انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأحقاف

تفسير القرطبيالآيات 1–20

تفسير سورة الأحقاف آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

حمٓ ۝١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ۝٢ مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَمَّآ أُنذِرُوا۟ مُعْرِضُونَ ۝٣

قوله تعالى:{حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } تقدّم. {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تقدّم أيضاً. {وَأَجَلٍ مُّسَمًى} يعني القيامة؛ في قول ٱبن عباس وغيره. وهو الأجل الذي تنتهي إليه السموات والأرض. وقيل: إنه هو الأجل المقدور لكل مخلوق. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ} خُوِّفُوه {مُعْرِضُونَ } مُوَلُّون لاهون غير مستعدّين له. ويجوز أن تكون «ما» مصدرية؛ أي عن إنذارهم ذلك اليوم.

قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱئْتُونِى بِكِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَآ أَوْ أَثَٰرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٤

فيه خمس مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي ما تعبدون من الأصنام والأنداد من دون الله. {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ} أي هل خلقوا شيئاً من الأرض {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ} أي نصيب {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} أي في خلق السموات مع الله. {ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ} أي من قبل هذا القرآن.

الثانية ـ قوله تعالى: {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} قراءة العامة «أَوْ أثارةٍ» بألف بعد الثاء. قال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم:

هو خط كانت تخطه العرب في الأرض؛ ذكره المهدوي والثعلبي. وقال ابن العربي: ولم يصح. وفي مشهور الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك ولم يصح أيضاً.

قلت: هو ثابت من حديث معاوية بن الحكم السلمي؛ خرجه مسلم. وأسند النحاس: حدّثنا محمد بن أحمد (يعرف بالجرايجي) قال حدثنا محمد بن بندار قال حدّثنا يحيى بن سعيد عن سفيان الثوري عن صفوان بن سليم عن أبي سلمة عن ابن عباس

عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} قال: «الخط» وهذا صحيح أيضاً. قال ابن العربي: واختلفوا في تأويله؛ فمنهم من قال: جاء لإباحة الضرب؛ لأن بعض الأنبياء كان يفعله. ومنهم من قال جاء للنهي عنه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: فمن وافق خطه فذاك ولا سبيل إلى معرفة طريق النبيّ المتقدّم فيه؛ فإذاً لا سبيل إلى العمل به. قال:

لعمرك ما تدري الضوارب بالحصاولا زاجراتُ الطير ما الله صانع

وحقيقته عند أربابه ترجع إلى صور الكواكب، فيدل ما يخرج منها على ما تدل عليه تلك الكواكب من سعد أو نحس يحلّ بهم، فصار ظنًّا مبنيًّا على ظن، وتعلقاً بأمر غائب قد درست طريقه وفات تحقيقه؛ وقد نهت الشريعة عنه، وأخبرت أن ذلك مما اختص الله به، وقطعه عن الخلق، وإن كانت لهم قبل ذلك أسباب يتعلقون بها في درك الأشياء المغيبة؛ فإن الله قد رفع تلك الأسباب وطمس تيك الأبواب وأفرد نفسه بعلم الغيب؛ فلا يجوز مزاحمته في ذلك، ولا يحل لأحد دعواه. وطلبه عناء لو لم يكن فيه نهي؛ فإذ وقد ورد النهي فطلبه معصية أو كفر بحسب قصد الطالب.

قلت: ما ٱختاره هو قول الخطابي.

قال الخطابي: (قوله عليه السلام): «فمن وافق خطه فذاك» هذا يحتمل الزجر إذ كان ذلك علماً لنبوته وقد انقطعت، فنهينا عن التعاطي لذلك. قال القاضي عياض: الأظهر من اللفظ خلاف هذا، وتصويب خط من يوافق خطه؛ لكن من أين تعلم الموافقة والشرع منع من التخرّص وٱدعاء الغيب جملة ـ فإنما معناه أن من وافق خطه فذاك الذي يجدون إصابته؛ لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوّله بعضهم. وحكى مكي في تفسير قوله: «كان نبي من الأنبياء يخط» (أنه كان يخط) بأصبعه السبابة والوسطى في الرمل ثم يزجر. وقال ابن عباس في تفسير قوله «ومنا رجال يخطون»: هو الخط الذي يخطه الحازي فيعطى حُلواناً فيقول: ٱقعد حتى أخط لك؛ وبين يدي الحازي غلام معه مِيل ثم يأتي إلى أرض رِخوة فيخط الأستاذ خطوطاً معجلة لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو على مهل خطين خطين، فإن بقي خطان فهو علامة النجح، وإن بقي خط فهو علامة الخيبة. والعرب تسميه الأسحم وهو مشؤوم عندهم.

الثالثة ـ قال ابن العربي: إن الله تعالى لم يُبْق من الأسباب الدالة على الغيب التي أذن في التعلق بها والاستدلال منها إلا الرؤيا؛ فإنه أذن فيها، وأخبر أنها جزء من النبوة وكذلك الفأل؛ وأما الطّيَرة والزجر فإنه نهى عنهما. والفأل: هو الاستدلال بما يسمع من الكلام على ما يريد من الأمر إذا كان حسناً؛ فإذا سمع مكروهاً فهو تطيّر؛ أمره الشرع بأن يفرح بالفأل ويمضي على أمره مسروراً. وإذا سمع المكروه أعرض عنه ولم يرجع لأجْله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

اللهم لا طَيْرَ إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك. وقد روى بعض الأدباء:

الفأل والزجر والكهان كلهممضلّلون ودون الغيب أقفال

وهذا كلام صحيح، إلا في الفأل فإن الشرع استثناه وأمر به، فلا يقبل من هذا الشاعر ما نظمه فيه؛ فإنه تكلم بجهل، وصاحب الشرع أصدق وأعلم وأحكم.

قلت: قد مضى في الطِّيَرة والفأل وفي الفرق بينهما ما يكفي في «المائدة» وغيرها. ومضى في «الأنعام» أن الله سبحانه منفرد بعلم الغيب، وأن أحداً لا يعلم ذلك إلا ما أعلمه الله، أو يجعل على ذلك دلالة عادية يعلم بها ما يكون على جري العادة، وقد يختلف. مثاله إذا رأى نخلة قد أطلعت فإنه يعلم أنها ستثمر، وإذا رآها قد تناثر طلعها علم أنها لا تثمر. وقد يجوز أن يأتي عليها آفة تهلك ثمرها فلا تثمر؛ كما أنه جائز أن تكون النخلة التي تناثر طلعها يطلع الله فيها طلعاً ثانياً فتثمر. وكما أنه جائز أيضاً ألا يلي شهرَه شهرٌ ولا يومَه يوم إذا أراد الله إفناء العالم ذلك الوقت. إلى غير ذلك مما تقدّم في «الأنعام» بيانه.

