انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير القرطبيالآيات 71–82

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير القرطبي.

يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَٰمِهِمْ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَٰبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ۝٧١

قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} قال:

يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويُمَدّ له في جسمه ستون ذراعا، ويُبَيّض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرَوْنه من بعيد فيقولون اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول أبشروا لكل منكم مثلُ هذا. ـ قال ـ وأما الكافر فيُسَوّد وجهه ويمدّ له في جسمه ستون ذراعا على صورة آدم ويلبس تاجاً فيراه أصحابه فيقولون نعوذ بالله من شر هذاٰ اللهم لا تأتنا بهذا. قال: فيأتيهم فيقولون اللَّهُمَّ أخزه. فيقول أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. ونظير هذا قوله: { وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }[الجاثية: 28]. والكتاب يسمى إماماً؛ لأنه يُرجع إليه في تعرّف أعمالهم. وقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك: «بإمامهم» أي بكتابهم، أي بكتاب كلّ إنسان منهم الذي فيه عمله؛ دليله «فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمينِهِ». وقال ابن زيد: بالكتاب المنزَّل عليهم. أي يدعَى كل إنسان بكتابه الذي كان يتلوه؛ فيدعى أهل التوراة بالتوراة، وأهل القرآن بالقرآن؛ فيقال: يا أهل القرآن، ماذا عملتم، هل امتثلتم أوامره هل اجتنبتم نواهيه! وهكذا. وقال مجاهد: «بإمامهم» بنبيّهم، والإمام من يؤتَمّ به. فيقال: هاتوا متّبِعِي إبراهيم عليه السلام، هاتوا متّبعي موسى عليه السلام، هاتوا متبعي الشيطان، هاتوا متبعي الأصنام. فيقوم أهل الحق فيأخذون كتابهم بأيمانهم، ويقوم أهل الباطل فيأخذون كتابهم بشمالهم. وقاله قتادة. وقال عليّ رضي الله عنه: بإمام عصرهم. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله:{يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} فقال: كلٌّ يدعى بإمام زمانهم وكتابِ ربِّهم وسنّةِ نبيّهم فيقول هاتوا متبعي إبراهيم هاتوا متبعي موسى هاتوا متبعي عيسى هاتوا متبعي محمدا ـ عليهم أفضل الصلوات والسلام ـ فيقوم أهل الحق فيأخذون كتابهم بأيمانهم ويقول هاتوا متبعي الشيطان هاتوا متبعي رؤساء الضلالة إمامَ هدًى وإمام ضلالة. وقال الحسن وأبو العالية: «بإمامهم» أي بأعمالهم. وقاله ابن عباس. فيقال: أين الراضون بالمقدور، أين الصابرون عن المحذور. وقيل: بمذاهبهم؛ فيُدْعَوْن بمن كانوا يأتمون به في الدنيا: يا حنفيّ، يا شافعيّ، يا معتزليّ، يا قدرِيّ، ونحوه، فيتبعونه في خير أو شر أو على حق أو باطل، وهذا معنى قول أبي عبيدة. وقد تقدّم. وقال أبو هريرة: يدعى أهل الصدقة من باب الصدقة، وأهل الجهاد من باب الجهاد...، الحديث بطوله. أبو سهل: يقال أين فلان المصلّي والصوّام، وعكسه الدَّفاف والنمام، وقال محمد بن كعب: «بإمامهم» بأمهاتهم. وإمام جمع آمّ. قالت الحكماء: وفي ذلك ثلاثة أوجه من الحكمة؛ أحدهما ـ لأجل عيسى. والثاني ـ إظهار لشرف الحسن والحسين. والثالث ـ لئلا يفتضح أولاد الزنى.

قلت: وفي هذا القول نظر؛ فإن في الحديث الصحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان بن فلانخرّجه مسلم والبخاري. فقوله: «هذه غَدْرة فلان بن فلان» دليلٌ على أن الناس يُدْعَوْن في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وهذا يردّ على من قال: إنما يدعون بأسماء أمهاتهم لأن في ذلك سَتْراً على آبائهم. والله أعلم.

قوله تعالى: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} هذا يقوّي قول من قال: «بإمامهم» بكتابهم ويقوّيه أيضاً قوله:

{ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِين }ٍ} [يس: 12]. {فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} الفتيل الذي في شقّ النواة. وقد مضى في «النساء».

وَمَن كَانَ فِى هَٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ۝٧٢

قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ} أي في الدنيا عن الاعتبار وإبصار الحق. {فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ} أي في أمر الآخرة {أَعْمَىٰ}. وقال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسألوه عن هذه الآية فقال: اقرأوا ما قبلها «ربُّكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر ـ إلى ـ تفضيلا». قال ابن عباس: من كان في هذه النعم والآيات التي رأى أعمى فهو عن الآخرة التي لم يعاين أعمى وأضل سبيلاً. وقيل: المعنى من عمي عن النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا فهو عن نعم الآخرة أعمى. وقيل: المعنى من كان في الدنيا التي أمهل فيها وفسّح له ووعد بقبول التوبة أعمى فهو في الآخرة التي لا توبة فيها أعمى. وقال الحسن: من كان في هذه الدنيا كافراً ضالاً فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً. وقيل: من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله بعثه الله يوم القيام أعمى، كما قال:

{ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ }[طه: 124] الآيات. وقال: { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ }}. وقيل: المعنى في قوله: «فهو في الآخرة أعمى» في جميع الأقوال: أشدّ عَمًى؛ لأنه من عَمَى القلب، ولا يقال مثله في عَمَى العين. قال الخليل وسيبويه: لأنه خِلقة بمنزلة اليد والرِّجْل، فلم يقل ما أعماه كما لا يقال ما أيداه. الأخفش: لم يقل فيه ذلك لأنه على أكثر من ثلاثة أحرف، وأصله أعمى. وقد أجاز بعض النحويين ما أعماه وما أعشاه؛ لأن فعله عَمِيَ وعَشيَ. وقال الفراء: حدثني بالشأم شيخ بصرى أنه سمع العرب تقول: ما أسود شعره. قال الشاعر:

ما في المعالي لكم ظل ولا ثمروفي المخازي لكم أشباح أشياخ أما الملوك فأنت اليوم ألأمهملؤما وأبيضهم سِرْبال طبّاخ

وأمال أبو بكر وحمزة والكسائيّ وخَلَفَ الحرفين «أعمى» و«أعمى» وفتح الباقون. وأمال أبو عمرو الأول وفتح الثاني. {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} يعني أنه لا يجد طريقاً إلى الهداية.

وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ وَإِذًا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ۝٧٣

قال سعيد بن جبير:

كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود في طوافه، فمنعته قريش وقالوا: لا ندعك تستلم حتى تُلّم بآلهتنا. فحدّث نفسه وقال: «ما عليّ أن أُلِمّ بها بعد أن يَدَعُوني أستلم الحجر والله يعلم أني لها كاره» فأبى الله تعالى ذلك وأنزل عليه هذه الآية؛ قاله مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في وفد ثَقيف، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه شَططاً وقالوا: متّعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يُهْدَى لها، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا، وحَرّم وادينا كما حرّمت مكة، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم، فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك فنزلت هذه الآية. وقيل: هو قول أكابر قريش للنبيّ صلى الله عليه وسلم: اطرد عنا هؤلاء السُّقاط والموالي حتى نجلس معك ونسمع منك؛ فهمّ بذلك حتى نُهِي عنه. وقال قتادة: ذكر لنا أن قريشاً خلوْا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخّمونه، ويسوّدونه ويقاربونه؛ فقالوا: إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيّدُنا يا سيدنا؛ وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية. ومعنى {لَيَفْتِنُونَكَ} أي يزيلونك. يقال: فتنتُ الرجل عن رأيه إذا أزلته عما كان عليه؛ قاله الهَرَوِيّ. وقيل يصرفونك، والمعنى واحد. {عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} أي حكم القرآن؛ لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن. {لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} أي لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك، وهو قول ثقيف: وحَرّم وادينا كما حرمت مكة، شجرها وطيرها ووحشها، فإن سألتك العرب لم خصّصتهم فقل الله أمرني بذلك حتي يكون عذراً لك. {وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلاً، أي والوك وصافوك؛ مأخوذ من الخلة (بالضم) وهي الصداقة لممايلته لهم. وقيل: «لاتخذوك خليلاً» أي فقيراً. مأخوذ من الخَلّة (بفتح الخاء) وهي الفقر لحاجته إليهم.

وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا ۝٧٤ إِذًا لَّأَذَقْنَٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ۝٧٥

قوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} أي على الحق وعصمناك من موافقتهم. {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ} أي تميل. {شَيْئاً قَلِيلاً} أي ركونا قليلا. قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام:

اللَّهُمَّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين. وقيل: ظاهر الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وباطنه إخبار عن ثقيف. والمعنى: وإن كادوا ليركنونك، أي كادوا يخبرون عنك بأنك مِلتَ إلى قولهم؛ فنسب فعلهم إليه مجازاً واتساعاً؛ كما تقول لرجل: كدت تقتل نفسك، أي كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت، ذكره المهدَويّ. وقيل: ما كان منه هَمٌّ بالركون إليهم، بل المعنى: ولولا فضل الله عليك لكان منك مَيل إلى موافقتهم، ولكن تمّ فضل الله عليك فلم تفعل؛ ذكره القشيري. وقال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوماً، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه.

وقوله: {إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ} أي لو ركنت لأذقناك مثلي عذاب الحياة في الدنيا ومثلي عذاب الممات في الآخرة، قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وهذا غاية الوعيد. وكلما كانت الدرجة أعلى كان العذاب عند المخالفة أعظم. قال الله تعالى: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} وضعف الشيء مثله مرتين؛ وقد يكون الضِّعف النصيب؛ كقوله عز وجل: «لكلٍّ ضِعفٌ» أي نصيب. وقد تقدّم في الأعراف.

وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًا ۝٧٦

هذه الآية قيل إنها مدنية؛ حسبما تقدّم في أوّل السورة. قال ابن عباس: حسَدت اليهود مقام النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالوا: إن الأنبياء إنما بعثوا بالشأم، فإن كنت نبيًّا فالحق بها؛ فإنك إن خرجت إليها صدقناك وآمنا بك؛ فوقع ذلك في قلبه لما يُحِبُّ من إسلامهم، فرحَل من المدينة على مرحلة فأنزل الله هذه الآية. وقال عبد الرحمن بن غَنْم: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما نزل تبوك نزل {وإن كَادُوا لَيَستفزونك من الأرض} بعدما ختمت السورة، وأمر بالرجوع. وقيل: إنها مكية. قال مجاهد وقتادة: نزلت في همّ أهل مكة بإخراجه، ولو أخرجوه لما أمهلوا ولكن الله أمره بالهجرة فخرج، وهذا أصح؛ لأن السورة مكية، ولأن ما قبلها خبر عن أهل مكة، ولم يجر لليهود ذكر. وقوله: {مِنَ ٱلأَرْضِ} يريد أرض مكة. كقوله:

{ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ }[يوسف: 80] أي أرض مصر؛ دليله { وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ }[محمد: 13] يعني مكة. معناه: همّ أهلها بإخراجه؛ فلهذا أضاف إليها وقال: «أخرجتك». وقيل: همّ الكفار كلّهم أن يستخفّوه من أرض العرب بتظاهرهم عليه فمنعه الله، ولو أخرجوه من أرض العرب لم يُمْهَلُوا، وهو معنى قوله: {وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً}. وقرأ عطاء بن أبي رَباح «لا يُلَبَّثون» الباء مشددة. «خلفك» نافع وابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو، ومعناه بعدك. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائيّ «خلافك» واختاره أبو حاتم، اعتباراً بقوله: { فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ }[التوبة: 81] ومعناه أيضاً بعدك؛ قال الشاعر:

عَفَت الديار خلافهم فكأنمابسط الشّواطِبُ بينهن حَصِيراً

بسط البواسط؛ في الماورديّ. يقال: شطبت المرأة الجريد إذا شقته لتعمل منه الحصر. قال أبو عبيد: ثم تُلقيه الشاطبة إلى المُنَقِّية. وقيل: «خلفك» بمعنى بعدك. «وخلافك» بمعنى مخالفتك؛ ذكره ابن الأنباريّ. {إِلاَّ قَلِيلاً} فيه وجهان:

أحدهما: أن المدة التي لبثوها بعده ما بين إخراجهم له إلى قتلهم يوم بدر؛ وهذا قول من ذَكر أنهم قريش.

الثاني: ما بين ذلك وقتل بني قُريظة وجلاء بني النضير؛ وهذا قول من ذَكر أنهم اليهود.

سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ۝٧٧

قوله تعالى: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} أي يعذَّبون كسنة من قد أرسلنا؛ فهو نصب بإضمار يعذبون؛ فلما سقط الخافض عمل الفعل؛ قاله الفرّاء. وقيل: انتصب على معنى سننّا سنة من قد أرسلنا. وقيل: هو منصوب على تقدير حذف الكاف؛ التقدير لا يلبثون خلفك إلا قليلاً كسنة من قد أرسلنا؛ فلا يوقف على هذا التقدير على قوله: «إلا قليلا» ويوقف على الأول والثاني. «قبلك من رسلنا» وقف حسن. {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} أي لا خُلف في وعدها.

أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ۝٧٨

فيه سبع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} لما ذكر مكايد المشركين أمر نبيّه عليه السلام بالصبر والمحافظة على الصلاة، وفيها طلب النصر على الأعداء. ومثله

{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ }[الحجر: 97]. وتقدم القول في معنى إقامة الصلاة في أول سورة البقرة. وهذه الآية بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة. واختلف العلماء في الدُّلوك على قولين:

أحدهما: أنه زوال الشمس عن كبد السماء؛ قاله عمر وابنه وأبو هريرة وابن عباس وطائفة سواهم من علماء التابعين وغيرهم. الثاني ـ أن الدلوك هو الغروب؛ قاله عليّ وابن مسعود وأبيّ بن كعب، وروي عن ابن عباس. قال الماورديّ: من جعل الدُّلوك اسما لغروبها فلأن الإنسان يدلُك عينيه براحته لتبيّنها حالة المغيب، ومن جعله اسما لزوالها فلأنه يدلك عينيه لشدة شعاعها. وقال أبو عبيد: دلوكها غروبها. ودلكَتْ براح يعني الشمس؛ أي غابت. وأنشد قُطْرب:

هذا مُقامُ قَدَمَيْ رَبَاحِذَبّب حتى دَلكتْ بَراحِ

براح (بفتح الباء) على وزن حَزام وقطام ورقاس اسم من أسماء الشمس. ورواه الفرّاء (بكسر الباء) وهو جمع راحة وهي الكف؛ أي غابت وهو ينظر إليها وقد جعل كفّه على حاجبه. ومنه قول العَجّاج:

والشمس قد كادت تكون دَنَفَاأدفعها بالراح كي تَزَحْلَفَا

قال ابن الأعرابيّ: الزُّحلوفة مكان منحدر أملس، لأنهم يتزحلفون فيه. قال: والزَّحْلفة كالدّحرجة والدفع؛ يقال: زحلفته فتَزَحْلَف. ويقال: دلكت الشمس إذا غابت. قال ذو الرُّمَّة:

مصابيح ليست باللّواتي تقودهانجومٌ ولا بالآفلات الدّوالكِ

قال ابن عطية: الدلوك هو الميل ـ في اللغة ـ فأوّل الدلوك هو الزوال وآخره هو الغروب. ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكا، لأنها في حالة ميل. فذكر الله تعالى الصلوات التي تكون في حالة الدلوك وعنده، فيدخل في ذلك الظهر والعصر والمغرب، ويصح أن تكون المغرب داخلة في غَسَق الليل. وقد ذهب قوم إلى أن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب؛ لأن الله سبحانه علق وجوبها على الدلوك، وهذا دلوك كله؛ قاله الأوزاعيّ وأبو حنيفة في تفصيل. وأشار إليه مالك والشافعيّ في حالة الضرورة.

الثانية: قوله تعالى: {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ} روى مالك عن ابن عباس قال: دلوك الشمس ميلها، وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته. وقال أبو عبيدة: الغسق سواد الليل. قال ابن قَيْس الرُّقَيّات:

إن هذا الليل قد غَسَقَاواشتكيْتُ الهَمّ والأرَقَا

وقد قيل: غسق الليل مغيب الشفق. وقيل: إقبال ظلمته. قال زهير:

ظلّت تجود يداها وهي لاهيةحتى إذا جنح الإظلام والغَسق

يقال: غسق الليل غسوقا. والغَسَق اسم بفتح السين. وأصل الكلمة من السيلان؛ يقال: غَسَقت العين إذا سالت، تَغْسِق. وغَسَق الجرح غَسَقانا، أي سال منه ماء أصفر. وأغسق المؤذّن، أي أخر المغرب إلى غِسَق الليل. وحكى الفراء: غَسَق الليل وأغسق، وظَلِم وأظلم، ودجا وأدجى، وغَبَس وأغبس، وغَبِش وأغبش. وكان الربيع بن خُثيم يقول لمؤذنه في يوم غَيْم: أغسق أغسق. يقول: أخر المغرب حتى يَغسِق الليل، وهو إظلامه.

الثالثة: اختلف العلماء في آخر وقت المغرب؛ فقيل: وقتها وقت واحد لا وقت لها إلا حين تحجب الشمس، وذلك بيّنٌ في إمامة جبريل؛ فإنه صلاها باليومين لوقت واحد وذلك غروب الشمس، وهو الظاهر من مذهب مالك عند أصحابه. وهو أحد قولي الشافعيّ في المشهور عنه أيضاً، وبه قال الثوري. وقال مالك في الموطأ: فإذا غاب الشفق فقد خرجْتَ من وقت المغرب ودخل وقت العشاء. وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والحسن ابن حيّ وإسحاق وأبو ثَور وداود؛ لأن وقت الغروب إلى الشفق غسق كله. ولحديث أبي موسى، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالسائل المغرب في اليوم الثاني فأخّر حتى كان عند سقوط الشفق؛ خرجه مسلم. قالوا: وهذا أولى من أخبار إمامة جبريل؛ لأنه متأخر بالمدينة وإمامة جبريل بمكة، والمتأخر أولى من فعله وأمره؛ لأنه ناسخ لما قبله. وزعم ابن العربيّ أن هذا القول هو المشهور من مذهب مالك، وقوله في موطَّئه الذي أقرأه طول عمره وأملاه في حياته.

والنكتة في هذا أن الأحكام المتعلقة بالأسماء هل تتعلق بأوائلها أو بآخرها أو يرتبط الحكم بجميعها؟ والأقوى في النظر أن يرتبط الحكم بأوائلها لئلا يكون ذكرها لغواً فإذا ارتبط بأوائلها جرى بعد ذلك النظر في تعلقه بالكلّ إلى الآخر.

قلت: القول بالتّوسعة أرجح. وقد خرّج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي الزبير عن جابر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قريباً من غروب الشمس فلم يُصَلّ المغرب حتى أتى سَرِف، وذلك تسعة أميال. وأما القول بالنسخ فليس بالبيّن وإن كان التاريخ معلوماً؛ فإن الجمع ممكن. قال علماؤنا: تُحمل أحاديث جبريل على الأفضلية في وقت المغرب، ولذلك اتفقت الأمة فيها على تعجيلها والمبادرة إليها في حين غروب الشمس. قال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: ولا نعلم أحداً من المسلمين تأخّر بإقامة المغرب في مسجد جماعة عن وقت غروب الشمس. وأحاديث التّوسعة تبين وقت الجواز، فيرتفع التعارض ويصح الجمع، وهو أولى من الترجيح باتفاق الأصوليين؛ لأن فيه إعمال كل واحد من الدليلين، والقول بالنسخ أو الترجيح فيه إسقاط أحدهما. والله أعلم.

