انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير القرطبيالآيات 83–110

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير القرطبي.

وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسًا ۝٨٣

قوله تعالى: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} أي هؤلاء الذين يزيدهم القرآن خسارا صفتهم الإعراض عن تدبر آيات الله والكفران لنعمه. وقيل: نزلت في الوليد ابن المغيرة. ومعنى «نَأَى بِجَانِبِه» أي تكبر وتباعد. وناء مقلوب منه؛ والمعنى: بَعُد عن القيام بحقوق الله عز وجل؛ يقال: نأى الشيء أي بعد. ونأيته ونأيت عنه بمعنى، أي بَعدت. وأَنْأيته فٱنتأى؛ أي أبعدته فَبعُد. وتناءَوْا تباعدوا. والمُنْتأى؛ الموضع البعيد.

قال النابغة:

فإنك كالليل الذي هو مُدْرِكىوإن خِلْتُ أن المنتأى عنك واسعُ

وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان «ناء» مثل باع، الهمزة مؤخرة، وهو على طريقة القلب من نأى؛ كما يقال: راء ورأى. وقيل: هو من النوء وهو النهوض والقيام. وقد يقال أيضا للوقوع والجلوس: نوء؛ وهو من الأضداد. وقرىء «ونئى» بفتح النون وكسر الهمزة. والعامة «نأى» في وزن رأى. {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً} أي إذا ناله شدة من فقر أو سقم أو بؤس يئس وقنط؛ لأنه لا يثق بفضل الله تعالى

قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا ۝٨٤

قوله تعالى {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً}. قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} قال ابن عباس: ناحيته. وقاله الضحاك. مجاهد: طبيعته. وعنه: حِدته. ابن زيد: على دينه. الحسن وقتادة: نيته. مقاتل: جِبِلته. الفراء: على طريقته ومذهبه الذى جُبل عليه. وقيل: قل كلٌّ يعمل على ما هو أشكل عنده وأوْلى بالصواب فى اعتقاده. وقيل: هو مأخوذ من الشكل؛ يقال: لست على شَكْلِى ولا شاكلتي. قال الشاعر:

كل امرئ يشبهه فعله ما يفعل المرء فهو أهله

فالشكل هو المثل والنظير والضرب. كقوله تعالى: { وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ }[ص:58]. والشكل (بكسر الشين): الهيئة. يقال: جارية حسنة الشَّكل. وهذه الأقوال كلّها متقاربة والمعنى: أن كل أحد يعمل على ما يشاكل أصله وأخلاقه التي ألِفَها، وهذا ذمُّ للكافر ومدح للمؤمن. والآية والتى قبلها نزلتا فى الوليد بن المغيرة؛ ذكره المهدوى. {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً} أى بالمؤمن والكافر وما سيحصل من كل واحد منهم. وقيل: {أَهْدَىٰ سَبِيلاً} أى أسرع قبولا. وقيل: أحسن دينا. وحكى أن الصحابة رضوان الله عليهم تذاكروا القرآن فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تبارك وتعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} فإنه لا يشاكل بالعبد إلا العصيان ولا يشاكل بالرب إلا الغفران. وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تعالى: {بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ} قدم غفران الذنوب على قبول التوبة، وفى هذا إشارة للمؤمنين. وقال عثمان بن عفان رضى الله عنه: قرأت جميع القرآن من أوله إلى آخره. فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى: { نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ }[الحجر:49]. وقال علىّ بن ابى طالب رضى الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى { قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ }[الزمر:53].

قلت: وقرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى:

{ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ }[الأنعام:82].

