انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير القرطبيالآيات 46–70

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير القرطبي.

وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُورًا ۝٤٦

قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} «أكِنة» جمع كِنان، وهو ما ستر الشيء. وقد تقدم في «الأنعام». {أَن يَفْقَهُوهُ} أي لئلا يفقهوه، أو كراهية أن يفقهوه، أي أن يفهموا ما فيه من الأوامر والنواهي والحِكم والمعاني. وهذا ردّ على القدرية. {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} أي صمماً وثقلاً. وفي الكلام إضمار، أي أن يسمعوه. {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ} أي قلت: لا إلٰه إلا الله وأنت تتلو القرآن. وقال أبو الجَوْزاء أوْس بن عبد الله: ليس شيء أطْرَدَ للشيطان من القلب من قول لا إلٰه إلا الله، ثم تلا {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً}. وقال علي بن الحسين: هو قوله بسم الله الرحمٰن الرحيم. وقد تقدم هذا في البسملة. {وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} قيل: يعني بذلك المشركين. وقيل: الشياطين. وَ«نُفُوراً» جمع نافر؛ مثل شهود جمع شاهد، وقعود جمع قاعد، فهو منصوب على الحال. ويجوز أن يكون مصدراً على غير الصدر؛ إذ كان قوله «وَلَّوْا» بمعنى نفروا، فيكون معناه نفروا نفوراً.

نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ۝٤٧

قوله تعالى: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} قيل: الباء زائدة في قوله «به» أي يستمعونه. وكانوا يستمعون من النبيّ صلى الله عليه وسلم القرآن ثم ينفرون فيقولون: هو ساحر ومسحور؛ كما أخبر الله تعالى به عنهم؛ قاله قتادة وغيره. {وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} أي متناجون في أمرك. قال قتادة: وكانت نجواهم قولهم إنه مجنون وإنه ساحر وإنه يأتي بأساطير الأوّلين، وغير ذلك. وقيل: نزلت حين دعا عُتْبة أشرافَ قريش إلى طعام صنعه لهم، فدخل عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله؛ فتناجوا؛ يقولون ساحر ومجنون. وقيل: أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم عليًّا أن يتخذ طعاماً ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين؛ ففعل ذلك عليّ ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد، وقال:

قولوا لا إلٰه إلا الله لتطيعكم العرب وتدين لكم العجم فأبَوْا، وكانوا يستمعون من النبيّ صلى الله عليه وسلم ويقولون بينهم متناجين: هو ساحر وهو مسحور؛ فنزلت الآية. وقال الزجاج: النَّجْوَى اسم للمصدر؛ أي وإذ هم ذو نجوى، أي سرار. {إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ} أبو جهل والوليد بن المُغِيرة وأمثالهما. {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} أي مَطْبُوباً قد خبله السحر فاختلط عليه أمره، يقولون ذلك لينفروا عنه الناس. وقال مجاهد: «مسحوراً» أي مخدوعاً؛ مثلُ قوله: { فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ }[المؤمنون: 89] أي من أين تخدعون. وقال أبو عبيدة: «مسحوراً» معناه أن له سَحْراً، أي رِئة، فهو لا يستغني عن الطعام والشراب؛ فهو مثلكم وليس بمَلَك. وتقول العرب لِلجبان: قد انتفخ سَحْره. ولكل من أكل من آدمي وغيره أو شرب مسحور ومُسَحَّر. قال لبيد:

فإن تسألينا فِيم نحن فإنّناعصافيرُ من هذا الأنام المُسَحَّرِ

وقال امرؤ القيس:

أَرَانَا مُوضِعين لأمر غَيْبِونُسْحَر بالطعام وبالشّرابِ

أي نُغَذَّى ونُعَلّل. وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: مَن هذه التي تُساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تُوُفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سَحْرِي ونَحْرِي.

ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ۝٤٨

قوله تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ} عجّبه من صنعهم كيف يقولون تارةً ساحر وتارة مجنون وتارة شاعر. {فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} أي حِيلة في صدّ الناس عنك. وقيل: ضَلُّوا عن الحق فلا يجدون سبيلاً، أي إلى الهدى. وقيل: مخرجاً؛ لتناقض كلامهم في قولهم: مجنون، ساحر، شاعر.

وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمًا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ۝٤٩

قوله تعالى: {وَقَالُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً} أي قالوا وهم يتناجَوْن لما سمعوا القرآن وسمعوا أمر البعث: لو لم يكن مسحوراً مخدوعاً لما قال هذا. قال ابن عباس: الرُفات الغبار. مجاهد: التراب. والرفات ما تكسّر وبَلِيَ من كل شيء؛ كالفُتات والحُطام والرُّضاض؛ عن أبي عبيدة والكسائيّ والفَرّاء والأخفش. تقول منه: رُفِتَ الشيء رَفْتاً، أي حُطِم؛ فهو مرفوت. {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} «أئنا» استفهام والمراد به الجَحْد والإنكار. و«خلقاً» نصب لأنه مصدر؛ أي بعثاً جديداً. وكان هذا غايةَ الإنكار منهم.

قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ۝٥٠ أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًا ۝٥١

قوله تعالى: {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} أي قل لهم يا محمد كونوا على جهة التعجيز حجارة أو حديداً في الشدّة والقوة. قال الطبري: أي إن عجبتم من إنشاء الله لكم عظاماً ولحماً فكونوا أنتم حجارة أو حديداً إن قَدرتم. وقال عليّ بن عيسى: معناه أنكم لو كنتم حجارة أو حديداً لم تفوتوا الله عز وجل إذا أرادكم؛ إلا أنه خرج مخرج الأمر، لأنه أبلغ في الإلزام. وقيل: معناه لو كنتم حجارة أو حديداً لأعادكم كما بدأكم، ولأماتكم ثم أحياكم. وقال مجاهد: المعنى كونوا ما شئتم فستعادون. النحاس: وهذا قول حسن؛ لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا حجارة، وإنما المعنى أنهم قد أقرّوا بخالقهم وأنكروا البعث فقيل لهم استشعروا أن تكونوا ما شئتم، فلو كنتم حجارة أو حديداً لبُعثتم كما خُلقتم أوّل مرة. {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} قال مجاهد: يعني السموات والأرض والجبال لعظمها في النفوس. وهو معنى قول قتادة. يقول: كونوا ما شئتم، فإن الله يميتكم ثم يبعثكم. وقال ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن جُبير ومجاهد أيضاً وعكرمة وأبو صالح والضحاك: يعني الموت؛ لأنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم منه؛ قال أُمَيّة بن أبي الصلت:

