انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ابراهيم

تفسير البغويالآيات 1–44

تفسير سورة ابراهيم آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓر كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ۝١

{الۤر كِتَابٌ} أي: هذا كتاب {أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ}، يامحمد يعني: القرآن، {لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي: لتدعوهم من ظلمات الضلالة إلى نور الإِيمان، {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}، بأمر ربهم.

وقيل: بعلم ربهم.

{إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} أي: إلى دينه، و"العزيز"، هو الغالب، و"الحميد": هو المستحق للحمد.

ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ۝٢ ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍ ۝٣

{ٱللَّهِ ٱلَّذِى} قرأ أبو جعفر، وابن عامر: {اللَّهُ} بالرفع على الاستئناف، وخبره فيما بعده. وقرأ الآخرون بالخفض نعتاً للعزيز الحميد.

وكان يعقوب إذا وصل خفض.

وقال أبو عمرو: الخفض على التقديم والتأخير، مجازه: إلى صراط الله العزيز الحميد، {ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}.

{ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ}، يختارون، {ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلأَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}، أي: يمنعون الناس عن قبول دين الله.

{وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي: يطلبونها زيغاً وميلاً، يريد: يطلبون سبيل الله جائرين عن القصد.

وقيل: الهاء راجعة إلى الدنيا، ومعناه: يطلبون الدنيا على طريق الميل عن الحق، أي: لجهة الحرام. {أُوْلَـٰئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ}.

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٤ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝٥

قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}، بلغتهم ليفهموا عنه.

فإن قيل: كيف هذا وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى كافة الخلق؟

قيل: بُعِث من العرب بلسانهم، والناس تَبَعٌ لهم، ثم بثَّ الرسل إلى الأطراف يدعونهم إلى الله عزّ وجلّ ويترجمون لهم بألسنتهم.

{فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}.

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي: من الكفر إلى الإِيمان بالدعوة، {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ}، قال ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد وقتادة: بنعم الله.

وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة. يقال: فلان عالم بأيام العرب، أي بوقائعهم، وإنما أراد بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة، فأجتزأ بذكر الأيام عنها لأنها كانت معلومة عندهم.

{إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}، و"الصبَّارُ": الكثير الصبر، و"الشكور": الكثير الشكر، وأراد: لكل مؤمن، لأن الصبر والشكر من خصال المؤمنين.

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ۝٦ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ ۝٧

{وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ}، قال الفرَّاء: العلّة الجالبة لهذه الواو أن الله تعالى أخبرهم أن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع العذاب غير التذبيح، وبالتذبيح، وحيث طرح الواو في "يذبِّحون" و"يقتِّلون" أراد تفسير العذاب الذي كانوا يسومونهم، {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ}، يتركوهن أحياءً {وَفِى ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}.

{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ}، أي: أعلم، يقال: أُذَّن وتأذَّن بمعنى واحد، مثل أَوْعَدَ وتَوَعَّدَ، {لَئِن شَكَرْتُمْ} نعمتي فآمنتم وأطعتم {لأَزِيدَنَّكُمْ} في النعمة.

وقيل: الشكر: قيد الموجود، وصيد المفقود.

وقيل: لئن شكرتم بالطاعة لأزيدنكم في الثواب.

{وَلَئِن كَفَرْتُمْ}، نعمتي فجحدتموها ولم تشكروها، {إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ}.

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ ۝٨ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ۝٩

{وَقَالَ مُوسَىۤ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ}، أي: غنيٌّ عن خلقه، حميدٌ محمود في أفعاله، لأنه فيها متفضِّل وعادل.

{أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ}، خبر الذين، {مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ}، يعني: من كان بعد قوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ.

ورُوي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ثم قال: كذب النسَّابُون.

وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: بين إبراهيم وبين عدنان ثلاثون قرناً لا يعلمهم إلا الله تعالى

وكان مالك بن أنس يكره أن ينسِبَ الإِنسان نفسه أباً إلى آدم، وكذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعلم أولئك الآباءَ أحدٌ إلاَّ الله عزّ وجلّ.

{جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} بالدلالات الواضحات، {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِىۤ أَفْوَاهِهِمْ}، قال ابن مسعود: عضوا على أيديهم غيظاً كما قال:

{ { عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ } } [آل عمران: 119].

قال ابن عباس: لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم.

