شَكَرْتُـمْ لأَزِيدَنَّكم} قال: أي من طاعتـي.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك قال: سمعت علـيّ بن صالـح، فذكر نـحوه.

حدثنـي أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان: {لئنْ شَكَرْتُـمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} قال: من طاعتـي.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مالك بن مغول، عن أبـان بن أبـي عياش، عن الـحسن، فـي قوله: {لَئِنْ شَكَرْتُـمْ لأَزيدَنَّكُمْ} قال: من طاعتـي.

ولا وجه لهذا القول يفهم، لأنه لـم يجر للطاعة فـي هذا الـموضع ذكر، فـيقال: إن شكرتـمونـي علـيها زدتكم منها، وإنـما جرى ذكر الـخبر عن إنعام الله علـى قوم موسى بقوله:

{ { وَإذْ قالَ مُوسَى لقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ } } ثم أخبرهم أن الله أعلـمهم إن شكروه علـى هذه النعمة زادهم، فـالواجب فـي الـمفهوم أن يكون معنى الكلام: زادهم من نعمه، لا مـما لـم يجر له ذكر من الطاعة، إلا أن يكون أريد به: لئن شكرتـم فأطعتـمونـي بـالشكر لأزيدنكم من أسبـاب الشكر ما يعينكم علـيه، فـيكون ذلك وجهاً.

وقوله: {وَلَئِنْ كَفَرْتُـمْ إنَّ عَذَابِـي لَشَدِيدٌ} يقول: ولئن كفرتـم أيها القوم نعمة الله، فجحدتـموها، بترك شكره علـيها، وخلافه فـي أمره ونهيه وركوبكم معاصيَه {إنَّ عَذَابِـي لَشَدِيدٌ}: أعذّبكم كما أعذّب من كفر بـي من خـلقـي. وكان بعض البصريـين يقول فـي معنى قوله: {وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ} وتأذّن ربكم. ويقول: «إذ» من حروف الزوائد. وقد دللنا علـى فساد ذلك فـيـما مضى قبل.

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ ۝٨

يقول تعالى ذكره: {وَقالَ مُوسَى} لقومه: {إنْ تَكْفُرُوا} أيها القوم، فتـجحدوا نعمة الله التـي أنعمها علـيكم أنتـم، ويفعل فـي ذلك مثل فعلكم {مَنْ فِـي الأرْضِ جَمِيعاً فإنَّ اللّهَ لَغَنِـيّ} عنكم وعنهم من جميع خـلقه، لا حاجة به إلـى شكركم إياه علـى نعمه عند جميعكم، {حَمِيدٌ} ذو حمد إلـى خـلقه بـما أنعم به علـيهم. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف، عن أبـي رَوق عن أبـي أيوب، عن علـيّ: {فإنَّ اللّهَ لَغَنِـيّ} قال: غنـيّ عن خـلقه، {حَمِيدٌ} قال: مستـحمِد إلـيهم.

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ۝٩

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل موسى لقومه: يا قوم {ألَـمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يقول: خبر الذين من قبلكم من الأمـم التـي مضت قبلكم، {قَوْمِ نُوحِ وعادٍ وَثُمودَ} وقوم عاد فبـين بهم عن «الذين»، وعاد معطوف بها علـى قوم نوح. {وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} يعنـي: من بعد قوم نوح وعاد وثمود. {لا يَعْلَـمُهُمْ إلاَّ اللّهُ} يقول: لا يحصي عددهم ولا يعلـم مبلغهم إلا الله. كما:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن عمرو بن ابن ميـمون: {وَعادٍ وَثمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَـمُهُمْ إلاَّ اللّهُ} قال: كذب النسابون.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عمرو بن ميـمون، عن عبد الله بن مسعود بـمثل ذلك.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عمرو بن ميـمون، قال: ثنا ابن مسعود، أنه كان يقرؤها: «وعاداً وثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدَهِمْ لا يَعْلَـمُهُم إلاَّ اللّهُ» ثم يقول: كذب النسابون.

حدثنـي ابن الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عيسى بن جعفر، عن سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن عمرو بن ميـمون، عن عبد الله، مثله.