وللمَوْتُ خَلْق في النفوس فظيع

يقول: إنكم لو خُلقتم من حجارة أو حديد أو كنتم الموت لأميتَنّكم ولأبعثنكم؛ لأن القدرة التي بها أنشأتكم بها نعيدكم. وهو معنى قوله: {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}. وفي الحديث أنه: يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كَبْش أمْلَحَ فيذبح بين الجنة والنار. وقيل: أراد به البعث؛ لأنه كان أكبر في صدورهم؛ قاله الكلبي. {فَطَرَكُمْ} خلقكم وأنشأكم. {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ} أي يحرّكون رؤوسهم استهزاء؛ يقال: نَغَضَ رأسُه يَنْغُض ويَنْغِض نَغْضاً ونُغوضاً؛ أي تحرّك. وأنغض رأسه أي حركه، كالمتعجب من الشيء؛ ومنه قوله تعالى: {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ}.

قال الراجز:

أنغض نحوي رأسه وأقنعا

ويقال أيضاً: نغض فلان رأسه أي حرّكه؛ يتعدّى ولا يتعدّى، حكاه الأخفش. ويقال: نَغَضت سِنّه؛ أي تحركت وانقلعت.

قال الراجز:

ونغضت من هَرَم أسنانها

وقال آخر:

لما رأتني أنغضتْ لِي الرأسا

وقال آخر:

لا ماء في المَقْرَاة إن لم تنهضِبمَسَدٍ فوق المَحالِ النُّغَّض

المحال والمحالة: البكرة العظيمة التي يستقَى بها الإبل. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ} أي البعث والإعادة وهذا الوقت. {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً} أي هو قريب؛ لأن عسى واجب؛ نظيره { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً }[الأحزاب: 63]. و { لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ }[الشورى: 17]. وكل ما هو آت فهو قريب.

يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۝٥٢

قوله تعالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} الدعاء: النداء إلى المحشر بكلام تسمعه الخلائق، يدعوهم الله تعالى فيه بالخروج. وقيل: بالصيحة التي يسمعونها؛ فتكون داعية لهم إلى الاجتماع في أرض القيامة. قال صلى الله عليه وسلم:

إنكم تُدْعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم». {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} أي باستحقاقه الحمد على الإحياء. وقال أبو سهل: أي والحمد لله؛ كما قال:

فإني بحمد الله لا ثوب فاجرلبِسْتُ، ولا من غَدْرة أتقنّع

وقيل: حامدين لله تعالى بألسنتكم. قال سعيد بن جُبير: تخرج الكفار من قبورهم وهم يقولون سبحانك وبحمدك؛ ولكن لا ينفعهم اعتراف ذلك اليوم. وقال ابن عباس: «بحمده» بأمره؛ أي تقرّون بأنه خالقكم. وقال قتادة: بمعرفته وطاعته. وقيل: المعنى بقدرته. وقيل: بدعائه إياكم. قال علماؤنا: وهو الصحيح؛ فإن النفخ في الصور إنما هو سبب لخروج أهل القبور؛ وبالحقيقة إنما هو خروج الخلق بدعوة الحق، قال الله تعالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} فيقومون يقولون سبحانك اللهم وبحمدك. قال: فيوم القيامة يوم يُبدأ بالحمد ويُختم به؛ قال الله تعالى «يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده» وقال في آخره { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }[الزمر: 75]. {وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً}. يعني بين النفختين؛ وذلك أن العذاب يُكفّ عن المعذَّبين بين النفختين، وذلك أربعون عاماً فينامون؛ فذلك قوله تعالى: { مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } [يۤس: 52] فيكون خاصاً للكفار. وقال مجاهد: للكافرين هَجْعة قبل يوم القيامة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صِيح بأهل القبور قاموا مذعورين. وقال قتادة: المعنى أن الدنيا تحاقرت في أعينهم وقلّت حين رأوا يوم القيامة. الحسن: «وتَظُنُّون إن لبثتم إلا قليلاً» في الدنيا لطول لبثكم في الآخرة.

وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ كَانَ لِلْإِنسَٰنِ عَدُوًّا مُّبِينًا ۝٥٣

قوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تقدّم إعرابه. والآية نزلت في عمر بن الخطاب. وذلك أن رجلاً من العرب شتمه، وسبّه عمر وهَمّ بقتله، فكادت تثير فتنة فأنزل الله تعالى فيه: «وقُلْ لِعِبادِي يقولوا التي هِي أحسن» ذكره الثعلبيّ والماوَرْدِيّ وابن عطية والواحدِيّ. وقيل: نزلت لما قال المسلمون: اِيذن لنا يا رسول الله في قتالهم فقد طال إيذاؤهم إيانا، فقال:

لم أُومَرْ بعدُ بالقتالفأنزل الله تعالى «وقل لِعِبادِي يقولوا الّتِي هِي أحسن»؛ قاله الكلبي. وقيل: المعنى قل لعبادي الذين اعترفوا بأني خالقهم وهم يعبدون الأصنام، يقولوا التي هي أحسن من كلمة التوحيد والإقرار بالنبوة. وقيل: المعنى وقل لعبادي المؤمنين إذا جادلوا الكفار في التوحيد، أن يقولوا الكلمة التي هي أحسن. كما قال: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} وقال الحسن: هو أن يقول للكافر إذا تشطط: هداك الله! يرحمك الله! وهذا قبل أن أمِروا بالجهاد. وقيل: المعنى قل لهم يأمروا بما أمر الله به وينهوا عما نهى الله عنه؛ وعلى هذا تكون الآية عامّةً في المؤمن والكافر، أي قل للجميع. والله أعلم. وقالت طائفة: أمر الله تعالى في هذه الآية المؤمنين فيما بينهم خاصّةً، بحسن الأدب وإلانةِ القول، وخفض الجناح وٱطّراح نزغات الشيطان؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: وكونوا عباد الله إخواناً. وهذا أحسن، وتكون الآية محكمة.

