انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة لقمان

تفسير القرطبيالآيات 20–34

تفسير سورة لقمان آية آية، من تفسير القرطبي.

أَلَمْ تَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَٰبٍ مُّنِيرٍ ۝٢٠ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ۝٢١

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ذكر نعمه على بني آدم، وأنه سخّر لهم «مَا فِي السَّمَوَاتِ» من شمس وقمر ونجوم وملائكة تحوطهم وتجرّ إليهم منافعهم. «وَمَا فِي الأَرْضِ» عام في الجبال والأشجار والثمار وما لا يحصى. {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ} أي أكملها وأتمها. وقرأ ابن عباس ويحيـى بن عمارة: «وَأَصْبَغَ» بالصاد على بدلها من السين؛ لأن حروف الاستعلاء تجتذب السين من سُفْلها إلى عُلوّها فتردّها صاداً. والنِّعَم: جمع نِعمة كسِدْرة وسِدَر (بفتح الدال) وهي قراءة نافع وأبي عمرو وحفص. الباقون: «نِعمةً» على الإفراد؛ والإفراد يدلّ على الكثرة؛ كقوله تعالى:

{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } [إبراهيم: 34]. وهي قراءة ابن عباس من وجوه صحاح. وقيل: إن معناها الإسلام؛ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لابن عباس وقد سأله عن هذه الآية: الظاهرةُ الإسلام وما حَسُن من خَلْقك، والباطنة ما ستر عليك من سيّء عملك. النحاس: وشرحُ هذا أن سعيد بن جُبير قال في قول الله عز وجل: { وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ }[المائدة: 6] قال: يدخلكم الجنة. وتمام نعمة الله عز وجل على العبد أن يدخله الجنة، فكذا لمّا كان الإسلام يؤول أمره إلى الجنة سُمِّيَ نعمة. وقيل: الظاهرة الصحة وكمال الخلق، والباطنة المعرفة والعقل. وقال المحاسبي: الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة نعم العُقْبى. وقيل: الظاهرة ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال في الناس وتوفيق الطاعات، والباطنة ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين وما يدفع الله تعالى عن العبد من الآفات. وقد سرد الماوَرْديّ في هذا أقوالاً تسعة، كلها ترجع إلى هذا.

قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تقدّم معناها في «الحج» وغيرها. نزلت في يهوديّ جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أخبرني عن ربك، مِن أيّ شيء هو؟ فجاءت صاعقة فأخذته؛ قاله مجاهد. وقد مضى هذا في «الرعد». وقيل: إنها نزلت في النضر بن الحارث، كان يقول: إن الملائكة بنات الله؛ قاله ابن عباس. {يُجَادِلُ} يخاصم {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي بغير حجة {وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} أي نيّر بيّن؛ إلا الشيطان فيما يلقى إليهم.

{ وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ }[الأنعام: 121] وإلا تقليد الأسلاف كما في الآية بعدُ. {أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } يتبعونه.

وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ ۝٢٢

قوله تعالى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ} أي يخلص عبادته وقصده إلى الله تعالى. {وَهُوَ مُحْسِنٌ} لأن العبادة من غير إحسان ولا معرفة القلب لا تنفع؛ نظيره:

{ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ } [طه: 112]. وفي حديث جبريل قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك». {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} قال ابن عباس: لا إلٰه إلا الله؛ وقد مضى في «البقرة». وقد قرأ عليّ ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه والسُّلَمِي وعبد الله بن مسلم بن يسار: «وَمَنْ يُسَلِّم». النحاس: و«يسلّم» في هذا أعرف؛ كما قال عز وجل: { فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ }[آل عمران: 20] ومعنى: «أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ» قصدت بعبادتي إلى الله عز وجل؛ ويكون «يسلّم» على التكثير؛ إلا أن المستعمل في سلّمت أنه بمعنى دفعت؛ يقال سلمت في الحنطة، وقد يقال أسلمت. الزمخشريّ: قرأ عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «وَمَنْ يُسَلّم» بالتشديد؛ يقال: أسلم أمرك وسلّم أمرك إلى الله تعالى؛ فإن قلت: ما له عُدّي بإلى، وقد عدّي باللام في قوله عز وجل: { بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ }[البقرة: 112]؟ قلت: معناه مع اللام أنه جعل وجهه وهو ذاته ونفسه سالماً لله؛ أي خالصاً له. ومعناه مع إلى راجع إلى أنه سلم إليه نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل إذا دفع إليه. والمراد التوكل عليه والتفويض إليه. {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ} أي مصيرها.

وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُۥٓ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٢٣ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ ۝٢٤

قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ} أي نجازيهم. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}. {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً} أي نبقيهم في الدنيا مدّة قليلة يتمتعون بها. {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ} أي نلجئهم ونسوقهم. {إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} وهو عذاب جهنم. ولفظ «مَن» يصلح للواحد والجمع، فلهذا قال: «كُفْرُهُ» ثم قال: «مَرْجِعُهُمْ» وما بعده على المعنى.

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٢٥ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ۝٢٦

قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} أي هم يعترفون بأن الله خالقهن فلِم يعبدون غيره. {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} أي على ما هدانا له من دينه، وليس الحمد لغيره. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا ينظرون ولا يتدبّرون. {لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي ملكاً وخلقاً. {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} أي الغني عن خلقه وعن عبادتهم، وإنما أمرهم لينفعهم. {ٱلْحَمِيدُ } أي المحمود على صنعه.

وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَٰمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝٢٧

لما احتجّ على المشركين بما احتجّ بيّن أن معاني كلامه سبحانه لا تنفد، وأنها لا نهاية لها. وقال القَفّال: لما ذكر أنه سخر لهم ما في السموات وما في الأرض وأنه أسبغ النعم نبّه على أن الأشجار لو كانت أقلاماً، والبحار مداداً فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب. قال القُشَيْرِيّ: فردّ معنى تلك الكلمات إلى المقدورات، وحملُ الآية على الكلام القديم أوْلى؛ والمخلوق لا بدّ له من نهاية، فإذا نفيت النهاية عن مقدوراته فهو نفي النهاية عما يقدّر في المستقبل على إيجاده، فأما ما حصره الوجود وعدّه فلا بدّ من تناهيه، والقديمُ لا نهاية له على التحقيق. وقد مضى الكلام في معنى «كَلِمَاتُ اللَّهِ» في آخر «الكهف». وقال أبو عليّ: المراد بالكلمات والله أعلم ما في المقدور دون ما خرج منه إلى الوجود. وهذا نحو مما قاله القَفّال، وإنما الغرض الإعلام بكثرة معاني كلمات الله وهي في نفسها غير متناهية، وإنما قرّب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة؛ لا أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور. ومعنى نزول الآية: يدلّ على أن المراد بالكلمات الكلام القديم. قال ابن عباس: إن سبب هذه الآية أن اليهود قالت: يا محمد، كيف عُنينا بهذا القول

{ وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } [الإسراء: 85] ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام الله وأحكامه، وعندك أنها تبيان كل شيء؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:التوراة قليل من كثير ونزلت هذه الآية، والآية مدنية. قال أبو جعفر النحاس: فقد تبيّن أن الكلمات هاهنا يراد بها العلم وحقائق الأشياء؛ لأنه عز وجل علم قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في السموات والأرض من كل شيء، وعلم ما فيه من مثاقيل الذرّ؛ وعلم الأجناس كلّها وما فيها من شعرة وعضو، وما في الشجرة من ورقة، وما فيها من ضروب الخلق، وما يتصرف فيه من ضروب الطّعم واللون؛ فلو سَمّى كل دابة وحدها، وسَمَى أجزاءها على ما علم من قليلها وكثيرها وما تحوّلت عليه من الأحوال، وما زاد فيها في كل زمان، وبيّن كلّ شجرة وحدها وما تفرّعت إليه، وقدّر ما ييبس من ذلك في كل زمان، ثم كتب البيان على كل واحد منها ما أحاط الله جل ثناؤه به منها، ثم كان البحر مداداً لذلك البيان الذي بيّن الله تبارك وتعالى عن تلك الأشياء يمدّه من بعده سبعة أبحر لكان البيان عن تلك الأشياء أكثر.

