انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأحقاف

تفسير البغويالآيات 1–35

تفسير سورة الأحقاف آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

حمٓ ۝١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ۝٢ مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَمَّآ أُنذِرُوا۟ مُعْرِضُونَ ۝٣ قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱئْتُونِى بِكِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَآ أَوْ أَثَٰرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٤ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَٰفِلُونَ ۝٥

{حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى}، يعني يوم القيامة، وهو الأجل الذي تنتهي إليه السموات والأرض، وهو إشارة إلى فنائهما، {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ} خُوِّفوا به في القرآن من البعث والحساب، {مُعْرِضُونَ}.

{قُلْ أَرَءَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ}، أي بكتاب جاءكم من الله قبل القرآن فيه بيان ما تقولون، {أَوْ أَثَـٰرَةٍ مِّنْ عِلمٍ} قال الكلبي: أي بقية من علم يؤثر على الأولين، أي يسند إليهم. قال مجاهد وعكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء. وقال قتادة: خاصة من علم. وأصل الكلمة من الأثر وهو الرواية، يقال: أثرت الحديث أثراً وأثارة، ومنه قيل للخبر: أثر {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.

{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ}، يعني الأصنام لا تجيب عابديها إلى شيء يسألونها، {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، أبداً ما دامت الدنيا، {وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ}، لأنها جماد لا تسمع ولا تفهم.

وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَٰفِرِينَ ۝٦ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝٧ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۝٨ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٩

{وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ}, جاحدين، بيانه قوله:

{ تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ }[القصص: 63].

{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}, يسمون القرآن سحراًً.

{أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ}، محمد من قِبَل نفسه، فقال الله عزّ وجلّ: {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللهِ شَيْئاً}، لا تقدرون أن تردوا عني عذابه إن عذّبني على افترائي، فكيف أفتري على الله من أجلكم، {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ}، تخوضون فيه من التكذيب بالقرآن والقول فيه إنه سحر. {كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ}، أن القرآن جاء من عنده، {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}، في تأخير العذاب عنكم، قال الزجاج: هذا دعاء لهم إلى التوبة، معناه: إن الله عزّ وجلّ غفور لمن تاب منكم رحيم به.

{قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ}، أي بديعاً، مثل نصف ونصيف، وجمع البِدْع أبداع، أي لست بأول مرسل، قد بُعث قبلي كثير من الأنبياء، فكيف تنكرون نبوتي. {وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ}، اختلف العلماء في معنى هذه الآية:

فقال بعضهم: معناه ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة، فلما نزلت هذه الآية فرح المشركون، فقالوا: واللات والعزى ما أمْرُنا وأمر محمد عند الله إلا واحد، وما له علينا من مزية وفضل، ولولا أنه ابتدع ما يقوله من ذات نفسه لأخبره الذي بعثه بما يُفعل به، فأنزل الله

{ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } [الفتح:2]، فقالت الصحابة: هنيئاً لك يا نبي الله قد علمنا ما يُفعل بك، فماذا يُفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: { لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ }الآية، [الفتح:5]، وأنزل: { وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللهِ فَضْلاً كِبِيراً }[الأحزاب:47]، فبين الله تعالى ما يفعل به وبهم، وهذا قول أنس وقتادة والحسن وعكرمة، قالوا: إنما قال هذا قبل أن يخبر بغفران ذنبه وإنما أخبر بغفران ذنبه عام الحديبية، فنسخ ذلك.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن خارجة ابن زيد قال:

كانت أم العلاء الأنصارية تقول لما قدم المهاجرون المدينة: اقترعت الأنصار على سكنتهم، قالت: فطار لنا عثمان بن مظعون في السكنى، فمرض فمرَّضناه، ثم توفي فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي قد أكرمك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"وما يُدريك أن الله قد أكرمه"؟ فقلت: لا والله لا أدري فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أما هو فقد أتاه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم" قالت: فوالله لا أزكي بعده أحداً أبداً، قالت: ثم رأيت لعثمان بعد في النوم عيناً تجري فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ذاك عمله".