وقوله: {جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بـالبَـيِّناتِ} يقول: جاءت هؤلاء الأمـم رسلهم الذين أرسلهم الله إلـيهم بدعائهم إلـى إخلاص العبـادة له بـالبـينات، يعنـي بـالـحجج الواضحات والدلالات البـينات الظاهرات علـى حقـيقة ما دعوهم إلـيه من معجزات.

وقوله: {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِـي أفْوَاهِهِمْ} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: فعضوا علـى أصابعهم تغيظاً علـيهم فـي دعائهم إياهم ما دعوهم إلـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن أبـي الأحوص، عن عبد الله: {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فـي أفْوَاهِهِمْ} قال: عضوا علـيها تغيظاً.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن أبـي إسحاق، عن أبـي الأحوص، عن عبد الله، فـي قوله: {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِـي أفْوَاهِهِمْ} قال: غيظاً هكذا. وعض يده.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن أبـي الأحوص، عن عبد الله: {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِـي أفْوَاهِهِمْ} قال: عضوها

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن رجاء البصري، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن أبـي الأحوص، عن عبد الله فـي قول الله عزّ وجلّ: {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِـي أفْوَاهِهِمْ} قال: عضوا علـى أصابعهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن أبـي إسحاق، عن أبـي الأحوص، عن عبد الله: {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِـي أفْوَاهِهِمْ} قال: عضوا علـى أطراف أصابعهم.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، عن هبـيرة عن عبد الله أنه قال فـي هذه الآية: {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِـي أفْوَاهِهِمْ} قال: أن يجعل إصبعه فـي فـيه.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا أبو قطن، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، عن هبـيرة، عن عبد الله فـي قول الله عزّ وجلّ: {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِـي أفْوَاهِهِمْ} ووضع شعبة أطراف أنامله الـيسرى علـى فـيه.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا يحيى بن عبَّـاد، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرنا أبو إسحاق، عن هبـيرة، قال: قال عبد الله: {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِـي أفْوَاهِهِمْ} قال: هكذا، وأدخـل أصابعه فـي فـيه.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا عفـان، قال: ثنا شعبة، قال أبو إسحاق: أنبأنا عن هبـيرة، عن عبد الله أنه قال فـي هذه الآية: {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِـي أفْواهِهِمْ} قال أبو علـيّ: وأرانا عفـان، وأدخـل أطراف أصابع كفه مبسوطة فـي فـيه، وذكر أن شعبة أراه كذلك.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان وإسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن أبـي الأحوص، عن عبد الله: {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِـي أفْوَاهِهِمْ} قال: عضوا علـى أناملهم. وقال سفـيان: عضوا غيضاً.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فـي أفْوَاهِهِمْ} فقرأ:

{ { عَضُّوا عَلَـيْكُمْ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ } } قال: ومعنى: {رَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِـي أفْوَاهِهِمْ} فقرأ: { { عَضُّوا عَلَـيْكُمْ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ } } قال: ومعنى: {رَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِـي أفْوَاهِهِمْ} قال: أدخـلوا أصابعهم فـي أفواههم، وقال: إذا اغتاظ الإنسان عضّ يده.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم لـما سمعوا كتاب الله عجبوا منه، ووضعوا أيديهم علـى أفواههم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنـي عمي، قال: ثني أبي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِـي أفْوَاهِهِمْ} قال: لـما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلـى أفواههم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم كذّبوهم بأفواههم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد «ح» وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {فَرَدُّوا أيْدِيِهُمْ فِـي أفْوَاهِهِمْ} قال: ردّوا علـيهم قولهم وكذبوهم.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله {جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم} يقول قومهم كذبوا رسلهم وردوا عليهم ما جاءوا به من البينات وردوا عليهم بأفواههم، وقالوا: {إنَّا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُوننا إلَيْهِ مُرِيبٍ}.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة في قوله {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِي أفْواهِهِمْ} قال ردوا عغلى الرسل ما جاءت به.