الرابعة: قوله تعالى: {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} انتصب «قرآن» من وجهين: أحدهما أن يكون معطوفاً على الصلاة؛ المعنى: وأقم قرآن الفجر أي صلاة الصبح؛ قاله الفراء. وقال أهل البصرة. انتصب على الإغراء؛ أي فعليك بقرآن الفجر؛ قاله الزجاج. وعبّر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات؛ لأن القرآن هو أعظمها، إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور؛ عن الزجاج أيضاً.

قلت: وقد استقرّ عمل المدينة على استحباب إطالة القراءة في الصبح قدرا لا يضر بمن خلفه ـ يقرأ فيها بطوال المفصَّل، ويليها في ذلك الظهر والجمعة ـ وتخفيف القراءة في المغرب وتوسطها في العصر والعشاء. وقد قيل في العصر: إنها تخفّف كالمغرب. وأما ما ورد في صحيح مسلم وغيره من الإطالة فيما استقرّ فيه التقصير، أو من التقصير فيما استقرّت فيه الإطالة؛ كقراءته في الفجر المعوذتين ـ كما رواه النَّسائي ـ وكقراءة الأعراف والمرسلات والطور في المغرب، فمتروك بالعمل. ولإنكاره على معاذ التطويل حين أمّ قومه في العشاء فافتتح سورة البقرة. خرّجه الصحيح. وبأمره الأئمة بالتخفيف فقال:

أيها الناس إن منكم منفّرين فأيكم أمّ الناس فليخفف فإن فيهم الصغير والكبير والمريض والسقيم والضعيف وذا الحاجة. وقال: فإذا صلى أحدكم وحده فليطوّل ما شاء. كله مسطور في صحيح الحديث.

الخامسة: قوله تعالى: {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} دليل على أن لا صلاة إلا بقراءة؛ لأنه سَمَّى الصلاة قرآناً. وقد اختلف العلماء في القراءة في الصلاة فذهب جمهورهم إلى وجوب قراءة أم القرآن للإمام والفَذّ في كل ركعة. وهو مشهور قول مالك. وعنه أيضاً أنها واجبة في جُلّ الصلاة. وهو قول إسحاق. وعنه أيضاً تجب في ركعة واحدة؛ قاله المُغِيرة وسُحْنُون. وعنه أن القراءة لا تجب في شيء من الصلاة. وهو أشدّ الروايات عنه. وحُكي عن مالك أيضاً أنها تجب في نصف الصلاة، وإليه ذهب الأوزاعيّ. وعن الأوزاعيّ أيضاً وأيوب أنها تجب على الإمام والفَذّ والمأموم على كل حال. وهو أحد قولي الشافعيّ. وقد مضى في (الفاتحة) مستوفًى.

السادسة: قوله تعالى: {كَانَ مَشْهُوداً} روى الترمذيّ عن أبي هريرة

عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وقرآنَ الفجرِ إن قرآن الفَجْرِ كان مشهوداً} قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهارهذا حديث حسن صحيح. ورواه عليّ بن مُسْهِر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وروى البخاريّ عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:فَضْلُ صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح. يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم «وقرآنَ الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا». ولهذا المعنى يُبَكّر بهذه الصلاة، فمن لم يبكر لم تشهد صلاته إلا إحدى الفئتين من الملائكة. ولهذا المعنى أيضاً قال مالك والشافعيّ: التغليس بالصبح أفضل. وقال أبو حنيفة: الأفضل الجمع بين التغليس والإسفار، فإن فاته ذلك فالإسفار أوْلَى من التغليس. وهذا مخالف لما كان عليه السلام يفعله من المداومة على التغليس، وأيضاً فإن فيه تفويتَ شهود ملائكة الليل. والله أعلم.

السابعة: استدلّ بعض العلماء بقوله صلى الله عليه وسلم:

تشهده ملائكة الليل وملائكة النهارعلى أن صلاة الصبح ليست من صلاة الليل ولا من صلاة النهار.

قلت: وعلى هذا فلا تكون صلاة العصر أيضاً لا من صلاة الليل ولا من صلاة النهار؛ فإن في الصحيح عن النبيّ الفصيح عليه السلام فيما رواه أبو هريرة:

يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجرالحديث. ومعلوم أن صلاة العصر من النهار فكذلك تكون صلاة الفجر من الليل وليس كذلك، وإنما هي من النهار كالعصر بدليل الصيام والأيمان، وهذا واضح.

وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ۝٧٩

فيه ست مسائل: الأولى:

قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ} «من» للتبعيض. والفاء في قوله «فتهجّد» ناسقة على مضمر، أي قم فتهجد. {بِهِ} أي بالقرآن. والتَّهَجُّد من الهجود وهو من الأضداد. يقال: هجد نام، وهجد سهر؛ على الضد. قال الشاعر:

ألا زارَتْ وأهلُ مِنًى هجودوليْت خيالها بمنًى يعود

آخر:

ألاَ طرقتنا والرّفاق هجودفباتت بِعَلاّت النوال تجود

يعني نِياماً. وهجد وتهجد بمعنًى. وهجّدته أي أنمته، وهجدته أي أيقظته. والتهجّد التيقظ بعد رَقْدة، فصار اسما للصلاة؛ لأنه ينتبه لها. فالتهجد القيام إلى الصلاة من النوم. قال معناه الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهم. وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث الحجاج بن عمر صاحب النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل كلّه أنه قد تهجد! إنما التهجد الصلاة بعد رقْدة ثم الصلاة بعد رقْدة ثم الصلاة بعد رقدة. كذلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: الهجود النوم. يقال: تهجد الرجل إذا سَهِر، وألقى الهجود وهو النوم. ويسمى من قام إلى الصلاة متهجدا؛ لأن المتهجد هو الذي يُلقي الهجود الذي هو النوم عن نفسه. وهذا الفعل جارٍ مجرى تحوّب وتحرّج وتأثّم وتحنّث وتقذّر وتنجّس؛ إذا ألقى ذلك عن نفسه. ومثله قوله تعالى: { فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ }[الواقعة: 65] معناه تندّمون؛ أي تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، وهي انبساط النفوس وسرورها. يقال رجل فَكِه إذا كان كثير السرور والضحك. والمعنى في الآية: ووقتا من الليل أسهرته في صلاة وقراءة.