وقالت جماعة: قوله {وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُم} في الدنيا، أمّا في الآخرة فقد علم أنه في الجنة، وأن من كذبه فهو في النار، ثم اختلفوا فيه:

قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما اشتدّ البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم وهو بمكة أرضاً ذات سباخ ونخل رفعت له، يهاجر إليها، فقال له أصحابه: متى تهاجر إلى الأرض التي أُريتَ فسكت، فأنزل الله تعالى هذه الآية {وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُم}، أأترك في مكاني أم أخرج وإياكم إلى الأرض التي رفعت لي؟.

وقال بعضهم {وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ} إلى ماذا يصير أمري وأمركم في الدنيا، إما أن أخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي، أم أقتل كما قتل من قبلي الأنبياء، وأنتم أيها المُصدِّقون لا أدري تخرجون معي أم تُتْركون، أم ماذا يفعل بكم وأنتم أيها المكذبون، أتُرموْن بالحجارة من السماء أم يُخْسَفُ بكم، أم أي شيء يفعل بكم، مما فعل بالأمم المكذبة؟.

ثم أخبر الله عزّ وجلّ أنه يظهر دينه على الأديان، فقال:

{ هُوَ ٱلَّذِىۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ } [الصف:9]، وقال في أمته: { وَمَا كَانَ ٱللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }[الأنفال:33]، فأخبر الله ما يصنع به وبأمته، هذا قول السدي.

{إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ}، أي ما أتبع إلا القرآن، ولا أبتدع من عندي شيئاً، {وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبينٌ}.

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٠

{قُلْ أَرَءَيْتُمْ}، معناه: أخبروني ماذا تقولون، {إِن كَانَ}، يعني القرآن، {مِنْ عِندِ ٱللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ}، أيها المشركون، {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ}، المثل: صلة، يعني عليه، أي على أنه من عند الله {فآمنَ}، يعني الشاهد، {وَٱسْتَكْبَرْتُمْ}، عن الإِيمان به، وجواب قوله: {إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللهِ} محذوف، على تقدير: أليس قد ظلمتم؟ يدل على هذا المحذوف قوله: {إِنَّ ٱللهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، وقال الحسن: جوابه: فمن أضل منكم، كما قال في سورة السجدة.

واختلفوا في هذا الشاهد قال قتادة والضحاك: هو عبد الله بن سلام، شهد على نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم وآمن به، واستكبر اليهود فلم يؤمنوا.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن منير سمع عبد الله بن بكير، حدثنا حميد، عن أنس قال:

سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهن جبريل آنفاً، قال: جبريل؟ قال: نعم، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللهِ} [البقرة: 97]، فأما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأمّا أول الطعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نَزَعَتْ، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، يا رسول الله إن اليهودَ قومٌ بَهْتٌ، وإنهم أن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود، فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟ قالوا: خَيْرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالوا: شَرُّنا وابن شرنا، فانتقصوه، قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله».

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن يوسف قال: سمعت مالكاً يحدث عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلاّ لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت هذه الآية: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ}، قال: لا أدري قال مالك الآية أو في الحديث.

وقال الآخرون الشاهد هو موسى بن عمران.

وقال الشعبي قال مسروق في هذه الآية: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام لأن أل حـمۤ نزلت بمكة، وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة، ونزلت هذه الآية في محاجة كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه، ومثل القرآن التوراة فشهد موسى على التوراة ومحمد صلى الله عليه وسلم على الفرقان، وكل واحد يصدق الآخر.

وقيل: هو نبي من بني إسرائيل فآمن واستكبرتم فلم تؤمنوا {إِنَّ ٱللهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا۟ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ۝١١ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَٰذَا كِتَٰبٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ۝١٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُوا۟ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝١٣ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٤ وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَٰنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهْرًا حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحًا تَرْضَىٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓ إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ۝١٥ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمْ فِىٓ أَصْحَٰبِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يُوعَدُونَ ۝١٦ وَٱلَّذِى قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِىٓ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٧ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَٰسِرِينَ ۝١٨ وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝١٩

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، من اليهود، {لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ}، دين محمد صلى الله عليه وسلم، {خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ}، يعني عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقال قتادة: نزلت في مشركي مكة، قالوا: لو كان ما يدعونا إليه محمد خيراً ما سبقنا إليه فلان وفلان.