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} أي بالفساد وإلقاء العداوة والإغواء. وقد تقدّم في آخر الأعراف ويوسف. يقال: نزغ بيننا أي أفسد؛ قاله اليزيدي. وقال غيره: النزغ الإغراء. {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} أي شديد العداوة. وقد تقدّم في البقرة. وفي الخبر

أن قوماً جلسوا يذكرون الله عز وجل فجاء الشيطان ليقطع مجلسهم فمنعته الملائكة فجاء إلى قوم جلسوا قريباً منهم لا يذكرون الله فحرّش بينهم فتخاصموا وتواثبوا فقال هؤلاء الذاكرون قوموا بنا نصلح بين إخواننا فقاموا وقطعوا مجلسهم وفرح بذلك الشيطان. فهذا من بعض عداوته.

رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ۝٥٤

قوله تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} هذا خطاب للمشركين، والمعنى: إن يشأ يوفقكم للإِسلام فيرحمكم، أو يميتكم على الشرك فيعذبكم؛ قاله ابن جُريج. و «أعلم» بمعنى عليم؛ نحو قولهم: الله أكبر، بمعنى كبير. وقيل: الخطاب للمؤمنين؛ أي إن يشأ يرحكم بأن يحفظكم من كفار مكة، أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم؛ قاله الكلبي. {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} أي وما وكلّناك في منعهم من الكفر ولا جعلنا إليك إيمانهم. وقيل: ما جعلناك كفيلاً لهم تؤخذ بهم؛ قاله الكلبي. وقال الشاعر:

ذكرت أبا أرْوَى فبتّ كأننيبردّ الأمور الماضيات وكيل

أي كفيل.

وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا ۝٥٥

قوله تعالى: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ} أعاد بعد أن قال: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} ليبيّن أنه خالقهم وأنه جعلهم مختلفين في أخلاقهم وصورهم وأحوالهم ومالهم؛

{ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ }[الملك: 14]. وكذا النبيّون فضّل بعضهم على بعض عن علم منه بحالهم. وقد مضى القول في هذا في «البقرة». {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} الزبور: كتاب ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود؛ وإنما هو دعاء وتحميد وتمجيد. أي كما آتينا داود الزبور فلا تنكروا أن يؤتى محمد القرآن. وهو في مُحاجّة اليهود.

قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ۝٥٦

قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ} لما ابتليت قريش بالقَحْط وشَكُوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله هذه الآية؛ أي ادعوا الذين تعبدون من دونه وزعمتم أنهم آلهة. وقال الحسن: يعني الملائكة وعيسى وعزيراً. ٱبن مسعود: يعني الجن. {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ} أي القحط سبع سنين، على قول مقاتل. {وَلاَ تَحْوِيلاً} من الفقر إلى الغنى ومن السَّقَم إلى الصحة.

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ۝٥٧

قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} «أولئك» مبتدأ «الذِين» صفة «أولئك» وضمير الصلة محذوف؛ أي يدعونهم. يعني أولئك المدعوّون. و {يَبْتَغُونَ} خبر، أو يكون حالاً، و «الّذِين يَدْعُون» خبر؛ أي يدعون إليه عباداً أو عبادة إلى عبادته. وقرأ ابن مسعود «تدعون» بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر. ولا خلاف في «يبتغون» أنه بالياء. وفي صحيح مسلم من كتاب التفسير عن عبد الله بن مسعود في قوله عز وجل: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} قال: نفر من الجن أسلموا وكانوا يُعبدون، فبَقِيَ الذين كانوا يَعبدون على عبادتهم وقد أسلم النفر من الجن. في رواية قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن فأسلم الجنيون و (الإنس) الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون؛ فنزلت: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ}. ومنه أيضاً أنهم الملائكة كانت تعبدهم قبائل من العرب؛ ذكره الماوردي. وقال ابن عباس ومجاهد: عُزير وعيسى. و «يبتغون» يطلبون من الله الزلفة والقربة، ويتضرعون إلى الله تعالى في طلب الجنة، وهي الوسيلة. أعلمهم الله تعالى أن المعبودين يبتغون القربة إلى ربهم. والهاء والميم في «ربهم» تعود على العابدين أو على المعبودين أو عليهم جميعاً. وأما «يدعون» فعلى العابدين. «ويبتغون» على المعبودين. {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} ابتداء وخبر. ويجوز أن يكون «أيّهم أقرب» بدلاً من الضمير في «يبتغون»، والمعنى يبتغي أيهم أقرب الوسيلة إلى الله. {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} أي مَخُوفاً لا أمان لأحد منه؛ فينبغي أن يُحذر منه ويُخاف. وقال سهل بن عبد الله: الرجاء والخوف زمانان على الإنسان، فإذا استوَيَا استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما بطل الآخر.

وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَٰبِ مَسْطُورًا ۝٥٨

قوله تعالى: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا} أي مخربوها. {قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً} قال مقاتل: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب. وقال ابن مسعود: إذا ظهر الزنى والربا في قرية أذِن الله في هلاكهم. فقيل: المعنى وإن من قرية ظالمة؛ يقوّي ذلك قوله:

{ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ }[القصص: 59]. أي فليتق المشركون، فإنه ما من قرية كافرة إلا سيحل بها العذاب. {كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ} أي في اللّوح. {مَسْطُوراً} أي مكتوباً. والسطر: الخط والكتابة وهو في الأصل مصدر. والسَّطَر (بالتحريك)، مثله. قال جرير:

من شاء بايعته ماليِ وخُلْعَتَهما تُكْمِل الَّتيْمُ في ديوانهم سَطَرَا

الخلعة (بضم الخاء): خيار المال. والسطر جمع أسطار؛ مثل سبب وأسباب، ثم يجمع على أساطير. وجمع السطر أسطر وسطور؛ مثل أفلس وفلوس. والكتاب هنا يراد به اللوح المحفوظ.

