انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير القرطبيالآيات 1–10

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

سُبْحَٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَٰتِنَآ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ۝١

فيه ثمان مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {سُبْحَانَ} «سبحان» اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجر منه فعل، ولم ينصرف لأن في آخره زائدتين، تقول: سبّحت تسبيحاً وسُبحاناً، مثل كفّرت اليمين تكفيراً وكفراناً. ومعناه التنزيه والبراءة لله عز وجل من كل نقص. فهو ذكر عظيم لله تعالى لا يصلح لغيره؛ فأما قول الشاعر:

أقول لمّا جاءني فَخْرهُسبحانَ مِن عَلْقَمةَ الفاخِرِ

فإنما ذكره على طريق النادر. وقد روى طلحة بن عبيد الله الفَيّاض أحدُ العشرة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما معنى سبحان الله؟ فقال: تنزيه الله من كل سوء. والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه لا من لفظه، إذ لم يجر من لفظه فعل، وذلك مثل قعد القُرْفصاء، واشتمل الصَّمّاء؛ فالتقدير عنده: أنزّه الله تنزيهاً؛ فوقع «سبحان الله» مكان قولك تنزيهاً.

الثانية: قوله تعالى: {أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} «أسرى» فيه لغتان: سرى وأسرى؛ كسقى وأسقى، كما تقدّم. قال:

أسْرتْ عليه من الجَوْزَاء سارِيَةٌتُزْجِي الشَّمال عليه جامدَ البَرَد

وقال آخر:

حَيِّ النَّضيرة ربة الخِدْرِأسْرَت إليّ ولم تكن تَسْري

فجمع بين اللغتين في البيتين. والإسراء: سير الليل؛ يقال: سَرَيت مَسْرًى وسُرًى، وأسريت إسراء؛ قال الشاعر:

وليلة ذات نَدًى سريتُولم يَلِتْنِي من سُراها لَيْتُ

وقيل: أسرى سار من أوّل الليل، وسرى سار من آخره؛ والأوّل أعرف.

الثالثة: قوله تعالى: {بِعَبْدِهِ} قال العلماء: لو كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم اسم أشرفُ منه لسمّاه به في تلك الحالة العلية. وفي معناه أنشدوا:

يا قومِ قلبي عند زهراءِيعرفه السامع والرائيلا تَدْعُنِي إلاّ بيا عبدهافإنه أشرف أسمائي

وقد تقدّم. قال القُشَيْرِيّ: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السّنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه ٱسمَ العبودية تواضعاً للأمة.

الرابعة: ثبت الإسراء في جميع مصنَّفات الحديث، ورُوي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه. وذكر النقاش ممن رواه عشرين صحابياً. روى الصحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

أتيت بالبراق وهو دابة أبيضُ (طويل) فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طَرفه ـ قال ـ فركبته حتى أتيت بيت المقدس ـ قال ـ فربطته بالحَلْقة التي يَرْبِطُ بها الأنبياء ـ قال ـ ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترتَ الفِطْرة ـ قال ـ ثم عَرج بنا إلى السماء...وذكر الحديث. ومما ليس في الصحيحين ما خرّجه الآجُرِّيّ والسَّمَرْقنْديّ، قال الآجري عن أبي سعيد الخُدْرِيّ في قوله تعالى {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} قال أبو سعيد: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلةِ أسْرِيَ به، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: أتِيت بدابّة هي أشبه الدواب بالبغل له أذنان يضطربان وهو البراق الذي كانت الأنبياء تركبه قبلُ فركبته فانطلق تقع يداه عند منتهى بصره فسمعت نداء عن يميني يا محمد على رِسْلِك حتى أسألك فمضيت ولم أُعَرِّج عليه ثم سمعت نداء عن يساري يا محمد على رِسْلِك فمضيت ولم أعَرِّج عليه ثم استقبلتني ٱمرأة عليها من كل زينة الدنيا رافعة يديها تقول على رِسْلِك حتى أسألك فمضيت ولم أُعَرِّج ثم أتيت بيت المقدس الأقصى فنزلت عن الدابة فأوثقته في الحَلْقة التي كانت الأنبياء تُوثق بها ثم دخلت المسجد وصلّيت فيه فقال لي جبريل عليه السلام ما سمعتَ يا محمد فقلتُ سمعتُ نداءً عن يميني يا محمد على رِسْلِك حتى أسألك فمضيت ولم أُعَرّج فقال ذلك داعي اليهود ولو وقفتَ لتهوّدت أمتك ـ قال ـ ثم سمعت نداء عن يساري على رِسْلِك حتى أسألك فمضيت ولم أُعَرّج عليه فقال ذلك داعي النصارى أمَا إنك لو وقفت لتنصّرت أمتك ـ قال ـ ثم استقبلتني ٱمرأة عليها من كل زينة الدنيا رافعة يديها تقول على رِسْلِك فمضيت ولم أُعَرّج عليها فقال تلك الدنيا لو وقفتَ لاخترت الدنيا على الآخرة ـ قال ـ ثم أتِيت باناءين أحدهما فيه لبن والآخر فيه خمر فقيل لي خذ فٱشرب أيَّهما شئت فأخذت اللبن فشربته فقال لي جبريل أصبت الفِطْرة ولو أنك أخذت الخمر غَوَتْ أمّتك ثم جاء بالمعراج الذي تعرج فيه أرواح بني آدم فإذا هو أحسن ما رأيتُ أو لم تروا إلى الميت كيف يحدّ بصره إليه فعرج بنا حتى أتينا باب السماء الدنيا فٱستفتح جبريل فقيل من هذا قال جبريل قالوا ومن معك؟ قال محمد قالوا وقد أرسل إليه؟ قال نعم ففتحوا لي وسلّموا عليّ وإذا مَلَك يحرس السماء يقال له إسماعيل معه سبعون ألف ملك مع كل ملك مائة ألف ـ قال ـ وما يعلم جُنُودَ رَبِّك إلا هو...وذكر الحديث إلى أن قال:ثم مضينا إلى السماء الخامسة وإذا أنا بهارون بن عمران المُحَبّ في قومه وحوله تبع كثير من أمته فوصفه النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال طويل اللحية تكاد لحيته تضرب في سُرّته ثم مضينا إلى السماء السادسة فإذا أنا بموسى فسلم عليّ ورحب بي ـ فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ـ رجل كثير الشعر ولو كان عليه قميصان خرج شعره منهما...الحديث. وروى البزّار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتِي بفرس فحمل عليه، كلُّ خُطوة منه أقصى بصره... وذكر الحديث. وقد جاء في صفة البراق من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينا أنا نائم في الحِجْر إذ أتاني آتٍ فحركني برجله فٱتبعت الشخص فإذا هو جبريل عليه السلام قائم على باب المسجد معه دابة دون البغل وفوق الحمار وجهها وجه إنسان وخُفّها خُفُّ حافر وذَنَبها ذنب ثور وعُرْفها عرف الفرس فلما أدناها مني جبريل عليه السلام نفرت ونفشت عرفها فمسحها جبريل عليه السلام وقال يا بُرْقة لا تَنْفِري من محمد فوالله ما ركبك مَلك مقرّب ولا نبيّ مُرْسَل أفضلُ من محمد صلى الله عليه وسلم ولا أكرم على الله منه قالت قد علمت أنه كذلك وأنه صاحب الشفاعة وإني أحِبّ أن أكون في شفاعته فقلت أنت في شفاعتي إن شاء الله تعالى...الحديث. وذكر أبو سعيد عبد الملك بن محمد النّيْسابوري عن أبي سعيد الخدري قال: لما مر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإدريس عليه السلام في السماء الرابعة قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبيّ الصالح الذي وُعدنا أن نراه فلم نره إلا الليلة قال فإذا فيها مريم بنت عمران لها سبعون قصراً من لؤلؤ ولأم موسى بن عمران سبعون قصراً من مرجانة حمراء مكللة باللؤلؤ أبوابها وأسِرّتها من عرق واحد فلما عرج المعراج إلى السماء الخامسة وتسبيحُ أهلها سبحان من جمع بين الثلج والنار من قالها مرة واحدة كان له مثلُ ثوابهم ٱستفتح الباب جبريلُ عليه السلام ففُتح له فإذا هو بكهل لم يُرَ قَطّ كَهْلٌ أجمل منه عظيم العينين تضرب لحيته قريباً من سرته قد كاد أن تكون شَمْطة وحوله قوم جلوس يقصّ عليهم فقلت يا جبريل من هذا قال هارون المُحَبّ في قومه... وذكر الحديث.