الثانية: قوله تعالى: {نَافِلَةً لَّكَ} أي كرامة لك؛ قاله مقاتل. واختلف العلماء في تخصيص النبيّ صلى الله عليه وسلم بالذكر دون أمته؛ فقيل: كانت صلاة الليل فريضة عليه لقوله: «نافلة لك» أي فريضة زائدة على الفريضة الموظفة على الأمة.

قلت: وفي هذا التأويل بعدٌ لوجهين:

أحدهما: تسمية الفرض بالنفل، وذلك مجاز لا حقيقة.

الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم:

خمس صلوات فرضهن الله على العباد، وقوله تعالى:هن خمس وهن خمسون لا يبدّل القول لَدَيَّوهذا نص، فكيف يقال افترض عليه صلاة زائدة على الخمس، هذا ما لا يصح، وإن كان قد روي عنه عليه السلام: ثلاث عليّ فريضة ولأمتي تطوع قيام الليل والوتر والسّواك. وقيل: كانت صلاة الليل تطوعاً منه وكانت في الابتداء واجبة على الكل، ثم نسخ الوجوب فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة، كما قالت عائشة، على ما يأتي مبيّناً في سورة «المزمّل» إن شاء الله تعالى. وعلى هذا يكون الأمر بالتنفل على جهة الندب ويكون الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مغفور له. فهو إذا تطوّع بما ليس بواجب عليه كان ذلك زيادة في الدرجات. وغيره من الأمة تطوّعهم كفارات وتدارك لخلل يقع في الفرض؛ قال معناه مجاهد وغيره. وقيل: عطية؛ لأن العبد لا ينال من السعادة عطاء أفضل من التوفيق في العبادة.

الثالثة: قوله تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} اختلف في المقام المحمود على أربعة أقوال:

الأوّل: وهو أصحها ـ الشفاعة للناس يوم القيامة؛ قاله حُذيفة بن اليَمَان. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثاً كل أمة تتبع نبيها تقول: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقامَ المحمود. وفي صحيح مسلم عن أنس قال حدّثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال:

إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له اشفع لذرّيتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام فإنه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيؤتى موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمته فيؤتى عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأُوتَى فأقول أنا لهاوذكر الحديث. وروى الترمذِيّ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:عسى أن يبعثك ربُّك مقاماً محموداً سئل عنها قال: هي الشفاعةقال: هذا حديث حسن صحيح.

الرابعة: إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء عليهم السلام، حتى ينتهي الأمر إلى نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع هذه الشفاعة لأهل الموقف ليعجّل حسابهم ويراحوا من هول موقفهم، وهي الخاصة به صلى الله عليه وسلم؛ ولأجل ذلك قال:

أنا سيد ولد آدم ولا فخر. قال النقاش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات: العامة، وشفاعة في السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر. ابن عطية: والمشهور أنهما شفاعتان فقط: العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار. وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء. وقال القاضي أبو الفضل عِياض: شفاعات نبينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة خمس شفاعات: العامة. والثانية في إدخال قوم الجنة دون حساب. الثالثة في قوم من موحِّدِي أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم، ومَن شاء الله أن يشفع ويدخلون الجنة. وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهي الاستحقاق العقلي المبنيّ على التحسين والتقبيح. الرابعة فيمن دخل النار من المذنبين فيخرجون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم المؤمنين. الخامسة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها، وهذه لا تنكرها المعتزلة ولا تنكر شفاعة الحشر الأوّل.

الخامسة: قال القاضي عِياض: وعرف بالنقل المستفيض سؤالُ السلف الصالح لشفاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يلتفت لقول من قال: إنه يكره أن تسأل الله أن يرزقك شفاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنها لا تكون إلا للمذنبين، فإنها قد تكون كما قدّمنا لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات. ثم كل عاقل معترف بالتقصير محتاج إلى العفو غير معتدٍّ بعمله مشفق أن يكون من الهالكين، ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة؛ لأنها لأصحاب الذنوب أيضاً، وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف. روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ الوسيلة والفضيلة وٱبعثه مقاماً محموداً الذي وعدتَه حلّت له شفاعتي يوم القيامة».

القول الثاني ـ أن المقام المحمود إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة.

قلت: وهذا القول لا تنافر بينه وبين الأوّل؛ فإنه يكون بيده لواء الحمد ويشفع. روى الترمذي عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبيّ يومئذ آدمَ فمن سواه إلا تحت لوائيالحديث.

القول الثالث ـ ما حكاه الطبري عن فرقة، منها مجاهد، أنها قالت: المقام المحمود هو أن يُجلس الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم معه على كرسيّه؛ وروت في ذلك حديثاً. وعَضَد الطبريّ جواز ذلك بشططٍ من القول، وهو لا يخرج إلا على تلطُّف في المعنى، وفيه بُعْدٌ. ولا يُنْكَر مع ذلك أن يروَى، والعلم يتأوّله. وذكر النقاش عن أبي داود السِّجسْتَانيّ أنه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا مُتَّهَم، ما زال أهل العلم يتحدّثون بهذا، من أنكر جوازه على تأويله. قال أبو عمر: ومجاهد وإن كان أحد الأئمة يتأوّل القرآن فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم: أحدهما هذا والثاني في تأويل قوله تعالى:

{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌإِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }[القيامة: 22] قال: تنتظر الثواب؛ ليس من النظر.

قلت: ذكر هذا في باب ٱبنُ شهاب في حديث التنزيل. وروي عن مجاهد أيضاً في هذه الآية قال: يُجلسه على العرش. وهذا تأويل غير مستحيل؛ لأن الله تعالى كان قبل خلقه الأشياء كلَّها والعرشَ قائماً بذاته، ثم خلق الأشياء من غير حاجة إليها، بل إظهاراً لقدرته وحكمته، وليُعرف وجوده وتوحيده وكمال قدرته وعلمه بكل أفعاله المحكمة، وخلق لنفسه عرشاً استوى عليه كما شاء من غير أن صار له مماساً، أو كان العرش له مكاناً. قيل: هو الآن على الصفة التي كان عليها من قبل أن يخلق المكان والزمان؛ فعلى هذا القول سواء في الجواز أقعد محمد على العرش أو على الأرض؛ لأن استواء الله تعالى على العرش ليس بمعنى الانتقال والزوال وتحويل الأحوال من القيام والقعود والحال التي تشغل العرش، بل هو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كَيْفٍ. وليس إقعاده محمداً على العرش موجباً له صفة الربوبية أو مُخرجاً له عن صفة العبودية، بل هو رفع لمحله وتشريف له على خلقه. وأما قوله في الإخبار: «معه» فهو بمنزلة قوله:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ }[الأعراف: 206]، { رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ }[التحريم: 11]، { وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }[العنكبوت: 69] ونحو ذلك. كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحُظْوة والدرجة الرفيعة، لا إلى المكان.