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْـَٔايَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا۟ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْـَٔايَٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ۝٥٩

قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} في الكلام حذف، والتقدير: وما منعنا أن نرسل بالآيات التي اقترحوها إلا أن يكذبوا بها فيهلكوا كما فُعِل بمن كان قبلهم. قال معناه قَتادة وابن جُريج وغيرهما. فأخر الله تعالى العذاب عن كفار قريش لعلمه أن فيهم من يؤمن وفيهم من يولد مؤمناً. وقد تقدّم في «الأنعام» وغيرها أنهم طلبوا أن يحوّل الله لهم الصَّفَا ذهبا وتتنحىّ الجبال عنهم؛ فنزل جبريل وقال: «إن شئت كان ما سأل قومك ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يمهلوا. وإن شئت استأنيت بهم». فقال: «لا، بل استأن بهم». و «أن» الأولى في محل نصب بوقوع المنع عليهم، و «أن» الثانية في محل رفع. والباء في «بالآيات» زائدة. ومجاز الكلام: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأوّلين، والله تعالى لا يكون ممنوعاً عن شيء؛ فالمعنى المبالغة في أنه لا يفعل، فكأنه قد منع عنه. ثم بيّن ما فعل بمن سأل الآيات فلم يؤمن بها فقال: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً} أي آية دالة مضيئة نَيّرة على صدق صالح، وعلى قدرة الله تعالى. وقد تقدّم ذلك. {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي ظلموا بتكذيبها. وقيل: جحدوا بها وكفروا أنها من عند الله فٱستأصلهم الله بالعذاب. {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} فيه خمسة أقوال: الأوّل ـ العبر والمعجزات التي جعلها الله على أيدي الرسل من دلائل الإنذار تخويفاً للمكذّبين. الثاني ـ أنها آيات الانتقام تخويفاً من المعاصي. الثالث ـ أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهّل ثم إلى مشيب، لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك؛ وهذا قول أحمد بن حنبل رضي الله عنه. الرابع ـ القرآن. الخامس ـ الموت الذّريع؛ قاله الحسن.

وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِىٓ أَرَيْنَٰكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَٰنًا كَبِيرًا ۝٦٠

قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} قال ابن عباس: الناس هنا أهل مكة، وإحاطته بهم إهلاكه إياهم؛ أي أن الله سيهلكهم. وذكره بلفظ الماضي لتحقق كونه. وعنى بهذا الإهلاك الموعود ما جرى يوم بدر ويوم الفتح. وقيل: معنى «أحاط بالناس» أي أحاطت قدرته بهم، فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته؛ قاله مجاهد وابن أبي نَجيح. وقال الكلبيّ: المعنى أحاط علمه بالناس. وقيل: المراد عصمته من الناس أن يقتلوه حتى يبلّغ رسالة ربه؛ أي وما أرسلناك عليهم حفيظاً، بل عليك التبليغ، فبلغ بجدّك فإنا نعصمك منهم ونحفظك، فلا تَهَبْهم، وٱمضِ لما آمرك به من تبليغ الرسالة، فقدرتنا محيطة بالكل؛ قال معناه الحسن وعروة وقتادة وغيرهم.

قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} لمّا بين أن إنزال آيات القرآن تتضمن التخويف ضَمّ إليه ذكر آية الإسراء، وهي المذكورة في صدر السورة. وفي البخاريّ والترمذيّ عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} قال: هي رؤيا عَيْن أُرِيها النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة أسْرِيَ به إلى بيت المقدس. قال: {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ} هي شجرة الزَّقُّوم. قال أبو عيسى الترمذيّ: هذا حديث صحيح. وبقول ابن عباس قالت عائشة ومعاوية والحسن ومجاهد وقَتادة وسعيد بن جُبير والضحاك وابن أبي نَجيح وابن زيد. وكانت الفتنة ارتدادَ قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه أُسْرِيَ به. وقيل: كانت رؤيا نوم. وهذه الآية تقضي بفساده، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحد لينكرها. وعن ابن عباس قال: الرؤيا التي في هذه الآية هي رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة في سنة الحُدَيْبِيَة، فَرُدّ فٱفتتن المسلمون لذلك، فنزلت الآية، فلما كان العام المقبل دخلها، وأنزل الله تعالى

{ لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ }[الفتح: 27]. وفي هذا التأويل ضعف؛ لأن السورة مكية وتلك الرؤيا كانت بالمدينة. وقال في رواية ثالثة: إنه عليه السلام رأى في المنام بني مروان يَنْزُون على منبره نَزْوَ القردَة، فساءه ذلك فقيل: إنما هي الدنيا أعطوها، فسُرِّيَ عنه، وما كان له بمكة منبر ولكنه يجوز أن يرى بمكة رؤيا المنبر بالمدينة. وهذا التأويل الثالث قاله أيضاً سهل بن سعد رضي الله عنه. قال سهل: إنما هذه الرؤيا هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فٱغتم لذلك، وما استجمع ضاحكاً من يومئذ حتى مات صلى الله عليه وسلم. فنزلت الآية مخبرة أن ذلك من تملكهم وصعودهم يجعلها الله فتنة للناس وامتحاناً. وقرأ الحسن بن عليّ في خطبته في شأن بيعته لمعاوية: { وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ }[الأنبياء: 111]. قال ٱبن عطية: وفي هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه الرؤيا عثمان ولا عمر بن عبد العزيز ولا معاوية.

قوله تعالى: {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ} فيه تقديم وتأخير؛ أي ما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس. وفتنتُها أنهم لما خُوِّفوا بها قال أبو جهل استهزاء: هذا محمد يتوعّدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنها تنبت الشجر والنارُ تأكل الشجر، وما نعرف الزقوم إلا التمر والزبد، ثم أمر أبو جهل جاريةً فأحضرت تمراً وزبداً وقال لأصحابه: تزقمّوا. وقد قيل: إن القائل ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد ٱبن الزِّبَعْرَى حيث قال: كثّر الله من الزقوم في داركم؛ فإنه التمر بالزبد بلغة اليمن. وجائز أن يقول كلاهما ذلك. فافتتن أيضاً لهذه المقالة بعض الضعفاء، فأخبر الله تعالى نبيّه عليه السلام أنه إنما جعل الإسراء وذكر شجرة الزقوم فتنة واختباراً ليَكْفر من سبق عليه الكفر ويصدّق من سبق له الإيمان. كما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قيل له صبيحة الإسراء: إن صاحبك يزعم أنه جاء البارحة من بيت المقدس! فقال: إن كان قال ذلك فقد صدق. فقيل له: أتصدقه قبل أن تسمع منه؟ فقال: أين عقولكم؟ أنا أصدّقه بخبر السماء، فكيف لا أصدقه بخبر بيت المقدس، والسماء أبعد منها بكثير.