فهذه نبذة مختصرة من أحاديث الإسراء خارجة عن الصحيحين، ذكرها أبو الربيع سليمان بن سبع بكمالها في كتاب (شفاء الصدور) له. ولا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السِّيَر أن الصلاة إنما فرضت على النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة في حين الإسراء حين عرج به إلى السماء. واختلفوا في تاريخ الإسراء وهيئة الصلاة، وهل كان إسراءً بروحه أو جسده؛ فهذه ثلاث مسائل تتعلق بالآية، وهي مما ينبغي الوقوف عليها والبحث عنها، وهي أهمّ من سَرْد تلك الأحاديث، وأنا أذكر ما وقفت عليه فيها من أقاويل العلماء واختلاف الفقهاء بعون الله تعالى

فأما المسألة الأولى ـ وهي هل كان إسراء بروحه أو جسده؛ اختلَف في ذلك السلف والخلف، فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح، ولم يفارق شخصُه مضجَعه، وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق، ورؤيا الأنبياء حق. ذهب إلى هذا معاوية وعائشة، وحكي عن الحسن وابن إسحاق. وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح؛ واحتجوا بقوله تعالى: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجدالحرام إلى المسجد الأقصى» فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء. قالوا: ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره، فإنه كان يكون أبلغ في المدح. وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه كان إسراء بالجسد وفي اليقظة، وأنه ركب البراق بمكة، ووصل إلى بيت المقدس وصلّى فيه ثم أسْرِيَ بجسده. وعلى هذا تدل الأخبار التي أشرنا إليها والآية. وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة، ولا يُعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، ولو كان مناماً لقال بروح عبده ولم يقل بعبده. وقوله:

{ مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ }[النجم: 17] يدل على ذلك. ولو كان مناماً لما كانت فيه آية ولا معجزة، ولما قالت له أم هانىء: لا تحدِّث الناس فيكذبوك، ولا فُضّل أبو بكر بالتصديق، ولما أمكن قريشاً التشنيعُ والتكذيب، وقد كذبه قريش فيما أخبر به حتى ٱرتد أقوام كانوا آمنوا، فلو كان بالرؤيا لم يستنكر، وقد قال له المشركون: إن كنت صادقاً فخبّرنا عن عِيرنا أين لقِيتَها؟ قال: «بمكان كذا وكذا مررتُ عليها ففزِع فلان فقيل له: ما رأيت يا فلان، قال: ما رأيت شيئا غير أن الإبل قد نفرت». قالوا: فأخبرنا متى تأتنا العير؟ قال: «تأتيكم يوم كذا وكذا». قالوا: أيَّة ساعة؟ قال: «ما أدري، طلوع الشمس من هاهنا أسرع أم طلوع العِيرُ من هاهنا». فقال رجل: ذلك اليوم؟ هذه الشمس قد طلعت. وقال رجل: هذه عِيركم قد طلعت، وٱستخبروا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن صفة بيت المقدس فوصفه لهم ولم يكن رآه قبل ذلك. روى الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لقد رأيتُنِي في الحِجْر وقريش تسألني عن مَسْرَاي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أُثْبِتْها فكُرِبْتُ كَرْباً ما كُرِبت مثله قطّ ـ قال ـ فرفعه الله لي أنظر إليه فما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم بهالحديث. وقد اعتُرض قول عائشة ومعاوية: «إنما أسرى بنَفْس رسول الله صلى الله عليه وسلم» بأنها كانت صغيرة لم تشاهِد، ولا حدّثت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأما معاوية فكان كافراً في ذلك الوقت غير مشاهد للحال، ولم يحدّث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ومن أراد الزيادة على ما ذكرنا فليقف على (كتاب الشفاء) للقاضي عياض يجد من ذلك الشفاء. وقد احتجّ لعائشة بقوله تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ }[الإسراء: 60] فسماها رؤيا. وهذا يردّه قوله تعالى: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} ولا يقال في النوم أسرى. وأيضاً فقد يقال لرؤية العين: رؤيا، على ما يأتي بيانه في هذه السورة. وفي نصوص الأخبار الثابتة دلالةٌ واضحة على أن الإسراء كان بالبدن، وإذا ورد الخبر بشيء هو مجوّز في العقل في قدرة الله تعالى فلا طريق إلى الإنكار، لا سيما في زمن خرق العوائد، وقد كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم معارجُ؛ فلا يبعد أن يكون البعض بالرؤيا، وعليه يحمل قوله عليه السلام في الصحيح:بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظانالحديث. ويحتمل أن يردّ من الإسراء إلى نوم. والله أعلم.