قال مجاهد وقتادة: كذبوا الرسل وردوا ما جاؤوا به، يقال: رددت قول فلان في فيه أي كذبته.

وقال الكلبي: يعني أن الأمم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم، أي: وضعوا الأيدي على الأفواه إشارةً إلى الرسل أَنِ اسكتوا.

وقال مقاتل: فردوا أيديهم على أفواه الرسل يسكتونهم بذلك.

وقيل: الأيدي بمعنى النِّعم. معناه: ردوا ما لو قبلوا كانت أيادي ونعماً في أفواههم، أي: بأفواههم يعني بألسنتهم.

{وَقَالُوۤاْ} يعني الأمم للرسل، {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ}، موجب للريبة موقع للتهمة.

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝١٠

{قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ}، هذا استفهام بمعنى نفي ما اعتقدوه، {فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، خالقهما، {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ}، أي: ذنوبكم و"من" صلة، {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمّىً}، إلى حين استيفاء آجالكم فلا يعاجلكم بالعذاب.

{قَالُوۤاْ}، للرسل، {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}، في الصورة، ولستم ملائكة وإنما، {تُرِيدُونَ}، بقولكم، {أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ}، حجة بينة على صحة دعواكم.

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١١ وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ۝١٢ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ ۝١٤

{قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}، بالنبوة والحكمة، {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَـٰنٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}.

{وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ} وقد عرفنا أن لا نَنَالَ شيئاً إلا بقضائه وقدره، {وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا}، بيَّن لنا الرشد، وبصَّرنَا طريق النجاة. {وَلَنَصْبِرَنَّ}، اللام لام القسم، مجازهُ، والله لَنصبرَن، {عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}.

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا}، يَعْنُون: إلا أن ترجعوا، أو حتى ترجعوا إلى ديننا.

{فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} أي: من بعد هلاكهم.

{ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى} أي: قيامه بين يدي كما قال:

{ { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } } [الرحمن: 46]، فأضاف قيام العَبدِ إلى نفسه، كما تقول: نَدِمتُ على ضربك أي على ضربي إياك، {وَخَافَ وَعِيدِ} أي عقابي.

وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ۝١٥ مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ ۝١٦

قوله: {وَٱسْتَفْتَحُواْ} أي: استنصروا. قال ابن عباس ومقاتل: يعني الأمم، وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذِّبْنا، نظيره قوله تعالى:

{ { وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } } [الأنفال: 32].

وقال مجاهد وقتادة: واستفتحوا يعني الرسل وذلك أنهم لما يئسوا من إيمان قومهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب، كما قال نوح عليه السلام:

{ { رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً } } [نوح: 26] وقال موسى عليه السلام: { { رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } } [يونس: 88].

{وَخَابَ}، وخسر. وقيل: هلك، {كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} والجبَّار: الذي لا يرى فوقه أحداً. والجبرية: طلب العلو بما لا غاية وراءه. وهذا الوصف لا يكون إلا لله عزّ وجلّ.

وقيل: الجبار: الذي يجبر الخلق على مرادِه، والعنيد: المعاند للحق ومجانبه. قاله مجاهد.

وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: هو المعرض عن الحق.

وقال مقاتل: هو المتكبر.

وقال قتادة: "العنيدُ": الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله.

{مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ} أي: أمامه، كقوله تعالى:

{ { وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ } } [الكهف: 79] أي: أمامهم.

قال أبو عبيدة: هو من الأضداد.

وقال الأخفش: هو كما يقال هذا الأمر من ورائكَ يريد أنه سيأتيك، وأنا من وراء فلان يعني أصل إليه.

وقال مقاتل: "من ورائه جهنم" أي: بعده.

{وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} أي: من ماءٍ هو صديدٌ، وهو ما يسيل من أبدان الكفار من القَيْح والدم.

وقال محمد بن كعب: ما يسيل من فُروج الزُّناةِ، يُسْقَاه الكافر.

يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌ ۝١٧

{يَتَجَرَّعُهُ}: أي: يتحسَّاهُ ويشربه، لا بمرةٍ واحدة، بل جرعةً جرعةً، لمرارتِه وحرارته، {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ}، و"يكاد": صلة، أي: لا يسيغه، كقوله تعالى:

{ { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } } [النور: 40] أي: لم يَرَهَا.

قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: لا يجيزه.

