انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة لقمان

تفسير الطبريالآيات 20–34

تفسير سورة لقمان آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة لقمان

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 24:17

  1. 1 الآيات 1–21في هذه الصفحة 13:40
  2. 2 الآيات 22–34في هذه الصفحة 10:37

أَلَمْ تَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَٰبٍ مُّنِيرٍ ۝٢٠

يقول تعالـى ذكره: {ألَـمْ تَرَوْا} أيها الناس {أنَّ اللّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِـي السَّمَوَاتِ} من شمس وقمر ونـجم وسحاب {وَما فِـي الأرْضِ} من دابة وشجر وماء وبحر وفلك وغير ذلك من الـمنافع، يجري ذلك كله لـمنافعكم ومصالـحكم لغذائكم وأقواتكم وأرزاقكم وملاذّكم، تتـمتعون ببعض ذلك كله، وتنتفعون بجميعه، {وأسْبَغَ عَلَـيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وبَـاطِنَةً}.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض الـمكيـين وعامة الكوفـيـين: «وأسْبَغَ عَلَـيْكُمْ نِعْمَةً» علـى الواحدة، ووجهوا معناها إلـى أنه الإسلام، أو إلـى أنها شهادة أن لا إله إلاَّ الله. وقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة: {نِعَمَهُ} علـى الـجماع، ووجَّهوا معنى ذلك، إلـى أنها النعم التـي سخرها الله للعبـاد مـما فـي السموات والأرض، واستشهدوا لصحة قراءتهم ذلك كذلك بقوله:

{ شاكِراً لأَنْعُمِهِ }قالوا: فهذا جمع النعم.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان فـي قرّاء الأمصار متقاربتا الـمعنى، وذلك أن النعمة قد تكون بـمعنى الواحدة، ومعنى الـجماع، وقد يدخـل فـي الـجماع الواحدة. وقد قال جلّ ثناؤه

{ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُـحْصُوها }فمعلوم أنه لـم يعن بذلك نعمة واحدة. وقال فـي موضع آخر: ولـم يك من الـمشركين شاكراً لأنعمه، فجمعها، فبأيّ القراءتـين قرأ القارىء ذلك فمصيب.

ذكر بعض من قرأ ذلك علـى التوحيد، وفسَّره علـى ما ذكرنا عن قارئيه أنهم يفسرونه:

حدثنـي أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، قال: ثنـي مستور الهنائي، عن حميد الأعرج، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس أنه قرأها: «وأسْبَغَ عَلَـيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظاهِرَةً وبَـاطِنَةً» وفسَّرها الإسلام.

حُدثت عن الفرّاء قال: ثنـي شريك بن عبد الله، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، أنه قرأ: «نِعْمَةً» واحدة. قال: ولو كانت نعمه، لكانت نعمة دون نعمة، أو نعمة فوق نعمة الشكّ من الفراء.

حدثنـي عبد الله بن مـحمد الزهري، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا حميد، قال: قرأ مـجاهد {وأسْبَغَ عَلَـيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظاهرَةً وبَـاطنَةً} قال: لا إله إلاَّ الله.

حدثنـي العبـاس بن أبـي طالب، قال: ثنا ابن أبـي بكير، عن شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وأسْبَغَ عَلَـيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظاهِرَةً وَبـاطِنَةً} قال: كان يقول: هي لا إله إلاَّ الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن حميد الأعرج، عن مـجاهد {وأسْبَغَ عَلَـيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظاهِرَةً وَبـاطِنَةً} قال: لا إله إلاَّ الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عُيـينة، عن حميد الأعرج، عن مـجاهد، قال: لا إله إلاَّ الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن سفـيان، عن عيسى، عن قَـيْس، عن ابن عبـاس {نِعَمَةً ظاهِرَةً وَبـاطِنَةً} قال: لا إله إلاَّ الله.

وقوله: {ظاهِرَةً} يقول: ظاهرة علـى الألسن قولاً، وعلـى الأبدان وجوارج الـجسد عملاً. وقوله: {وَبـاطِنَةً} يقول: وبـاطنة فـي القلوب اعتقاداً ومعرفة.

وقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِـي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْـمٍ وَلا هُدًى} يقول تعالـى ذكره: ومن الناس من يخاصم فـي توحيد الله، وإخلاص الطاعة والعبـادة له بغير علـم عنده بـما يخاصم، {ولا هدى} يقول: ولا بـيان يبـين به صحة ما يقول {وَلا كِتابٍ مُنِـيرٍ} يقول: ولا بتنزيـل من الله جاء بـما يدعى، يبـين حقـية دعواه، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِـي اللّهِ بغَيْرِ عِلْـمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتابٍ مُنِـيرٍ} لـيس معه من الله برهان ولا كتاب.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ۝٢١

يقول تعالـى ذكره: وإذا قـيـل لهؤلاء الذين يجادلون فـي توحيد الله جهلاً منهم بعظمة الله: اتبعوا أيها القوم ما أنزل الله علـى رسوله، وصدِّقوا به، فإنه يفرق بـين الـمـحقّ منا والـمبطل، ويفصل بـين الضّالّ والـمهتدى، فقالوا: بل نتبع ما وجدنا علـيه آبـاءنا من الأديان، فإنهم كانوا أهل حقّ. قال الله تعالـى ذكره {أوَ لَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ} بتزيـينه لهم سوء أعمالهم، واتبـاعهم إياه علـى ضلالتهم، وكفرهم بـالله وتركهم اتبـاع ما أنزل الله من كتابه علـى نبـيه {إلـى عَذَابِ السَّعِيرِ} يعنـي: عذاب النار التـي تتسعر وتلتهب.

وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ ۝٢٢

يقول تعالـى ذكره: ومن يعبد وجهه متذللاً بـالعبودة، مقرّاً له بـالألوهة {وَهُوَ مُـحْسِنٌ} يقول: وهو مطيع لله فـي أمره ونهيه {فَقَدِ اسْتَـمْسَكَ بـالعُرْوَةِ الوُثْقَـى} يقول: فقد تـمسك بـالطرف الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه من تـمسك به وهذا مثل إنـما يعنـي بذلك أنه قد تـمسك من رضا الله بإسلامه وجهه إلـيه وهو مـحسن، ما لا يخاف معه عذاب الله يوم القـيامة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن أبـي السوداء، عن جعفر بن أبـي الـمغيرة، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس {وَمَن يُسْلِـمْ وَجْهَهُ إلـى اللّهِ وَهُوَ مُـحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَـمْسَكَ بـالعُرْوَةِ الوُثْقَـى} قال: لا إله إلاَّ الله.

وقوله {وَإلـى اللّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ} يقول: وإلـى الله مرجع عاقبة كلّ أمر خيره وشرّه، وهو الـمسائل أهله عنه، ومـجازيهم علـيه.

وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُۥٓ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٢٣ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ ۝٢٤

يقول تعالـى ذكره: ومن كفر بـالله فلا يحزنك كفره، ولا تذهب نفسك علـيهم حسرة، فإنّ مرجعهم ومصيرهم يوم القـيامة إلـينا، ونـحن نـخبرهم بأعمالهم الـخبـيثة التـي عملوها فـي الدنـيا، ثم نـجازيهم علـيها جزاءهم {إنَّ اللّهَ عَلِـيـمٌ بِذَاتِ الصُّدُرِ} يقول: إن الله ذو علـم بـما تكنه صدورهم من الكفر بـالله، وإيثار طاعة الشيطان. وقوله: {نُـمَتِّعُهُمْ قَلِـيلاً} يقول: نـمهلهم فـي هذه الدنـيا مهلاً قلـيلاً يتـمتعون فـيها {ثُمَّ نَضْطَّرُّهُمْ إلـى عَذَاب غَلِـيظٍ} يقول: ثم نوردهم علـى كره منهم عذابـا غلـيظا، وذلك عذاب النار، نعوذ بـالله منها، ومن عمل يقرّب منها.