المسألة الثانية: في تاريخ الإسراء، وقد اختلف العلماء في ذلك أيضاً، واختُلف في ذلك على ٱبن شهاب؛ فروى عنه موسى بن عقبة أنه أسِرَي به إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة. وروى عنه يونس عن عروة عن عائشة قالت: تُوفِّيت خديجة قبل أن تُفرض الصلاة. قال ابن شهاب: وذلك بعد مبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم بسبعة أعوام. وروى عنه الوَقّاصيّ قال: أسْرِيَ به بعد مبعثه بخمس سنين. قال ابن شهاب: وفُرض الصيام بالمدينة قبل بدر، وفرضت الزكاة والحج بالمدينة، وحُرمت الخمر بعد أُحُد. وقال ابن إسحاق: أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس، وقد فشا الإسلام بمكة في القبائل. وروى عنه يونس بن بكير قال: صلّت خديجة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم. وسيأتي. قال أبو عمر: وهذا يدلك على أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام؛ لأن خديجة قد توفيت قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بثلاث وقيل بأربع. وقول ابن إسحاق مخالف لقول ابن شهاب، على أن ابن شهاب قد اختلف عنه كما تقدّم. وقال الحَرْبِيّ: أسري به ليلة سبع وعشرين من (شهر) ربيع الآخرة قبل الهجرة بسنة. وقال أبو بكر محمد بن عليّ بن القاسم الذهبي في تاريخه: أسري به من مكة إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء بعد مبعثه بثمانية عشر شهراً. قال أبو عمر: لا أعلم أحداً من أهل السير قال ما حكاه الذهبي، ولم يُسْنِد قوله إلى أحد ممن يضاف إليه هذا العلم منهم، ولا رفعه إلى من يحتج به عليهم.

المسألة الثالثة: وأما فرض الصلاة وهيئتها حين فرضت، فلا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السِّيَر أن الصلاة إنما فرضت بمكة ليلة الإسراء حين عُرج به إلى السماء، وذلك منصوص في الصحيح وغيره. وإنما اختلفوا في هيئتها حين فرضت؛ فروي عن عائشة رضي الله عنها أنها فرضت ركعتين ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر فأكملت أربعاً، وأَقرّتِ صلاة السفر على ركعتين. وبذلك قال الشَّعْبِيّ وميمون بن مِهْران ومحمد بن إسحاق. قال الشعبيّ: إلا المغرب. قال يونس بن بكير: وقال ابن إسحاق ثم إن جبريل عليه السلام أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم حين فرضت عليه الصلاة يعني في الإسراء فهمز له بعقِبه في ناحية الوادي فٱنفجرت عين ماء فتوضأ جبريل ومحمد ينظر عليهما السلام فوَضّأ وجهه واستنشق وتمضمض ومسح برأسه وأذنيه ورجليه إلى الكعبين ونضح فرجه، ثم قام يصلي ركعتين بأربع سجدات، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقر الله عينه وطابت نفسه وجاءه ما يحب من أمر الله تعالى، فأخذ بيد خديجة ثم أتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات هو وخديجة، ثم كان هو وخديجة يصليان سواء. وروي عن ابن عباس أنها فرضت في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين. وكذلك قال نافع بن جبير والحسن بن أبي الحسن البصري، وهو قول ابن جريج، وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يوافق ذلك. ولم يختلفوا في أن جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة الإسراء عند الزوال، فعلّم النبيّ صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها. وروى يونس بن بكير عن سالم مولى أبي المهاجر قال سمعت ميمون بن مهران يقول: كان أوّل الصلاة مثنى، ثم صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعاً فصارت سُنّة، وأُقِرّت الصلاة للمسافر وهي تمام. قال أبو عمر: وهذا إسناد لا يحتج بمثله، وقوله «فصارت سُنّة» قول منكر، وكذلك استثناء الشعبي المغرب وحدها ولم يذكر الصبح قولٌ لا معنى له. وقد أجمع المسلمون أن فرض الصلاة في الحضر أربع إلا المغرب والصبح ولا يعرفون غير ذلك عملاً ونقلاً مستفيضاً، ولا يضرهم الاختلاف فيما كان أصل فرضها.

الخامسة: قد مضى الكلام في الأذان في «المائدة» والحمد لله. ومضى في «آل عمران» أن أوّل مسجد وُضع في الأرض المسجدُ الحرام، ثم المسجد الأقصى. وأن بينهما أربعين عاماً من حديث أبي ذَرّ، وبناء سليمان عليه السلام المسجد الأقصى ودعاؤه له من حديث عبد الله بن عمرو ووجه الجمع في ذلك؛ فتأمله هناك فلا معنى للإعادة. ونذكر هنا قوله صلى الله عليه وسلم:

لا تُشَدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس». خرّجه مالك من حديث أبي هريرة. وفيه ما يدل على فضل هذه المساجد الثلاثة على سائر المساجد؛ لهذا قال العلماء: من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا برحلة وراحلة فلا يفعل، ويصلّي في مسجده، إلا في الثلاثة المساجد المذكورة فإنه من نذر صلاة فيها خرج إليها. وقد قال مالك وجماعة من أهل العلم فيمن نذر رِباطاً في ثَغْر يسدّه: فإنه يلزمه الوفاء حيث كان الرباط لأنه طاعة لله عز وجل. وقد زاد أبو البَخْتَرِيّ في هذا الحديث مسجد الجند، ولا يصح وهو موضوع، وقد تقدّم في مقدّمة الكتاب.