قلت: هذا معنى قول القفال، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. وقال قوم: إن قريشاً قالت سيتم هذا الكلام لمحمد وينحسر؛ فنزلت. وقال السديّ: قالت قريش ما أكثر كلام محمد! فنزلت.

قوله تعالى: {وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ} قراءة الجمهور بالرفع على الابتداء، وخبره في الجملة التي بعدها، والجملة في موضع الحال؛ كأنه قال: والبحر هذه حاله؛ كذا قدّرها سيبويه. وقال بعض النحويين: هو عطف على «أنّ» لأنها في موضع رفع بالابتداء. وقرأ أبو عمرو وابن إسحاق: «وَالْبَحْرَ» بالنصب على العطف على «ما» وهي اسم «أنّ». وقيل: أي ولو أن البحر يمدّه أي يزيد فيه. وقرأ ابن هُرْمُز والحسن: «يمدّه»؛ من أمدّ. قالت فرقة: هما بمعنًى واحد. وقالت فرقة: مدّ الشيء بعضه بعضاً؛ كما تقول: مدّ النيل الخليج؛ أي زاد فيه. وأمدّ الشيء ما ليس منه. وقد مضى هذا في «البقرة. وآل عمران». وقرأ جعفر بن محمد: «والبحر مداده». {مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ} تقدم. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تقدم أيضاً. وقال أبو عبيدة: البحر هاهنا الماء العذب الذي ينبت الأقلام، وأما الماء الملح فلا ينبت الأقلام.

مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ ۝٢٨

قوله تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال الضحاك: المعنى ما ابتداء خلقكم جميعاً إلا كخلق نفس واحدة، وما بعثكم يوم القيامة إلا كبعث نفس واحدة. قال النحاس: وهكذا قدّره النحويون بمعنى إلا كخلق نفس واحدة؛ مثل:

{ وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ } [يوسف: 82]. وقال مجاهد: لأنه يقول للقليل والكثير كن فيكون. ونزلت الآية في أبَيّ بن خلف وأبي الأسدين ومُنَبِّه ونبيه ابني الحجاج بن السباق، قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قد خلقنا أطواراً، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عِظاماً، ثم تقول إنا نُبعث خَلْقاً جديداً جميعاً في ساعة واحدة! فأنزل الله تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}، لأن الله تعالى لا يصعب عليه ما يصعب على العباد، وخلْقُه للعالم كخلقه لنفس واحدة. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لما يقولون{بَصِيرٌ } بما يفعلون.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ۝٢٩ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ۝٣٠

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} تقدم في «الحج وآل عمران». {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أي ذللهما بالطلوع والأفول تقديراً للآجال وإتماماً للمنافع. {كُلٌّ يَجْرِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} قال الحسن: إلى يوم القيامة. قتادة: إلى وقته في طلوعه وأفوله لا يَعْدُوه ولا يَقْصُر عنه. {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي مَن قدر على هذه الأشياء فلا بدّ من أن يكون عالماً بها، والعالم بها عالم بأعمالكم. وقراءة العامة «تَعْمَلُونَ» بالتاء على الخطاب. وقرأ السُّلَمِيّ ونصر بن عاصم والدُّورِيّ عن أبي عمرو بالياء على الخبر. {ذَلِكَ} أي فعل الله تعالى ذلك لتعلموا وتقرّوا {بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَاطِلُ} أي الشيطان؛ قاله مجاهد. وقيل: ما أشركوا به الله تعالى من الأصنام والأوثان. {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} العليّ في مكانته، الكبير في سلطانه.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ ءَايَٰتِهِۦٓ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝٣١

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ} أي السفن {تَجْرِي} في موضع الخبر. {فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ} أي بلطفه بكم وبرحمته لكم في خلاصكم منه. وقرأ ابن هُرمُز: «بنعمات الله» جمع نعمة وهو جمع السلامة، وكان الأصل تحريك العين فأسكنت. {لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ} «مِنْ» للتبعيض، أي ليريكم جري السفن؛ قاله يحيـى بن سلام. وقال ابن شجرة: «مِنْ آيَاتِهِ» ما تشاهدون من قدرة الله تعالى فيه. النقاش: ما يرزقهم الله منه. وقال الحسن: مفتاح البحار السفن، ومفتاح الأرض الطرق، ومفتاح السماء الدّعاء. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي صبّار لقضائه شكور على نعمائه. وقال أهل المعاني: أراد لكل مؤمن بهذه الصفة؛ لأن الصبر والشكر من أفضل خصال الإيمان. والآية: العلامة، والعلامة لا تستبين في صدر كل مؤمن إنما تستبين لمن صبر على البلاء وشكر على الرخاء. قال الشّعْبِيّ: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله؛ ألم تر إلى قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} وقوله:

{ وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ }[الذاريات: 20] وقال عليه السلام:الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر».

وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ۝٣٢

قوله تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ} قال مقاتل: كالجبال. وقال الكلبي: كالسحاب؛ وقاله قتادة: جمع ظُلّة؛ شبّه الموج بها لكبرها وارتفاعها. قال النابغة في وصف بحر:

يماشيهن أخضر ذو ظلالعلى حافاته فِلَق الدِّنان

وإنما شبّه الموج وهو واحد بالظل وهو جمع؛ لأن الموج يأتي شيئاً بعد شيء ويركب بعضه بعضاً كالظلل. وقيل: هو بمعنى الجمع، وإنما لم يجمع لأنه مصدر. وأصله من الحركة والازدحام؛ ومنه: ماج البحر، والناس يموجون. قال كعب:

فجئنا إلى موج من البحر وسطهأحابيش منهم حاسر ومقنع

وقرأ محمد بن الحنفية: «مَوْجٌ كالظِّلال» جمع ظِلّ {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} موحّدين له لا يدعون لخلاصهم سواه؛ وقد تقدّم. {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ} يعني من البحر. {إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} قال ابن عباس: مُوفٍ بما عاهد عليه الله في البحر. النقاش: يعني عدل في العهد، وفَى في البر بما عاده عليه الله في البحر. وقال الحسن: «مُقْتَصِدٌ» مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة. وقال مجاهد: «مُقْتَصِدٌ» في القول مضمر للكفر. وقيل: في الكلام حذف؛ والمعنى: فمنهم مقتصد ومنهم كافر. ودلّ على المحذوف قوله تعالى: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} الختار: الغدار. والختْر: أسوأ الغدر. قال عمرو بن معدِيكرِب:

فإنك لو رأيت أبا عميرملأت يديك من غدْر وختْر

وقال الأعشى:

بالأبْلقِ الفَرْدِ من تَيْماء منزِلُهُحِصنٌ حَصين وجارٌ غيرُ خَتّار

قال الجوهري: الختْر الغدر؛ يقال: ختره فهو ختار. الماورديّ: وهو قول الجمهور. وقال عطية: إنه الجاحد. ويقال: ختر يَخْتِر ويَخْتُر (بالضم والكسر) خَتْرا؛ ذكره القُشَيري. وجحدُ الآيات إنكار أعيانها. والجحد بالآيات إنكار دلائلها.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ۝٣٣

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ} يعني الكافر والمؤمن؛ أي خافوه ووحّدوه. {وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} تقدّم معنى «يَجْزِي» في البقرة وغيرها. فإن قيل: فقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحِنْث لم تَمَسَّه النار إلا تحِلّة القسم. وقال:من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهنّ كنّ له حجاباً من النار. قيل له: المعنيّ بهذه الآية أنه لا يحمل والدٌ ذنب ولده، ولا مولود ذنب والده، ولا يؤاخذ أحدهما عن الآخر. والمعنيُّ بالأخبار أن ثواب الصبر على الموت والإحسان إلى البنات يحجب العبد عن النار، ويكون الولد سابقاً له إلى الجنة. {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي البعث {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ} أي تخدعنكم {ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} بزينتها وما تدعو إليه فتّتكلوا عليها وتركنوا إليها وتتركوا العمل للآخرة {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } قراءة العامة هنا وفي سورة الملائكة والحديد بفتح الغين، وهو الشيطان في قول مجاهد وغيره، وهو الذي يغرّ الخلق ويمنّيهم الدنيا ويلهيهم عن الآخرة؛ وفي سورة «النساء»: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ } [النساء: 120]. وقرأ سِماك بن حرب وأبو حيوة وابن السَّمَيْقَع بضم الغين؛ أي لا تغترّوا. كأنه مصدر غرّ يغر غُروراً. قال سعيد بن جُبير: هو أن يعمل بالمعصية ويتمنى المغفرة.

إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۢ ۝٣٤

زعم الفراء أن هذا معنى النفي؛ أي ما يعلمه أحد إلا الله تعالى. قال أبو جعفر النحاس: وإنما صار فيه معنى النفي والإيجاب بتوقيف الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك؛

لأنه صلى الله عليه وسلم قال: في قول الله عز وجل: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 59] «إنها هذه»

قلت: قد ذكرنا في سورة «الأنعام» حديث ابن عمر في هذا، خرجه البخاري. و

في حديث جبريل عليه السلام قال: «أخبرني عن الساعة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، هن خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً» قال: «صدقت». لفظ أبي داود الطيالسيّ. وقال عبد الله بن مسعود: كل شيء أوتي نبيّكم صلى الله عليه وسلم غير خمس: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ}، الآية إلى آخرها. وقال ابن عباس: هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا يعلمها ملَك مقرّب ولا نبيّ مرسل؛ فمن ادّعى أنه يعلم شيئاً من هذه فقد كفر بالقرآن؛ لأنه خالفه. ثم إن الأنبياء يعلمون كثيراً من الغيب بتعريف الله تعالى إياهم. والمراد إبطال كون الكهنة والمنجمين ومن يستسقي بالأنواء وقد يعرف بطول التجارِب أشياء من ذكورة الحمل وأنوثته إلى غير ذلك؛ حسبما تقدّم ذكره في الأنعام. وقد تختلف التجربة وتنكسر العادة ويبقى العلم لله تعالى وحده. وروي أن يهودياً كان يحسب حساب النجوم، فقال لابن عباس: إن شئت نبّأتك نجم ابنك، وأنه يموت بعد عشرة أيام، وأنت لا تموت حتى تعمى، وأنا لا يحول عليّ الحول حتى أموت. قال: فأين موتك يا يهوديّ؟ فقال: لا أدري. فقال ابن عباس: صدق الله: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} فرجع ابن عباس فوجد ابنه محموماً، ومات بعد عشرة أيام. ومات اليهوديّ قبل الحول، ومات ابن عباس أعمى. قال عليّ بن الحسين راوي هذا الحديث: هذا أعجب الأحاديث. وقال مقاتل: إن هذه الآية نزلت في رجل من أهل البادية اسمه الوارث بن عمرو بن حارثة، أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني ماذا تلد، وبلادنا جدبة فأخبرني متى ينزل الغيث، وقد علمتُ متى وُلدت فأخبرني متى أموت، وقد علمت ما عملت اليوم فأخبرني ماذا أعمل غداً، وأخبرني متى تقوم الساعة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ ذكره القُشَيْرِي والماوَرْدِيّ. وروى أبو المَلِيح عن أبي عَزّة الهُذلِيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا أراد الله تعالى قبض روح عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يَقْدَمَها ـ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ـ إلى قوله ـ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}ذكره الماورديّ، وخرّجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود بمعناه. وقد ذكرناه في كتاب (التذكرة) مستوفًى. وقراءة العامة: «وَيُنَزِّلُ» مشدّداً. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي مخففاً. وقرأ أُبَيّ بن كَعْب: «بِأَيَّةِ أَرْضٍ» الباقون «بِأَيِّ أَرْضٍ». قال الفراء: اكتفى بتأنيث الأرض من تأنيث أيّ. وقيل: أراد بالأرض المكان فذكّر. قال الشاعر:

فلا مُزْنة وَدَقَتْ ودْقَهاولا أرضَ أبقَل إبقالَها

وقال الأخفش: يجوز مررت بجارية أيّ جارية، وأيّة جارية. وشبه سيبويه تأنيث «أيّ» بتأنيث كُلّ في قولهم: كُلَّتُهُنَّ. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} «خَبِيرٌ» نعت لـ«ـعليم» أو خبر بعد خبر. والله تعالى أعلم.
الجمعة، 30 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