الرابع: إخراجه من النار بشفاعته من يخرج؛ قاله جابر بن عبد الله. ذكره مسلم. وقد ذكرناه في (كتاب التذكرة) والله الموفق.

السادسة: اختلف العلماء في كون القيام بالليل سبباً للمقام المحمود على قولين: أحدهما ـ أن البارىء تعالى يجعل ما شاء من فعله سبباً لفضله من غير معرفة بوجه الحكمة فيه، أو بمعرفة وجه الحكمة. الثاني ـ أن قيام الليل فيه الخلوة مع الباريء والمناجاة دون الناس، فأعطى الخلوة به ومناجاته في قيامه وهو المقام المحمود. ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم، فأجلّهم فيه درجة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يُعْطي ما لا يُعطى أحد ويشفع ما لا يشفع أحد. و «عسى» من الله عز وجل واجبة. و «مقاماً» نصب على الظرف. أي في مقام أو إلى مقام. وذكر الطبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي». فالمقام الموضع الذي يقوم فيه الإنسان للأمور الجليلة كالمقامات بين يدي الملوك.

وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَٰنًا نَّصِيرًا ۝٨٠

قيل: المعنى أمتني إماتة صدق، وابعثني يوم القيامة مبعث صدق؛ ليتصل بقوله {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا}. كأنه لما وعده ذلك أمره أن يدعو ليُنْجِز له الوعد. وقيل: أدخلني في المأمور وأخرجني من المنهِيّ. وقيل: علّمه ما يدعو به في صلاته وغيرها من إخراجه من بين المشركين وإدخاله موضع الأمن؛ فأخرجه من مكة وصيره إلى المدينة. وهذا المعنى رواه الترمذي عن ابن عباس قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة فنزلت «وقل رب أدخلني مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخرجني مُخْرَج صِدقٍ واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً» قال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الضحاك: هو خروجه من مكة ودخوله مكة يوم الفتح آمناً. أبو سهل: حين رجع من تبُوك وقد قال المنافقون:

{ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ }[المنافقون: 8] يعني إدخال عز وإخراج نصر إلى مكة. وقيل: المعنى أدخلني في الأمر الذي أكرمتني به من النبوّة مدخل صدق وأخرجني منه مخرج صدق إذا أمَتَّنِي؛ قال معناه مجاهد. والمدخل والمخرج (بضم الميم) بمعنى الإدخال والإخراج؛ كقوله: { أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً }[المؤمنون: 29] أي إنزالاً لا أرى فيه ما أكره. وهي قراءة العامة. وقرأ الحسن وأبو العالية ونصر بن عاصم «مَدخل» و «مخرج» بفتح الميمين بمعنى الدخول والخروج؛ فالأوّل رباعي وهذا ثلاثي. وقال ابن عباس: أدخلني القبر مدخل صدق عند الموت وأخرجني مخرج صدق عند البعث. وقيل: أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق وأخرجني بالصدق؛ أي لا تجعلني ممن يدخل بوجه ويخرج بوجه؛ فإن ذا الوجهين لا يكون وجيهاً عندك. وقيل: الآية عامة في كل ما يُتناول من الأمور ويحاول من الأسفار والأعمال، ويُنتظر من تصرف المقادير في الموت والحياة. فهي دعاء، ومعناه: رب أصلح لي وِرْدي وصدري في كل الأمور. وقوله: {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} قال الشعبيّ وعكرمة: أي حجة ثابتة. وذهب الحسن إلى أنه العز والنصر وإظهار دينه على الدين كله. قال: فوعده الله لَيَنْزِعنّ مُلك فارس والروم وغيرها فيجعله له.

وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَٰطِلُ إِنَّ ٱلْبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا ۝٨١

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: روى البخاريّ والترمذيّ عن ابن مسعود قال: دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلثمائة وستون نُصُباً، فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم يطعنها بمِخصرة في يده ـ وربما قال بعود ـ ويقول:

جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً. جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيدلفظ الترمذيّ. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وكذا في حديث مسلم «نُصُباً». وفي رواية صنماً. قال علماؤنا: إنما كانت بهذا العدد لأنهم كانوا يعظِّمون في يوم صنماً ويخصون أعظمها بيومين. وقوله: «فجعل يطعنها بعود في يده» يقال: إنها كانت مثبتة بالرَّصاص وأنه كلما طعن منها صنماً في وجهه خرّ لقفاه، أو في قفاه خرّ لوجهه. وكان يقول:جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاًحكاه أبو عمر والقاضي عِياض. وقال القشيريّ: فما بقي منها صنم إلا خرّ لوجهه، ثم أَمَر بها فكسرت.

الثانية: في هذه الآية دليل على كسر نُصب المشركين وجميع الأوثان إذ غُلب عليهم، ويدخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله، وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله تعالى. قال ابن المنذر: وفي معنى الأصنام الصُّوَرُ المتَّخَذة من المَدَر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهيّ عنه. ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص، إذا غُيِّرت عما هي عليه وصارت نُقراً أو قطعاً فيجوز بيعها والشِّراء بها. قال المهلّب: وما كسر من آلات الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعةٌ فصاحبها أوْلَى بها مكسورة إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في المال. وقد تقدّم حرق ابن عمر رضي الله عنه. وقد همّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة. وهذا أصل في العقوبة في المال مع

قوله عليه السلام في الناقة التي لعنتها صاحبتها: «دعوها فإنها ملعونة» فأزال ملكها عنها تأديباً لصاحبتها، وعقوبة لها فيما دعت عليه بما دعت به. وقد أراق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لَبَناً شِيب بماء على صاحبه.

الثالثة: ما ذكرنا من تفسير الآية ينظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم:

والله لينزلنّ عيسى ابن مريم حكماً عادلاً فَلَيَكْسِرَنّ الصليب وَلَيَقْتُلَنّ الخنزير وَلَيَضَعنّ الجِزْية وَلَتُتْركَن القِلاصُ فلا يُسعى عليهاالحديث. خرجه الصحيحان. ومن هذا الباب هتك النبيّ صلى الله عليه وسلم الستر الذي فيه الصور، وذلك أيضاً دليل على إفساد الصور وآلات الملاهي كما ذكرنا. وهذا كله يحظر المنع من اتخاذها ويوجب التغيير على صاحبها. إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم؛ وحسبك! وسيأتي هذا المعنى في «النمل» إن شاء الله تعالى

قوله تعالى: {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ} أي الإسلام. وقيل: القرآن؛ قاله مجاهد. وقيل: الجهاد. {وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ} قيل: الشرك. وقيل: الشيطان؛ قاله مجاهد. والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة، فيكون التفسير جاء الشرع بجميع ما انطوى فيه. «وزهق الباطل»: بطل الباطل. ومن هذا زهوق النفس وهو بطلانها. يقال: زَهقت نفسه تَزَهق زهوقاً، وأزهقتها. {إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} أي لا بقاء له، والحق الذي يثبت.

وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ۝٨٢

فيه سبع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ} قرأ الجمهور بالنون. وقرأ مجاهد «ويُنْزِل» بالياء خفيفة، ورواها المروزيّ عن حفص. و «مِن» لابتداء الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس؛ كأنه قال: وننزل ما فيه شفاء من القرآن. وفي الخبر. «من لم يَسْتَشْفِ بالقرآن فلا شفاه الله». وأنكر بعض المتأولين أن تكون «مِن» للتبعيض؛ لأنه يحفظ من أن يلزمه أن بعضه لا شفاء فيه. ابن عطية: وليس يلزمه هذا، بل يصح أن تكون للتبعيض بحسب أن إنزاله إنما هو مبعَّض؛ فكأنه قال: وننزل من القرآن شيئاً شفاء؛ ما فيه كله شفاء.

الثانية: اختلف العلماء في كونه شفاء على قولين: أحدهما ـ أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الرّيب، ولكشف غطاء القلب من مرض الجهل لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى. الثاني ـ شفاء من الأمراض الظاهرة بالرُّقى والتعوّذ ونحوه. وقد روى الأئمة ـ واللفظ للدارقطنيّ ـ

عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَرِيّة ثلاثين راكباً قال: فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن يُضيفونا فأبَوْا؛ قال: فُلِدغ سيد الحيّ، فأتونا فقالوا: فيكم أحد يَرْقِي من العقرب؟ في رواية ابن قَتّة: إن الملك يموت. قال: قلت أنا نعم، ولكن لا أفعل حتى تعطونا. فقالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة. قال: فقرأت عليه «الحمد لله رب العالمين» سبع مرات فبرأ. في رواية سليمان بن قتة عن أبي سعيد: فأفاق وبرأ. فبعث إلينا بالنُّزل وبعث إلينا بالشاء، فأكلنا الطعام أنا وأصحابي وأبَوْا أن يأكلوا من الغنم، حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فقال: «وما يدريك أنها رقية» قلت: يا رسول الله، شيء ألقي في رُوِعي. قال: كلوا وأطعمونا من الغنمخرّجه في كتاب السنن. وخرّج في (كتاب المديح) من حديث السَّرِيّ بن يحيى قال: حدثني المعتمر بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن الحسن عن أبي أُمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ينفع باذن الله تعالى من البرص والجنون والجذام والبطن والسُّلّ والحمُى والنّفْس أن تكتب بزعفران أو بمشق ـ يعني المَغْرة ـ أعوذ بكلمات الله التامة وأسمائه كلّها عامةً من شر السّامة والعامّة ومن شر العين اللامّة ومن شر حاسد إذا حسد ومن أبي فَروة وما ولد. كذا قال، ولم يقل من شر أبي قِترة. العين اللامّة: التي تصيب بسوء. تقول: أعِيذه من كل هامّة لامّة. وأما قوله: أعيذه من حادثات اللّمة فيقال: هو الدهر. ويقال الشدة. والسامة: الخاصة. يقال: كيف السامة والعامة. والسامة السم. ومن أبي فروة وما ولد. وقال: ثلاثة وثلاثون من الملائكة أتْوا ربّهم عز وجل فقالوا: وَصَبٌ بأرضنا. فقال: خذوا تربة من أرضكم فٱمسحوا نواصيَكم. أو قال: نواصيكم رقية محمد صلى الله عليه وسلم لا أفلح من كتمها أبداً أو أخذ عليها صَفَدا». ثم كتب فاتحة الكتاب وأربع آيات من أول البقرة، والآية التي فيها تصريف الرياح وآية الكرسي والآيتين اللتين بعدها، وخواتيم سورة البقرة من موضع {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} إلى آخرها، وعشراً من أوّل «آل عمران» وعشراً من آخرها، وأوّل آية من النساء، وأوّل آية من المائدة، وأوّل آية من الأنعام، وأوّل آية من الأعراف، والآية التي في الأعراف { إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ }[الأعراف: 54] حتى تختم الآية؛ والآية التي في «يونس» من موضع { قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ به السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ }[يونس: 81]، والآية التي في طه { وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ }[طه: 69]، وعشرا من أوّل الصافات، و{قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}، والمعوِّذَتين. تكتب في إناء نظيف ثم تغسل ثلاث مرات بماء نظيف ثم يحثو منه الوجع ثلاث حَثَوات ثم يتوضأ منه كوضوئه للصلاة ويتوضأ قبل وضوئه للصلاة حتى يكون على طهر قبل أن يتوضأ به ثم يصب على رأسه وصدره وظهره ولا يستنجي به ثم يصلي ركعتين ثم يستشفي الله عز وجل؛ يفعل ذلك ثلاثة أيام، قدر ما يكتب في كل يوم كتاباً. في رواية: ومن شر أبي قِتْرة وما ولد. وقال: «فٱمسحوا نواصيكم» ولم يشك. وروى البخاريّ عن عائشة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَنْفِث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوِّذات فلما ثقل كنت أنْفِث عليه بهن وأمسح بيده نفِسه لبركتها. فسألت الزهري كيف كان ينفِث؟ قال: كان يَنْفِث على يديه ثم يمسح بهما وجهه. وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوِّذتين وتَفَل أو نَفَث. قال أبو بكر بن الأنباري: قال اللغويون تفسير «نفث» نفخ نفخاً ليس معه ريق. ومعنى «تَفَل» نفخ نفخاً معه ريق. قال الشاعر:

فإن يَبْرأ فلم أنْفِث عليهوإن يُفْقَد فحقَّ له الفُقود

وقال ذو الرُّمَّة:

ومِن جَوْف ماءٍ عَرْمَض الحَولِ فوقهمتى يَحْسُ منه مائحُ القوم يَتْفُلِ

أراد ينفخ بريق. وسيأتي ما للعلماء في النفث في سورة الفلق إن شاء الله تعالى

الثالثة: روى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره الرُّقى إلا بالمعوِّذات. قال الطبري: وهذا حديث لا يجوز الاحتجاج بمثله في الدِّين؛ إذ في نقلته من لا يُعرف. ولو كان صحيحاً لكان إما غلطاً وإما منسوخاً؛

لقوله عليه السلام في الفاتحة «ما أدراك أنها رُقية». وإذا جاز الرقي بالمعوذتين وهما سورتان من القرآن كانت الرقية بسائر القرآن مثلهما في الجواز إذ كله قرآن. وروي عنه عليه السلام أنه قال:شفاء أمتي في ثلاثٍ، آية من كتاب الله أو لعقة من عسل أو شرطة من محِجم. وقال رجاء الغَنَوِيّ: ومن لم يستشف بالقرآن فلا شفاء له.