وكأن مجاهداً أوجه قوله {فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِي أفْواهِهِمْ} إلى معنى ردوا أيادي الله التي لو قبلوها كانت أيادي ونعماً عندهم فلم يقبلوها. ووجه قوله: {فِي أفْوَاهِهِمْ} إلى معنى بأفواههم يعني: بألسنتهم التي في أفواههم. وقد ذُكر عن بعض العرب سماعاً أدخلك الله بالجنة يعنون في الجنة وينشد هذا البيت:

وأرْغَبُ فِـيها عَـنْ لَـقِيطٍ وَرَهْطِهِولكِنَّني عَنْ سِنْبِسٍ لستُ أرْغَبُ

يريد وأرغب فيها يعني أرغب بها عن لقيط ولا أرغب بها عن قبيلتي. وقال آخرون بل معنى ذلك أنهم كانوا يضعون أيديهم على أفواه الرسل ردّاً عليهم قولهم، وتكذيباً لهم. وقال آخرون هذا مثل، وإنما أريد أنهم كفوا عما أمروا بقبوله من الحقّ ولم يؤمنوا به ولم يسلموا، وقال يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب فلم يجب: رد يده في فمه وذكر بعضهم أن العرب تقول كلمت فلاناً في حاجة فردّ يده في فيه: إذا سكت عنه فلم يجب. وهذا أيضاً قول لا وجه له لأن الله عز وجل ذكره قد أخبر عنهم أنهم قالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به. فقد أجابوا بالتكذيب وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود أنهم ردّوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها غيظاً على الرسل، كما وصف الله عزّ وجلّ به إخوانهم من المنافقين فقال { { وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ } } فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم من ردّ اليد إلى الفم وقوله {وَقالُوا إنَّا كَفَرْنا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} يقول عز وجل وقال لرسلهم إنا كفرنا بما أرسلكم به من أرسلكم من الدعاء إلى ترك عبادة الأوثان والأصنام وإنا لفي شكَ من حقيقة ما تدعوننا إليه من توحيد الله {مُرِيب} يقول يريبنا ذلك الشكّ: أي يوجب لنا الريبة والتهمة فيه، يقال منه: أراب الرجل: إذا أتى بِرِيبة يريب أرابة.

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝١٠

يقول تعالـى ذكره: قالت رسل الأمـم التـي أتتها رسلها: أفـي الله أنه الـمستـحقّ علـيكم أيها الناس الألوهة والعبـادة دون جميع خـلقه، شكّ؟ وقوله: {فـاطِرِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} يقول: خالق السموات والأرض. {يَدْعُوكُمْ لِـيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} يقول: يدعوكم إلـى توحيده وطاعته. {لِـيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} يقول: فـيستر علـيكم بعض ذنوبكم بـالعفو عنها، فلا يعاقبكم علـيها. {وَيُؤَخِّرَكُمْ} يقول: وينسىء فـي آجالكم، فلا يعاقبكم فـي العاجل فـيهلككم، ولكن يؤخركم إلـى الوقت الذي كتب فـي أمّ الكتاب أنه يقبضكم فـيه، وهو الأجل الذي سمى لكم. فقالت الأمم لهم: {إنْ أنْتُمْ} أيها القوم {إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا} فـي الصورة والهيئة، ولستـم ملائكة، وإنـما تريدون بقولكم هذا الذي تقولون لنا {أنْ تَصُدُونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آبـاؤُنا} يقول: إنـما تريدون أن تصرفونا بقولكم عن عبـادة ما كان يعبده من الأوثان آبـاؤنا: {فَأَتُونا بسُلْطانٍ مُبِـينٍ} يقول: فأتونا بحجة على ما تقولون تبـين لنا حقـيقته وصحته، فنعلـم أنكم فـيـما تقولون مـحقُّون.