وقال الكلبي: الذين كفروا: أسد وغطفان، قالوا للذين آمنوا يعني: جهينة ومزينة: لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقنا إليه رعاء البهم.

قال الله تعالى: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ}، يعني بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان {فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ}، كما قالوا أساطير الأولين.

{وَمِن قَبْلِهِ} أي ومن قبل القرآن، {كِتَـٰبُ مُوسَىٰ}، يعني التوراة، {إِمَاماً}، يقتدى به، {وَرَحْمَةً}، من الله لمن آمن به، ونُصِبَا على الحال عن الكسائي، وقال أبو عبيدة: فيه إضمار، أي جعلناه إماماً ورحمة، وفي الكلام محذوف، تقديره: وتقدمه كتاب موسى إماماً ولم يهتدوا به، كما قال في الآية الأولى: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ}.

{وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ مُّصَدِّقٌ}، أي القرآن مصدق للكتب التي قبله، {لِّسَاناً عَرَبِيّاً}، نصب على الحال، وقيل بلسان عربي، {لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}، يعني مشركي مكة، قرأ أهل الحجاز والشام ويعقوب: "لتنذر" بالتاء على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ الآخرون بالياء يعني الكتاب، {وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ}، "وبشرى" في محل الرفع، أي هذا كتاب مصدق وبشرى.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً}. قرأ أهل الكوفة: "إحساناً" كقوله تعالى:

{ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا }[البقرة: 83]، {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً}، يريد شدة الطلق، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو "كَرْهاً" بفتح الكاف فيهما، وقرأ الآخرون بضمهما. {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ}، فطامه، وقرأ يعقوب: "وفصله" بغير ألف، {ثَلاَثُونَ شَهْراً}، يريد أقل مدة الحمل، وهي ستة أشهر، وأكثر مدة الرضاع أربعة وعشرون شهراً.

وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إذا حملت المرأة تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهراً، وإذا حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهراً: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ}، نهاية قوته، وغاية شبابه واستوائه، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة، فذلك قوله: {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً}.

وقال السدي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقد مضت القصة.

وقال الآخرون: نزلت في أبي بكر الصديق وأبيه أبي قحافة عثمان بن عمرو، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو.

قال علي بن أبي طالب: الآية نزلت في أبي بكر، أسلم أبواه جميعاً ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره، أوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده.

وكان أبوبكر صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنةَ، والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة، في تجارة إلى الشام، فلما بلغ أربعين سنة ونُبّئ النبي صلى الله عليه وسلم آمن به ودعا ربه فـ {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىۤ}، ألهمني، {أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىۤ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ}، بالهداية والإيمان، {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ}، قال ابن عباس: وأجابه الله عزّ وجلّ، فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله ولم يرد شيئاً من الخير إلاّ أعانه الله عليه، ودعا أيضاً فقال: {وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىۤ}، فأجابه الله، فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعاً، فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعاً، فأدرك أبو قحافة النبي صلى الله عليه وسلم وابنه أبو بكر وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عبد الرحمن أبو عتيق كلهم أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة. قوله: {إِنَّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}.

{أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ}، يعني أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا، وكلها حسن، و"الأحسن" بمعنى الحسن، فيثيبهم عليها، {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَـٰتِهِمْ}، فلا نعاقبهم عليها، قرأ حمزة والكسائي وحفص "نتقبل" "ونتجاوز" بالنون، "أحسنَ" نصب، وقرأ الآخرون بالياء، وضمها "أحسنُ" رفعٌ. {فِىۤ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ}، مع أصحاب الجنة، {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ}، وهو قوله عزّ وجلّ:

{ وَعَدَ ٱللهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ }[التوبة: 72].

{وَٱلَّذِى قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ}، إذْ دعواه إلى الإيمان بالله والإقرار بالبعث، {أُفٍّ لَّكُمَآ}، وهي كلمة كراهية، {أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ}، من قبري حيّاً، {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى}، فلم يبعث منهم أحد، {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللهَ}، يستصرخان ويستغيثان الله عليه، ويقولان له: {وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ}، ما هذا الذي تدعواني إليه، {إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}، قال ابن عباس، والسدي، ومجاهد: نزلت في عبد الله.