وقيل: معناه يكاد لا يسيغه، ويسيغه فيغلي في جوفه.

أخبرنا محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبدالله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن عبيد الله بن بُسْر، عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ}، قال:

يقرب إلى فيه فيتكرهه، فإذا أُدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطَّع أمعاءه، حتى يخرج من دُبُره، يقول الله عزّ وجلّ: { { وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ } } [محمد:15]، ويقول: { { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ } } [الكهف: 29].

وقوله عزّ وجلّ: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ}، يعني: يجدُ همَّ الموت وأَلمهُ من كل مكان من أعضائه.

قال إبراهيم التيمي: حتى من تحت كل شعرة من جسَده.

وقيل: يأتيه الموت من قدامه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله.

{وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}، فيستريح، قال ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة. نظيرها

{ { ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا } } [الأعلى:13].

{وَمِن وَرَآئِهِ}، أمامه، {عَذَابٌ غَلِيظٌ}، شديدٌ، وقيل: العذاب الغليظ الخلود في النار.

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ أَعْمَٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلْبَعِيدُ ۝١٨

{مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ} يعني: مثل أعمال الذين كفروا بربهم ـ كقوله تعالى:

{ { وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } } [الزمر: 60] ـ أي: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة، {كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ}، وصف اليوم بالعصوف، والعصُوف من صفة الريح لأن الريح تكون فيها، كما يقال: يومٌ حار ويوم بارد، لأن الحر والبرد فيه.

وقيل: معناه: في يوم عاصف الريح، فحذف الريح لأنها قد ذكرت من قبل. وهذا مَثَلٌ ضربه الله لأعمال الكفار، يريد: أنهم لا ينتفعون بأعمالهم التي عملوها في الدنيا لأنهم أشركوا فيها غير الله كالرماد الذي ذَرَتْهُ الريح لا ينتفع به، فذلك قوله تعالى:

{لاَّ يَقْدِرُونَ}، يعني: الكفار {مِمَّا كَسَبُواْ}، في الدنيا، {عَلَىٰ شَىْءٍ}، في الآخرة، {ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ}.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ۝١٩ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ ۝٢٠ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ قَالُوا۟ لَوْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَٰكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ۝٢١

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}، قرأ حمزة والكسائي "خالق السموات والأرض" وفي سورة النور "خالق كل دابة" مضافاً.

وقرأ الآخرون {خلق} على الماضي {والأرض} وكلٌّ بالنصب.

{بِٱلْحقِّ} أي: لم يخلقهما باطلاً وإنما خلقهم لأمرٍ عظيم، {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}، سواكم أَطْوَعَ لله منكم.

{وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ}، منيع شديد، يعني أن الأشياء تسهل في القدرة، لا يصعب على الله شيء وإن جلّ وعَظُم.

قوله عزّ وجلّ: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً} أي: خرجوا من قبورهم إلى الله وظهروا جميعاً {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ}، يعني: الأتباع، {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ}، أي: تكبروا على الناس وهم القادة والرؤساء، {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} جمع تابع، مثل: حَرَس وحارس، {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ}، دافعون، {عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ}.

{قَالُواْ}، يعني القادة المتبوعين: {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ}، أي: لو هدانا الله لدعوناكم إلى الهُدى، فلما أضلَّنا دعوناكم إلى الضلالة، {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}، مهرب ولا منجاةٍ.

قال مقاتل: يقولون في النار تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام، فلا ينفعهم الجزع، ثم يقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم، فحينئذ يقولون: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}.

قال محمد بن كعب القرظبي: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة. فقال الله تعالى:

{ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ } } [غافر: 49]، فردت الخزنة عليهم: {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَىٰ} فردت الخزنة عليهم: { فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ }[غافر:50] فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا { يَٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ }[الزخرف:77] سألوا الموت، فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ستون وثلاثمائة يوماً، واليوم كألف سنة مما تعدون، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين إنكم ماكثون، فلما يئسوا مما قَبْله قال بعضهم لبعض: إنه قد نزل بكم من البلاء ما ترون فهلموا فلنصبر، فلعل الصبر ينفعنا كما صبرَ أهل الدنيا على طاعة الله فنفعهم، فأجمعوا على الصبر، فطال صبرهم ثم جزعوا فنادوا: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}، أي: من منجا.