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١١

يقول تعالى ذكره: قال الأمم التي أتتهم الرسل لرسلهم {إنْ نَـحْنُ إلاَّ بَشَرَ مِثْلُكُمْ} صدقتـم فـي قولكم

{ { إنْ أنْتُـمْ إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا } } فما نحن إلا بشر من بنـي آدم إنس مثلكم، {وَلكِنَّ اللّهَ يَـمُنُّ عَلـى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبـادِهِ} يقول: ولكن الله يتفضّل علـى من يشاء من خـلقه، فـيهديه ويوفِّقه للـحقّ، ويفضله علـى كثـير من خـلقه. {وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِـيَكُمْ بِسُلْطانٍ} يقول: وما كان لنا أن نأتـيكم بحجة وبرهان علـى ما ندعوكم إلـيه {إلاَّ بإذْنِ اللّهِ} يقول: إلا بأمر الله لنا بذلك. {وَعلـى الله فَلْـيَتَوَكَّلِ الـمُؤْمِنُونَ} يقول: وبـالله فلـيثق به من آمن به وأطاعه فإنا به نثق وعلـيه نتوكل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِـينٍ} قال: السلطان الـمبـين: البرهان والبـينة. وقوله: {ما لَـمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً} قال: بـينة وبرهاناً.

وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل الرسل لأمـمها: {وَما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ علـى اللّهِ} فنثق به وبكفـايته ودفـاعه إياكم عنا، {وَقَدْ هَدَانا سُبُلَنا} يقول: وقد بصرنا طريق النـجاة من عذابه، فبـين لنا. {وَلَنَصْبِرَنَّ علـى ما آذَيْتُـمُونا} فـي الله وعلـى ما نلقـي منكم من الـمكروه فـيه بسبب دعائنا إلـيكم إلـى ما ندعوكم إلـيه من البراءة من الأوثان والأصنام وإخلاص العبـادة له. {وَعَلَـى اللّهِ فَلْـيَتَوَكَّلِ الـمُتَوَكِّلُونَ} يقول: وعلـى الله فلـيتوكل من كان به واثقاً من خـلقه، فأما من كان به كافراً فإن ولـيه الشيطان.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ ۝١٤

يقول عزّ ذكره: وقال الذين كفروا بـالله لرسلهم الذين أرسلوا إلـيهم حين دعوهم إلـى توحيد الله وإخلاص العبـادة له وفراق عبـادة الآلهة والأوثان: {لَنُـخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أرْضِنا} يعنون: من بلادنا، فنطردكم عنها. {أوْ لَتَعُودُنَّ فـي ملَّتِنا} يعنون: إلا أن تعودوا فـي ديننا الذي نـحن علـيه من عبـادة الأصنام. وأدخـلت فـي قوله: {لَتَعُودُنَّ} لام، وهو فـي معنى شرط، كأنه جواب للـيـمين.

وإنـما معنى الكلام: لنـحرجنَّكم من أرضنا أو تعودنّ فـي ملتنا، ومعنى «أو» ههنا معنى «إلا» أو معنى «حتـى» كما يقال فـي الكلام: لأضربنك أو تقرّ لـي، فمن العرب من يجعل ما بعد «أو» فـي مثل هذا الـموضع عطفـاً علـى ما قبله، إن كان ما قبله جزماً جزموه، وإن كان نصبـاً نصبوه، وإن كان فـيه لام جعلوا فـيه لاماً، إذ كانت «أو» حرف نَسق. ومنهم من ينصب «ما» بعد «أو» بكل حال، لـيعلـم بنصبه أنه عن الأوّل منقطع عما قبله، كما قال امرؤ القـيس:

بَكَى صَاحِبي لَمَّا رأى الدَّرْبَ دُونَهُوأيْقَنَ أنَّا لاحِقانِ بقَـيْصَرَا فَقُلْتُ لَهُ: لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّـمانـحاوِلُ مُلْكاً أو نَـمُوتَ فَنُعْذَرَا

فنصب «نموتَ فنعذرا» وقد رفع «نـحاولُ»، لأنه أراد معنى: إلا أن نـموت، أو حتـى نـموت، ومنه قول الآخر:

لا أسْتَطِيعُ نُزُوعاً عَنْ مَوَدّتِهاأو يَصْنَعُ الحُبُّ بي غيرَ الَّذِي صَنَعا

وقوله: {فَأَوحَى إلَـيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِـمِينَ} الذين ظلـموا أنفسهم، فأوجبوا لها عقاب الله بكُفرهم وقد يجوز أن يكون قـيـل لهم: الظالـمون لعبـادتهم، مَنْ لا تـجوز عبـادته من الأوثان والآلهة، فـيكون بوضعهم العبـادة فـي غير موضعها إذ كان ظلـماً سُموا بذلك ظالـمين.