وقيل: في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام وهو يأبى، ويقول: أحيُوا لي عبد الله بن جدعان وعامر بن كعب ومشايخ قريش حتى أسألهم عمّا تقولون، وأنكرت عائشة رضي الله عنها أن يكون هذا في عبد الرحمن بن أبي بكر.

والصحيح أنها نزلت في كافر عاقٍّ لوالديه، قاله الحسن وقتادة، وقال الزجاج: قول من قال إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، يبطله قوله.{أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ}، الآية، أعلم الله تعالى أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وعبد الرحمن مؤمن من أفاضل المسلمين فلا يكون ممن حقت عليه كلمة العذاب.

ومعنى {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} وجب عليهم العذاب، {فِىۤ أُمَمٍ}، مع أمم، {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ}.

{وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد من سبق إلى الإسلام، فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو بساعة، وقال مقاتل: ولكل فضائل أعمالهم فيوفيهم الله جزاء أعمالهم. وقيل: "ولكل" يعني ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين "درجات"، منازل ومراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم، فيجازيهم عليها. قال ابن زيد: في هذه الآية: درج أهل النار تذهب سفلاً، ودرج أهل الجنة تذهب علواً.

{وَلِيُوَفِّيَهُمْ}، قرأ ابن كثير، وأهل البصرة، وعاصم: بالياء، وقرأ الباقون بالنون. {أَعْمَـٰلَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.

وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ۝٢٠

{وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ}، فيقال لهم: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا}، قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب: "أأذهبتم"، بالاستفهام، ويهمز ابن عامر همزتين، والآخرون بلا استفهام على الخبر، وكلاهما فصيحان، لأن العرب تستفهم بالتوبيخ، وترك الاستفهام فتقول: أذهبت ففعلت كذا؟ وذهبت ففعلت كذا؟ {وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}، يقول: أذهبتم طيباتكم يعني اللذات وتمتعتم بها؟ {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ}، أي العذاب الذي فيه ذل وخزي، {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ}، تتكبرون، {فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ}، فلما وبّخ الله الكافرين بالتمتع بالطيبات في الدنيا آثر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب الآخرة.

وروينا عن عمر قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثر الرِّمَالُ بجنبه، فقلت: يا رسول الله ادعُ اللهَ فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم قد وسّع عليهم وهم لا يعبدون الله، فقال: "أولئك قومٌ عجّلوا طيباتهم في الحياة الدنيا".

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا محمد بن المثنى ومحمد ابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت عبد الرحمن بن يزيد يحدث، عن الأسود بن يزيد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الصفار، حدثنا أحمد بن المنصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لقد كان يأتي علينا الشهر ما نُوقد فيه ناراً وما هو إلاّ الماء والتمر، غير أن جزى الله نساءً من الأنصار خيراً، كنّ ربما أهدين لنا شيئاً من اللبن.

أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي، حدثنا ثابت بن يزيد، عن هلال ابن خباب عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً، وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير.

أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا روح بن أسلم، حدثنا أبو حاتم البصري، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لقد أُخفت في الله وما يُخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يُؤذى أحد ولقد أتت عليَّ ثلاثون من بين ليلة ويوم ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال".

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا يوسف بن عيسى، حدثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أنه قال: لقد رأيتُ سبعين من أصحاب الصُّفَّة ما منهم رجل عليه رِدَاء، إمّا إزار وإمّا كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني، حدثنا أبو طاهر محمد بن الحارث، حدثنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أحبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن مبارك، عن شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم أن عبد الرحمن بن عوف أُتي بطعام وكان صائماً، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير منّي فكفن في بردة إن غُطّيَ بها رأسُه بدت رجلاه، وإن غُطّي بها رجلاه بَدَا رأسُه، قال: وأراه قال: وقُتل حمزةُ وهو خير منّي. فلم يُوجد ما يُكفّن فيه إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال أُعطينا من الدنيا ما أُعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجّلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.