الرابعة ـ قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: قوله تعالى: {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} يريد الخط. وقد كان مالك رحمه الله يحكم بالخط إذا عرف الشاهد خطه. وإذا عرف الحاكم خطه أو خط من كتب إليه حكم به، ثم رجع عن ذلك حين ظهر في الناس ما ظهر من الحِيل والتزوير. وقد روي عنه أنه قال: يحدِث الناس فجور فتحدث لهم أقضية. فأما إذا شهد الشهود على الخط المحكوم به؛ مثل أن يشهدوا أن هذا خط الحاكم وكتابُه، أشهدنا على ما فيه وإن لم يعلموا ما في الكتاب. وكذلك الوصية أو خط الرجل باعترافه بمال لغيره يشهدون أنه خطه ونحو ذلك ـ فلا يختلف مذهبه أنه يحكم به. وقيل: «أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْم» أو بقية من علم؛ قاله ابن عباس والكلبي وأبو بكر بن عياش وغيرهم. وفي الصحاح «أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ» بقية منه. وكذلك الأَثَرة (بالتحريك). ويقال: سمِنت الإبل على أثارة؛ أي بقية شحم كان قبل ذلك. وأنشد الماوردي والثعلبي قول الراعي:

وذاتِ أثارة أكلتْ عليهانباتاً في أكِمَّته ففارا

وقال الهَرَوي: والأثارة والأثر: البقية؛ يقال: ما ثَمّ عين ولا أثر. وقال ميمون بن مهران وأبو سلمة بن عبد الرحمٰن وقتادة: «أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عَلْمٍ» خاصة من علم. وقال مجاهد: روايَةٍ تأثرونها عمن كان قبلكم. وقال عكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء. وقال القُرَظِي: هو الإسناد. الحسن: المعنى شيء يثار أو يستخرج. وقال الزجاج: «أَوْ أَثَارَةٍ» أي علامة. والأثارة مصدر كالسماحة والشجاعة. وأصل الكلمة من الأَثَر، وهي الرواية؛ يقال: أثرت الحديث آثُرُه أَثْراً وأَثَارَةً وأُثْرة فأنا آثر؛ إذا ذكرته عن غيرك. ومنه قيل: حديث مأثور؛ أي نقله خَلَف عن سَلَف. قال الأعشى:

إن الذي فيه تَمَارَيْتُمَابُيِّن للسامع والآثر

ويروى «بَيّن» وقرىء «أَوْ أُثْرَة» بضم الهمزة وسكون الثاء. ويجوز أن يكون معناه بقية من علم. ويجوز أن يكون معناه شيئاً مأثوراً من كتب الأوّلين. والمأثور: ما يتحدّث به مما صح سنده عمن تحدّث به عنه. وقرأ السُّلَمِي والحسن وأبو رجاء بفتح الهمزة والثاء من غير ألف؛ أي خاصة من علم أوتيتموها أو أوثرتم بها على غيركم. وروي عن الحسن أيضاً وطائفة «أَثْرةٍ» مفتوحة الألف ساكنة الثاء؛ ذكر الأولى الثعلبي والثانيةَ الماوردي. وحكى الثعلبي عن عكرمة: أو ميراث من علم. {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.

الخامسة ـ قوله تعالى: {ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} فيه بيان مسالك الأدلة بأسرها؛ فأوّلها المعقول، وهو قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} وهو احتجاج بدليل العقل في أن الجماد لا يصح أن يدعى من دون الله فإنه لا يضر ولا ينفع. ثم قال: «ائْتُونِي بِكتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا» فيه بيان أدلة السمع «أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ».

وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَٰفِلُونَ ۝٥

قوله تعالى:{وَمَنْ أَضَلُّ} أي لا أحد أضل وأجهل {مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} وهي الأوثان. {وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ} يعني لا يسمعون ولا يفهمون؛ فأخرجها وهي جماد مخرج ذكور بني آدم؛ إذ قد مثّلتها عبدتها بالملوك والأمراء التي تُخدم.

وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَٰفِرِينَ ۝٦

قوله تعالى:{وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ} يريد يوم القيامة. {كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً} أي هؤلاء المعبودون أعداء الكفار يوم القيامة. فالملائكة أعداء الكفار، والجنّ والشياطين يتبرءون غداً من عبدتهم، ويلعن بعضهم بعضاً. ويجوز أن تكون الأصنام للكفار الذين عبدوها أعداء؛ على تقدير خلق الحياة لها؛ دليله قوله تعالى:

{ تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } [القصص:63]. وقيل: عادوا معبوداتهم لأنهم كانوا سبب هلاكهم، وجحد المعبودون عبادتهم؛ وهو قوله: {وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}.

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝٧

قوله تعالى:{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} يعني القرآن. {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}.

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۝٨

قوله تعالى:{أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} الميم صلة؛ التقدير: أيقولون افتراه؛ أي تقوّله محمد. وهو إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحراً. ومعنى الهمزة في «أم» الإنكار والتعجب؛ كأنه قال: دع هذا واسمع قولهم المستنكر المقضيّ منه العجب. وذلك أن محمداً كان لا يقدر عليه حتى يقوله ويفترِيَه على الله، ولو قدر عليه دون أمة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقاً من الله له، والحكيم لا يصدّق الكاذب فلا يكون مفترياً؛ والضمير للحق، والمراد به الآيات. {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ} على سبيل الفرض. {فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي لا تقدرون على أن تردُّوا عني عذاب الله؛ فكيف أفتري على الله لأجلكم. {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ} أي تقولونه؛ عن مجاهد. وقيل: تخوضون فيه من التكذيب. والإفاضة في الشيء: الخوض فيه والاندفاع. أفاضوا في الحديث أي ٱندفعوا فيه. وأفاض البعير أي دفع جِرّته من كرِشِه فأخرجها؛ ومنه قول الشاعر:

وأفضن بعد كُظُومِهِنّ بجِرّة

وأفاض الناس من عرفات إلى مِنًى أي دفعوا، وكل دفعة إفاضة. {كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً} نصب على التمييز. {بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي هو يعلم صدقي وأنكم مبطلون. {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ} لمن تاب {ٱلرَّحِيمُ } بعباده المؤمنين.

قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٩

قوله تعالى:{قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} أي أوّل من أرسل، قد كان قبلي رسل؛ عن ابن عباس وغيره. والبِدْعُ: الأوّل. وقرأ عكرمة وغيره «بِدَعاً» بفتح الدال، على تقدير حذف المضاف؛ والمعنى: ما كنت صاحب بدَع. وقيل: بِدْع وبديع بمعنًى؛ مثلُ نصف ونصيف. وأبدع الشاعر: جاء بالبديع. وشيء بِدْع (بالكسر) أي مبتدَع. وفلان بِدْعٌ في هذا الأمر أي بديع. وقوم أبداع؛ عن الأخفش. وأنشد قُطْرُب قولَ عديّ بن زيد:

فلا أنا بدع من حوادث تعتريرجالاً غدت من بعد بؤسي بأسعد

{وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} يريد يوم القيامة. ولما نزلت فرح المشركون واليهود والمنافقون وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يُفعل به ولا بنا، وأنه لا فضل له علينا، ولولا أنه ٱبتدع الذي يقوله من تلقاء نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به؛ فنزلت: { لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ }[الفتح: 2] فنسخت هذه الآية، وأرغم الله أنف الكفار. وقالت الصحابة: هنيئاً لك يا رسول الله، لقد بيّن الله لك ما يفعل بك يا رسول الله، فليت شعرنا ما هو فاعل بنا؟ فنزلت: { لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ }[الفتح: 5] الآية. ونزلت: { وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً } } [الأحزاب:47]. قاله أنس وابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة والضحاك. وقالت أم العلاء امرأةٌ من الأنصار: ٱقتسمنا المهاجرين فطار لنا عثمان بن مَظْعُون بن حُذافة بن جُمَح، فأنزلناه أبياتنا فَتُوفِّيَ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب! إن الله أكرمك. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! فمن؟ٰ قال: أمّا هو فقد جاءه اليقين وما رأينا إلا خيراً فوالله إني لأرجو له الجنة ووالله إني لرسول الله وما أدري ما يفعل بي ولا بكم. قالت: فوالله لا أزكّي بعده أحداً أبداً. ذكره الثعلبي، وقال: وإنما قال هذا حين لم يعلم بغفران ذنبه، وإنما غفر الله له ذنبه في غَزْوَة الحُدَيْبِيَةِ قبل موته بأربع سنين.

قلت: حديثُ أمِّ العلاء خرّجه البخاري، وروايتي فيه: «وما أدري ما يُفعل به» ليس فيه «بي ولا بكم» وهو الصحيح إن شاء الله، على ما يأتي بيانه. والآية ليست بمنسوخة؛ لأنها خبر. قال النحاس: محال أن يكون في هذا ناسخ ولا منسوخ من جهتين: أحدهما أنه خبر، والآخر أنه من أوّل السورة إلى هذا الموضع خطاب للمشركين واحتجاج عليهم وتوبيخ لهم؛ فوجب أن يكون هذا أيضاً خطاباً للمشركين كما كان قبله وما بعده، ومحال أن يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم للمشركين: «ما أدري ما يفعل بي ولا بكم» في الآخرة؛ ولم يزل صلى الله عليه وسلم من أوّل مبعثه إلى مماته يخبر أن من مات على الكفر مخلّد في النار، ومن مات على الإيمان وٱتبعه وأطاعه فهو في الجنة؛ فقد رأى صلى الله عليه وسلم ما يفعل به وبهم في الآخرة. وليس يجوز أن يقول لهم ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة؛ فيقولون كيف نتبعك وأنت لا تدري أتصير إلى خفض ودَعة أم إلى عذاب وعقاب. والصحيح في الآية قول الحسن، كما قرأ علي بن محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى قال حدّثنا وكيع قال حدّثنا أبو بكر الهذلي عن الحسن: «وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ فِي الدُّنْيَا» قال أبو جعفر: وهذا أصح قولٍ وأحسنه، لا يدري صلى الله عليه وسلم ما يلحقه وإياهم من مرض وصحة ورخص وغلاء وغنى وفقر. ومثله:

{ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } [الأعراف: 188]. وذكر الواحدي وغيره عن الكلبي عن أبي صالح أن ابن عباس: لما اشتدّ البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء؛ فقصّها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ورأوا فيها فرجاً مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك فقالوا: يا رسول الله، متى نهاجر إلى الأرض التي رأيت؟ فسكت النبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} أي لا أدري أأخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا. ثم قال: «إنما هو شيء رأيته في منامي ما أتبع إلا ما يُوحَى إلي» أي لم يوح إليّ ما أخبرتكم به. قال القُشَيري: فعلى هذا لا نسخ في الآية. وقيل: المعنى لا أدري ما يفرض عليّ وعليكم من الفرائض. واختار الطبري أن يكون المعنى: ما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، أتؤمنون أم تكفرون، أم تعاجلون بالعذاب أم تؤخّرون.

قلت: وهو معنى قول الحسن والسُّدِّي وغيرهما. قال الحسن: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم (في الدنيا، أما في الآخرة فمعاذ الله! قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن قال) ما أدري ما يفعل بي في الدنيا أأخرج كما أخرجت الأنبياء قبلي، أو أقتل كما قُتلت الأنبياء قبلي؛ ولا أدري ما يفعل بكم؛ أأمّتي المصدّقة أم المكذّبة، أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قَذْفاً، أو مخسوفٌ بها خَسْفاً؛ ثم نزلت:

{ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ } [الصف: 9]. يقول: سيظهر دينه على الأديان. ثم قال في أمته: { وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [الأنفال: 33] فأخبره تعالى بما يصنع به وبأمته؛ ولا نسخ على هذا كله، والحمد لله. وقال الضحاك أيضاً: «ما أدري ما يفعل بي ولا بكم» أي ما تؤمرون به وتنهون عنه. وقيل: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للمؤمنين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في القيامة؛ ثم بين الله تعالى ذلك في قوله: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وبيّن فيما بعد ذلك حال المؤمنين ثم بيّن حال الكافرين.

قلت: وهذا معنى القول الأوّل؛ إلا أنه أطلق فيه النسخ بمعنى البيان، وأنه أمر أن يقول ذلك للمؤمنين؛ والصحيح ما ذكرناه عن الحسن وغيره. و «ما» في «ما يفعل» يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون استفهامية مرفوعة. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} وقرىء «يُوحِي» أي الله عز وجل. تقدّم في غير موضع.