قال: فقام إبليس عند ذلك فخطبهم. فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} الآية، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم فنودُوا:

{ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ }[غافر: 10] قال فنادوا الثانية: { فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ } فرد عليهم: { { وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } } [السجدة:12،13] فنادوا الثالثة: { { رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ } } [إبراهيم: 44]، فرد عليهم: { أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ } الآيات [إبراهيم: 44]، ثم نادوا الرابعة: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ} فرد عليهم: { أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ }}، الآية [فاطر:37] قال: فمكث عليهم ما شاء الله، ثم ناداهم: { { أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } } فلما سمعُوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: { { رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ } } قال عند ذلك: { { ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } } [المؤمنون: [105 - 108] فانقطع عند ذلك الرجاء والدعاء عنهم، فأقبل بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجوه بعض، وأطبقت عليهم النار.

وَقَالَ ٱلشَّيْطَٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٢٢

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ}، يعني: إبليس، {لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ}، أي: فرغ منه فأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

قال مقاتل: يوضع له منبر في النار، فيرقاه فيجتمع عليه الكفار بللائمة فيقول لهم:

{إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ}، فوفى لكم به، {وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}، وقيل: يقول لهم: قلتُ لكم لا بعثَ ولا جنة ولا نار. {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَـٰنٍ}، وِلاية. وقيل: لم آتكم بحجة فيما دعوتكم إليه، {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ}، هذا استثناء منقطعٌ معناه: لكن {دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}، بإجابتي ومتابعتي من غير سلطان ولا برهان، {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ}، بمُغيثِكم، {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ}، بمغيثيَّ.

قرأ الأعمش وحمزة {بمصرخي} بكسر الياء، والآخرون بالنصب لأجل التضعيف، ومن كسر فلالتقاءِ الساكنين، حرِّكت إلى الكسر، لأن الياء أخت الكسرة، وأهل النحو لم يرضوه، وقيل: إنه لغة بني يربوع. والأصل {بمصرخيني} فذهبت النون لأجل الإِضافة، وأُدغمت ياء الجماعة في ياء الإِضافة.

{إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} أي: كفرت بجعلكُم إياي شريكاً في عبادته وتبرأت من ذلك.

{إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، الكافرين، {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

أخبرنا محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد الحارث، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبدالله بن محمود، حدثنا إبراهيم بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك، عن رشدين بن سعد، أخبرني عبدالرحمن بن زيادة، عن دخين الحجري، عن عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة ذكر الحديث ثم قال:

"يقول عيسى عليه السلام ذلكم النبي الأمي فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمَّها أحدٌ، حتى آتي ربي عزّ وجلّ فيشفِّعني ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكفار: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو غير إبليس، هو الذي أضلَّنا، فيأتونه فيقولون له: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا، فإنك أنت أضللتنا. فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمَّها أحد، ثم تعظم جهنم ويقول عند ذلك: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ}، الآية.

وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌ ۝٢٣ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۝٢٤

قوله تعالى: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ}، يسلِّم بعضهم على بعض، وتسلِّم الملائكة عليهم.

وقيل: المحيِّي بالسلام هو الله عزّ وجلّ.

وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً}، ألم تعلم، والمَثَلُ: قولٌ سائر لتشبيه شيء بشيء. {كَلِمَةً طَيِّبَةً}، هي قول: لا إله إلا الله، {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ}، وهي النخلة يريد كشجرة طيبة الثمر.

وقال ظبيان عن ابن عباس: هي شجرة في الجنة.

{أَصْلُهَا ثَابِتٌ}، في الأرض، {وَفَرْعُهَا}، أعلاها، {فِى ٱلسَّمَآءِ}، كذلك أصل هذه الكلمة: راسخٌ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق، فإذا تكلم بها عرجت، فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله عزّ وجلّ. قال الله تعالى:

{ { إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرفَعُهُ } } [فاطر: 10].

تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ۝٢٥

{تُؤْتِىۤ أُكُلَهَا}، تعطي ثمرها، {كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} والحين في اللغة هو الوقت.

وقد اختلفوا في معناه هاهنا فقال مجاهد وعكرمة: الحين هاهنا: سنة كاملةٌ، لأن النخلة تثمر كل سنة.

وقال سعيد بن جبير وقتادة والحسن: ستة أشهر من وقت إطلاعها إلى صرامها. وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وقيل: أربعة أشهر من حين ظهورها إلى إدراكها.