قلت: ذكر هذا الخبر ٱبن إسحاق، ونصه: «قال كان من الحديث فيما بلغني عن مسراه صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخُدْرِيّ وعائشة ومعاوية بن أبي سفيان والحسن بن أبي الحسن وابن شهاب الزُّهْرِيّ وقتادة وغيرهم من أهل العلم وأمّ هانىء بنت أبي طالب، ما اجتمع في هذا الحديث، كُلٌّ يحدّث عن بعض ما ذكر من أمره حين أسري به صلى الله عليه وسلم، وكان في مسراه وما ذكر عنه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله عز وجل في قدرته وسلطانه فيه عبرة لأولي الألباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدّق وكان من أمر الله تعالى على يقين؛ فأسرى به صلى الله عليه وسلم كيف شاء وكما شاء ليُرِيَه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يريد. وكان عبد الله بن مسعود فيما بلغني عنه يقول:

أُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق ـ وهي الدابة التي كانت تُحمل عليها الأنبياء قبله تضع حافرها في منتهى طرفها ـ فحمل عليها، ثم خرج به صاحبه يُري الآيات فيما بين السماء والأرض، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء قد جُمعوا له فصلّى بهم ثم أُتِيَ بثلاثة آنية: إناء فيه لبن وإناء فيه خمر؛ وإناء فيه ماء. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فسمعت قائلاً يقول حين عُرضت عليّ إن أخذ الماء فغَرِق وغَرِقت أمّته وإن أخذ الخمر فغَوِيَ وغَوَتْ أمته وإن أخذ اللبن فهُدِيَ وهُدِيَتْ أمته قال فأخذت إناء اللبن فشربت فقال لي جبريل هُدِيتَ وهُدِيتْ أمتُك يا محمد».

قال ابن إسحاق: وحدّثت عن الحسن أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

بينما أنا نائم في الحِجْر جاءني جبريل عليه السلام فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئاً ثم عُدت لمضجَعِي فجاءني الثانية فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئاً فعدت لمضجَعِي فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه فجلست فأخذ بعضدِي فقمت معه فخرج إلى باب المسجد فإذا دابة أبيضُ بين البغل والحمار في فخذيه جناحان يَحْفِز بهما رجليه يضع حافره في منتهى طَرْفه فحملني عليه ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته».

قال ابن إسحاق: وحُدثت عن قتادة أنه قال: حُدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لما دنوت منه لأركبه شَمَسَ فوضع جبريل يده على مَعْرَفَته ثم قال ألا تستحي يا بُراق مما تصنع فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه قال فاستحيا حتى أرفض عرقاً ثم قَرّ حتى ركبته».

قال الحسن في حديثه: فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى معه (جبريل) حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء، فأمّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلّى بهم ثم أتى بإناءين: في أحدهما خمر وفي الآخر لبن، قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إناء اللبن فشرب منه وترك إناء الخمر. قال: فقال له جبريل: هُديت الفِطْرة وهُديت أمَّتُك وحُرّمت عليكم الخمر. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فلما أصبح غَدَا على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس: هذا والله الأمر البَيّن! والله إن العير لتطّرد شهراً من مكة إلى الشأم، مدبرة شهرا ومقبلةً شهرا، فيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة! قال: فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا: هل لك يا أبا بكر في صاحبك! يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس، وصلّى فيه ورجع إلى مكة. قال فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إنكم تكذبون عليه. فقالوا: بلى، ها هوذا في المسجد يحدّث به الناس. فقال أبو بكر: والله إن كان قاله لقد صدق فما يعجّبكم من ذلك! فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدّقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا نبيّ الله، أحدّثتَ هؤلاء أنك جئت ببيت المقدس هذه الليلة؟ قال «نعم» قال: يا نبيّ الله، فصفه لي فإني قد جئته؟ فقال الحسن: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رفع لي حتى نظرت إليه» فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر رضي الله عنه: صدقت، أشهد أنك رسول الله. كلما وصف له منه شيئاً قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله. قال: حتى إذا انتهى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: «وأنت يا أبا بكر الصدّيق» فيومئذٍ سماه الصدّيق. قال الحسن: وأنزل الله تعالى فيمن ارتدّ عن الإسلام لذلك: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما دخل فيه من حديث قتادة. وذكر باقي الإسراء عمن تقدّم في السيرة. وقال ابن عباس: هذه الشجرة بنو أميّة، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم نفى الحَكَم. وهذا قول ضعيف محدَث والسورة مكية، فيبعد هذا التأويل، إلا أن تكون هذه الآية مدنية، ولم يثبت ذلك. وقد قالت عائشة لمروان: لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنة الله. ثم قال: «والشجرة الملعونة في القرآن» ولم يجز في القرآن لعن هذه الشجرة، ولكن الله لعن الكفار وهم آكلوها. والمعنى: والشجرة الملعونة في القرآن آكلوها. ويمكن أن يكون هذا على قول العرب لكل طعام مكروه ضار: ملعون. وقال ابن عباس: الشجرة الملعونة هي هذه الشجرة التي تلتوي على الشجر فتقتله، يعني الكَشُوث. {وَنُخَوِّفُهُمْ} أي بالزّقوم. {فَمَا يَزِيدُهُمْ} التخويف إلا الكفر.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ۝٦١ قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلًا ۝٦٢

قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} تقدّم ذكر كَوْنِ الشيطان عدوّ الإنسان، فانجرّ الكلام إلى ذكر آدم. والمعنى: اذكر بتمادي هؤلاء المشركين وعتوّهم على ربهم قصة إبليس حين عصى ربه وأبَى السجود، وقال ما قال، وهو ما أخبر الله تعالى في قوله تعالى: {فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} أي من طين. وهذا استفهام إنكار. وقد تقدّم القول في خلق آدم في «البقرة، والأنعام» مستوفًى. {قَالَ أَرَأَيْتَكَ} أي قال إبليس. والكاف توكيد للمخاطبة. {هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} أي فضّلته عليّ. ورأى جوهر النار خيراً من جوهر الطين ولم يعلم أن الجواهر متماثلة. وقد تقدّم هذا في الأعراف. و«هذا» نصب بأرأيت. «الذي» نعته. والإكرام: اسم جامع لكل ما يحمد. وفي الكلام حذف تقديره: أخبرني عن هذا الذي فضلته عليّ، لم فضلته وقد خلقتني من نار وخلقته من طين؟ فحذف لعلم السامع. وقيل: لا حاجة إلى تقدير الحذف، أي أترى هذا الذي كرمته عليّ لأفعلن به كذا وكذا. ومعنى {لأَحْتَنِكَنَّ} في قول ابن عباس: لأستولِيَنّ عليهم. وقاله الفراء. مجاهد: لأحتوِيَنّهم. ابن زيد: لأضلنهم. والمعنى متقارب، أي لأستأصلنّ ذريته بالإغواء والإضلال، ولأجتاحنّهم. وروي عن العرب: احْتَنَك الجراد الزرع إذا ذهب به كلّه. وقيل: معناه لأسوقنهم حيث شئت وأقودَنّهم حيث أردت. من قولهم: حنكت الفرس أحنِكه وأحنُكه حنكا إذا جعلت في فيه الرّسن. وكذلك احتنكه. والقول الأوّل قريب من هذا، لأنه إنما يأتي على الزرع بالحَنَك. وقال الشاعر:

أشكو إليك سَنَةً قد أجحفتجهدا إلى جهدٍ بنا وأضعفت وٱحتنكت أموالنا واجتلفت

{إَلاَّ قَلِيلاً} يعني المعصومين، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} وإنما قال إبليس ذلك ظنا، كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} أو علم من طبع البشر تركّب الشهوة فيهم، أو بنى على قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}. وقال الحسن: ظن ذلك لأنه وسوس إلى آدم عليه السلام فلم يجد له عَزْماً.

قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَآءً مَّوْفُورًا ۝٦٣

قوله تعالى: {قَالَ ٱذْهَبْ} هذا أمر إهانة، أي اجهد جهدك فقد أنظرناك. {فَمَن تَبِعَكَ} أي أطاعك من ذرية آدم. {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} أي وافراً، عن مجاهد وغيره. وهو نصب على المصدر، يقال: وفَرته أفِرُه وَفْراً، ووَفَر المالُ بنفسه يَفِر وفوراً فهو وافر، فهو لازم ومتعدّ.

وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَٰدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ۝٦٤

فيه ست مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَٱسْتَفْزِزْ} أي استزلّ واستخفّ، وأصله القطع، ومنه تفزّز الثوب إذا انقطع. والمعنى استزِلّه بقطعك إياه عن الحق. واستفزّه الخوف أي استخفه. وقعد مُسْتَوْفِزاً أي غير مطمئن. «وٱسْتَفْزِز» أمر تعجيز، أي أنت لا تقدر على إضلال أحد، وليس لك على أحد سلطان فافعل ما شئت.

الثانية: قوله تعالى: {بِصَوْتِكَ} وصوتُه كلُّ داع يدعو إلى معصية الله تعالى، عن ابن عباس. مجاهد: الغناء والمزامير واللهو. الضحاك: صوت المزمار. وكان آدم عليه السلام أسكن أولاد هابيل أعلى الجبل، وولد قابيل أسفله، وفيهم بنات حسان، فزَمَر اللعين فلم يتمالكوا أن انحدروا فزَنَوا، ذكره الغزنوِيّ. وقيل: «بصوتك» بوسوستك.

الثالثة: قوله تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} أصل الإجلاب السوقُ بجلبة من السائق، يقال: أجلب إجلابا. والجَلَب والجَلَبة: الأصوات، تقول منه: جلّبوا بالتشديد. وجَلَب الشيء يجلِبه ويجلُبه جَلَباً وجَلْبا. وجلبت الشيء إلى نفسي واجتلبته بمعنًى. وأجلب على العدوّ إجلاباً، أي جمّع عليهم. فالمعنى أجمع عليهم كلما تقدر عليه من مكايدك. وقال أكثر المفسرين: يريد كل راكب وماشٍ في معصية الله تعالى. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: إن له خيلاً ورجلاً من الجن والإنس، فما كان من راكب وماشٍ يقاتل في معصية الله فهو من خيل إبليس ورجّالته. وروى سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس قال: كل خيل سارت في معصية الله، وكل رجل مَشَتْ في معصية الله، وكلّ مال أصيب من حرام، وكلّ ولد بَغِيّة فهو للشيطان. والرَّجْل جمع راجل، مثلُ صَحْب وصاحب. وقرأ حفص «ورَجِلك» بكسر الجيم وهما لغتان، يقال: رَجْل ورَجِل بمعنى راجل. وقرأ عكرمة وقتادة «ورجالك» على الجمع.

الرابعة: {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ} أي اجعل لنفسك شركة في ذلك. فشركته في الأموال إنفاقها في معصية الله، قاله الحسن. وقيل: هي التي أصابوها من غير حِلّها، قاله مجاهد. ابن عباس: ما كانوا يحرّمونه من البَحِيرة والسائبة والوَصِيلة والحام. وقاله قتادة. الضحاك: ما كانوا يذبحونه لآلهتهم. والأولاد قيل: هم أولاد الزنى، قاله مجاهد والضحاك وعبد الله بن عباس. وعنه أيضاً هو ما قتلوا من أولادهم وأتوا فيهم من الجرائم. وعنه أيضاً: هو تسميتهم عبد الحارث وعبد العُزَّى وعبد الّلات وعبد الشمس ونحوه. وقيل: هو صِبغة أولادهم في الكفر حتى هوّدوهم ونصّروهم، كصنع النصارى بأولادهم بالغمس في الماء الذي لهم، قاله قتادة. وقول خامس ـ روي عن مجاهد قال: إذا جامع الرجل ولم يُسَمِّ انطوى الجانّ على إحْلِيله فجامع معه، فذلك قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} وسيأتي.