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٠

قوله تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} يعني القرآن. {وَكَفَرْتُمْ بِهِ} وقال الشعبي: المراد محمد صلى الله عليه وسلم. {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} قال ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: هو عبد الله بن سَلاَم، شهد على اليهود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مذكور في التوراة، وأنه نبيّ من عند الله. وفي الترمذي عنه: ونزلت فيّ آيات من كتاب الله، نزلت فِيّ: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. وقد تقدّم في آخر سورة «الرعد». وقال مسروق: هو موسى والتوراة، لا ابن سَلاَم؛ لأنه أسلم بالمدينة والسورة مكية. وقال: وقوله: {وَكَفَرْتُمْ بِهِ} مخاطبة لقريش. الشعبي: هو من آمن من بني إسرائيل بموسى والتوراة، لأن ابن سَلاَم إنما أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعامين، (والسورة مكية. قال القُشَيْرِيّ: ومن قال الشاهد موسى قال السورة مكية، وأسلم ٱبن سَلاَم قبل موت النبيّ صلى الله عليه وسلم بعامين). ويجوز أن تكون الآية نزلت بالمدينة وتوضع في سورة مكية؛ فإن الآية كانت تنزل فيقول النبيّ صلى الله عليه وسلم ضعوها في سورة كذا. والآية في محاجة المشركين، ووجه الحجة أنهم كانوا يراجعون اليهود في أشياء؛ أي شهادتهم لهم وشهادة نبيّهم لي من أوضح الحجج. ولا يبعد أن تكون السورة في محاجة اليهود،

ولما جاء ابن سَلاَم مُسْلِماً من قبل أن تعلم اليهود بإسلامه قال: يا رسول الله، اجعلني حَكَماً بينك وبين اليهود؛ فسألهم عنه: «أيّ رجلٍ هو فيكم» قالوا: سَيِّدُنا وعالمنا. فقال: «إنه قد آمن بي» فأساءوا القول فيه... الحديث، وقد تقدّم. قال ابن عباس: رضيت اليهود بحكم ابن سلام، وقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن يشهد لك آمنا بك؛ فسئل فشهد ثم أسلم. {عَلَىٰ مِثْلِهِ} أي على مثل ما جئتكم به؛ فشهد موسى على التوراة ومحمد على القرآن. وقال الجُرْجَاني. «مِثْل» صلة، أي وشهد شاهد عليه أنه من عند الله. {فَآمَنَ} أي هذا الشاهد. {وَٱسْتَكْبَرْتُمْ} أنتم عن الإيمان. وجواب «إنْ كَانَ» محذوف تقديره: فآمن أتؤمنون؛ قاله الزجاج. وقيل: «فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ» أَليس قد ظلمتم؛ يبيّنه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} وقيل: «فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ» أفتأمنون عذاب الله. و «أَرَأَيْتُم» لفظ موضوع للسؤال والاستفهام؛ ولذلك لا يقتضي مفعولاً. وحكى النقاش وغيره: أن في الآية تقديماً وتأخيراً، وتقديره: قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهد شاهد من بني إسرائيل فآمن هو وكفرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا۟ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ۝١١

قوله تعالى:{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} اختلف في سبب نزولها على ستة أقوال:

الأوّل ـ أن أبا ذَرّ الغفاري دعاه النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام بمكة فأجاب، واستجار به قومه فأتاه زعيمهم فأسلم، ثم دعاهم الزعيم فأسلموا؛ فبلغ ذلك قريشاً فقالوا: غفارٌ الحلفاء لو كان هذا خيراً ما سبقونا إليه؛ فنزلت هذه الآية، قاله أبو المتوكل.

الثاني ـ أن زِنِّيرة أسلمت فأصيب بصرها فقالوا لها: أصابك اللات والعزى؛ فردّ الله عليها بصرها. فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقتنا إليه زِنِّيرة؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ قاله عروة بن الزبير.

الثالث ـ أن الذين كفروا هم بنو عامر وغَطَفان وتميم وأسَد وحَنْظَلة وأشْجَع، قالوا لمن أسلم من غِفار وأسلم وجُهينة ومُزينة وخزاعة: لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقتنا إليه رُعاة الْبَهْم إذ نحن أعزّ منهم؛ قاله الكلبي والزّجاج، وحكاه القُشَيْري عن ٱبن عباس. وقال قتادة: نزلت في مشركي قريش، قالوا: لو كان ما يدعونا إليه محمد خيراً ما سبقنا إليه بِلال وصُهيب وعَمّار وفلان وفلان. وهو القول الرابع.

القول الخامس ـ أن الذين كفروا من اليهود قالوا للذين آمنوا يعني عبد الله بن سلام وأصحابه: لو كان دين محمد حقاً ما سبقونا إليه؛ قاله أكثر المفسرين، حكاه الثعلبي. وقال مسروق: إن الكفار قالوا لو كان خيراً ما سبقتنا إليه اليهود؛ فنزلت هذه الآية.

وهذه المعارضة من الكفار في قولهم: لو كان خيراً ما سبقونا إليه من أكبر المعارضات بانقلابها عليهم لكل من خالفهم؛ حتى يقال لهم: لو كان ما أنتم عليه خيراً ما عدلنا عنه، ولو كان تكذيبكم للرسول خيراً ما سبقتمونا إليه؛ ذكره الماوردي. ثم قيل: قوله: {مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} يجوز أن يكون من قول الكفار لبعض المؤمنين، ويجوز أن يكون على الخروج من الخطاب إلى الغيبة؛ كقوله تعالى:

{ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم } [يونس: 22]. {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ} يعني الإيمان. وقيل القرآن. وقيل محمد صلى الله عليه وسلم. {فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ} أي لما لم يصيبوا الهدى بالقرآن ولا بمن جاء به عادَوْه ونسبُوه إلى الكذب، وقالوا هذا إفك قديم؛ كما قالوا: أساطير الأوّلين. وقيل لبعضهم: هل في القرآن: من جهل شيئاً عاداه؟ فقال نعم، قال الله تعالى: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ} ومثله: { بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ }[يونس:39].

وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَٰذَا كِتَٰبٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ۝١٢

قوله تعالى: {وَمِن قَبْلِهِ} أي ومن قبل القرآن {كِتَابُ مُوسَىٰ} أي التوراة {إِمَاماً} يقتدى بما فيه {وَرَحْمَةً} من الله. وفي الكلام حذف؛ أي فلم تهتدوا به. وذلك أنه كان في التوراة نعت النبيّ صلى الله عليه وسلم والإيمانُ به فتركوا ذلك. و «إِمَاماً» نصب على الحال؛ لأن المعنى: وتقدّمه كتاب موسى إماماً. «وَرَحْمَةً» معطوف عليه. وقيل: ٱنتصب بإضمار فعل؛ أي أنزلناه إماماً ورحمة. وقال الأخفش: على القطع؛ لأن كتاب موسى معرفة بالإضافة، لأن النكرة إذا أعيدت أو أضيفت أو أدخل عليها ألف ولام صارت معرفة. {وَهَـٰذَا كِتَابٌ} يعني القرآن {مُّصَدِّقٌ} يعني للتوراة ولما قبله من الكتب. وقيل: مصدّق للنبيّ صلى الله عليه وسلم. {لِّسَاناً عَرَبِيّاً} منصوب على الحال؛ أي مصدّق لما قبله عربياً، و «لِسَاناً» توطئة للحال أي تأكيد؛ كقولهم: جاءني زيد رجلاً صالحاً؛ فتذكر رجلاً توكيداً. وقيل: نصب بإضمار فعل تقديره: وهذا كتاب مصدّق أعني لساناً عربياً. وقيل: نصب بإسقاط حرف الخفض تقديره: بلسان عربي. وقيل: إن لساناً مفعول والمراد به النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي وهذا كتاب مصدّق للنبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه معجزته؛ والتقدير: مصدّق ذا لسان عربي. فاللسان منصوب بمصدّق، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. ويبعد أن يكون اللسان القرآن؛ لأن المعنى يكون يصدّق نفسه. {لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} قراءة العامة «لِيُنْذِرَ» بالياء خبر عن الكتاب؛ أي لينذر الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية. وقيل: هو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وقرأ نافع وٱبن عامر والبَزِّي بالتاء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى:

{ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ } [الرعد: 7]. {وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ} «بُشْرَى» في موضع رفع؛ أي وهو بشرى. وقيل: عطفاً على الكتاب؛ أي وهذا كتاب مصدّق وبشرى. ويجوز أن يكون منصوباً بإسقاط حرف الخفض؛ أي لينذر الذين ظلموا وللبشرى؛ فلما حذف الخافض نصب. وقيل: على المصدر؛ أي وتبشر المحسنين بشرى؛ فلما جعل مكان وتبشر بشرى أو بشارة نصب؛ كما تقول: أتيتك لأزورك، وكرامة لك وقضاء لحقك؛ يعني لأزورك وأكرمك وأقضي حقك؛ فنصب الكرامة بفعل مضمر.

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُوا۟ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝١٣ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٤

قوله تعالى:{إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} الآية تقدّم معناها. وقال ٱبن عباس: نزلت في أبي بكر الصدّيق. والآية تعم. {جَزَآءً} نصب على المصدر.

وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَٰنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهْرًا حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحًا تَرْضَىٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓ إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ۝١٥

فيه سبع مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} بيّن ٱختلاف حال الإنسان مع أبويه، فقد يطيعهما وقد يخالفهما؛ أي فلا يبعد مثل هذا في حق النبيّ صلى الله عليه وسلم وقومه حتى يستجيب له البعض ويكفر البعض. فهذا وجه ٱتصال الكلام بعضه ببعض؛ قاله القشيريّ.

الثانية ـ قوله تعالى: «حُسْناً» قراءة العامة «حُسْناً» وكذا هو في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام. وقرأ ابن عباس والكوفيون «إحْسَاناً» وحجتهم قوله تعالى في سورة (الأنعام وبني إسرائيل):

{ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }[الإسراء:3 2] وكذا هو في مصاحف الكوفة. وحجة القراءة الأولى قوله تعالى في سورة العنكبوت: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } [العنكبوت: 8] ولم يختلفوا فيها. والحُسْن خلاف القُبْح. والإحسان خلاف الإساءة. والتوصية الأمر. وقد مضى القول في هذا وفيمن نزلت.

الثالثة ـ قوله تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} أي بكره ومشقة. وقراءة العامة بفتح الكاف. وٱختاره أبو عبيد، قال: وكذلك لفظ الكره في كل القرآن بالفتح إلا التي في سورة البقرة:

{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } [البقرة: 216] لأن ذلك ٱسم وهذه كلها مصادر. وقرأ الكوفيون «كُرْهاً» بالضم. قيل: هما لغتان مثل الضُّعْف والضَّعْف والشُّهْد والشَّهْد؛ قاله الكسائي، وكذلك هو عند جميع البصريين. وقال الكسائيّ أيضاً والفرّاء في الفرق بينهما: إن الكره (بالضم) ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره؛ أي قهراً وغضباً؛ ولهذا قال بعض أهل العربية إن كرهاً (بفتح الكاف) لحن.

الرابعة ـ قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} قال ابن عباس: إذا حملت تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهراً، وإن حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهراً. وروي أن عثمان قد أتِي بٱمرأة قد ولدت لستة أشهر؛ فأراد أن يقضي عليها بالحدّ؛ فقال له عليّ رضي الله عنه: ليس ذلك عليها، قال الله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} وقال تعالى:

{ وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ }[البقرة: 233] فالرضاع أربعة وعشرون شهراً والحمل ستة أشهر، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدّها. وقد مضى في «البقرة». وقيل: لم يعدّ ثلاثة أشهر في ٱبتداء الحمل؛ لأن الولد فيها نطفة وعلقة ومضغة فلا يكون له ثقل يحس به، وهو معنى قوله تعالى: { فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ } [الأعراف: 189]. والفِصال الفطام. وقد تقدّم في «لقمان» الكلام فيه. وقرأ الحسن ويعقوب وغيرهما «وفَصْله» بفتح الفاء وسكون الصاد. وروي أن الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق، وكان حمله وفصاله في ثلاثين شهراً، حملته أمه تسعة أشهر وأرضعته إحدى وعشرين شهراً. وفي الكلام إضمار؛ أي ومدّة حمله ومدّة فصاله ثلاثون شهراً؛ ولولا هذا الإضمار لنصب ثلاثون على الظرف وتغيّر المعنى.