وقال سعيد بن المسيب: شهران من حين تؤكل إلى حين الصرام.

وقال الربيع بن أنس: "كل حين": أي: كل غدوة وعشية، لأن ثمر النخل يؤكل أبداً ليلاً ونهاراً، وصيفاً وشتاءً، إما تمراً أو رُطَباً أو بُسْراً، كذلك عملُ المؤمن يصعدُ أول النهار وآخره وبرَكةُ إيمانهِ لا تنقطع أبداً، بل تصل إليه في كل وقت.

والحكمةُ في تمثيل الإِيمان بالشجرة: لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء: عِرق راسخ، وأصل قائم، وفرع عال، كذلك الإِيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان.

أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخَرقي، أنبأنا أبو الحسن علي بن عبدالله الطيسفوني، أنبأنا عبدالله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا عبدالله بن دينار أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"إنَّ من الشجر شجرةً لا يسقط ورقُها، وإنها مثل المسلم فحدِّثوني ما هي؟ قال عبدالله: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدِّثْنا ما هي يارسول الله؟ قال: هي النخلة. قال عبدالله: فذكرتُ ذلك لعمر، فقال: لأنْ تكون قلتَ هي النخلة كان أحبَّ إلي من كذا وكذا".

وقيل الحكمة في تشبيهها بالنخلة من بين سائر الأشجار: أن النخلة أشبه الأشجار بالإِنسان من حيثُ أنها إذا قطع رأسها يبست، وسائر الأشجار تتشعب من جوانبها بعد قطع رؤوسها ولأنها تشبه الإِنسان في أنها لا تحمل إلا بالتلقيح ولأنها خلقت من فضل طينة آدم عليه السلام، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"أكرموا عمتكم" قيل: ومن عمتنا؟ قال: "النخلة"{وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ۝٢٦

{وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ}. وهي الشرك، {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ}، وهي الحنظل.

وقيل: هي الثوم.

وقيل: هي الكشوث، وهي العَشَقَة، {ٱجْتُثَّتْ}، يعني انقلَعَت، {مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}، ثبات.

معناه: وليس لها أصل ثابت في الأرض، ولا فرع صاعد إلى السماء، كذلك الكافر لا خير فيه ولا يصعدُ له قول طيب ولا عمل صالح.

يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ۝٢٧

قوله تعالى: {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ}، كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله {فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} يعني قبل الموت، {وَفِى ٱلأَخِرَةِ}، يعني في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير.

وقيل: {فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} عند السؤال في القبر، {وَفِى ٱلأَخِرَةِ} عند البعث.

والأول أصح.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مرثد قال: سمعت سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله تعالى: {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ}.

وأخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أنبأنا عبدالغافر بن محمد، أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنبأنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة بهذا الإِسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

{يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ} قال: نزلت في عذاب القبر يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد، فذلك قوله تعالى: {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ} الآية.

وأخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل، حدثنا عياش بن الوليد، حدثنا عبدالأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إنَّ العبدَ إذا وُضِع في قبره، وتولَّى عنه أصحابُه إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه مَلَكان، فيُقْعِدانه، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل، لمحمد صلى الله عليه وسلم؟ فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبدالله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاًقال قتادة: وذكر لنا أنه يُفْسَحُ له في قبره، ثم رجع إلى حديث أنس قال: وأما المنافقُ والكافر فيقال له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ويُضْرَبُ بمطارقَ من حديدٍ ضربةً، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غيرَ الثَّقَلَيْن".

أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، حدثنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي، أنبأنا أبو أحمد عبدالله بن عدي الحافظ، حدثنا عبدالله بن سعيد، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا عنبسة بن سعيد بن كثير، حدثني جدي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إن الميت يسمع حِسَّ النِّعال إذا ولَّى عنه الناس مُدْبِرين، ثم يُجْلَسُ ويُوضَعُ كفنُه في عُنُقِه ثم يُسأل".

ورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إذا قُبِر الميتُ أتاه مَلَكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر النَّكير، فيقولان: ما كنتَ تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبدالله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله، فيقولان له: قد كنا نعلم أنك تقولُ هذا، ثم يُفْسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينوَّر له فيه، ثم يقال: نمْ كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبعثه الله تعالى، وإن كان منافقاً أو كافراً قال: سمعت الناس يقولون قولاً فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذَّباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك".