وروي من حديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فيكم مُغَرِّبين قلت: يا رسول الله، وما المغرّبون؟ قال: الذين يشترك فيهم الجن. رواه الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول). قال الهَرَوِيّ: سموا مغرِّبين لأنه دخل فيهم عرق غريب. قال الترمذي الحكيم: فللجن مساماة بابن آدم في الأمور والاختلاط، فمنهم من يتزوّج فيهم، وكانت بِلْقِيس ملكة سَبَأ أحد أبويها من الجن. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى

الخامسة: قوله تعالى: {وَعِدْهُمْ} أي مَنّهم الأماني الكاذبة، وأنه لا قيامة ولا حساب، وأنه إن كان حساب وجنة ونار فأنتم أوْلى بالجنة من غيركم. يقوّيه قوله تعالى:

{ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً }[النساء: 120] أي باطلاً. وقيل «وَعدْهُمْ» أي عِدهم النُّصرة على من أرادهم بسوء. وهذا الأمر للشيطان تهدّد ووعيد له. وقيل: استخفاف به وبمن ٱتبعه.

السادسة: في الآية ما يدلّ على تحريم المزامير والغناء واللّهو، لقوله: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم} على قول مجاهد. وما كان من صوت الشيطان أو فعلِه وما يستحسنه فواجب التنزه عنه. وروى نافع عن ابن عمر أنه سمع صوت زمّارة فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع! أتسمع؟ فأقول نعم، فمضى حتى قلت له لا، فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع (صوت) زمّارة راع فصنع مثل هذا. قال علماؤنا: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال، فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «لقمان» إن شاء الله تعالى

إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا ۝٦٥

قوله تعالى:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} قال ابن عباس: هم المؤمنون وقد تقدّم الكلام فيه. {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً} أي عاصما من القبول من إبليس، وحافظا من كيده وسوء مكره.

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦٓ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ۝٦٦

قوله تعالى: {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ} الإزجاء: السوق، ومنه قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً}. وقال الشاعر:

يأيها الراكب المُزْجِي مطيّتَهسائل بني أسَد ما هذه الصَّوْتُ

وإزجاء الفلك: سوقه بالريح اللينة. والفلك هنا جمع، وقد تقدّم. والبحر الماء الكثير عذبا كان أو ملحا، وقد غلب هذا الاسم على المشهور. وهذه الآية توقيف على آلاء الله وفضله عند عباده، أي ربكم الذي أنعم عليكم بكذا وكذا فلا تشركوا به شيئاً. {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي في التجارات. وقد تقدّم. {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}.

وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ كَفُورًا ۝٦٧

قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ} «الضُّرُّ» لفظ يعم خوف الغرق والإمساك عن الجَرْي. وأهوال حالاته اضطرابه وتموّجه. {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} «ضلَّ» معناه تَلِف وفُقد، وهي عبارة تحقيرٍ لمن يدعي إلهاً من دون الله. والمعنى في هذه الآية: أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة، وأن لها فضلاً، وكلّ واحد منهم بالفطرة يعلم علما لا يقدر على مدافعته أن الأصنام لا فعل لها في الشدائد العظام، فوقّفهم الله من ذلك على حالة البحر حيث تنقطع الحيل. {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} أي عن الإخلاص. {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً} الإنسان هنا الكافر. وقيل: وطبع الإنسان كفورا للنعم إلا مَن عَصَمه الله، فالإنسان لفظ الجنس.

أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ وَكِيلًا ۝٦٨

قوله تعالى: {أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ} بيّن أنه قادر على هلاكهم في البر وإنْ سَلِموا من البحر. والخَسْف: أن تنهار الأرض بالشيء، يقال: بئر خسيف إذا انهدم أصلها. وعين خاسف أي غارت حدقتها في الرأس. وعَيْنٌ من الماء خاسفة أي غار ماؤها. وخَسَفت الشمس أي غابت عن الأرض. وقال أبو عمرو: والخَسِيف البئر التي تحفر في الحجارة فلا ينقطع ماؤها كثرةً. والجمع خُسُف. وجانب البر: ناحية الأرض؛ وسماه جانباً لأنه يصير بعد الخسف جانباً. وأيضاً فإن البحر جانب والبَرَّ جانب. وقيل: إنهم كانوا على ساحل البحر، وساحله جانب البر، وكانوا فيه آمنين من أهوال البحر، فحذّرهم ما أمنوه من البر كما حذرهم ما خافوه من البحر. {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} يعني ريحا شديدة، وهي التي تَرْمي بالحصباء، وهي الحصى الصغار، قاله أبو عبيدة والقُتبِيّ. وقال قتادة: يعني حجارة من السماء تَحصبهم، كما فُعل بقوم لوط. ويقال للسحابة التي ترمي بالبَرَد: حاصب، وللريح التي تحمل التراب والحصباء حاصب وحَصِبة أيضاً. قال لَبِيد:

جرّت عليها أن خَوَتْ من أهلهاأذيالَها كلُّ عَصُوفٍ حَصِبْه

وقال الفَرَزْدَق:

مستقبلين شَمَال الشام يضربنابحاصب كنَدِيف القطن منثور

{ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً} أي حافظا ونصيراً يمنعكم من بأس الله.

أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِۦ تَبِيعًا ۝٦٩

قوله تعالى: {أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ} يعني في البحر. {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ} القاصف: الريح الشديدة التي تَكْسر بشدة؛ من قَصَف الشيءَ يَقْصِفه؛ أي كسره بشدة. والقصف: الكسر؛ يقال: قصفت الريح السفينة. وريح قاصف: شديدة. ورعد قاصف: شديد الصوْت. يقال: قَصَف الرعدُ وغيرهُ قصيفا. والقَصيف: هشيم الشّجر. والتقصّف التكسر. والقصف أيضاً: اللّهو واللعب، يقال: إنها مُوَلدة. {فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ} أي بكفركم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو، «نَخْسِفَ بِكم» «أو نُرْسِل عليكم» «أن نعيدكم» «فنُرْسِل عليكم» «فنُغرِقكم» بالنون في الخمسة على التعظيم، ولقوله: «علينا» الباقون بالياء؛ لقوله في الآية قبل: «إياه». وقرأ أبو جعفر وشيبة ورُوَيْس ومجاهد «فتغرِقكم» بالتاء نعتا للريح. وعن الحسن وقتادة «فيغرّقكم» بالياء مع التشديد في الراء. وقرأ أبو جعفر «الرياح» هنا وفي كل القرآن. وقيل: إن القاصف المهلكةُ في البر، والعاصفَ المغرقةُ في البحر؛ حكاه الماورديّ. وقوله: {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً} قال مجاهد: ثائراً. النحاس: وهو من الثأر. وكذلك يقال لكل من طلب بثأر أو غيره: تبيع وتابع؛ ومنه

فاتّباع بالمعروف أي مطالبة.