وقال جابر بن عبد الله: رأى عمر بن الخطاب لحماً معلقاً في يدي، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت: اشتهيتُ لحماً فاشتريته، فقال عمر: أوَكلما اشتهيت شيئاً يا جابر اشتريت، أما تخاف هذه الآية: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُنيا}.

وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُۥ بِٱلْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦٓ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝٢١ قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٢٢

قوله عزّ وجلّ: {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ}، يعني هوداً عليه السلام، {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ}، قال ابن عباس: "الأحقاف" وادٍ بين عُمان ومَهْرَة.

وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له "مَهْرَة"، وإليها تنسب الإبل المهرية، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من قبيلة إِرَم.

قال قتادة: ذكر لنا أن عاداً كانوا أحياء باليمن، وكانوا أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها "الشِّحْر" و"الأحقاف" جمع حقف، وهي المستطيل المعوج من الرمال. قال ابن زيد هي ما استطال من الرمل كهيئة الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلاً، قال الكسائي: هي ما استدار من الرمل،.

{وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ}، مضت الرسل، {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ}، أي من قبل هود، {وَمِنْ خَلْفِهِ}، إلى قومهم، {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللهَ إِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.

{قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا}، لتصرفنا، {عَنْ ءَالِهَتِنَا}، أي عن عبادتها، {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ}، من العذاب، {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ}، أن العذاب نازل بنا.

قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ۝٢٣ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٢٤ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمْ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٢٥ وَلَقَدْ مَكَّنَّٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَٰرًا وَأَفْـِٔدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآ أَبْصَٰرُهُمْ وَلَآ أَفْـِٔدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٢٦ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلْـَٔايَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝٢٧ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ بَلْ ضَلُّوا۟ عَنْهُمْ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٢٨

{قَالَ}، هود، {إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللهِ}، وهو يعلم متى يأتيكم العذاب {وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ}، من الوحي، {وَلَـٰكِنِّىۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ}.

{فَلَمَّا رَأَوْهُ}، يعني ما يُوعَدُون به من العذاب، {عَارِضاً}، سحاباً يعرض أي يبدو في ناحية من السماء، ثم يطبق السماء، {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ}، فخرجت عليهم سحابة سوداء من وادٍ لهم يقال له "المغيث"، وكانوا قد حبس عنهم المطر، فلما رأوها استبشروا، {قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا}، يقول الله تعالى: {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}، فجعلت الريح تحمل الفسطاط وتحمل الظعينة حتى ترى كأنها جرادة.

{تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ}، مرت به من رجال عاد وأموالها، {بِأَمْرِ رَبِّهَا}، فأول ما عرفوا أنها عذاب رأوا ما كان خارجاً من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فجاء الريح فقلعت أبوابهم وصرعتهم، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال، وكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام، لهم أنينٌ، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال فاحتملتهم فرمت بهم في البحر.

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الأسفرايني، أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، أخبرنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، أخبرنا النضر. حدثه عن سليمان بن يسار،

عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه بياض لهواته، وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرف ذلك في وجهه، فقلت: يا رسول الله إن النّاس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وإذا رأيتَه عُرف في وجهك الكراهية، فقال: "يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: {هَـٰذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}، الآية".

{فَأَصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَـٰكِنُهُمْ}، قرأ عاصم، وحمزة، ويعقوب: "يُرى"، بضم الياء "مساكنُهُم" برفع النون، يعني: لا يرى شيء إلاّ مساكنهم، وقرأ الآخرون بالتاء وفتحها، "مساكنَهُم" نصبٌ يعني لا ترى أنت يا محمد إلاّ مساكنهم لأن السكان والأنعام بادت بالريح، فلم يبق إلا هود ومن آمن معه. {كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ}.

{وَلَقَدْ مَكَّنَـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ}, يعني فيما لم نمكنكم فيه من قوة الأبدان وطول العمر وكثرة المال.

قال المبرد: "ما" في قوله "فيما" بمنزلة الذي، و"إن" بمنزلة ما، وتقديره: ولقد مكنّاهم في الذي ما مكنّاكم فيه.

{وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَـٰراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلآ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلآ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}.