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٢٥ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ۝٢٦

يقول تعالـى ذكره: ولئن سألت يا مـحمد هؤلاء الـمشركين بـالله من قومك {مَنْ خَـلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضِ لَـيَقُولُنَّ اللّهُ، قُلِ الـحَمْدُ لِلّهِ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد، فإذا قالوا ذلك، فقل لهم: الـحمد لله الذي خـلق ذلك، لا لـمن لا يخـلق شيئاً وهم يخـلقون. ثم قال تعالـى ذكره: {بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يعْلَـمون} يقول: بل أكثر هؤلاء الـمشركون لا يعلـمون من الذي له الـحمد، وأين موضع الشكر. وقوله: {لِلّهِ ما فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ} يقول تعالـى ذكره: لله كلّ ما فـي السموات والأرض من شيء ملكاً كائناً ما كان ذلك الشيء من وثن وصنـم وغير ذلك، مـما يعبد أو لا يعبد {إنَّ الله هُوَ الغَنِـيُّ الـحَمِيدُ} يقول: إن الله هو الغنـيّ عن عبـادة هؤلاء الـمشركين به الأوثان والأنداد، وغير ذلك منهم ومن جميع خـلقه، لأنهم ملكه وله، وبهم الـحاجة إلـيه. {الـحميد} يعنـي الـمـحمود علـى نعمه التـي أنعمها علـى خـلقه.

وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَٰمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره: ولو أن شجر الأرض كلها بريت أقلاماً {والبَحْرُ يَـمُدُّهُ} يقول: والبحر له مداد، والهاء فـي قوله {يَـمُدُّهُ} عائدة علـى البحر. وقوله {منْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِـماتُ اللّهِ} وفـي هذا الكلام مـحذوف استغنى بدلالة الظاهر علـيه منه، وهو يكتب كلام الله بتلك الأقلام وبذلك الـمداد، لتكسرت تلك الأقلام، ولنفد ذلك الـمداد، ولـم تنفد كلـمات الله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، قال: سألت الـحسن عن هذه الآية {وَلَوْ أنَّ ما فِـي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ} قال: لو جعل شجر الأرض أقلاماً، وجعل البحور مداداً، وقال الله: إن من أمري كذا، ومن أمري كذا، لنفد ماء البحور، وتكسَّرت الأقلام.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم، قال: ثنا عمرو، فـي قوله {وَلَوْ أنَّ ما فـي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ} قال: لو بريت أقلاماً والبحر مداداً، فكتب بتلك الأقلام منه {ما نَفِدَتْ كَلِـماتُ اللّهِ} ولو مدّه سبعة أبحر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {وَلَوْ أنَّ ما فِـي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ، والبَحْرُ يَـمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِـماتُ اللّهِ} قال: قال الـمشركون: إنـما هذا كلام يوشك أن ينفد، قال: لو كان شجر البرّ أقلاماً، ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفد عجائب ربـي وحكمته وخـلقه وعلـمه.

وذُكر أن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي سبب مـجادلة كانت من الـيهود له. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: ثنـي رجل من أهل مكة، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، أن أحبـار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بـالـمدينة: يا مـحمد أرأيت قوله

{ وَما أُوتِـيتُـمْ مِنَ العِلْـمِ إلاَّ قَلِـيلاً }إيانا تريد أم قومك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:كُلاًّ، فقالوا: ألست تتلو فـيـما جاءك: أنا قد أوتـينا التوراة فـيها تبـيان كلّ شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إنَّها فـي عِلْـمِ اللّهِ قَلِـيـلٌ وَعِنْدَكُمْ مِنْ ذلكَ ما يكْفِـيكُمْ، فأنزل الله علـيه فـيـما سألوه عنه من ذلك: {وَلَوْ أنَّ ما فـي الأرْض مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ وَالبَحْرُ يَـمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِـماتُ اللّهِ}: أي أن التوراة فـي هذا من علـم الله قلـيـل.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنـي ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فأنزل الله

{ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّـي، وَما أُتِـيتُـمْ مِنَ العِلْـم إلاَّ قَلِـيلاً }فقالوا: تزعم أنا لـم نؤت من العلـم إلاَّ قلـيلاً، وقد أوتـينا التوراة، وهي الـحكمة { وَمَنْ يُؤْتَ الـحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِـيَ خَيْراً كَثِـيراً }قال: فنزلت {وَلَوْ أنَّ ما فِـي الأرْضِ من شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَـمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِـماتُ اللّهِ} قال: ما أوتـيتـم من علـم فنـجاكم الله به من النار وأدخـلكم الـجنة، فهو كثـير طيب، وهو فـي علـم الله قلـيـل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: لـما نزلت بـمكة