الخامسة ـ قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} قال ٱبن عباس: ثماني عشرة سنة. وقال في رواية عطاء عنه: إن أبا بكر صحب النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو ٱبن ثماني عشرة سنة والنبيّ صلى الله عليه وسلم ٱبن عشرين سنة، وهم يريدون الشام للتجارة، فنزلوا منزلاً فيه سدرة، فقعد النبيّ صلى الله عليه وسلم في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك فسأله عن الدِّين. فقال الراهب: مَن الرجل الذي في ظل الشجرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال: هذا والله نبيّ، وما ٱستظل أحد تحتها بعد عيسى. فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق؛ وكان لا يكاد يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره وحضرِه. فلما نُبىءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ٱبن أربعين سنة، صدّق أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ٱبن ثماني وثلاثين سنة. فلما بلغ أربعين سنة قال: «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلَى وَالِدَيَّ» الآية. وقال الشعبيّ وابن زيد: الأشدّ الحلم. وقال الحسن: هو بلوغ الأربعين. وعنه قيام الحجة عليه. وقد مضى في «الأنعام» الكلام في الآية. وقال السّدّي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص. وقد تقدّم. وقال الحسن: هي مرسلة نزلت على العموم. والله أعلم.

السادسة ـ قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ} أي ألهمني. {أَنْ أَشكُرَ} في موضع نصب على المصدر؛ أي شكر نعمتك {عَلَيَّ} أي ما أنعمت به عليّ من الهداية {وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ} بالتحنن والشفقة حتى ربّياني صغيراً. وقيل: أنعمت عليّ بالصحة والعافية وعلى والديّ بالغنى والثروة. وقال عليّ رضي الله عنه: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه؛ أسلم أبواه جميعاً ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره، فأوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده. ووالده هو أبو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم. وأمّه أمّ الخير، واسمها سَلْمَى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد. وأم أبيه أبي قحافة «قَيْلة» بالياء المعجمة باثنتين من تحتها. وٱمرأة أبي بكر الصدّيق ٱسمها «قُتيلة» بالتاء المعجمة باثنتين من فوقها بنت عبد العزى. {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ} قال ابن عباس: فأجابه الله فأعتق تسعة من المؤمنين يعذَّبون في الله منهن بلال وعامر بن فُهيرة؛ ولم يدَع شيئاً من الخير إلا أعانه الله عليه. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من أصبح منكم اليوم صائماً»؟ قال أبو بكر أنا. قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة»؟ قال أبو بكر أنا. قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً»؟ قال أبو بكر أنا. قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضاً»؟ قال أبو بكر أنا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ٱجتمعن في ٱمرىء إلا دخل الجنة».

السابعة ـ قوله تعالى: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ} أي ٱجعل ذرّيتي صالحين. قال ابن عباس: فلم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده. ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأبواه وأولاده وبناته كلهم إلا أبو بكر. وقال سهل بن عبد الله: المعنى ٱجعلهم لي خَلَف صِدق، ولك عبيدَ حق. وقال أبو عثمان: ٱجعلهم أبراراً لي مطيعين لك. وقال ٱبن عطاء: وفقهم لصالح أعمال ترضى بها عنهم. وقال محمد بن علي: لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلاً. وقال مالك بن مِقول: ٱشتكى أبو معشر ٱبنَه إلى طلحة بن مُصَرِّف؛ فقال: ٱستعن عليه بهذه الآية؛ وتلا: {رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}. {إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ} قال ابن عباس: رجعت عن الأمر الذي كنت عليه. {وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي المخلصين بالتوحيد.

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمْ فِىٓ أَصْحَٰبِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يُوعَدُونَ ۝١٦

قوله تعالى:{أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ} قراءة العامة بضم الياء فيهما. وقرىء «يَتَقَبَّلُ، وَيَتَجَاوَز» بفتح الياء؛ والضمير فيهما يرجع لِلّه عز وجل. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «نَتقَبَّلُ، ونَتَجَاوَزُ» بالنون فيهما؛ أي نغفرها ونصفح عنها. والتجاوز أصله من جزت الشيء إذا لم تقف عليه. وهذه الآية تدلّ على أن الآية التي قبلها {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ} إلى آخرها مرسلة نزلت على العموم. وهو قول الحسن. ومعنى «نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ» أي نتقبل منهم الحسنات ونتجاوز عن السيئات. قال زيد بن أسلم ـ ويحكيه مرفوعاً ـ: إنهم إذا أسلموا قُبلت حسناتهم وغُفرت سيئاتهم. وقيل: الأحسن ما يقتضي الثواب من الطاعات، وليس في الحسن المباح ثواب ولا عقاب؛ حكاه ٱبن عيسى. {فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ} «في» بمعنى مع، أي مع أصحاب الجنة، تقول: أكرمك وأحسن إليك في جميع أهل البلد، أي مع جميعهم. {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ} نصب لأنه مصدر مؤكد لما قبله؛ أي وعد الله أهل الإيمان أن يتقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم وعد الصدق. وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الصدق هو ذلك الوعد الذي وعده الله؛ وهو كقوله تعالى:

{ حَقُّ ٱلْيَقِينِ } [الواقعة:95]. وهذا عند الكوفيين، فأما عند البصريين فتقديره: وَعْد الكلامِ الصدق أو الكتابِ الصدق، فحذف الموصوف. وقد مضى هذا في غير موضع. {ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} في الدنيا على ألسنة الرسل؛ وذلك الجنة.

وَٱلَّذِى قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِىٓ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٧ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَٰسِرِينَ ۝١٨

قوله تعالى: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ} أي أن أبعث. {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي} قراءة نافع وحفص وغيرِهما «أُفٍّ» مكسور منوّن. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وابن عامر والمفضل عن عاصم «أفَّ» بالفتح من غير تنوين. الباقون بالكسر غير منوّن؛ وكلها لغات، وقد مضى في «بني إسرائيل». وقراءة العامة «أَتَعِدَاننِي» بنونين مخففتين. وفتح ياءه أهل المدينة ومكة. وأسكن الباقون. وقرأ أبو حيوة والمغيرة وهشام «أَتَعِدَانِّي» بنون واحدة مشدّدة؛ وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. والعامة على ضم الألف وفتح الراء من «أَنْ أُخْرَجَ». وقرأ الحسن ونصر وأبو العالية والأعمش وأبو معمر بفتح الألف وضم الراء. قال ابن عباس والسُّدِّي وأبو العالية ومجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، وكان يدعوه أبواه إلى الإسلام فيجيبهما بما أخبر الله عز وجل. وقال قتادة والسدي أيضاً: هو عبد الرحمٰن بن أبي بكر قبل إسلامه، وكان أبوه وأمه أم رومان يدعوانه إلى الإسلام ويعدانه بالبعث؛ فيردّ عليهما بما حكاه الله عز وجل عنه؛ وكان هذا منه قبل إسلامه. وروي أن عائشة رضي الله عنها أنكرت أن تكون نزلت في عبد الرحمٰن. وقال الحسن وقتادة أيضاً: هي نعت عبدٍ كافرٍ عاقٍّ لوالديه. وقال الزجاج: كيف يقال نزلت في عبد الرحمٰن قبل إسلامه والله عز وجل يقول:

{ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ }[الأحقاف:8 1] أي العذاب، ومن ضرورته عدم الإيمان، وعبد الرحمٰن من أفاضل المؤمنين؛ فالصحيح أنها نزلت في عبدٍ كافر عاقٍّ لوالديه. وقال محمد بن زياد: كتب معاوية إلى مروان بن الحكم حتى يبايع الناس ليزيد؛ فقال عبد الرحمٰن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هِرَقْلِيّة، أتبايعون لأبنائكم! فقال مروان: هو الذي يقول الله فيه: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ} الآية. فقال: والله ما هو بِه، ولو شئت لسمّيت، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فَضَض من لعنة الله. قال المهدوِي: ومن جعل الآية في عبد الرحمٰن كان قوله بعد ذلك {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} يراد به من اعتقد ما تقدم ذكره؛ فأول الآية خاص وآخرها عام. وقيل إن عبد الرحمٰن لما قال: «وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُون مِنْ قَبْلِي» قال مع ذلك: فأين عبد الله بن جُدْعان، وأين عثمان بن عمرو، وأين عامر بن كعب ومشايخ قريش حتى أسألهم عما يقولون. فقوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} يرجع إلى أولئك الأقوام.

قلت: قد مضى من خبر عبد الرحمٰن بن أبي بكر في سورة «الأنعام» عند قوله:

{ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى }[الأنعام: 17] ما يدلّ على نزول هذه الآية فيه؛ إذ كان كافراً وعند إسلامه وفضله تعيّن أنه ليس المراد بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ}. {وَهُمَا} يعني والديه. {يَسْتَغثِيَانِ ٱللَّهَ} أي يدعوان الله له بالهداية. أو يستغيثان بالله من كفره؛ فلما حذف الجار وصل الفعل فنصب. وقيل: الاْستغاثة الدعاء؛ فلا حاجة إلى الباء. قال الفرّاء: أجاب الله دعاءه وغواثه. {وَيْلَكَ آمِنْ} أي صدّق بالبعث. {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي صدْق لا خلف فيه. {فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ} أي ما يقوله والداه. {إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي أحاديثهم وما سطروه مما لا أصل له. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} يعني الذين أشار إليهم ٱبن أبي بكر في قوله أحْيُوا لي مشايخ قريش، وهم المعنيّون بقوله: {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي}. فأما ٱبن أبي بكر عبد الله أو عبد الرحمٰن فقد أجاب الله فيه دعاء أبيه في قوله: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ} على ما تقدم. ومعنى: «حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ» أي وجب عليهم العذاب، وهي كلمة الله: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي». {فِيۤ أُمَمٍ} أي مع أمم. {قَدْ خَلَتْ} تقدّمت ومضت. {مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ} الكافرين {إِنَّهُمْ} أي تلك الأمم الكافرة {كَانُواْ خَاسِرِينَ} لأعمالهم؛ أي ضاع سعيهم وخسِروا الجنة.

وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝١٩

قوله تعالى:{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ} أي ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين من الجنّ والإنس مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم. قال ٱبن زيد: درجات أهل النار في هذه الآية تذهب سِفالاً، ودرج أهل الجنة عُلُوًّا. {وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} قرأ ٱبن كثير وٱبن مُحَيْصن وعاصم وأبو عمرو ويعقوب بالياء لذكر الله قبله، وهو قوله تعالى:

{ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } [يونس: 55] وٱختاره أبو حاتم. الباقون بالنون ردًّا على قوله تعالى: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ } [العنكبوت: 8] وهو ٱختيار أبي عبيد. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي لا يزاد على مسيء ولا ينقص من محسن.

وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ۝٢٠

قوله تعالى:{وَيَوْمَ يُعْرَضُ} أي ذكّرهم يا محمد يوم يعرض. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} أي يكشف الغطاء فيقرّبون من النار وينظرون إليها. {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ} أي يقال لهم أذهبتم؛ فالقول مضمر. وقرأ الحسن ونصر وأبو العالية ويعقوب وابن كثير «أَأَذْهَبْتُمْ» بهمزتين مخففتين، وٱختاره أبو حاتم. وقرأ أبو حيوة وهشام «آذهبتم» بهمزة واحدة مطولة على الاْستفهام. الباقون بهمزة واحدة من غير مدّ على الخبر، وكلها لغات فصيحة ومعناها التوبيخ، والعرب توبخ بالاْستفهام وبغير الاْستفهام؛ وقد تقدّم. وٱختار أبو عبيد ترك الاْستفهام لأنه قراءة أكثر أئمة السبعة نافع وعاصم وأبي عمرو وحمزة والسكائي، مع من وافقهم شيبة والزهري وابن مُحَيْصن والمغيرة بن أبي شهاب ويحيى بن الحارث والأعمش ويحيى بن وثّاب وغيرهم؛ فهذه عليها جِلّة الناس. وترك الاْستفهام أحسن؛ لأن إثباته يوهم أنهم لم يفعلوا ذلك، كما تقول: أنا ظلمتك؟ تريد أنا لم أظلمك. وإثباته حسن أيضاً؛ يقول القائل: ذهبت فعلت كذا؛ يُوَبّخ ويقول: أذهبت فعلت! كل ذلك جائز. ومعنى «أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ» أي تمتَّعتم بالطيبات في الدنيا وٱتبعتم الشهوات واللذات؛ يعني المعاصي. {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} أي عذاب الخزي والفضيحة. قال مجاهد: الهون الهوان. قتادة: بلغة قريش.

{بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي تستعلون على أهلها بغير استحقاق. {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} في أفعالكم بَغْياً وظلماً. وقيل: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ» أي أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي. قال ابن بحر: الطيبات الشباب والقوّة؛ مأخوذ من قولهم: ذهب أطيباه؛ أي شبابه وقوّته. قال الماوردِيّ: ووجدت الضحاك قاله أيضاً.