وروي عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

ذكر قبض روح المؤمن وقال: "فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك؟ [فيقول: ربي الله وديني الإِسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فينتهرانه ويقولان له الثانيةَ: من ربك وما دينك ومن نبيك] وهي أخر فتنة تعرض على المؤمن فيثبته الله عزّ وجلّ، فيقول: ربي الله وديني الإِسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فينادي منادٍ من السماء أنْ صَدَق عبدي، قال: فذلك قوله تعالى: {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ}.

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنبأنا أبو العباس عبدالله بن محمد بن هارون الطيسفوني، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي، أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي، حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء أبو إسحاق حدثنا هشام ابن يوسف حدثنا عبدالله بن يحيى عن هانىء مولى عثمان قال:

كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل".

وقال عمرو بن العاص في سياق الموت وهو يبكي: فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسنُّوا علي التراب سناً ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمه حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي.

قوله تعالى: {وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: لا يهدي الله المشركين إلى الجواب بالصواب في القبر {وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ}، من التوفيق والخذلان والتثبيت وترك التثبيت.

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ ۝٢٨ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ۝٢٩ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦ قُلْ تَمَتَّعُوا۟ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ ۝٣٠

قوله عزّ وجلّ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً} الآية.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد ابن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله تعالى {ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً}، قال: هم والله كفار قريش.

وقال عمرو: هم قريش، ومحمد صلى الله عليه وسلم نعمة الله.

{وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ}، قال: البوار يوم بدر، قوله: {بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} أي: غيّروا نعمة الله عليهم في محمد صلى الله عليه وسلم حيث ابتعثه الله تعالى منهم كفراً كفروا به فأحلُّوا، أي: أنزلوا، قومهم ومن تابعهم على كفرهم دار البوار الهلاك، ثم بيَّن البوار فقال:

{جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ}، يدخلونها {وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ}، المستقر.

وعن علي كرم الله وجهه: الذين بدلوا نعمة الله كفراً، هم كفار قريش نحروا يوم بدر.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أمية، أما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين.

{وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً}، أمثالاً، وليس لله تعالى ند، {لِّيُضِلُّواْ}، قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، وكذلك في الحج وسورة لقمان والزمر: {ليَضل} وقرأ الآخرون بضم الياء على معنى ليضلوا الناس، {عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ}، عيشوا في الدنيا، {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ}.

قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ ۝٣١ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَٰرَ ۝٣٢ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۝٣٣ وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ۝٣٤

{قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}، قال الفراء: هذا جزم على الجزاء، {وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلَـٰلٌ}، مخاللة وصداقة. قرأ ابن كثير، وابن عمرو، ويعقوب: "لا بيعَ فيه ولا خلالَ" بالنصب فيهما على النفي العام. وقرأ الباقون: "لا بيعٌ ولا خلال" بالرفع والتنوين.

{ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}، {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأنَّهَارَ }، ذللها لكم، تجرُونها حيث شئتم.

{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ}، يجريان فيما يعود إلى مصالح العباد ولا يَفْتُرَان، قال ابن عباس دؤوبُهُما في طاعة الله عزّ وجلّ.

{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ}، يتعاقبان في الضياء والظلمة والنقصان والزيادة.

{وَءَاتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ}، يعني: وآتاكم من كل شيء سألتموه شيئاً، فحذف الشيء الثاني اكتفاءً بدلالة الكلام، على التبعيض.

وقيل: هو على التكثير نحو قولك: فلان يعلم كلَّ شيء، وآتاه كلَّ النَّاس، وأنت تعني بعضهم، نظيره قوله تعالى:

{ { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ } } [الأنعام: 44].

وقرأ الحسن {من كلٍّ}، بالتنوين {ما} على النفي يعني من كل ما لم تسألوه، يعني: أعطاكم أشياء ما طلبتموها ولا سألتموها.

{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ}، أي: نعم الله، {لاَ تُحْصُوهَآ}، أي: لا تطيقوا عدَّها ولا القيام بشُكرِها.

{إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}، أي: ظالم لنفسه بالمعصية، كافرٌ بربِّه عز وجل في نعمته. وقيل: الظلوم، الذي يشكر غير من أنعم عليه، والكافر: من يجحد مُنْعِمَه.