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ۝٨٥

قوله تعالى{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }

روى البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله قال: بينا أنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في حرث وهو متّكىء على عسيب إذ مرّ اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. فقال: ما رابكم إليه؟ وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه. فقالوا: سلوه. فسألوه عن الروح فأمسك النبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يردّ عليهم شيئاً؛ فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال:

ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاًلفظ البخاري. وفي مسلم: فأسكت النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفيه: وما أوتوا. وقد اختلف الناس في الروح المسؤول عنه، أيّ الروح هو؟ فقيل: هو جبريل؛ قاله قتادة. قال: وكان ابن عباس يكتمه. وقيل هو عيسى. وقيل: القرآن، على ما يأتي بيانه في آخر الشورى. وقال عليّ بن أبي طالب: هو مَلَك من الملائكة له سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف لسان، في كل لسان سبعون ألف لغة، يسبح الله تعالى بكل تلك اللغات، يخلق الله تعالى من كل تسبيحة مَلَكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة. ذكره الطبريّ. قال ابن عطية: وما أظن القول يصحّ عن عليّ رضي الله عنه

قلت: أسند البيهقي أخبرنا أبو زكريا عن أبي إسحاق أخبرنا أبو الحسن الطرائفي حدّثنا عثمان بن سعيد حدّثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: «ويسألونك عن الروح» يقول: الروح مَلَك. وبإسناده عن معاوية بن صالح حدّثني أبو هِران (بكسر الهاء) يزيد بن سمرة عمن حدّثه عن عليّ بن أبي طالب أنه قال في قوله تعالى: «ويسئلونك عن الروح» قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه... الحديث بلفظه ومعناه. وروى عطاء عن ابن عباس قال: الروح ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه، يسبح الله إلى يوم القيامة، ذكره النحاس. وعنه: جند من جنود الله لهم أيد وأرجل يأكلون الطعام؛ ذكره الغزْنَويّ. وقال الخطابي: وقال بعضهم، هو ملك من الملائكة بصفة وضعوها من عظم الخلقة. وذهب أكثر أهل التأويل إلى أنهم سألوه عن الروح الذي يكون به حياة الجسد. وقال أهل النظر منهم: إنما سألوه عن كيفية الروح ومسلكه في بدن الإنسان، وكيف امتزاجه بالجسم واتصال الحياة به، وهذا شيء لا يعلمه إلا الله عز وجل. وقال أبو صالح: الروح خلق كخلق بني آدم وليسوا ببني آدم، لهم أيد وأرجل. والصحيح الإبهام لقوله: «قل الروح من أمر ربي» دليلٌ على خَلْقِ الروحِ أي هو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى، مبهماً له وتاركاً تفصيله، ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها. وإذا كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى. وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز.

قوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} اختلف فيمن خوطب بذلك؛ فقالت فرقة: السائلون فقط. وقال قوم: المراد اليهود بجملتهم. وعلى هذا هي قراءة ابن مسعود «وما أوتوا» ورواها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقالت فرقة: المراد العالم كله. وهو الصحيح، وعليه قراءة الجمهور «وما أوتيتم». وقد قالت اليهود للنبيّ صلى الله عليه وسلم: كيف لم نؤت من العلم إلا قليلاً وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً؟ فعارضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم الله فغلبوا. وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله في بعض الأحاديثِ: «كُلاًّ» يعني أن المراد بـ«ـما أوتيتم» جميع العالم. وذلك أن يهود قالت له: نحن عنيت أم قومك. فقال: «كُلاًّ». وفي هذا المعنى نزلت:

{ وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ }[لقمان: 27]. حكى ذلك الطبريّ رحمه الله! وقد قيل: إن السائلين عن الروح هم قريش، قالت لهم اليهود: سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فإن أخبركم عن اثنين وأمسك عن واحدة فهو نبيّ؛ فأخبرهم خبر أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين على ما يأتي. وقال في الروح: «قل الروح من أمر ربي» أي من الأمر الذي لا يعلمه إلا الله. ذكره المهدويّ وغيره من المفسرين عن ابن عباس.

وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيْنَا وَكِيلًا ۝٨٦ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُۥ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ۝٨٧