{ وَما أُوتِـيتُـمْ مِنَ العِلْـمِ إلاَّ قَلِـيلاً }يعنـي الـيهود فلـما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى الـمدينة، أتاه أحبـار يهود، فقالوا: يا مـحمد ألـم يبلغنا أنك تقول { وَما أُوتِـيتُـمْ مِنَ العِلْـمِ إلاَّ قَلِـيلاً }أفتعنـينا أم قومك؟ قال:كُلاًّ قَدْ عَنَـيتُ، قالوا: فإنك تتلو: أنا قد أوتـينا التوراة، وفـيها تبـيان كلّ شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:هِيَ فِـي عِلـمِ اللّهِ قَلِـيـلٌ، وَقَدْ آتاكُمُ اللّهُ ما إنْ عَمِلْتُـمْ بِهِ انْتَفَعْتُـمْ، فأنزل الله {وَلَوْ أنَّ ما فِـي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ، والبَحْرُ يَـمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ...} إلـى قوله { إنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله {والبَحْرُ يَـمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ} فقرأته عامَّة قرّاء الـمدينة والكوفة والبحر رفعاً علـى الابتداء، وقرأته قرّاء البصرة نصبـاً، عطفـاً به علـى «ما» فـي قوله: {وَلَوْ أنَّ ما فِـي الأرْضِ} وبأيتهما قرأ القارىء فمصيب عندي. وقوله: {إنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيـمٌ} يقول: إن الله ذو عزّة فـي انتقامه مـمن أشرك به، وادّعى معه إلهاً غيره، حكيـم فـي تدبـيره خـلقه.

مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ ۝٢٨

يقول تعالـى ذكره: ما خـلقكم أيها الناس ولا بعثكم علـى الله إلاَّ كخـلق نفس واحدة وبعثها، وذلك أن الله لا يتعذّر علـيه شيء أراده، ولا يـمتنع منه شيء شاءه

{ إنَّـما أَمْرُهُ إذَا أرَادَ شَيْئاً أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ }فسواء خَـلْق واحد وبعثه، وخـلق الـجميع وبعثهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنـي أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} يقول: كن فـيكون، للقلـيـل والكثـير.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {ما خَـلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال: يقول: إنـما خَـلْقُ الله الناسَ كلَّهم وبعثُهم كخـلق نفس واحدة وبعثها، وإنـما صلـح أن يقال: إلاَّ كنفس واحدة، والـمعنى: إلاَّ كخـلق نفس واحدة، لأن الـمـحذوف فعل يدلّ علـيه قوله {ما خَـلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ} والعرب تفعل ذلك فـي الـمصادر، ومنه قول الله:

{ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ كالَّذِي يُغْشَى عَلَـيْهِ مِنَ الـمَوْتِ }والـمعنى: كدوران عين الذي يغشى علـيه من الـموت، فلـم يذكر الدوران والعين لـما وصفت.

وقوله: {إنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} يقول تعالـى ذكره: إن الله سميع لـما يقول هؤلاء الـمشركون ويفترونه علـى ربهم، من ادّعائهم له الشركاء والأنداد وغير ذلك من كلامهم وكلام غيرهم، بصير بـما يعملونه وغيرهم من الأعمال، وهو مـجازيهم علـى ذلك جزاءهم.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ۝٢٩

يقول تعالـى ذكره: {ألَـمْ تَرَ} يا مـحمد بعينك {أنَّ اللّهَ يُولِـجُ اللَّـيْـلَ فِـي النَّهارِ} يقول: يزيد من نقصان ساعات اللـيـل فـي ساعات النهار {وَيُولِـجُ النَّهارَ فِـي اللَّـيْـلِ} يقول: يزيد ما نقص من ساعات النهار فـي ساعات اللَّـيـل. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {ألَـمْ تَرَ أنَّ اللّهَ يُولِـجُ اللَّـيْـلَ فِـي النَّهارِ} نقصان اللـيـل فـي زيادة النهار {وَيُولِـجُ النَّهار فِـي اللَّـيْـلِ} نقصان النهار فـي زيادة اللـيـل.

وقوله: {وَسَخَّر الشَّمْسَ والقَمَرَ، كُلّ يَجْرِي إلـى أجَل مُسَمَّى} يقول تعالـى ذكره: وسخر الشمس والقمر لـمصالـح خـلقه ومنافعهم، {كلّ يجري} يقول: كلّ ذلك يجري بأمره إلـى وقت معلوم، وأجل مـحدود إذا بلغه، كوّرت الشمس والقمر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلّ يَجْرِي إلـى أجَلٍ مُسَمًّى} يقول: لذلك كله وقت، وحدّ معلوم، لا يجاوزه ولا يعدوه.