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلْنَٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ۝٧٠

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} الآية. لما ذكر من الترهيب ما ذكر بين النعمة عليهم أيضاً. «كرمنا» تضعيف كرم؛ أي جعلنا لهم كرما أي شرفا وفضلا. وهذا هو كرم نفي النقصان لا كرم المال. وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة، وحملهم في البر والبحر مما لا يصح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره. وتخصيصهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس، وهذا لا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم؛ لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب ويأكلون المركّبات من الأطعمة. وغاية كلّ حيوان يأكل لحما نيئاً أو طعاما غير مركّب. وحكى الطبريّ عن جماعة أن التفضيل هو أن يأكل بيده وسائر الحيوان بالفم. وروي عن ابن عباس؛ ذكره المهدويّ والنحاس؛ وهو قول الكلبيّ ومقاتل؛ ذكره الماورديّ. وقال الضحاك: كرّمهم بالنطق والتمييز. عطاء: كرّمهم بتعديل القامة وامتدادها. يمان: بحسن الصورة. محمد بن كعب: بأن جعل محمداً صلى الله عليه وسلم منهم. وقيل: أكرم الرجال باللِّحَى والنساء بالذوائب. وقال محمد بن جرير الطبريّ: بتسليطهم على سائر الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم. وقيل: بالكلام والخط. وقيل: بالفهم والتمييز. والصحيح الذي يعوّل عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يُعرف الله ويُفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله؛ إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بُعثت الرسل وأنزلت الكتب. فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء. وما تقدّم من الأقوال بعضه أقوى من بعض. وقد جعل الله في بعض الحيوان خصالاً يفضل بها ابن آدم أيضاً؛ كجري الفرس وسمعه وإبصاره، وقوّة الفيل وشجاعة الأسد وكرم الديك. وإنما التكريم والتفضيل بالعقل كما بيناه. والله أعلم.

الثانية: قالت فرقة: هذه الآية تقتضي تفضيل الملائكة على الإنس والجن من حيث إنهم المستثنون في قوله تعالى:

{ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ }[النساء: 171]. وهذا غير لازم من الآية، بل التفضيل فيها بين الإنس والجن؛ فإن هذه الآية إنما عدد الله فيها على بني آدم ما خصهم به من سائر الحيوان، والجن هو الكثير المفضول، والملائكة هم الخارجون عن الكثير المفضول، ولم تتعرض الآية لذكرهم، بل يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل العكس، ويحتمل التساوي، وعلى الجملة فالكلام لا ينتهي في هذه المسألة إلى القطع. وقد تحاشى قوم من الكلام في هذا كما تحاشوا من الكلام في تفضيل بعض الأنبياء على بعض؛ إذ في الخبر: لا تُخايروا بين الأنبياء ولا تفضّلوني على يونس بن مَتَّى. وهذا ليس بشيء؛ لوجود النص في القرآن في التفضيل بين الأنبياء. وقد بيناه في «البقرة» ومضى فيها الكلام في تفضيل الملائكة والمؤمن.

الثالثة: قوله تعالى: {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} يعني لذيذ المطاعم والمشارب. قال مقاتل: السمن والعسل والزبد والتمر والحَلْوَى، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم من التبن والعظام وغيرها. {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} أي على البهائم والدواب والوحش والطير بالغلبة والاستيلاء، والثواب والجزاء والحفظ والتمييز وإصابة الفِراسة.

الرابعة: هذه الآية تردّ ما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

احْرِمُوا أنفسكم طَيّب الطعام فإنما قوى الشيطان أن يجري في العروق منها. وبه يستدلّ كثير من الصُّوفية في ترك أكل الطيبات، ولا أصل له؛ لأن القرآن يردّه، والسنة الثابتة بخلافه، على ما تقرّر في غير موضع. وقد حكى أبو حامد الطُّوسِيّ قال: كان سهل يقتات ورق النّبْق مدة، وأكل دُقاق ورق التين ثلاث سنين. وذكر إبراهيم بن البنا قال: صحبت ذا النُّون من إخميم إلى الإسكندرية، فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصا ومِلْحاً كان معي، وقلت: هَلُمّ. فقال لي: ملحك مدقوق؟ قلت نعم. قال: لست تُفلح! فنظرت إلى مِزْوَده وإذا فيه قليل سَوِيقِ شعير يَسْتَف منه. وقال أبو يزيد: ما أكلت شيئاً مما يأكله بنو آدم أربعين سنة. قال علماؤنا: وهذا مما لا يجوز حمل النفس عليه؛ لأن الله تعالى أكرم الآدميّ بالحنطة وجعل قشورها لبهائمهم، فلا يصح مزاحمة الدواب في أكل التبن، وأما سَويق الشعير فإنه يورث القُولَنْج، وإذا اقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجَريش فإنه ينحرف مِزاجه؛ لأن خبز الشعير بارد مجفف، والملح يابس قابض يضر الدّماغ والبصر. وإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمُنعت فقد قووِمت حكمة البارىء سبحانه بردّها، ثم يؤثر ذلك في البدن، فكان هذا الفعل مخالفاً للشرع والعقل. ومعلوم أن البدن مطيّة الآدميّ، ومتى لم يرْفَق بالمطيّة لم تُبَلِّغ. وروي عن إبراهيم بن أدهم أنه اشترى زبدا وعسلاً وخبز حُوّارَى، فقيل له: هذا كله؟ فقال: إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، وإذا عدِمنا صَبَرنا صبر الرجال. وكان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم إلى الصلاة. ومثل هذا عن السلف كثير. وقد تقدم منه ما يكفي في المائدة والأعراف وغيرهما. والأول غُلُوٌّ في الدِّين إن صح عنهم { وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ }[الحديد: 27]
الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