قوله تعالى: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} يعني القرآن. أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه حتى ينساه الخلق. ويتّصل هذا بقوله: «وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً» أي ولو شئت أن أذهب بذلك القليل لقدرت عليه. {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} أي ناصراً يردّه عليك. {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} يعني لكن لا نشاء ذلك رحمة من ربك؛ فهو استثناء ليس من الأول. وقيل: إلا أن يرحمك ربّك فلا يذهب به. {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً} إذ جعلك سيّد ولد آدم، وأعطاك المقام المحمود وهذا الكتاب العزيز. وقال عبد الله بن مسعود: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وأن هذا القرآن كأنه قد نزع منكم، تصبحون يوماً وما معكم منه شيء. فقال رجل: كيف يكون ذلك يا أبا عبد الرحمن! وقد ثبّتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا، نعلّمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامةٰ قال: يُسرى به في ليلة فيذهب بما في المصاحف وما في القلوب، فتصبح الناس كالبهائم. ثم قرأ عبد الله «ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك» الآية. أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة بمعناه قال: أخبرنا أبو الأحوص عن عبد العزيز بن رُفيع عن شدّاد بن معقل قال: قال عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ: إن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن ينزع منكم. قال: قلت كيف ينزع منا وقد أثبته الله في قلوبنا وثبتناه في مصاحفناٰ قال: يسرى عليه في ليلة واحدة فينزع ما في القلوب ويذهب ما في المصاحف ويصبح الناس منه فقراء. ثم قرأ «ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك» وهذا إسناد صحيح. وعن ابن عمر: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل، له دويّ كدويّ النحل، فيقول الله ما بالك. فيقول: يا رب منك خرجت وإليك أعود، أتْلى فلا يعمل بي، أتلى ولا يُعمل بي.

قلت: قد جاء معنى هذا مرفوعاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وحذيفة. قال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يدرس الإسلام كما يدرس وَشْيُ الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة فيُسرى على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى منه في الأرض آية وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله. وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة. قال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله! وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؛ فأعرض عنه حذيفة؛ ثم ردّدها ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه حذيفة فقال:يا صلة! تنجيهم من النار، ثلاثاً. خرجه ابن ماجه في السنن. وقال عبد الله بن عمر: خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو معصوب الرأس من وجع فضحك، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ما هذه الكتب التي تكتبون أكتاب غير كتاب الله يوشك أن يغضب الله لكتابه فلا يدع ورقاً ولا قلباً إلا أخذ منهقالوا: يا رسول الله، فكيف بالمؤمنين والمؤمنات يومئذٍ؟ قال: من أراد الله به خيراً أبقى في قلبه لا إله إلا اللهذكره الثعلبي والغزْنَويّ وغيرهما في التفسير.

قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ۝٨٨

أي عوناً ونصيراً؛ مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعر فيقيمونه. نزلت حين قال الكفار: لو نشاء لقلنا مثل هذا؛ فأكذبهم الله تعالى. وقد مضى القول في إعجاز القرآن في أوّل الكتاب. والحمد لله. و {لاَ يَأْتُونَ} جواب القسم في «لئن» وقد يجزم على إرادة الشرط. قال الشاعر:

لئن كان ما حُدّثْتِهِ اليوم صادقاًأُقِم في نهار القَيْظ للشمس بادِيَا

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ۝٨٩

قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي وجهنا القول فيه بكل مثل يجب به الاعتبار؛ من الآيات والعبر والترغيب والترهيب، والأوامر والنواهي وأقاصيص الأوّلين، والجنة والنار والقيامة. {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} يريد أهل مكة، بيّن لهم الحقّ وفتح لهم وأمهلهم حتي تبيّن لهم أنه الحق، فأبوا إلا الكفر وقت تبيّن الحق. قال المهدويّ: ولا حجة للقدريّ في قولهم: لا يقال أبى إلا لمن أبى فعل ما هو قادر عليه؛ لأن الكافر وإن كان غير قادر على الإيمان بحكم الله عليه بالإعراض عنه وطبعه على قلبه، فقد كان قادراً وقت الفسحة والمهلة على طلب الحق وتمييزه من الباطل.

وَقَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلْأَرْضِ يَنۢبُوعًا ۝٩٠ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلْأَنْهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفْجِيرًا ۝٩١ أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ۝٩٢ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَٰبًا نَّقْرَؤُهُۥ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا ۝٩٣

قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} الآية نزلت في رؤساء قريش مثل عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبي سفيان والنضر بن الحارث، وأبي جهل وعبد لله بن أبي أمية، وأمية بن خلف وأبي البختريّ، والوليد بن المغيرة وغيرهم. وذلك أنهم لما عجزوا عن معارضة القرآن ولم يرضَوْا به معجزة،

اجتمعوا ـ فيما ذكر ابن إسحاق وغيره ـ بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكلّموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك فآتهم، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بدو، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً يحبّ رشدهم ويعزّ عليه عَنَتهم، حتى جلس إليهم فقالوا له: يا محمد! إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمتَ الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفّهت الأحلام وفرّقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، أو كما قالوا له. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا، وإن كنت تريد به ملكاً ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيًّا تراه قد غَلَب عليك ـ وكانوا يسمّون التابع من الجن رئياً ـ فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نُعذر فيك. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بي ما تقولون ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليّ كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلّغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً ولا أقلّ ماء ولا أشدّ عيشاً منا، فسَلْ لنا ربَّك الذي بعثك بما بعثك به، فليسيِّر عنا هذه الجبال التي قد ضيّقت علينا، وليبسط لنا بلادنا وليخرق لنا فيها أنهاراً كأنهار الشأم، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا قُصي بن كلاب؛ فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول، أحقٌّ هو أم باطل، فإن صدّقوك وصنعت ما سألناك صدّقناك، وعرفنا به منزلتك من الله تعالى، وأنه بعثك رسولاً كما تقول. فقال لهم صلوات الله عليه وسلامه: ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله تعالى بما بعثني به وقد بلّغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك! سَلْ ربك أن يبعث معك مَلَكاً يصدّقك بما تقول ويراجعنا عنك، واسأله فليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يغنيك بها عمّا نراك تبتغي؛ فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربّه هذا وما بعثت بهذا إليكم ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً ـ أو كما قال ـ فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظّكم في الدنيا والآخرة وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم قالوا: فاسقط السماء علينا كسَفاً كما زعمت أن ربّك إن شاء فعل؛ فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله عز وجل إن شاء أن يفعله بكم فعل قالوا: يا محمد، أَفَما عَلم ربّك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب، فيتقدّم إليك فيعلمك بما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به. إنه قد بلغنا أنك إنما يعلّمك هذا رجل من اليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً. فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته، هو لعاتكةَ بنت عبد المطلب، فقال له: يا محمد! عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول، ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل! ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل! ثم سألوك أن تعجّل لهم بعض ما تخوّفهم به من العذاب فلم تفعل! ـ أو كما قال له ـ فوالله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سُلَّماً، ثم تَرْقَى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصَكٍّ معه أربعةٌ من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وأيْم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك! ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً آسفاً لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه؛ كلّه لفظ ابن إسحاق. وذكر الواحديّ عن عكرمة عن ابن عباس: فأنزل الله تعالى: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} {يَنْبُوعاً} يعني العيون؛ عن مجاهد. وهي يفعول، من نَبَع ينبع. وقرأ عاصم وحمزة والكسائيّ «تفجر لنا» مخفّفة؛ واختاره أبو حاتم لأن الينبوع واحد. ولم يختلفوا في تفجّر الأنهار أنه مشدّد. قال أبو عبيد: والأولى مثلها. قال أبو حاتم: ليست مثلها؛ لأن الأولى بعدها ينبوع وهو واحد، والثانية بعدها الأنهار وهي جمع، والتشديد يدل على التكثير. أجيب بأن «ينبوعاً» وإن كان واحداً فالمراد به الجمع، كما قال مجاهد. الينبوع عين الماء، والجمع الينابيع. وقرأ قتادة «أو يكون لك جنة». {خِلالَهَا} أي وسطها. {أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ} قراءة العامة. وقرأ مجاهد «أو يسقط السماء» على إسناد الفعل إلى السماء. {كِسَفاً} قطعاً؛ عن ابن عباس وغيره. والكِسَف (بفتح السين) جمع كسفة، وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم. الباقون «كسفاً» بإسكان السين. قال الأخفش: من قرأ كسْفاً من السماء جعله واحداً، ومن قرأ كسفاً جعله جمعاً. قال المهدَويّ: ومن أسكن السين جاز أن يكون جمع كسفة وجاز أن يكون مصدراً؛ من كسفت الشيء إذا غطّيته. فكأنهم قالوا: أسقطها طبقاً علينا. وقال الجوهريّ: الكِسْفة القطعة من الشيء؛ يقال: أعطني كِسْفة من ثوبك، والجمع كِسْف وكِسَف. ويقال: الكِسْف والكِسْفة واحد. {أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً} أي معاينة؛ عن قتادة وابن جريج. وقال الضحاك وابن عباس: كفيلاً. قال مقاتل: شهيداً. مجاهد: هو جمع القبيلة؛ أي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة. وقيل: ضمناء يضمنون لنا إتيانك به. {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} أي من ذهب؛ عن ابن عباس وغيره. وأصله الزينة. والمزخرف المزين. وزخارف الماء طرائقه. وقال مجاهد: كنت لا أدري ما الزُّخرف حتى رأيته في قراءة ابن مسعود «بيت من ذهب» أي نحن لا ننقاد لك مع هذا الفقر الذي نرى. {أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ} أي تصعد؛ يقال: رقيت في السلم أرقى رَقْياً ورُقِيّاً إذا صعدت. وارتقيت مثله. {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ} أي من أجل رقيّك، وهو مصدر؛ نحو مضى يمضي مضياً، وهوى يهوي هوياً، كذلك رقى يرقى رقياً. {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} أي كتاباً من الله تعالى إلى كل رجل منا؛ كما قال تعالى: { بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } [المدثر:52]. {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي} وقرأ أهل مكة والشام {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي} يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي قال ذلك تنزيهاً لله عز وجل عن أن يعجز عن شيء وعن أن يعترض عليه في فعل. وقيل: هذا كله تعجب عن فرط كفرهم واقتراحاتهم. الباقون «قل» على أمر؛ أي قل لهم يا محمد {هَلْ كُنتُ} أي ما أنا «إلاّ بشراً رسولاً» أتبع ما يوحى إليّ من ربّي، ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر، فهل سمعتم أحداً من البشر أتى بهذه الآيات! وقال بعض الملحدين: ليس هذا جواباً مقنعاً، وغلطوا؛ لأنه أجابهم فقال: إنما أنا بشر لا أقدر على شيء مما سألتموني، وليس لي أن أتخيّر على ربي، ولم تكن الرسل قَبْلي يأتون أممهم بكل ما يريدونه ويبغونه، وسبيلي سبيلهم، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالة على صحة نبوّتهم، فإذا أقاموا عليهم الحجة لم يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها، ولو وجب على الله أن يأتيهم بكل ما يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بمن يختارونه من الرسل، ولوجب لكل إنسان أن يقول: لا أؤمن حتى أوتى بآية خلاف ما طلب غيري. وهذا يؤول إلى أن يكون التدبير إلى الناس. وإنما التدبير إلى الله تعالى