وقوله: {وَأنَّ اللّهَ بـمَا تَعْمَلُونَ خَبِـيرٌ} يقول: وإن الله بأعمالكم أيها الناس من خير أو شرّ ذو خبرة وعلـم، لا يخفـى علـيه منها شيء، وهو مـجازيكم علـى جميع ذلك، وخرج هذا الكلام خطابـاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والـمعنـيّ به الـمشركون، وذلك أنه تعالـى ذكره، نبَّه بقوله: {أنَّ اللّهَ يُولِـجُ اللَّـيْـلَ فـي النَّهارِ، وَيُولِـجُ النَّهارَ فِـي اللَّـيْـلِ} علـى موضع حجته من جهل عظمته، وأشرك فـي عبـادته معه غيره، يدلّ علـى ذلك قوله:

{ ذلكَ بأنَّ اللّهَ هُوَ الـحَقُّ، وأنَّ ما يَدْعُونَ منْ دُونهِ البـاطِلُ }}.

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ۝٣٠

يقول تعالـى ذكره: هذا الذي أخبرتك يا مـحمد أن الله فعله من إيلاجه اللـيـل فـي النهار، والنهار فـي اللـيـل، وغير ذلك من عظيـم قُدرته، إنـما فعله بأنه الله حقا، دون ما يدعوه هؤلاء الـمشركون به، وأنه لا يقدر علـى فعل ذلك سواه، ولا تصلـح الألوهة إلاَّ لـمن فعل ذلك بقُدرته. وقوله: {وأنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ البـاطِلُ} يقول تعالـى ذكره: وبأن الذي يعبد هؤلاء الـمشركون من دون الله البـاطل الذي يضمـحلّ، فـيبـيد ويفنـي {وأنَّ اللّهَ هُوَ العَلِـيُّ الكَبِـيرُ} يقول تعالـى ذكره: وبأن الله هو العلـيّ، يقول: ذو العلوّ علـى كلّ شيء، وكلّ ما دونه فله متذلل منقاد، الكبـير الذي كل شيء دونه، فله متصاغر.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ ءَايَٰتِهِۦٓ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝٣١

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ألـم تر يا مـحمد أن السفن تـجري فـي البحر نعمة من الله علـى خـلقه {لِـيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ} يقول: لـيريكم من عبره وحججه علـيكم إنَّ فِـي {ذلكَ لآياتٍ لِكُلّ صَبَّـارٍ شَكُورٍ} يقول: إن فـي جري الفلك فـي البحر دلالة علـى أن الله الذي أجراها هو الـحقّ، وأنّ ما يدعون من دونه البـاطل {لكُلّ صَبَّـارٍ شَكُورٍ} يقول: لكلّ من صبر نفسه عن مـحارم الله، وشكره علـى نعمه فلـم يكفره.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: كان مطرف يقول: إنّ من أحبّ عبـاد الله إلـيه: الصبَّـار الشَّكور.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، قال: الصبر نصف الإيـمان، والشكر نصف الإيـمان، والـيقـين: الإيـمان كله، ألـم تر إلـى قوله: {إنَّ فِـي ذلك لآياتٍ لكُلّ صَبَّـارٍ شَكُورٍ}،

{ إنَّ فـي ذلكَ لآياتٍ للْـمُوقِنـينَ }} { { إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ للْـمُؤْمِنـينَ }

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفـيان، عن مغيرة، عن الشعبـيّ {إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ لكُلّ صَبَّـارٍ شَكُور} قال: الصبر: نصف الإيـمان، والـيقـين: الإيـمان كله.

إن قال قائل: وكيف خصّ هذه الدلالة بأنها دلالة للصبَّـار الشَّكور دون سائر الـخـلق؟ قـيـل: لأنّ الصبر والشكر من أفعال ذوي الـحجى والعقول، فأخبر أن فـي ذلك لآيات لكلّ ذي عقل، لأن الآيات جعلها الله عبراً لذوي العقول والتـميـيز.

وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ۝٣٢

يقول تعالـى ذكره: وإذا غشى هؤلاء الذين يدعون من دون الله الآلهة والأوثان فـي البحر، إذا ركبوا فـي الفُلك، موج كالظُّل، وهي جمع ظُلَّة، شبَّه بها الـموج فـي شدة سواد كثرة الـماء قال نابغة بنـي جعدة فـي صفة بحر:

يُـماشِيهِنَّ أخْضَرُ ذُو ظِلالٍ عَلـى حافـاتِهِ فِلَق الدّنانِ

وشبه الـموج وهو واحد بـالظلل، وهي جماع، لأن الـموج يأتـي شيء منه بعد شيء، ويركب بعضه بعضاً كهيئة الظلل. وقوله: {دَعَوُا اللّهَ مُخْـلِصِينَ لَهُ الدّينَ} يقول تعالـى ذكره: وإذا غشى هؤلاء موج كالظلل، فخافوا الغرق، فزعوا إلـى الله بـالدعاء مخـلصين له الطاعة، لا يشركون به هنالك شيئا، ولا يدعون معه أحدا سواه، ولا يستغيثون بغيره. قوله: {فَلَـمَّا نَـجَّاهُمْ إلـى البَرّ} مـما كانوا يخافونه فـي البحر من الغرق والهلاك إلـى البرّ. {فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} يقول: فمنهم مقتصد فـي قوله وإقراره بربه، وهو مع ذلك مضمر الكفر به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} قال: الـمقتصد فـي القول وهو كافر.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {فَمِنْهُمْ مُقْتَصدٌ} قال: الـمقتصد الذي علـى صلاح من الأمر.

وقوله: {وَما يَجْحَدُ بآياتِنا إلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} يقول تعالـى ذكره: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلاَّ كلّ غدّار بعهده، والـختر عند العرب: أقبح الغدر ومنه قول عمرو بن معدي كرب:

وَإنَّكَ لَوْ رأيْتَ أبـا عُمَيْرٍ مَلأْتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وَخَتْرِ

وقوله: {كَفُورٌ} يعنـي: جحوداً للنِّعم، غير شاكر ما أسدى إلـيه من نعمة. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى الـختار قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن لـيث، عن مـجاهد {كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} قال: كلّ غدّار.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله {كُلُّ خَتَّارٍ} قال: غدّار.

حدثنـي يعقوب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، فـي قوله {وَما يَجْحَدُ بآياتِنا إلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} قال: غدّار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله {وَما يَجْحَدُ بآياتِنا إلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} الـختار: الغدار، كلّ غدار بذمته كفور بربه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله {وَما يَجْحَدُ بآياتِنا إلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} قال: كلّ جحاد كفور.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَما يَجْحَدُ بآياتِنا إلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} قال: الـختار: الغدّار، كما تقول: غدرنـي.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن مسعر، قال: سمعت قَتادة قال: الذي يغدر بعهده.

قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جُوَيبر، عن الضحاك، قال: الغدّار.

قال: ثنا أبـي: عن الأعمش، عن شمر بن عطية الكاهلـي، عن علـيّ رضي الله عنه قال: الـمكر غدر، والغدر كفر.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ۝٣٣

يقول تعالـى ذكره: أيها الـمشركون من قريش، اتقوا الله، وخافوا أن يحلّ بكم سخطه فـي يوم لا يغنى والد عن ولده، ولا مولود هو مغن عن والده شيئاً، لأن الأمر يصير هنالك بـيد من لا يغالب، ولا تنفع عنده الشفـاعة والوسائل، إلاَّ وسيـلة من صالـح الأعمال التـي أسلفها فـي الدنـيا. وقوله: {إنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ} يقول: اعلـموا أن مـجيء هذا الـيوم حقّ، وذلك أن الله قد وعد عبـاده ولا خـلف لوعده {فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الـحَياةُ الدُّنْـيا} يقول: فلا تـخدعنكم زينة الـحياة الدنـيا ولذّاتها، فتـميـلوا إلـيها، وتدعوا الاستعداد لـما فـيه خلاصكم من عقاب الله ذلك الـيوم. وقوله: {وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بـالله الغَرُورِ} يقول: ولا يخدعنَّكم بـالله خادع. والغَرور بفتـح الغين: هو ما غرّ الإنسان من شيء، كائناً ما كان شيطاناً كان أو إنساناً، أو دنـيا وأما الغُرور بضمّ الغين: فهو مصدر من قول القائل: غررته غروراً. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله {وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بـاللّهِ الغَرُور} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {الغَرُور} قال: الشيطان.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله {وَلا يَغُرَّنكُمْ بِـاللّهِ الغَرُورُ} ذاكم الشيطان.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ الفضل بن خالد الـمروزي، يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله {الغَرُورُ} قال: الشيطان.