السادسة: قوله تعالى: {إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} سُمِّيَ الأقصَى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام، وكان أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظَّم بالزيارة، ثم قال: {ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} قيل: بالثمار وبمجاري الأنهار. وقيل: بمن دُفن حوله من الأنبياء والصالحين؛ وبهذا جعله مقدّسا. وروى معاذ بن جبل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:

يقول الله تعالى يا شام أنت صفْوَتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عباديأصله سام فَعُرِّبَ. {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} هذا من باب تلوين الخطاب. والآيات التي أراه الله من العجائب التي أخبر بها الناس، وإسراؤه من مكة إلى المسجد الأقصى في ليلة وهو مسيرة شهر، وعروجه إلى السماء ووصفه الأنبياء واحداً واحداً، حسبما ثبت في صحيح مسلم وغيره. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} تقدّم.

وَءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَجَعَلْنَٰهُ هُدًى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِى وَكِيلًا ۝٢

أي كَرّمنا محمداً صلى الله عليه وسلم بالمعراج، وأكرمنا موسى بالكتاب وهو التوراة. {وَجَعَلْنَاهُ} أي ذلك الكتاب. وقيل موسى. وقيل معنى الكلام: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً وآتى موسى الكتاب؛ فخرج من الغيبة إلى الإخبار عن نفسه جل وعز. وقيل: إن معنى سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً، معناه أسرينا، يدل عليه ما بعده من قوله: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} فحمل «وآتينا موسى الكتاب» على المعنى. {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ} قرأ أبو عمرو «يتخذوا» بالياء. الباقون بالتاء. فيكون من باب تلوين الخطاب. {وَكِيلاً} أي شريكاً؛ عن مجاهد. وقيل: كفيلاً بأمورهم؛ حكاه الفراء. وقيل: ربًّا يتوكّلون عليه في أمورهم؛ قاله الكلبي. وقال الفراء: كافيا؛ والتقدير: عهدنا إليه في الكتاب ألا تتخذوا من دوني وكيلاً. وقيل: التقدير لئلا تتخذوا. والوكيل: من يُوكَل إليه الأمر.

ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُۥ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ۝٣

أي يا ذرية من حملنا، على النداء؛ قاله مجاهد ورواه عنه ابن أبي نَجيح. والمراد بالذرية كلُّ من احتج عليه بالقرآن، وهم جميع مَن على الأرض؛ ذكره المهدوِيّ. وقال الماوَرْدِيّ: يعني موسى وقومه من بني إسرائيل، والمعنى يا ذرية من حملنا مع نوح لا تشركوا. وذكر نوحاً ليذكّرهم نِعمة الإنجاء من الغرق على آبائهم. وروى سفيان عن حُميد عن مجاهد أنه قرأ «ذَرِّيّة» بفتح الذال وتشديد الراء والياء. وروى هذه القراءة عامر بن الواجد عن زيد بن ثابت. ورُوي عن زيد بن ثابت أيضاً «ذِرِّية» بكسر الذال وشدّ الراء والياء. ثم بين أن نوحاً كان عبداً شكوراً يشكر الله على نعمه ولا يرى الخير إلا من عنده. قال قتادة: كان إذا لبس ثوباً قال: بسم الله، فإذا نزعه قال: الحمد لله. كذا روى عنه معمر. وروى معمر عن منصور عن إبراهيم قال: شكره إذا أكل قال: بسم الله، فإذا فرغ من الأكل قال: الحمد لله. قال سلمان الفارسي: لأنه كان يحمَد الله على طعامه. وقال عمران بن سليم: إنما سمي نوحاً عبداً شكوراً لأنه كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء لأجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء لأظمأني، وإذا ٱكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء لأعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء لأحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني الأذى ولو شاء لحبسه فيّ. ومقصود الآية: إنكم من ذرية نوح وقد كان عبداً شكوراً فأنتم أحق بالاقتداء به دون آبائكم الجهال. وقيل: المعنى أن موسى كان عبداً شكوراً إذ جعله الله من ذرية نوح. وقيل: يجوز أن يكون «ذرية» مفعولاً ثانياً لـ «تتخذوا»، ويكون قوله: «وكيلا» يراد به الجمع فيسوغ ذلك في القراءتين جميعاً أعني الياء والتاء في «تتخذوا». ويجوز أيضاً في القراءتين جميعاً أن يكون «ذرية» بدلاً من قوله «وكيلاً» لأنه بمعنى الجمع؛ فكأنه قال لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح. ويجوز نصبها بإضمار أعني وأمدح، والعرب قد تنصب على المدح والذم. ويجوز رفعها على البدل من المضمر في «تتخذوا» في قراءة من قرأ بالياء؛ ولا يحسن ذلك لمن قرأ بالتاء لأن المخاطب لا يبدل منه الغائب. ويجوز جرها على البدل من بني إسرائيل في الوجهين. فأما «أنْ» من قوله «ألا تتخذوا» فهي على قراءة من قرأ بالياء في موضع نصب بحذف الجار، التقدير: هديناهم لئلا يتخذوا. ويصلح على قراءة التاء أن تكون زائدة والقول مضمر كما تقدّم. ويصلح أن تكون مفسرة بمعنى أي، لا موضع لها من الإعراب، وتكون «لا» للنهي فيكون خروجاً من الخبر إلى النهي.

وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ فِى ٱلْكِتَٰبِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ۝٤

قوله تعالى: {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ} وقرأ سعيد بن جبير وأبو العالية «فِي الكتب» على لفظ الجمع. وقد يرِد لفظ الواحد ويكون معناه الجمع؛ فتكون القراءتان بمعنًى واحد. ومعنى «قَضَينا» أعلمنا وأخبرنا؛ قاله ابن عباس: وقال قتادة: حكمنا؛ وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ منه. وقيل: قضينا أوحينا؛ ولذلك قال: «إلى بني إسرائيل». وعلى قول قتادة يكون «إلى» بمعنى على؛ أي قضينا عليهم وحكمنا. وقاله ابن عباس أيضاً. والمعنِيّ بالكتاب اللوح المحفوظ. {لَتُفْسِدُنَّ} وقرأ ابن عباس «لَتُفْسَدُنّ». عيسى الثّقفي «لَتَفْسُدُنّ». والمعنى في القراءتين قريب؛ لأنهم إذا أفسدوا فسدوا، والمراد بالفساد مخالفة أحكام التوراة. {فِي ٱلأَرْضِ} يريد أرض الشام وبيت المقدس وما والاها. {مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ} اللام في «لتفسدن ولتعلن» لام قسم مضمر كما تقدّم. {عُلُوّاً كَبِيراً} أراد التكبر والبَغْيَ والطغيان والاستطالة والغَلَبة والعدوان.

فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُو۟لِى بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا۟ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ۝٥

قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا} أي أولَى المرّتين من فسادهم. {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} هم أهل بابل، وكان عليهم بُخْتَنَصّر في المرة الأولى حين كذبوا إرمياء وجرحوه وحبسوه؛ قاله ابن عباس وغيره. وقال قتادة: أرسل عليهم جالوت فقتلهم، فهو وقومه أولو بأس شديد. وقال مجاهد: جاءهم جند من فارس يتجسّسون أخبارهم ومعهم بختنصر فوَعَى حديثهم من بين أصحابه، ثم رجعوا إلى فارس ولم يكن قتال، وهذا في المرة الأولى، فكان منهم جَوْسٌ خلال الديار لا قتل؛ ذكره القشيري أبو نصر. وذكر المهدوِيّ عن مجاهد أنه جاءهم بختنصر فهزمه بنو إسرائيل، ثم جاءهم ثانية فقتلهم ودمرهم تدميرا. ورواه ابن أبي نَجيح عن مجاهد؛ ذكره النحاس. وقال محمد بن إسحاق في خبر فيه طول: إن المهزوم سَنْحَاريب ملك بابل، جاء ومعه ستمائة ألف راية تحت كل راية مائة ألف فارس فنزل حول بيت المقدس فهزمه الله تعالى وأمات جميعهم إلا سنحاريب وخمسة نفر من كُتّابه، وبعث ملك بني إسرائيل واسمه صديقة في طلب سنحاريب فأخِذ مع الخمسة، أحدهم بختنصر، فطرح في رقابهم الجوامع وطاف بهم سبعين يوماً حول بيت المقدس وإيلياء ويرزقهم كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم، ثم أطلقهم فرجعوا إلى بابل، ثم مات سنحاريب بعد سبع سنين، واستخلف بختنصر وعظمت الأحداث في بني إسرائيل، واستحلوا المحارم وقتلوا نبيهم شَعْيَا؛ فجاءهم بختنصر ودخل هو وجنوده بيت المقدس وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم. وقال ابن عباس وابن مسعود: أوّل الفساد قتل زكريا. وقال ابن إسحاق: فسادهم في المرة الأولى قتل شعياً نبيِّ الله في الشجرة، وذلك أنه لما مات صديقة ملكهم مَرِج أمرهم وتنافسوا على المُلْك وقتل بعضهم بعضاً وهم لا يسمعون من نبيهم؛ فقال الله تعالى له قم في قومك أوحِ على لسانك، فلما فرغ مما أوحى الله إليه عَدَوْا عليه ليقتلوه فهرب فانفلقت له شجرة فدخل فيها، وأدركه الشيطان فأخذ هُدْبة من ثوبه فأراهم إياها، فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها. وذكر ابن إسحاق أن بعض العلماء أخبره أن زكريا مات موتاً ولم يقتل وإنما المقتول شَعْيَا. وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاعَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَـٰلَ ٱلدِّيَارِ} هو سنحاريب من أهل نِينَوَى بالمَوْصل ملكُ بابل. وهذا خلاف ما قال ابن إسحاق، فالله أعلم. وقيل: إنهم العمالقة وكانوا كفاراً، قاله الحسن. ومعنى جاسوا: عاثوا وقتلوا؛ وكذلك حاسوا وهاسوا وداسوا؛ قاله ابن عُزيز، وهو قول القُتَبِيّ. وقرأ ابن عباس: «حاسوا» بالحاء المهملة. قال أبو زيد: الحَوْس والجَوْس والعَوْس والهَوْس: الطواف بالليل. وقال الجوهري: الجوس مصدر قولك جاسوا خلال الديار، أي تخللوها فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها؛ وكذلك الاجتياس. والجَوَسان (بالتحريك) الطوفان بالليل؛ وهو قول أبي عبيدة. وقال الطبري: طافوا بين الديار يطلبونهم ويقتلونهم ذاهبين وجائين؛ فجمع بين قول أهل اللغة. قال ابن عباس: مشوا وتردّدوا بين الدُّور والمساكن. وقال الفراء: قتلوكم بين بيوتكم؛ وأنشد لحسان:

ومنا الذي لا قى بسيف محمدفجاس به الأعداء عرض العساكر

وقال قطرب: نزلوا، قال:

فجُسْنَا ديارهُمُ عَنوةًوأبْنَا بسادتهم مُوثَقينا

{وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} أي قضاء كائنا لا خُلف فيه.

ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَٰكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ۝٦

قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} أي الدَّولة والرجعة؛ وذلك لمّا تبتم وأطعتم. ثم قيل: ذلك بقتل داود جالوت أو بقتل غيره، على الخلاف في من قتلهم. {وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} حتى عاد أمركم كما كان. {وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} أي أكثر عدداً ورجالاً من عدوّكم. والنفير من نفر مع الرجل من عشيرته؛ يقال: نفير ونافر مثل قدير وقادر. ويجوز أن يكون النفير جمع نَفْر كالكليب والمعيز والعبيد؛ قال الشاعر:

فأكْرِمْ بقحطانَ من والدوحِمْيرَ أكرم بقوم نفيرا

والمعنى: أنهم صاروا بعد هذه الوقعة الأولى أكثرَ ٱنضماماً وأصلح أحوالاً، جزاءً من الله تعالى لهم على عودهم إلى الطاعة.

إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ لِيَسُـۥٓـُٔوا۟ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا۟ مَا عَلَوْا۟ تَتْبِيرًا ۝٧

قوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} أي نفع إحسانكم عائد عليكم. {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} أي فعليها؛ نحو سلام لك، أي سلام عليك. قال:

فخَـرّ صريعـاً لليديـن وللفـمِ

أي على اليدين وعلى الفم. وقال الطبري: اللام بمعنى إلى، يعني وإن أسأتم فإليها، أي فإليها ترجع الإساءة؛ كقوله تعالى: { بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا }[الزلزلة: 5] أي إليها. وقيل: فلها الجزاء والعقاب. وقال الحسين بن الفضل: فلها رَبٌّ يغفر الإساءة. ثم يحتمل أن يكون هذا خطاباً لبني إسرائيل في أول الأمر؛ أي أسأتم فحلّ بكم القتل والسَّبْيُ والتخريب ثم أحسنتم فعاد إليكم الملك والعُلُوّ وٱنتظام الحال. ويحتمل أنه خوطب بهذا بنو إسرائيل في زمن محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي عرفتم استحقاق أسلافكم للعقوبة على العصيان فارتقبوا مثله. أو يكون خطاباً لمشركي قريش على هذا الوجه. {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} من إفسادكم؛ وذلك أنهم قتلوا في المرة الثانية يحيـى بن زكريا عليهما السلام، قتله مَلِكٌ من بني إسرائيل يقال له لاخت؛ قاله القُتَبِيّ. وقال الطبري: اسمه هيردوس، ذكره في التاريخ؛ حمله على قتله ٱمرأة اسمها أزبيل. وقال السدّي: كان ملك بني إسرائيل يكرم يحيـى بن زكريا ويستشيره في الأمر، فٱستشاره الملك أن يتزوج بنت ٱمرأة له فنهاه عنها وقال: إنها لا تحل لك؛ فحقدت أمّها على يحيـى عليه السلام، ثم ألبست ابنتها ثياباً حمراء رقاقاً وطيّبتها وأرسلتها إلى الملك وهو على شرابه، وأمرتها أن تتعرض له، وإن أرادها أبت حتى يعطيها ما تسأله؛ فإذا أجاب سألتْ أن يؤتى برأس يحيـى بن زكريا في طَسْت من ذهب؛ ففعلت ذلك حتى أتي برأس يحيـى بن زكريا والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول: لا تحلّ لك؛ لا تحلّ لك؛ فلما أصبح إذا دمه يَغْلي، فألقى عليه التراب فغَلَى فوقه، فلم يزل يلُقي عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يَغْلِي؛ ذكره الثعلبي وغيره. وذكر ابن عساكر الحافظ في تاريخه عن الحسين بن عليّ قال: كان ملك من هذه الملوك مات وترك امرأته وٱبنته فورِث مُلْكَه أخوه، فأراد أن يتزوج امرأة أخيه، فٱستشار يحيـى بن زكريا في ذلك، وكانت الملوك في ذلك الزمان يعملون بأمر الأنبياء، فقال له: لا تتزوجها فإنها بَغِيّ؛ فَعُرِّفت المرأةُ أنه قد ذكرها وصرفه عنها، فقالت: من أين هذا! حتى بلغها أنه من قِبَل يحيـى، فقالت: ليقتلن يحيـى أو ليخرجن من ملكه، فعمَدت إلى ابنتها وصنّعتها، ثم قالت: اذهبي إلى عمك عند الملأ فإنه إذا رآك سيدعوك ويجلسك في حجره، ويقول سليني ما شئت، فإنك لن تسأليني شيئاً إلا أعطيتك، فإذا قال لك ذلك فقولي: لا أسأل إلا رأس يحيـى. قال: وكانت الملوك إذا تكلم أحدهم بشيء على رؤوس الملأ ثم لم يُمْض له نُزِع من ملكه؛ ففعلت ذلك. قال: فجعل يأتيه الموت من قتله يحيـى، وجعل يأتيه الموت من خروجه من ملكه، فاختار ملكه فقتله. قال: فساخت بأمّها الأرضُ. قال ابن جُدْعان: فحدّثت بهذا الحديث ابنَ المسيّب فقال أفما أخبرك كيف كان قتل زكريا؟ قلت لا؛ قال: إن زكريا حيث قُتل ابنه ٱنطلق هارباً منهم وٱتبعوه حتى أتى على شجرة ذات ساق فدعته إليها فانطوت عليه وبقيت من ثوبه هُدْبة تكفّتها الرياح، فٱنطلقوا إلى الشجرة فلم يجدوا أثره بعدها، ونظروا بتلك الهُدْبة فدعوا بالمِنشار فقطعوا الشجرة فقطعوه معها.

قلت: وقع في التاريخ الكبير للطبري فحدثني أبو السائب قال حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المِنْهال عن سعيد بن جُبير عن ٱبن عباس قال: بعث عيسى ابنُ مريم يحيـى بنَ زكريا في اثني عشر من الحواريّين يعلّمون الناس، قال: كان فيما نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ، قال: وكان لملكهم ابنة أخ تعجبه... وذكر الخبر بمعناه. وعن ابن عباس قال: بُعث يحيـى بنُ زكريا في اثني عشر من الحواريّين يعلمون الناس، وكان فيما يعلّمونهم ينهونهم عن نكاح بنت الأخت، وكان لملكهم بنت أخت تعجبه، وكان يريد أن يتزوجها، وكان لها كلَّ يوم حاجةٌ يقضيها، فلما بلغ ذلك أمَّها أنهم نهوا عن نكاح بنت الأخت قالت لها: إذا دخلت على الملك فقال ألك حاجةٌ فقولي: حاجتي أن تذبح يحيـى بن زكريا؛ فقال: سليني سوى هذا! فقالت: ما أسألك إلا هذا. فلما أبت عليه دعا بطَسْت ودعا به فذبحه، فندَرت قطرة من دمه على وجه الأرض فلم تزل تَغْلِي حتى بعث الله عليهم بختنصّر فألْقَى في نفسه أن يقتل على ذلك الدّم منهم حتى يسكن ذلك الدم، فقتل عليه منهم سبعين ألفاً، في رواية خمسة وسبعين ألفاً. قال سعيد بن المسيّب: هي دِيَةُ كل نبيّ. وعن ابن عباس قال: أوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم إني قتلت بيحيـى بن زكريا سبعين ألفاً، وإني قاتل بٱبن ابنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً. وعن سمير بن عطية قال: قتل على الصخرة التي في بيت المقدس سبعون نبيا منهم يحيـى بن زكريا. وعن زيد بن واقد قال: رأيت رأس يحيـى عليه السلام حيث أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبة التي تلي المحراب مما يلي الشرق، فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغيّر. وعن قُرّة بن خالد قال: ما بكت السماء على أحد إلا على يحيـى بن زكريا والحسين بن عليّ؛ وحمرتها بكاؤها. وعن سفيان بن عُيَيْنة قال: أوحش ما يكون ابن آدم في ثلاثة مواطن: يوم ولد فيخرج إلى دار هَمٍّ، وليلة يبيت مع الموتى فيجاور جيرانا لم ير مثلهم، ويوم يُبعث فيشهد مشهداً لم ير مثله؛ قال الله تعالى ليحيـى في هذه الثلاثة مواطن: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً}. كله من التاريخ المذكور.