{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم}، يا أهل مكة، {مِّنَ ٱلْقُرَىٰ}، كحجر ثمود وأرض سدوم ونحوهما، {وَصَرَّفْنَا ٱلأَيَـٰتِ} الحجج والبينات، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، عن كفرهم فلم يرجعوا، فأهلكناهم يخوّف مشركي مكة.

{فَلَوْلاَ}، فهلا {نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللهِ قُرْبَاناً ءَالِهَةً}، يعني الأوثان، اتخذوها آلهة يتقربون بها إلى الله عزّ وجلّ، "القربان": كل ما يتقرب به إلى الله عزّ وجلّ، وجمعه:"قرابين"، كالرهبان والرهابين.

{بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ}، قال مقاتل: بل ضلت الآلهة عنهم فلم تنفعهم عند نزول العذاب بهم، {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ}، أي كذبهم الذي كانوا يقولون إنها تقربهم إلى الله عزّ وجلّ وتشفع لهم، {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}، يكذبون أنها آلهة.

وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓا۟ أَنصِتُوا۟ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا۟ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ۝٢٩ قَالُوا۟ يَٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٣٠ يَٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۝٣١

قوله عزّ وجل: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ}، الآية، قال المفسرون: لما مات أبو طالب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه. فروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف إلى نفر من ثقيف، وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل ومسعود، وحَبيب بنو عمرو بن عمير، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإِسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه.

فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة: إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: ما وجد الله أحداً يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله ما أكلمك كلمة أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله فيما ينبغي لي أن أكلمك.

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف، وقال لهم: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عليَّ سري، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه فيزيدهم عليه ذلك، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس، وألجأوه إلى حائطٍ لعتبةَ وشيبة ابني ربيعة، وهما فيه فرجع عنه سفهاء ثقيف ومن كان تبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء ثقيف، ولقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المرأة التي من بني جمح، فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟.

فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري؟، إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل عليَّ سخطك، لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك».

فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاماً لهما نصرانياً يقال له: عدَّاس، فقالا له: خذ قطفاً من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل ذلك عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده قال: بسم الله، ثم أكل، فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ قال: أنا نصراني، وأنا رجل من أهل نينوي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَمِنْ قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي كان نبياً وأنا نبي، فأكبَّ عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل رأسه ويديه وقدميه.

قال: فيقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهم عداس قالا له: ويلك يا عداس مالك تُقبّل هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي، فقالا: ويحك يا عداس لا يصرفك عن دينك فإن دينك خير من دينه.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعاً إلى مكة حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي فمرّ به نفر من جن أهل نصيبين اليمن، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولّوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا لما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه، فقال: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ}.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدينَ إلى سوق عكاظ، وقد حِيلَ بين الشياطين وبين خبر السماء، فأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلاّ شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة، عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا

{ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَاناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً }[الجن:2]، فأنزل الله على نبيه: { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ } [الجن:1] وإنما أوحي إليه قول الجن.

ورُوي أنهم لما رجموا بالشهب بعث إبليس سراياه لتعرف الخبر، وكان أول بعثٍ بعثَ ركباً من أهل نصيبين، وهم أشراف الجن وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة.

وقال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أنهم من الشيصبان وهم أكثر الجن عدداً، وهم عامة جنود إبليس، فلما رجعوا قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَاً عَجَباً}.

وقال جماعة: بل أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه نفراً من الجن من نينوي، وجمعهم له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إني أُمرتُ أن أقرأ على الجن الليلة، فأيّكم يتبعني؟ فأطرقوا، ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فأطرقوا، فاتّبعه عبد الله بن مسعود، قال عبد الله: ولم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتى إذا كنّا على مكة دخل نبي الله صلى الله عليه وسلم شعباً يقال له: شعب الحجون، وخطّ لي خطاً ثم أمرني أن أجلس فيه، وقال: لا تخرج منه حتى أعود إليك، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فجعلت أرى أمثال النسور تهوي، وسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم، وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر، فانطلق إليّ وقال: أنمتَ؟ فقلت: لا والله يا رسول الله، وقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول: اجلسوا، قال: لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم، ثم قال: هل رأيت شيئاً؟ قلت: نعم يا رسول الله رأيتُ رجالاً سوداً مستثفري ثياب بيض، قال: أولئك جن نصيبين سألوني المتاع - والمتاع الزاد - فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة.