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا ۝٩٤

قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} يعني الرسل والكتب من عند الله بالدعاء إليه. {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ} جهلاً منهم. {أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} أي الله أجل من أن يكون رسوله من البشر. فبيّن الله تعالى فرط عنادهم لأنهم قالوا: أنت مثلنا فلا يلزمنا الانقياد، وغفلوا عن المعجزة. فـ«ـأنْ» الأولى في محل نصب بإسقاط حرف الخفض. و«أن» الثانية في محل رفع بـ«ـمنع» أي وما منع الناس من أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا قولهم أبعث الله بشراً رسولاً.

قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَٰٓئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا ۝٩٥

أعلم الله تعالى أن المَلك إنما يُرسل إلى الملائكة؛ لأنه لو أرسل ملكاً إلى الآدميّين لم يقدروا أن يروه على الهيئة التي خلق عليها، وإنما أقدر الأنبياء على ذلك وخلقَ فيهم ما يقدرون به؛ ليكون ذلك آية لهم ومعجزة. وقد تقدّم في «الأنعام» نظير هذه الآية؛ وهو قوله:

{ وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً }[الأنعام:8-9] وقد تقدّم الكلام فيه.

قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًا ۝٩٦

يروى أن كفار قريش قالوا حين سمعوا قوله:

{ هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً }[الإسراء: 93]: فمن يشهد لك أنك رسول الله؟ فنزل: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً}.

وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَٰهُمْ سَعِيرًا ۝٩٧

قوله تعالى: {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} أي لو هداهم الله لاهتدوا. {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ} أي لا يهديهم أحد. {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: أن ذلك عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم؛ من قول العرب: قدم القوم على وجوههم إذا أسرعوا. الثاني: أنهم يسحبون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في هوانه وتعذيبه. وهذا هو الصحيح؛ لحديث أنس

أن رجلاً قال: يا رسول الله، الذين يحشرون على وجوههم، أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس الذي أمشاه على الرجلين قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة. قال قتادة حين بلغه: بَلَى وعِزّة ربّنا. أخرجه البخاريّ ومسلم. وحسبك. {عميا وبكماً وصماً} قال ابن عباس والحسن: أي عُمْيٌ عمّا يسرّهم، بُكْمٌ عن التكلم بحجة، صُمٌّ عما ينفعهم؛ وعلى هذا القول حواسهم باقية على ما كانت عليه. وقيل: إنهم يحشرون على الصفة التي وصفهم الله بها؛ ليكون ذلك زيادة في عذابهم، ثم يخلق ذلك لهم في النار، فأبصروا؛ لقوله تعالى: { وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا }}، [الكهف: 53] وتكلموا؛ لقوله تعالى: { دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً }}، [الفرقان: 13] وسمعوا؛ لقوله تعالى: { سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً }[الفرقان: 12]. وقال مقاتل بن سليمان: إذا قيل لهم: { ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ }[المؤمنون: 108] صاروا عمياً لا يبصرون صُمًّا لا يسمعون بُكماً لا يفقهون. وقيل: عموا حين دخلوا النار لشدّة سوادها، وانقطع كلامهم حين قيل لهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون. وذهب الزفير والشهيق بسمعهم فلم يسمعوا شيئاً. {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي مستقرّهم ومقامهم. {كُلَّمَا خَبَتْ} أي سكنت؛ عن الضحاك وغيره. مجاهد طفئت. يقال: خبت النار تخبو خبوا أي طفئت، وأخبيتها أنا. {زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} أي ناراً تتلهب. وسكون التهابها من غير نقصان في آلامهم ولا تخفيف عنهم من عذابهم. وقيل: إذا أرادت أن تخبو. كقوله: { وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآن }َ}.

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمًا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ۝٩٨ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورًا ۝٩٩

قوله تعالى: {ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا} أي ذلك العذاب جزاء كفرهم {وَقَالُواْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً} أي تراباً. {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} فأنكروا البعث فأجابهم الله تعالى فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ} قيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض، وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه قادر على أن يخلق مثلهم. والأجل: مدّة قيامهم في الدنيا ثم موتهم، وذلك ما لا شك فيه إذ هو مشاهد. وقيل: هو جواب قولهم: {أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً}. وقيل: هو يوم القيامة. {فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُوراً } أي المشركون إلا جحوداً بذلك الأجل وبآيات الله. وقيل: ذلك الأجل هو وقت البعث، ولا ينبغي أن يشكّ فيه.

قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّىٓ إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلْإِنفَاقِ وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ قَتُورًا ۝١٠٠

قوله تعالى: {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} أي خزائن الأرزاق. وقيل: خزائن النّعم، وهذا أعم. {إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ} من البخل، وهو جواب قولهم: «لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً» حتى نتوسّع في المعيشة. أي لو توسعتم لبخلتم أيضاً. وقيل: المعنى لو ملك أحد المخلوقين خزائن الله لما جاد بها كجود الله تعالى؛ لأمرين:

أحدهما: أنه لا بد أن يمسك منها لنفقته وما يعود بمنفعته.

الثاني: أنه يخاف الفقر ويخشى العدم. والله تعالى يتعالى في وجوده عن هاتين الحالتين. والإنفاق في هذه الآية بمعنى الفقر؛ قاله ابن عباس وقتادة. وحكى أهل اللغة أنفق وأصرم وأعدم وأقتر إذا قلّ ماله. {وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً} أي بخيلاً مضيقاً. يقال: قَتَر على عياله يَقْتِر ويَقْترُ قتراً وقتوراً إذا ضيق عليهم في النفقة، وكذلك التقتير والإقتار، ثلاث لغات. واختلف في هذه الآية على قولين:

أحدهما: أنها نزلت في المشركين خاصة؛ قاله الحسن.