واختلف فيمن كان المبعوث عليهم في المرة الآخرة؛ فقيل: بختنصر. وقاله القشيري أبو نصر، لم يذكر غيره. قال السُّهَيْلِيّ: وهذا لا يصح؛ لأن قتل يحيـى كان بعد رفع عيسى، وبختنصر كان قبل عيسى بن مريم عليهما السلام بزمان طويل، وقبل الإسكندر؛ وبين الإسكندر وعيسى نحوٌ من ثلثمائة سنة، ولكنه أريد بالمرة الأخرى حين قتلوا شعيا، فقد كان بختنصر إذ ذاك حيا، فهو الذي قتلهم وخرّب بيت المقدس وأتبعهم إلى مصر وأخرجهم منها. وقال الثعلبي: ومن روى أن بختنصّر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيـى بن زكريا فغلط عند أهل السِّير والأخبار؛ لأنهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شَعْيَا وفي عهد إرْمِيَاء. قالوا: ومن عهد إرمياء وتخريب بختنصّر بيت المقدس إلى مولد يحيـى بن زكريا عليهما السلام أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة، وذلك أنهم يعدّون من عهد تخريب بيت المقدس إلى عمارته في عهد كوسك سبعين سنة، ثم من بعد عمارته إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس ثمانية وثمانين سنة، ثم من بعد مملكة الإسكندر إلى مولد يحيـى ثلثمائة وثلاثاً وستين سنة.

قلت: ذكر جميعه الطبري في التاريخ رحمه الله. قال الثعلبي: والصحيح من ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق قال: لما رفع الله عيسى من بين أظهرهم وقتلوا يحيـى ـ وبعض الناس يقول: لما قتلوا زكريا ـ بعث الله إليهم ملكاً من ملوك بابل يقال له: خردوس، فسار إليهم بأهل بابل وظهر عليهم بالشأم، ثم قال لرئيس جنوده: كنت حلفت بإلٰهي لئن اظهرني الله على بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري، وأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، فدخل الرئيس بيت المقدس فوجد فيها دماء تَغْلِي، فسألهم فقالوا: دَمُ قربان قرّبناه فلم يتقبل منا منذ ثمانين سنة. قال ما صَدَقتموني، فذبح على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلاً من رؤسائهم فلم يهدأ، (فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذُبحوا على الدم فلم يهدأ)، فأمر بسبعة آلاف من سَبْيِهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يَبْرُد، فقال: يا بني إسرائيل، أصدقوني قبل ألا أترك منكم نافخ نار من أنثى ولا من ذكر إلا قتله. فلما رأوا الجَهد قالوا: إن هذا دم نبيّ منا كان ينهانا عن أمور كثيرة مِن سَخَط الله فقتلناه، فهذا دمه، كان ٱسمه يحيـى بن زكريا، ما عصى الله قطّ طرفة عين ولا همّ بمعصية. فقال: الآن صدقتموني، وخر ساجداً ثم قال: لمثل هذا يُنتقم منكم، وأمر بغلق الأبواب وقال: أخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوس، وخلا في بني إسرائيل وقال: يا نبيّ الله، يا يحيـى بن زكريا قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك، فٱهدأ بإذن الله قبل ألا أبقي منهم أحداً. فهدأ دم يحيـى بن زكريا بإذن الله عز وجل، ورفع عنهم القتل وقال: رب، إني آمنت بما آمن به بنو إسرائيل وصدّقت به؛ فأوحى الله تعالى إلى رأس من رؤوس الأنبياء: إن هذا الرئيس مؤمن صدوق. ثم قال: إن عدّو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لا أعصيه، فأمرهم فحفروا خَنْدَقاً وأمر بأموالهم من الإبل والخيل والبغال والحمير والبقر والغنم فذبحوها حتى سال الدم إلى العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم، ثم انصرف عنهم إلى بابل، وقد كاد أن يفني بني إسرائيل.

قلت: قد ورد في هذا الباب حديث مرفوع فيه طول من حديث حُذيفة، وقد كتبناه في (كتاب التذكرة) مقطعاً في أبوابٍ في أخبار المَهْدِيّ، نذكر منها هنا ما يبيّن معنى الآية ويفّسرها حتى لا يحتاج معه إلى بيان، قال حذيفة:

قلت يا رسول الله، لقد كان بيت المقدس عند الله عظيماً جسيم الخطر عظيم القدر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو من أجَلّ البيوت ابتناه الله لسليمان بن داود عليهما السلام من ذهب وفضة ودُرّ وياقوت وزمرد»: وذلك أن سليمان بن داود لما بناه سَخّر الله له الجن فأتوه بالذهب والفضة من المعادن، وأتوه بالجواهر والياقوت والزمرد، وسخر الله تعالى له الجن حتى بنوه من هذه الأصناف. قال حذيفة: فقلت يا رسول الله، وكيف أخذت هذه الأشياء من بيت المقدس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بني إسرائيل لما عصوا الله وقتلوا الأنبياء سلط الله عليهم بختنصّر وهو من المجوس وكان ملكه سبعمائة سنة، وهو قوله: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} فدخلوا بيت المقدس وقتلوا الرجال وسَبُوا النساء والأطفال وأخذوا الأموال وجميع ما كان في بيت المقدس من هذه الأصناف فاحتملوها على سبعين ألفاً ومائة ألف عجَلَة حتى أودعوها أرض بابل، فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل ويستملكونهم بالخزي والعقاب والنكال مائة عام، ثم إن الله عز وجل رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس أن يسير إلى المجوس في أرض بابل، وأن يستنقذ مَن في أيديهم من بني إسرائيل؛ فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل فاستنقذ من بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس واستنقذ ذلك الحلي الذي كان من بيت المقدس وردّه الله إليه كما كان أول مرة فقال لهم: يا بني إسرائيل إن عدتم إلى المعاصي عدنا عليكم بالسَّبْي والقتل، وهو قوله: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} فلما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس عادوا إلى المعاصي فسلطّ الله عليهم ملك الروم قَيْصر، وهو قوله: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} فغزاهم في البر والبحر فسباهم وقتلهم وأخذ أموالهم ونساءهم، وأخذ حلي جميع بيت المقدس واحتمله على سبعين ألفاً ومائة ألف عَجلة حتى أودعه في كنيسة الذهب، فهو فيها الآن حتى يأخذه المهدّي فيردّه إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة يُرْسَى بها على يافا حتى تنقل إلى بيت المقدس وبها يجمع الله الأوّلين والآخرين... وذكر الحديث.

قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} أي من المرتين؛ وجواب «إذا» محذوف، تقديره بعثناهم؛ دلّ عليه «بعثنا» الأوّل. {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} أي بالسَّبْي والقتل فيظهر أثر الحزن في وجوهكم؛ فـ «ـليسوءوا» متعلق بمحذوف؛ أي بعثنا عباداً ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم. قيل: المراد بالوجوه السادة؛ أي ليُذِلّوهم. وقرأ الكسائي «لنسوءَ» بنون وفتح الهمزة، فعلُ مخبر عن نفسه معظّم، اعتباراً بقوله «وقضينا، وبعثنا ورددنا». ونحوه عن عليّ. وتصديقها قراءة أبيٍّ «لنسوءنّ» بالنون وحرف التوكيد. وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وَثّاب وحمزة وابن عامر «ليسوءَ» بالياء على التوحيد وفتح الهمزة؛ ولها وجهان: أحدهما ـ ليسوء الله وجوهكم. والثاني ـ ليسوء الوعدُ وجوهكم. وقرأ الباقون «ليسوءوا» بالياء وضم الهمزة على الجمع؛ أي ليسوء العباد الذين هم أولو بأس شديد وجوهكم. {وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ} أي ليدمّروا ويهلكوا. وقال قُطْرُب: يهدموا؛ قال الشاعر:

فما الناس إلا عاملان فعامليُتَبِّر ما يَبْنِي وآخر رافع

{مَا عَلَوْاْ} ا أي غلبوا عليه من بلادكم {تَتْبِيراً}.

عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ۝٨

قوله تعالى: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} وهذا مما أخبروا به في كتابهم. و «عسى» وعد من الله أن يكشف عنهم. و «عسى» من الله واجبة. {أَن يَرْحَمَكُمْ} بعد انتقامه منكم، وكذلك كان؛ فكثّر عددهم وجعل منهم الملوك. {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} قال قتادة: فعادوا فبعث الله عليهم محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فهم يُعطون الجزية بالصَّغار؛ وروي عن ابن عباس. وهذا خلاف ما تقدم في الحديث وغيره. وقال القُشَيْرِيّ: وقد حلّ العقاب ببني إسرائيل مرتين على أيدي الكفار، ومرة على أيدي المسلمين. وهذا حين عادوا فعاد الله عليهم. وعلى هذا يصح قول قتادة. {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} أي محْبساً وسِجْناً، من الحَصْر وهو الحبس. قال الجوهري: يقال حصره يحصره حصراً ضيق عليه وأحاط به. والحصير: الضيق البخيل. والحصير: البارِيّة. والحصير: الجنْب، قال الأصْمَعِيّ: هو ما بين العِرْق الذي يظهر في جنب البعير والفرس معترِضاً فما فوقه إلى منقطع الجنب. والحصير: الملِك؛ لأنه محجوب. قال لبيد:

وقماقِمٍ غُلْبِ الرّقاب كأنهمجنّ لدى باب الحصير قيام

ويروى:

ومَقامـةٍ غُلْـب الرقـاب

على أن يكون «غلب» بدلاً من «مقامة» كأنه قال: ورُبَّ غُلْبِ الرقاب. وروي عن أبي عبيدة:

لدى طرف الحصير قيام

أي عند طرف البساط للنعمان بن المنذر. والحصِير: المَحْبِس؛ قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً}. قال القُشَيْرِيّ: ويقال للذي يُفترش حصيراً؛ لحصر بعضه على بعض بالنسج. وقال الحسن: أي فراشاً ومهاداً؛ ذهب إلى الحصير الذي يفرش، لأن العرب تسمي البساط الصغير حصيراً. قال الثعلبي: وهو وجه حسن.

إِنَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ۝٩ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ۝١٠

قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} لما ذكر المعراج ذكر ما قضى إلى بني إسرائيل، وكان ذلك دلالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم بيّن أن الكتاب الذي أنزل الله عليه سبب اهتداء. ومعنى {لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} أي الطريقة التي هي أسدّ وأعدل وأصوب؛ فـ «ـالتي» نعت لموصوف محذوف، أي الطريقة التي هي أقوم. وقال الزجاج: للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله والإيمان برسله. وقاله الكلبي والفرّاء.

قوله تعالى: {وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ} تقدّم. {أَنَّ لَهُمْ} أي بأن لهم. {أَجْراً كَبِيراً} أي الجنة. {وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} أي ويبشرهم بأن لأعدائهم العقاب. والقرآن معظمه وعد ووعيد. وقرأ حمزة والكسائِيّ «ويَبْشُر» مخففاً بفتح الياء وضم الشين؛ وقد ذُكر.

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