الرابعة ــ واختلف العلماء في النَّشرة، وهي أن يكتب شيئا من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء ثم يسمح به المريض أو يسقيه، فأجازها سعيد بن المسيِّب. قيل له: الرجل يؤخذ عن امرأته أيُحَلّ عنه ويُنْشر؟ قال: لا بأس به، وما ينفع لم ينه عنه. ولم ير مجاهد أن تكتب آيات من القرآن ثم تغسل ثم يسقاه صاحب الفزع. وكانت عائشة تقرأ بالمعوِّذتين في إناء ثم تأمر أن يصب على المريض. وقال المازَرى أبو عبد الله: النُّشرة أمر معروف عند أهل التعزيم؛ وسُمّيت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها أى تحُلّ. ومنعها الحسن وإبراهيم النَّخعيّ، قال النَّخعىّ: أخاف أن يصيبه بلاء؛ وكأنه ذهب إلى أنه ما محى به القرآن فهو إلى أن يعقب بلاء أقرب منه إلى أن يفيد شفاء. وقال الحسن: سألت أنَسا فقال: ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها من الشيطان. وقد روى أبو داود من حديث جابر ابن عبد الله قال؛

سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النشرة فقال:«هي من عمل الشيطان». قال ابن عبد البر: وهذه آثار لينة ولها وجوه محتملة، وقد قيل: إن هذا محمول على ما إذا كانت خارجة عما في كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، وعن المداواة المعروفة. والنشرة من جنس الطب فهي غسالة شيء له فضل، فهي كوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال صلى الله عليه وسلم:لا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيه شرك ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل».

قلت: قد ذكرنا النص في النشرة مرفوعا وأن ذلك لا يكون إلا من كتاب الله فليعتمد عليه.

الخامسة ــ قال مالك: لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله عز وجل على أعناق المرضى على وجه التبرك بها إذا لم يرد معلقها بتعليقها مدافعة العين. وهذا معناه قبل أن ينزل به شيء من العين. وعلى هذا القول جماعة أهل العلم، لا يجوز عندهم أن يعلق على الصحيح من البهائم أو بني آدم شيء من العلائق خوف نزول العين، وكل ما يعلق بعد نزول البلاء من أسماء الله عز وجل وكتابه رجاء الفرج والبرء من الله تعالى، فهو كالرُّقى المباح الذي وردت السنة بإباحته من العين وغيرها. وقد روى عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا فزع أحدكم في نومه فليقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وسوء عقابه ومن شر الشياطين وأن يحضرون. وكان عبد الله يعلمها ولده من أدرك منهم، ومن لم يدرك كتبها وعلقها عليه. فإن قيل: فقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من علق شيئا وكل إليهورأى ابن مسعود على أمّ ولده تميمة مربوطة فجبَذَها جَبْذا شديدا فقطعها وقال: إن آل ابن مسعود لأغنياء عن الشرك، ثم قال: إن التمائم والرقى والتولة من الشرك. قيل: ما التِّوْلَة؟ قال: ما تحببت به لزوجها. وروى عن عقبة بن عامر الجهنى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له قلبا. قال الخليل بن أحمد: التميمة قلادة فيها عوذ، والودعة خرز. وقال أبو عمر: التميمة في كلام العرب القلادة، ومعناه عند أهل العلم ما علق في الأعناق من القلائد خشية العين أو غيرها (من أنواع البلا وكأن المعنى في الحديث من يعلق خشية ما عسى) أن ينزل أو لا ينزل قبل أن ينزل، فلا أتمّ الله عليه صحته وعافيته، ومن تعلق ودعة ـ وهي مثلها في المعنى ـ فلا ودع الله له؛ أي فلا بارك الله له ما هو فيه من العافية. والله أعلم. وهذا كله تحذير مما كان أهل الجاهلية يصنعونه من تعليق التمائم والقلائد، ويظنون أنها تقيهم وتصرف عنهم البلاء، وذلك لا يصرفه إلا الله عز وجل، وهو المعافي والمبتلي، لا شريك له، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كانوا يصنعون من ذلك في جاهليتهم. وعن عائشة قالت: ما تعلق بعد نزول البلاء فليس من التمائم. وقد كره بعض أهل العلم تعليق التميمة على كل حال قبل نزول البلاء وبعده. والقول الأول أصح في الأثر والنظر إن شاء الله تعالى. وما روى عن ابن مسعود يجوز أن يريد بما كره تعليقه غير القرآن أشياء مأخوذة عن العرافين والكهان؛ إذ الاستشفاء بالقرآن معلقا وغير معلق لا يكون شركا، وقوله عليه السلام:من علّق شيئا وكل إليه. فمن علّق القرآن ينبغي أن يتولاه الله ولا يكله إلى غيره. لأنه تعالى هو المرغوب إليه والمتوكل عليه في الأستشفاء بالقرآن. وسئل ابن المسيِّب عن التعويذ أيعلّق؟ قال: إذا كان في قصبة أو رقعة يحرز فلا بأس به. وهذا على أن المكتوب قرآن. وعن الضحاك أنه لم يكن يرى بأسا أن يعلّق الرجل الشيء من كتاب الله إذا وضعه عند الجماع وعند الغائط. ورخص أبو جعفر محمد بن علي في التعويذ يعلّق على الصبيان. وكان ابن سيرين لا يرى بأسا بالشيء من القرآن يعلّقه الإنسان.

السادسة ــ قوله تعالى: {وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} تفريج الكروب وتطهير العيوب وتكفير الذنوب مع ما تفضل به تعالى من الثواب في تلاوته؛ كما روى الترمذي عن عبد الله ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف بل ألفٌ حرف ولامٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ. قال هذا حديث حسن صحيح غريب وقد تقدم. {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} لتكذيبهم. قال قتادة: ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، ثم قرأ:«ونُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ مَا هُو شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِين} الآية ونظير هذه الآية قوله: { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى }[فصلت: 44] وقيل: شفاء في الفرائض والأحكام لما فيه من البيان.
السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