وقوله: {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} هذا وعد من الله مَن وَعَد من أنبـيائه النصر علـى الكفرة به من قومه، يقول: لـما تـمادت أمـم الرسل فـي الكفر، وتوعَّدوا رسلهم بـالوقوع بهم، أوحى الله إلـيهم بإهلاك من كفر بهم من أمـمهم ووعدهم النصر. وكلّ ذلك كان من الله وعيداً وتهديداً لـمشركي قوم نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى كفرهم به وجراءتهم علـى نبـيه، وتثبـيتاً لـمـحمد صلى الله عليه وسلم وأمراً له بـالصبر علـى ما لقـي من الـمكروه فـيه من مشركي قومه، كما صبر من كان قبله من أولـي العز من رسله، ومعرِّفَهُ أن عاقبة أمر من كفر به الهلاك وعاقبته النصر علـيهم، {سُنَّةَ اللّهِ فـي الَّذِينَ خَـلَوْا مِنْ قَبْلُ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلَنُسْكنَنَّكُمْ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} قال: وعدهم النصر فـي الدنـيا، والـجنة فـي الآخرة.

وقوله: {ذلكَ لِـمَنْ خافَ مَقامي وَخافَ وَعِيدِ} يقول جلّ ثناؤه: هكذا فِعْلـى لـمن خاف مقامه بـين يديّ، وخاف وعيدي فـاتقانـي بطاعته وتـجنب سخطي، أنصره علـى من أراد به سوءاً وبغاه مكروهاً من أعدائي، أُهلك عدوّه وأخزيه وأورثه أرضه ودياره. وقال: {لِـمَنْ خافَ مَقامي} ومعناه ما قلت من أنه لـمن خاف مقامه بـين يديّ بحيث أقـيـمه هنالك للـحساب، كمَا قال: {وَتَـجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} معناه: وتـجعلون رزقـي إياكم أنكم تكذبون، وذلك أن العرب تضيف أفعالها إلـى أنفسها، وإلـى ما أوقعت علـيه، فتقول: قد سررت برؤيتك وبرؤيتـي إياك، فكذلك ذلك.

وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: واستفتـحت الرسل علـى قومها: أي استنصرت الله علـيها. {وَخابَ كُلُّ جَبَّـارٍ عَنـيدٍ} يقول: هلك كل متكبر جائر حائد عن الإقرار بتوحيد الله وإخلاص العبـادة له. والعنـيد والعاند والعنود بـمعنى واحد، ومن الـجبـار تقول: هو جبـار بـيِّن الـجَبَرِية والـجَبَروتـية والـجَبْرُوّة والـجَبَرُوت.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَاسْتَفْتَـحُوا} قال: الرسل كلها، يقول: استنصروا علـى أعدائهم ومعانديهم: أي علـى من عاند عن اتبـاع الـحقّ وتـجنبه.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، «ح» وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَاسْتَفْتَـحُوا} قال: الرسل كلها استنصروا. {وَخابَ كُلُّ جَبَّـارٍ عَنِـيدٍ} قال: معاند للـحقّ مـجانبه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقال ابن جريج: استفتـحوا علـى قومهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَاسْتَفْتَـحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّـارٍ عَنِـيدٍ} قال: كانت الرسل والـمؤمنون يستضعفهم قومهم، ويَقْهَرونهم، ويكذّبونهم، ويدعونهم إلـى أن يعودوا فـي ملَّتِهم، فأبى الله عزّ وجلّ لرسله وللمؤمنين أن يعودوا فـي ملَّة الكفر، وأمرهم أن يتوكَّلوا علـى الله، وأمرهم أن يستفتحوا علـى الـجبـابرة، ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم، فأنـجز الله لهم ما وعدهم، واستفتـحوا كما أمرهم أن يستفتـحوا. {وَخابَ كُلُّ جَبـارٍ عَنِـيدٍ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن الـمغيرة، عن إبراهيـم، فـي قوله: {وَخابَ كُلُّ جَبَّـارٍ عَنِـيدٍ} قال: هو الناكب عن الـحقّ أي الـحائد عن اتبـاع طريق الـحقّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا مطرف، عن بشر، عن هشيـم، عن مغيرة، عن سماك، عن إبراهيـم: {وَخابَ كُلُّ جَبَّـارٍ عَنِـيدٍ} قال: الناكب عن الـحقّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَاسْتَفْتَـحُوا} يقول: استنصرت الرسل علـى قومها، قوله: {وَخابَ كُلُّ جَبَّـارٍ عَنِـيدٍ} والـجبـار العنـيد: الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله.