وكان بعضهم يتأوّل الغَرور بـما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جُبَـير، قوله: {وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بـاللّهِ الغَرُورُ} قال: إن تعمل بـالـمعصية وتتـمنى الـمغفرة.

إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۢ ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره:

{ يا أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ، وَاخْشَوْا يَوْما لا يَجْزِي وَالدٌ عَنْ وَلَدِهِ، وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً }هو آتـيكم علـم إتـيانه إياكم عند ربكم، لا يعلـم أحد متـى هو جائيكم، لا يأتـيكم إلاَّ بغتة، فـاتقوه أن يفجأكم بغتة، وأنتـم علـى ضلالتكم لـم تنـيبوا منها، فتصيروا من عذاب الله وعقابه إلـى ما لا قِبل لكم به وابتدأ تعالـى ذكره الـخبر عن علـمه بـمـجيء الساعة. والـمعنى: ما ذكرت لدلالة الكلام علـى الـمراد منه، فقال: {إنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْـمُ السَّاعَةِ} التـي تقوم فـيها القـيامة، لا يعلـم ذلك أحد غيره {وينزّلُ الغَيْثَ} من السماء، لا يقدر علـى ذلك أحد غيره {وَيَعْلَـمُ ما فـي الأرْحامِ} أرحام الإناث {وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غَداً} يقول: وما تعلـم نفس حيّ ماذا تعمل فـي غد، {وَما تَدْرِي نَفْسٌ بأيّ أرْض تَـمُوتُ} يقول: وما تعلـم نفس حيّ بأيّ أرض تكون منـيتها {إنَّ اللّهَ عَلِـيـمٌ خَبِـيرٌ} يقول: إن الذي يعلـم ذلك كله، هو الله دون كلّ أحد سواه، إنه ذو علـم بكلّ شيء، لا يخفـى علـيه شيء، خبـير بـما هو كائن، وما قد كان. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {إنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْـمُ السَّاعَةِ} قال: جاء رجل قال قال أبو جعفر: أحسبه أنا، قال إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ امرأتـي حُبلـى، فأخبرنـي ماذا تلد؟ وبلادنا مـحل جدبة، فأخبرنـي متـى ينزل الغيث؟ وقد علـمت متـى وَلدت، فأخبرنـي متـى أموت، فأنزل الله: {إنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْـمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزّلُ الغَيْثَ...} إلـى آخر السورة، قال: فكان مـجاهد يقول: هنّ مفـاتـح الغيب التـي قال الله {وَعِنْدَهُ مَفـاتِـحُ الغَيْبِ لا يَعْلَـمُها إلاَّ هُوَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {إنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْـمُ السَّاعَةِ...} الآية، أشياء من الغيب، استأثر الله بهنّ، فلـم يطلع علـيهنّ ملَكا مقرّبـا، ولا نبـيا مرسلاً {إنَّ اللّهَ عِندَهُ عِلْـمُ السَّاعَةِ} فلا يدري أحد من الناس متـى تقوم الساعة، فـي أيّ سنة، أو فـي أيّ شهر، أو لـيـل، أو نهار {ويُنزّلُ الغَيْثَ} فلا يعلـم أحد متـى ينزل الغيث، لـيلاً أو نهاراً ينزل؟ {وَيَعْلَـمُ ما فِـي الأرْحامِ} فلا يعلـم أحد ما فِـي الأرحام، أذكر أو أنثى، أحمر أو أسود، أو ما هو؟ {وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غَداً} خير أم شرّ، ولا تدري يا ابن آدم متـى تـموت؟ لعلك الـميت غداً، لعلك الـمصاب غداً {وَما تَدْرِي نَفْسٌ بأيّ أرْضٍ تَـمُوتُ} لـيس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض فـي بحر أو برّ أو سهل أو جبل، تعالـى وتبـارك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبـيّ، قال: قالت عائشة: من قال: إن أحداً يعلـم الغيب إلاَّ الله فقد كذب، وأعظمَ الفريةَ علـى الله. قال الله:

{ لاَ يَعْلَـمُ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إلاَّ اللّهُ }

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن يونس بن عبـيد، عن عمرو بن شُعيب أن رجلاً قال: يا رسول الله، هل من العلـم علـم لـم تؤته؟ قال:

لَقَدْ أُوتِـيتُ عِلْـماً كَثِـيراً، وَعِلْـماً حَسَناً، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {إنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْـمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ...} إلـى {إنَّ اللّهَ عَلِـيـمٌ خَبِـيرٌ}لا يَعْلَـمُهُنَّ إلاَّ اللّهُ تَبـارَكَ وَتَعالـى

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي عمرو بن مـحمد، عن أبـيه، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

مَفـاتِـحُ الغَيْبِ خَمْسَةٌ، ثم قرأ هؤلاء الآيات {إنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْـمُ السَّاعَةِ...} إلـى آخرها

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَفـاتِـحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَـمُهُنَّ إلاَّ اللّهُ، إنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْـمُ السَّاعَةِ، ويُنزّلُ الغَيْثَ، ويَعْلَـمُ ما فِـي الأرْحامِ...الآية، ثم قال: لا يَعْلَـمُ ما فِـي غَد إلاَّ اللّهُ، وَلا يَعْلَـمُ أحَدٌ مَتـى يَنْزِلُ الغَيْثَ إلاَّ اللّهُ، وَلا يَعْلَـمُ أحَدٌ مَتـى قِـيامُ السَّاعَةِ إلاَّ اللّهُ، وَلا يَعْلَـمُ أحَدٌ ما فِـي الأرْحامِ إلاَّ اللّهُ، وَلا تَدْرِي نَفْسٌ بأيّ أرْض تَـمُوتُ

} حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَفـاتِـحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَـمُها إلاَّ اللّهُ: إنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْـمُ السَّاعَةِ، ويُنَزّلُ الغَيْثَ، وَيَعْلَـمُ ما فِـي الأرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غَدا، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بأيّ أرْضٍ تَـمُوتُ، إنَّ اللّهَ عَلِـيـمٌ خَبِـيرٌ

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن مسعر، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلـمة، عن ابن مسعود قال: كلّ شيء أوتـيه نبـيكم صلى الله عليه وسلم، إلاَّ علـم الغيب الـخمس: إنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْـمُ السَّاعَةِ، ويُنَزّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَـمُ ما فـي الأرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غَدا، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بأيّ أرْضٍ تَـمُوتُ.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن ابن أبـي خالد، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة، قالت: من حدّثك أنه يعلـم ما فـي غد فقد كذب، ثم قرأت: {وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسبُ غَداً}.

قال: ثنا جرير وابن علـية، عن أبـي خبـاب، عن أبـي زُرعة، عن أبـي هريرة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

خَمْسٌ لا يَعْلَـمُهُنَّ إلاَّ اللّهُ: إنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْـمُ السَّاعَةِ، ويُنَزّلُ الغَيْثَ... الآية

حدثنـي أبو شُرَحبـيـل، قال: ثنا أبو الـيـمان، قال: ثنا إسماعيـل، عن جعفر، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلـمة، عن ابن مسعود، قال: كلّ شيء قد أوتـي نبـيكم غير مفـاتـح الغيب الـخمس، ثم قرأ هذه الآية {إنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْـمُ السَّاعَةِ...} إلـى آخرها.

وقـيـل: {بأيّ أرض تـموت}. وفـيه لغة أخرى: «بأيَّةِ أرْضٍ» فمن قال: {بأيّ أرْضٍ} اجتزأ بتأنـيث الأرض من أن يظهر فـي أيّ تأنـيث آخر، ومن قال «بأيَّة أرْضٍ» فأنث، أي قال: قد تـجتزىء بأي مـما أضيف إلـيه، فلا بدّ من التأنـيث، كقول القائل: مررت بـامرأة، فـيقال له: بأية، ومررت برجل، فـيقال له بأيّ ويقال: أيّ امرأة جاءتك وجاءك، وأية امرأة جاءتك.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