قلت: القول الأوّل أظهر، روى الحسن عن الأحنف بن قيس أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لأنا أعلم بخفض العيش، ولو شئت لجعلت أكباداً وصلاء وصِناباً وصَلائِقَ، ولكني أستبقي حسناتي؛ فإن الله عز وجل وصف أقواماً فقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} وقال أبو عبيد في حديث عمر: لو شئت لدعوت بصلائق وصناب وكَرَاكِرَ وأسنمة. وفي بعض الحديث: وأفلاذٍ. قال أبو عمرو وغيره: الصلاء (بالمدّ والكسر): الشواء؛ سُمِّي بذلك لأنه يُصْلَى بالنار. والصِّلاء أيضاً: صلاء النار؛ فإن فتحت الصاد قصرت وقلت: صَلَى النارِ. والصِّناب: الأصبغة المتخذة من الخردل والزبيب. قال أبو عمرو: ولهذا قيل للبِرذَوْن: صِنابِيّ؛ وإنما شُبِّه لونه بذلك. قال: والسلائق (بالسين) وهو ما يسلق من البقول وغيرها. وقال غيره: هي الصلائق بالصاد؛ قال جرير:

تُكَلِّفنِي معيشةَ آلِ زيدٍومَن لي بالصّلائق والصِّناب

والصلائق: الخبز الرقاق العريض. وقد مضى هذا المعنى في «الأعراف». وأما الكراكر فكراكر الإبل، واحدتها كِركِرة وهي معروفة؛ هذا قول أبي عبيد. وفي الصحاح: والكِرْكِرة رَحَى زَوْر البعير، وهي إحدى النفثات الخمس. والكِركِرة أيضاً الجماعة من الناس. وأبو مالك عمرو بن كِرْكِرة رجل من علماء اللغة. قال أبو عبيد: وأما الأفلاذ فإن واحدها فِلذ، وهي القطعة من الكَبِد. قال أعشَىْ باهلة:

تَكْفِيهِ حُزَّةُ فِلْذٍ إن ألَمّ بهامن الشِّواء ويُرْوِي شُرْبَه الغُمَرُ

وقال قتادة: ذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال: لو شئت كنت أطيبكم طعاماً، وألينكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي للآخرة. ولما قدم عمر الشام صنع له طعام لم ير قط مثله قال: هذا لناٰ فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وما شبعوا من خبز الشعير! فقال خالد بن الوليد: لهم الجنة؛ فَاغْرَوْرَقت عَيْنَا عمرَ بالدموع وقال: لئن كان حظنا من الدنيا هذا الحطام، وذهبوا هم في حظهم بالجنة فلقد باينونا بَوْناً بعيداً. وفي صحيح مسلم وغيره: أن عمر رضي الله عنه دخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في مَشْرُبته حين هجر نساءه قال: فالتفت فلم أرَ شيئاً يردّ البصر إلا أهباً جلوداً معطونة قد سطع ريحها؛ فقلت: يا رسول الله، أنت رسول الله وخِيرته، وهذا كِسْرى وقَيْصر في الديباج والحرير؟ قال: فاستوى جالساً وقال:«أفِي شَكٍّ أنت يا بن الخطاب. أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» فقلت: ٱستغفر لي! فقال:«اللهم ٱغفر له». وقال حفص بن أبي العاص: كنت أتغدّى عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخبز والزيت، والخبز والخل، والخبز واللبن، والخبز والقَدِيد، وأقلّ ذلك اللحم الغَريض. وكان يقول: لا تنخلوا الدقيق فإنه طعام كلّه؛ فجيء بخبز متفلع غليظ؛ فجعل يأكل ويقول: كلوا؛ فجعلنا لا نأكل؛ فقال: ما لكم لا تأكلون؟ فقلنا: والله يا أمير المؤمنين نرجع إلى طعام ألين من طعامك هذا؛ فقال: يا بن أبي العاص أما ترى بأني عالم أن لو أمرتُ بعَناق سمينة فيلقى عنها شعرها ثم تُخرج مَصْلِيّة كأنها كذا وكذا، أمَا ترى بأني عالم أن لو أمرت بصاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء ثم أشنّ عليه من الماء فيصبح كأنه دم غزال؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، أجل! ما تنعت العيش؛ قال: أجل! والله الذي لا إلٰه إلا هو لولا أني أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركناكم في العيش! ولكني سمعت الله تعالى يقول لأقوام: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}. {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} أي الهوان. {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي تتعظمون عن طاعة الله وعلى عباد الله. {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} تخرجون عن طاعة الله. وقال جابر: ٱشتهى أهلي لحماً فٱشتريته لهم فمررت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما هذا يا جابر؟ فأخبرته؛ فقال: أوكلما ٱشتهى أحدكم شيئاً جعله في بطنهٰ أما يخشى أن يكون من أهل هذه الآية: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ} الآية. قال ابن العربي: وهذا عتاب منه له على التوسع بابتياع اللحم والخروج عن جِلْف الخبز والماء؛ فإن تعاطي الطيبات من الحلال تستشره لها الطباع وتستمرئها العادة فإذا فقدتها ٱستسهلت في تحصيلها بالشبهات حتى تقع في الحرام المحض بغلبة العادة وٱستشراه الهوى على النفس الأمارة بالسوء؛ فأخذ عمر الأمر من أوّله وحماه من ٱبتدائه كما يفعله مثله. والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه: على المرء أن يأكل ما وجد، طيباً كان أو قَفاراً، ولا يتكلف الطيّب ويتخذه عادة؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشبع إذا وجد، ويصبِر إذا عدِم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسل إذا ٱتفق له، ويأكل اللحم إذا تيسر؛ ولا يعتمد أصلاً، ولا يجعله دَيْدَناً. ومعيشة النبيّ صلى الله عليه وسلم معلومة، وطريقة الصحابة منقولة؛ فأما اليوم عند ٱستيلاء الحرام وفساد الحطام فالخلاص عسير، والله يَهَب الإخلاص، ويُعين على الخلاص برحمته. وقيل: إن التوبيخ واقع على ترك الشكر لا على تناول الطيّبات المحللة، وهو حسن؛ فإن تناول الطيب الحلال مأذون فيه، فإذا ترك الشكر عليه وٱستعان به على ما لا يحل له فقد أذهبه. والله أعلم.
السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