حدثنا محمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَاسْتَفْتَحُوا} قال: استنصرت الرسل على قومها. {وَخابَ كُلُّ جَبَّـارٍ عَنِـيدٍ} يقول: بعيد عن الـحقّ مُعرض عنه.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله، وزاد فـيه: معرض عنه، أبى أن يقول: لا إله إلا الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَخابَ كُلُّ جَبَّـارٍ عَنِـيدٍ} قال: العنـيد عن الـحقّ الذي يعند عن الطريق، قال: والعرب تقول: شرّ الإبل العنـيد الذي يخرج عن الطريق.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَاسْتَفْتَـحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّـارٍ عَنِـيدٍ} قال: الـجبـار: هو المتجبر.

وكان ابن زيد يقول فـي معنى قوله: {وَاسْتَفْتَـحُوا} خلاف قول هؤلاء، ويقول: إنـما استفتـحت الأمـم، فأجيبت.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَاسْتَفْتَـحُوا} قال: استفتاحهم بـالبلاء، قالوا: اللهمّ إن كان هذا الذي أتـى به مـحمد هو الـحق من عندك فأمطر علـينا حجارة من السماء كما أمطرتها علـى قوم لوط، أو ائتنا بعذاب ألـيـم قال: كان استفتاحهم بـالبلاء كما استفتـح قوم هود.

{ { ائْتِنا بِـمَا تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِـينَ } } قال: فـالاستفتاح: العذاب. قال: قـيـل لهم: إن لهذا أجلاً، حين سألوا الله أن ينزل علـيهم، فقال: بل نؤخرهم لـيوم تشخص فـيه الأبصار، فقالوا: لا نريد أن نؤخر إلـى يوم القـيامة { { رَبَّنا عَجِّلْ لنَا قِطَّنَاً } }. عذابنا قَبْلَ يَوْمِ الـحِسَابِ وقرأ: { { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بـالعَذَابِ وَلَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَـجاءَهُمُ العَذَابُ } } حتـى بلغ: { { وَمِنْ تَـحْتِ أرْجُلِهِمْ } وَيَقُولُ { ذُوقُوا ما كُنْتُـمْ تَعْمَلُونَ } }.

مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ ۝١٦ يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌ ۝١٧

يقول عزّ ذكره: {مِنْ وَرَائِهِ} من أمام كلّ جبـار {جَهَنَّمُ} يردونها. ووراء فـي هذا الـموضع: يعنـي أمام، كما يقال: إن الـموت من ورائك: أي قدامك، وكما قال الشاعر:

أتُوعِدُنـي وَرَاءَ بَنِـي رِياحٍكَذَبْتَ لَتَقْصُرَّنَّ يَداكَ دُونِـي

يعنـي وراء بنـي رياح: قدّام بنـي رياح وأمامهم.

وكان بعض نـحويـيّ أهل البصرة يقول: إنـما يعنـي بقوله: {مِنْ وَرَائِهِ} أي من أمامه، لأنه وراء ما هو فـيه، كما يقول لك: وكلّ هذا من ورائك: أي سيأتـي علـيك، وهو من وراء ما أنت فـيه قد كان قبل ذلك وهو من ورائه. وقال:

{ { وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يأْخُذُ كُلَّ سَفِـينَةٍ غَصْبـاً } } من هذا الـمعنى: أي كان وراءَ ما هم فـي أمامَهم. وكان بعض نـحويّـي أهل الكوفة يقول: أكثر ما يجوز هذا فـي الأوقات، لأن الوقت يـمرّ علـيك فـيصير خـلفك إذا جُزته، وكذلك كان وراءهم ملك، لأنهم يجوزونه فـيصير وراءهم. وكان بعضهم يقول: هو من حروف الأضداد، يعنـي وراء يكون قداماً وخـلفـاً.