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ ۝٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣٦

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ}، يعني: الحرم، {ءَامِناً} ذَا أمن يؤمن فيه، {وَٱجْنُبْنِى}، أبعِدْني، {وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}، يقال: جَنَبْتُه الشيءَ، وأجْنَبْتُه جنباً، وجَنَّبْتُهُ تَجْنِيْبَاً واجتنبتُه اجتناباً بمعنى واحد.

فإن قيل: قد كان إبراهيم عليه السلام معصوماً من عبادة الأصنام، فكيف يستقيم السؤال؟ وقد عبد كثير من بنيه الأصنام فأين الإِجابة؟

قيل: الدعاء في حق إبراهيم عليه السلام لزيادة العصمة والتثبيت، وأما دعاؤه لبنيه: فأراد بنيه من صُلْبه، ولم يعبد منهم أحدٌ الصنم.

وقيل: إن دعاءه لمن كان مؤمناً من بنيه.

{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ}، يعني: ضل بهن كثيراً من الناس عن طريق الهدى حتى عبدوهن، وهذا من المقلوب نظيره قوله تعالى:

{ { إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } } [آل عمران: 175]، أي: يخوفهم بأوليائه.

وقيل: نسبَ الإِضلال إلى الأصنام لأنهن سبب فيه، كما يقول القائل: فتنتني الدنيا، نسب الفتنة إلى الدنيا لأنها سبب الفتنة.

{فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى}، أي: مِنْ أهل ديني، {وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، قال السدي: معناه: ومن عصاني ثم تاب.

وقال مقاتل بن حيان: ومن عصاني فيما دون الشرك.

وقيل: قال ذلك قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك.

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ۝٣٧

قوله عزّ وجلّ: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي}، أدخل "من" للتبعيض، ومجاز الآية: أسكنت من ذريتي ولداً، {بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ}، وهو مكة؛ لأن مكة وادٍ بين جبلين، {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ}، سماه محرَّماً لأنه يحرم عنده مالا يحرم عند غيره.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا عبدالرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب السختياني وكثير بن أبي كثير بن المطلب بن أبي وداعة - يزيد أحدهما على الآخر عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: أول ما اتَّخذ النساءُ المِنْطَقَ من قِبَلِ أمِّ إسماعيلَ، اتخذت مِنْطَقاً لتُعَفِّي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم عليه السلام، وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاءً فيه ماء، ثم قَفَلَ إبراهيم منطلقاً، فتبعتْه أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنْس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيّعنا ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثَّنِيَّةِ حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه، فقال: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}، حتى بلغ {يَشْكُرُونَ}.

وجعلتْ أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفِدَ ما في السِّقاء عطشتْ وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلبَّط أو قال يتلَوَّى، وانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً، فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف دِرْعِها، ثم سَعَتْ سعي الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً. فلم ترَ أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات.

قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

فلذلك سعى الناس بينهما «.

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه - تريد نفسها - ثم تسمعت فسمعته أيضاً فقالت: قد أسمعتَ إن كان عندك غِوَاث، فإذا هي بالمَلَكِ عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء فجعلت تَخُوضُه وتقول بيدها هكذا، أو جعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف.

قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم:

يرحم الله أم إسماعل لو تركت زمزمأو قال:لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً مَعْيناً «.

قال: فشربتْ وأرضعت ولدها، فقال لها المَلَك: لا تخافوا الضيعة فإن هاهنا بيت الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.

وكان موضع البيت مرتفعاً من الأرض كالرَّابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله فكانت كذلك، حتى مرَّتْ بهم رُفْقة من جُرْهُم - أو أهل بيت من جرهم - مقبلين من طريق كَداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إنّ هذا الطائر ليدور على ماء، ولَعَهْدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَرِيَّاً أو جَرِيَّينْ فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حقَّ لكم في الماء، قالوا نعم.

قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فألفى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تحب الأُنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشبَّ الغلام وتعلم العربية منهم، وأَنْفَسَهُم وأعجبهم حين شبَّ، فلما أدرك زوَّجوه امرأةً منهم. وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته... ذكرنا تلك القصة في سورة البقرة.

قوله تعالى: {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ}، الأفئدة: جمع الفؤاد {تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ}، تشتاق وتحنُّ إليهم.

قال السدي: ومعناه أَمِلْ قلوبهم إلى هذا الموضع.