والثاني: أنها عامة، وهو قول الجمهور؛ وذكره الماورديّ.

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُۥ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا ۝١٠١

قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} اختلف في هذه الآيات؛ فقيل: هي بمعنى آيات الكتاب؛ كما روى الترمذي والنسائي عن صفوان بن عسّال المراديّ

أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبيّ نسأله؛ فقال: لا تقل له نبيّ فإنه إن سمعنا كان له أربعة أعين؛ فأتيا النبيّ صلى الله عليه وسلم فسألاه عن قول الله تعالى: «ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة ولا تفرّوا من الزحف ـ شك شعبة ـ وعليكم (يا معشر) اليهود خاصة ألا تعدوا في السبت» فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبيّ. قال: «فما يمنعكما أن تسلما» قالا: إن داود دعا الله ألا يزال في ذريته نبيّ وإنا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقد مضى في البقرة. وقيل: الآيات بمعنى المعجزات والدلالات. قال ابن عباس والضحاك: الآيات التسع: العصا واليد واللسان والبحر والطوفان والجراد والقُمّل والضفادع والدم؛ آيات مفصَّلات. وقال الحسن والشعبيّ: الخمس المذكورة في «الأعراف»؛ يعنيان الطوفان وما عطف عليه، واليد والعصا والسنين والنقص من الثمرات. وروي نحوه عن الحسن؛ إلا أنه يجعل السنين والنقص من الثمرات واحدة، وجعل التاسعة تلقّف العصا ما يأفكون. وعن مالك كذلك؛ إلا أنه جعل مكان السنين والنقص من الثمرات: البحر والجبل. وقال محمد بن كعب: هي الخمس التي في «الأعراف» والبحر والعصا والحجر والطمس على أموالهم. وقد تقدّم شرح هذه الآيات مستوفًى والحمد لله. {فَٱسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ} أي سلهم يا محمد إذ جاءهم موسى بهذه الآيات، حسبما تقدّم بيانه في يونس. وهذا سؤال استفهام ليعرف اليهود صحة ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم. {فقال له فِرْعَون إنّي لأظنّك يا مُوسى مَسْحُوراً} أي ساحراً بغرائب أفعالك؛ قاله الفراء وأبو عبيدة. فوضع المفعول موضع الفاعل؛ كما تقول: هذا مشؤوم وميمون، أي شائم ويامن. وقيل مخدوعاً. وقيل مغلوباً؛ قاله مقاتل. وقيل غير هذا؛ وقد تقدّم. وعن ابن عباس وأبي نهيك أنهما قرأا «فسأل بني إسرائيل» على الخبر؛ أي سأل موسى فرعون أن يخلي بني إسرائيل ويطلق سبيلهم ويرسلهم معه.

قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يَٰفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ۝١٠٢

قوله تعالى: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ} يعني الآيات التسع. و«أنزل» بمعنى أوجد. {إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ} أي دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته. وقراءة العامة «علمت» بفتح التاء، خطاباً لفرعون. وقرأ الكسائي بضم التاء، وهي قراءة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ وقال: والله ما علم عدوّ الله ولكن موسى هو الذي علم، فبلغت ابن عباس فقال: إنها «لقد علمت»، واحتج بقوله تعالى: {وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}. ونسب فرعون إلى العناد. وقال أبو عبيد: والمأخوذ به عندنا فتح التاء، وهو الأصح للمعنى الذي احتج به ابن عباس؛ ولأن موسى لا يحتج بقوله: علمت أنا، وهو الرسول الداعي، ولو كان مع هذا كلّه تصح به القراءة عن عليّ لكانت حجة، ولكن لا تثبت عنه، إنما هي عن كلثوم المراديّ وهو مجهول لا يعرف، ولا نعلم أحداً قرأ بها غير الكسائي. وقيل: إنما أضاف موسى إلى فرعون العلم بهذه المعجزات؛ لأن فرعون قد علم مقدار ما يتهيأ للسحرة فعله، وأن مثل ما فعل موسى لا يتهيأ لساحر، وأنه لا يقدر على فعله إلا من يفعل الأجسام ويملك السموات والأرض. وقال مجاهد: دخل موسى على فرعون في يوم شات وعليه قطيفة له، فألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان، فرأى فرعون جانبي البيت بين فُقْمَيْها، ففزع وأحدث في قطيفته. (الفقم بالضم اللحى، وفي الحديث