وقوله: {وَيُسْقَـى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ} يقول: ويُسقـى من ماء، ثم بـين ذلك الـماء جلّ ثناؤه وما هو، فقال: هو صديد ولذلك ردّ الصديد فـي إعرابه علـى الـماء، لأنه بـيان عنه، والصديد: هو القـيح والدم. وكذلك تأوّله أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء «ح» وحدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ} قال: قـيح ودم.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَيُسْقَـى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ} والصديد: ما يسيـل من دمه ولـحمه وجلده.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَيُسْقَـى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ} قال: ما يسيـل من بـين لـحمه وجلده.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عمن ذكره، عن الضحاك: {وَيُسْقَـى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ} قال: يعنـي بـالصديد: ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القـيْحَ والدم.

وقوله: {يَتَـجَرَّعُهُ} يتـحسَّاه، {وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ} يقول: ولا يكاد يزدرده من شدّة كراهته، وهو يسيغه من شدّة العطش. والعرب تـجعل «لا يكاد» فـيـما قد فُعِل، وفـيـما لـم يفعل. فأما ما قد فعل فمنه هذا، لأن الله جلّ ثناؤه جعل لهم ذلك شرابـاً وأما ما لـم يُفْعل وقد دخـلت فـيه «كاد» فقوله:

{ { حتـى إذَا أخرْجَ يَدَهُ لَـمْ يَكَدْ يَرَاها } } فهو لا يراها.

وبنـحو ما قلنا من أن معنى قوله: {وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ} وهو يسيغه، جاء الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الرواية بذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا إبراهيـم أبو إسحاق الطالَقانـيّ، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن صفوان بن عمرو، عن عبـيد الله بن بسر، عن أبـي أمامة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي قوله: {وَيُسْقَـى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَـجَرَّعُهُ}:

فإذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حتـى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِيقول الله عزّ وجلّ: { { وَسَقُوا ماءً حَمِيـماً فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ } }، ويقول: { { وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِـمَاءٍ كالـمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ } }

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا معمر، عن ابن المبارك، قال: ثنا صفوان بن عمرو، عن عبيد الله بن بُسْر، عن أبـي أمامة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، في قوله: {وَيُسْقَـى مِنْ ماءِ صَدِيدٍ} فذكر مثله، إلا أنه قال

{ { سُقُوا ماءَ حَمِيـماً } }.

حدثنـي مـحمد بن خـلف العَسْقلانـي، قال: ثنا حَيْوة بن شُرَيْحِ الـحِمْصِيّ، قال: ثنا بقـية، عن صفوان ابن عمرو، قال: ثنـي عبـيد الله بن بسر، عن أبـي أمامة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم مثله سواء.

وقوله: {وَيأْتِـيهِ الـمَوْتُ مِنْ كُلّ مَكانٍ وَما هُوَ بِـمَيِّت} فإنه يقول: ويأتـيه الـموت من بـين يديه ومن خـلفه، وعن يـمينه وشماله، ومن كلّ موضع من أعضاء جسده. {وَما هُوَ بِـمَيِّتِ} لأنه لا تـخرج نَفْسه فـيـموت فـيستريح، ولايحيا لتعلق نفسه بـالـحناجر، فلا ترجع إلـى مكانها. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن ماهد، فـي قوله: {يَتَـجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسيغُهُ وَيَأَتِـيهِ الـمَوْتُ مِنْ كُلّ مَكانٍ وَما هُوَ بِـمَيِّتٍ} قال: تعلق نفسه عند حنـجرته، فلا تـخرج من فـيه فـيـموت ولا ترجع إلـى مكانها من جوفه فـيجد لذلك راحة فتنفعه الـحياة.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا العوّام بن حوشب، عن إبراهيـم التـيـميّ قوله:{ وَيأْتِـيهِ الـمَوْتُ مِنْ كُلّ مَكانٍ} قال: من تـحت كلّ شعرة فـي جسده. وقوله: {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلـيظٌ} يقول: ومن وراء ما هو فـيه من العذاب، يعنـي أمامَه وقدامَه عذاب غلـيظ.

الاثنين، 19 أكتوبر 2026 8 جمادى الأولى 1448 هـ