قال: فقالوا: يا رسول الله تقذرها الناس، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجي بالعظم والروث.

قال فقلت: يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم؟ قال: إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه يوم أُكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، قال فقلت: يا رسول الله سمعتُ لغطاً شديداً؟ فقال: إن الجن تدارأت في قتيل قتل بينهم فتحاكموا إليّ فقضيت بينهم بالحق، قال: ثم تبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاني، فقال: هل معك ماء؟ قلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر، فاستدعاه فصببتُ على يده فتوضأ وقال: «تمرةٌ طيبةٌ وماءٌ طهورٌ»

قال قتادة: ذُكر لنا أن ابن مسعود لمّا قدم الكوفة رأى شيوخاً شمطاً من الزُّطِّ فأفزعوه حين رآهم، فقال: أظهروا، فقيل له: إن هؤلاء قوم من الزط، فقال: ما أشبههم بالنفر الذي صُرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد الجن.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن محمد، حدثنا محمد ابن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود وهو ابن أبي هند، عن عامر قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ليلة الجن؟ قال فقال علقمة: أنا سألتُ ابن مسعود فقلتُ: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأتُ عليهم القرآن.

قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.

قال: وسألوه الزاد، فقال:

لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً وكل بعرة علف لدوابكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم من الجن»

ورواه مسلم عن علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بهذا الإِسناد إلى قوله: "وأثار نيرانهم".

قال الشعبي: وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة إلى آخر الحديث من قول الشعبي مفصلاً من حديث عبد الله.

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ}، اختلفوا في عدد ذلك النفر، فقال ابن عباس: كانوا سبعة من جن نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم. وقال آخرون: كانوا تسعة. وروى عاصم عن زر بن حبيش: كان زوبعة من التسعة الذين استمعوا القرآن. {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ}، قالوا: صه.

وروي في الحديث:

أن الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حيّات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون. فلما حضروه قال بعضُهم لبعض: أنصتوا واسكتوا لنستمع إلى قراءته، فلا يحول بيننا وبين الاستماع شيء، فأنصتوا واستمعوا القرآن حتى كاد يقع بعضهم على بعض من شدة حرصهم. {فلمّا قُضى}، فرغ من تلاوته، {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قََوْمِهِم}، انصرفوا إليهم، {مُّنذِرِينَ}، مخوفين داعين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ}، قال عطاء: كان دينهم اليهودية، لذلك قالوا: إنا سمعنا كتاباً أُنزل من بعد موسى.

{يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِىَ ٱللهِ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، {وَءَامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ} "من" صلة، أي ذنوبكم، {وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فاستجاب لهم من قومهم نحو من سبعين رجلاً من الجن، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافقوه في البطحاء، فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم، وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن والإنس جميعاً.

قال مقاتل: لم يبعث قبله نبي إلى الإنس والجن جميعاً.

واختلف العلماء في حكم مؤمني الجن، فقال قوم: ليس لهم ثواب إلا نجاتهم من النار، وتأوّلوا قوله: {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}، وإليه ذهب أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه.

وحكى سفيان عن ليث قال: الجن ثوابهم أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا تراباً، وهذا مثل البهائم.

وعن أبي الزناد قال: إذا قضي بين الناس قيل لمؤمني الجن عودوا تراباً، فيعودون تراباً، فعند ذلك يقول الكافر:

{ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرَاباً }[النبأ:40].

وقال الآخرون: يكون لهم الثواب في الإِحسان كما يكون عليهم العقاب في الإساءة كالإنس، وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى.

وقال جرير عن الضحاك: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون.

وذكر النقاش في "تفسيره" حديث أنهم يدخلون الجنة. فقيل: هل يصيبون من نعيمها؟ قال: يلهمهم الله تسبيحه وذكره، فيصيبون من لذته ما يصيبه بنو آدم من نعيم الجنة. وقال أرطأة بن المنذر: سألت ضمرة بن حبيب: هل للجن ثواب؟ قال: نعم، وقرأ:

{ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ }[الرحمن:74]، قال فالإنسيات للإنس والجنيات للجن.