قال مجاهد: لو قال افئدة الناس لزاحمتكم فارس والروم والترك والهند.

وقال سعيد بن جبير: لحجَّت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال "أفئدة من الناس" وهم المسلمون.

{وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ}، ما رزقت سكان القرى ذوات الماء، {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}.

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۝٣٨ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ۝٣٩

{رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ}، من أمورنا. وقال ابن عباس ومقاتل: من الوجد بإسماعيل وأمه حيث أسكنتهما بوادٍ غير ذي زرع. {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ فَى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَآءِ}، قيل: هذا صلة قول إبراهيم.

وقال الأكثرون: يقول الله عزّ وجلّ: {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ فَى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَآءِ}.

{ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ}، أعطاني، {إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ}، قال ابن عباس: وُلد إسماعيل لإِبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة، ووُلد إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة.

وقال سعيد بن جبير: بُشِّرَ إبراهيم بإسحاق وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة.

رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ ۝٤٠ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ۝٤١ وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَٰرُ ۝٤٢

{رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلوٰةِ}، يعني: ممن يقيم الصلاة بأركانها ويحافظ عليها، {وَمِن ذُرِّيَتِى}، يعني: اجعل من ذريتي من يقيمون الصلاة.

{رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ}، أي: عملي وعبادتي، سمّى العبادة دعاءً، وجاء في الحديث:

الدعاء مخ العبادة

وقيل: معناه: استجبْ دعائي.

{رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ}، فإن قيل: كيف استغفر لوالديه وهما غيرُ مؤمنين؟ قيل قد قيل إن أمه أسلمت.

وقيل: أراد: إن أسلما وتابا.

وقيل: قال ذلك قبل أن يتبين له أمر أبيه، وقد بيّن الله عذر خليله صلى الله عليه وسلم في استغفاره لأبيه في سورة التوبة.

{وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، أي: اغفر للمؤمنين كلهم، {يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ}، أي: يبدو ويظهر. وقيل: أراد يوم يقوم الناس للحساب، فاكتفى بذكر الحساب لكونه مفهوماً.

قوله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}، الغفلة معنى يمنع الإِنسان من الوقوف على حقيقة الأمور، والآية لتسلية المظلوم وتهديد للظالم.

{إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ}، أي لا تغمض من هول ما ترى في ذلك اليوم، وقيل: ترتفع وتزول عن أماكنها.

مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌ ۝٤٣ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ ۝٤٤

{مُهْطِعِينَ}، قال قتادة: مسرعين.

قال سعيد بن جبير: الاهطاع النَّسَلان كعَدْوِ الذئب.

قال مجاهد: مديمي النظر.

ومعنى "الإِهطاع": أنهم لا يلتفتون يميناً ولا شمالاً، ولا يعرفون مواطن أقدامهم.

{مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ}، أي: رافعي رؤوسهم.

قال القتيبي: المُقْنِعُ: الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه.

وقال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء، لا ينظر أحدٌ إلى أحد.

{لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} أي: لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر، وهي شاخصة قد شغلهم ما بين أيديهم.

{وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ}، أي: خالية. قال قتادة: خرجت قلوبهم عن صدورهم، فصارت في حناجرهم، لا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أمكانها، فالأفئدة هواء لا شيء فيها، ومنه سُمِّي ما بين السماء والأرض هواء لِخُلُوِّهِ.

وقيل: خالية لا تعي شيئاً ولا تعقل من الخوف.

وقال الأخفش: جوفاء لا عقول لها. والعرب تسمي كل أجوف خاوٍ هواء.

وقال سعيد بن جبير: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} أي: مترددة، تمور في أجوافهم، ليس لها مكان تستقرُّ فيه.

وحقيقة المعنى: أن القلوب زائلة عن أماكنها، والأبصار شاخصة من هول ذلك اليوم.

{وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ}، خوّفهم، {يَوْمَ}، أي: بيوم، {يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ}، وهو يوم القيامة، {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ}، أشركوا، {رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ}، أملهنا، {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ}، هذا سؤالهم الردّ إلى الدنيا، أي: ارجِعْنا إليها، {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ}، فيجابون:

{أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ}، حلفتم في دار الدنيا، {مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ}، عنها أي: لا تبعثون. وهو قوله تعالى:

{ { وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ } } [النحل: 38].
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 10 جمادى الأولى 1448 هـ