وقال عمر بن عبد العزيز: إن مؤمني الجن حول الجنة، في ربض ورحاب، وليسوا فيها.

وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءُ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٣٢

{وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ ٱللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلأَرْضَ}، لا يعجز الله فيفوته، {وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ}، أنصار يمنعونه من الله، {أُوْلَـٰئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}.

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٣٣ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ۝٣٤ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍۭ بَلَٰغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝٣٥

{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ}، لم يعجز عن إبداعهن، {بِقادِرٍ}، هكذا قراءة العامة، واختلفوا في وجه دخول الباء فيه، فقال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة للتأكيد، كقوله: {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ}.، وقال الكسائي والفراء: العرب تدخل الباء في الاستفهام مع الجحد، فتقول: ما أظنك بقائم.

وقرأ يعقوب: "يقدر" بالياء على الفعل، واختار أبو عبيدة قراءة العامة لأنها في قراءة عبد الله قادر بغير باء.

{عَلَىٰ أَن يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

{وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ}، فيقال لهم، {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ}، أي فيقال لهم، {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}.

{فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ}، قال ابن عباس: ذوو الحزم. وقال الضحاك: ذوو الجد والصبر.

واختلفوا فيهم، فقال ابن زيد: كل الرسل. كانوا أولي عزم، لم يبعث الله نبياً إلا كان ذا عزم وحزم، ورأي وكمال عقل، وإنما أُدخلت "من" للتجنيس لا للتبعيض، كما يقال: اشتريت أكسية من الخز وأردية من البز.

وقال بعضهم: الأنبياء كلهم أولو عزم إلا يونس بن متى، لعجلةٍ كانت منه، ألا ترى أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَكُن كَصَـٰحِبِ ٱلحوت}؟.

وقال قوم: هم نُجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام، وهم ثمانية عشر لقوله تعالى بعد ذكرهم:

{ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ }[الأنعام:90].

وقال الكلبي: هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشفة مع أعداء الدين.

وقيل: هم ستة: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى، عليهم السلام، وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء.

وقال مقاتل: هم ستة: نوح، صبر على أذى قومه، وإبراهيم، صبر على النار، وإسحاق، صبر على الذبح، ويعقوب، صبر على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف، صبر على البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر.

وقال ابن عباس وقتادة: هم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، أصحاب الشرائع، فهم مع محمد صلى الله عليه وسلم خمسة.

قلت: ذكرهم الله على التخصيص في قوله:

{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ } [الأحزاب: 7]، وفي قوله تعالى: { شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلِدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً }[الشورى:13].

أخبرنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبيد الله الفارسي، حدثنا أبو ذر محمد بن إبراهيم سبط الصالحاني، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ الحافظ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، أخبرنا محمد بن الحجاج، أخبرنا السري بن حيان، أخبرنا عباد بن عباد، حدثنا مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق قال: قالت عائشة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد، ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم إلاّ بالصبر على مكروهها، والصبر على مجهودها، ولم يرض إلاّ أن كلفني ما كلفهم، وقال: "فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} وإني والله لا بدّ لي من طاعته، والله لأصبرنّ كما صبروا، وأجهدنّ كما جهدوا، ولا قوة إلا بالله".

قول تعالى: {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ}، أي ولا تستعجل العذاب لهم، فإنه نازل بهم لا محالة، كأنه ضجر بعض الضجر فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم، فأُمر بالصبر وترك الاستعجال.

ثم أخبر عن قرب العذاب فقال: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ}، من العذاب في الآخرة، {لَمْ يَلْبَثُوۤاْ}، في الدنيا، {إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ}، أي إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من نهار، لأن ما مضى وإن كان طويلاً كأن لم يكن.

ثم قال: {بَلاَغٌ}، أي هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ من الله إليكم، والبلاغ بمعنى التبليغ، {فَهَلْ يُهْلَكُ}، بالعذاب إذا نزل {إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ}، الخارجون من أمر الله.

قال الزجاج: تأويله: لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلا القوم الفاسقون، ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله آيةٌ أقوى من هذه الآية.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