من حفظ ما بين فقميه أي ما بين لحييه). {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} الظن هنا بمعنى التحقيق. والثبور: الهلاك والخسران أيضاً. قال الكُمَيْت:

ورأتْ قُضاعة في الأيَامِن رأي مَثْبُورٍ وثابر

أي مخسور وخاسر، يعني في انتسابها إلى اليمن. وقيل: ملعوناً رواه المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقاله أبان بن تغلب. وأنشد:

يا قومنا لا تَرُومُوا حَرْبَنَا سَفَهاًإنّ السَّفاه وإن البَغْيَ مثبورُ

أي ملعون. وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس: «مثبوراً» ناقص العقل. ونظر المأمون رجلاً فقال له: يا مثبور؛ فسئل عنه قال: قال الرشيد قال المنصور لرجل: مثبور؛ فسألته فقال: حدثني ميمون بن مهران... فذكره. وقال قتادة هالكاً. وعنه أيضاً والحسن ومجاهد: مهلكاً. والثّبُور: الهلاك؛ يقال: ثَبَر الله العدوّ ثبوراً أهلكه. وقيل: ممنوعاً من الخير. حكى أهل اللغة: ما ثبرك عن كذا أي ما منعك منه. وثبره الله يثبره ويُثَبِّره لغتان. قال ابن الزِّبَعْرَى:

إذ أُجاري الشيطان في سنَن الغَــيّ ومن مال مَيْلَه مثبور

الضحاك: «مثبوراً» مسحوراً. ردّ عليه مثل ما قال له باختلاف اللفظ. وقال ابن زيد: «مثبوراً» مخبولاً لا عقل له.

فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعًا ۝١٠٣ وَقُلْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ لِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱسْكُنُوا۟ ٱلْأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ۝١٠٤

قوله تعالى: {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي أراد فرعون أن يخرج موسى وبني إسرائيل من أرض مصر إما بالقتل أو بالإبعاد؛ فأهلكه الله عز وجل. {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ} أي من بعد إغراقه. {لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} أي أرض الشأم ومصر. {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} أي القيامة {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} أي من قبوركم مختلطين من كل موضع، قد اختلط المؤمن بالكافر لا يتعارفون ولا ينحاز أحد منكم إلى قبيلته وحَيّه. وقال ابن عباس وقتادة: جئنا بكم جميعاً من جهات شتّى. والمعنى واحد. قال الجوهري: واللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى؛ يقال: جاء القوم بلفّهم ولفيفهم، أي وأخلاطهم. وقوله تعالى: {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} أي مجتمعين مختلطين. وطعام لفيف إذا كان مخلوطاً من جنسين فصاعداً. وفلان لفيف فلان أي صديقه. قال الأصمعي: اللفيف جمعٌ وليس له واحد، وهو مثل الجميع. والمعنى: أنهم يخرجون وقت الحشر من القبور كالجراد المنتشر، مختلطين لا يتعارفون. وقال الكلبي: «فإذا جاء وعد الآخرة» يعني مجيء عيسى عليه السلام من السماء.

وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝١٠٥

قوله تعالى: {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} هذا متصل بما سبق من ذكر المعجزات والقرآن. والكناية ترجع إلى القرآن. ووجه التكرير في قوله «وبالحق نزل» يجوز أن يكون معنى الأول: أوجبنا إنزاله بالحق. ومعنى الثاني: ونزل وفيه الحق؛ كقوله خرج بثيابه، أي وعليه ثيابه. وقيل الباء في «وبالحق» الأول بمعنى مع، أي مع الحق؛ كقولك ركب الأمير بسيفه أي مع سيفه. «وبالحق نزل» أي بمحمد صلى الله عليه وسلم، أي نزل عليه؛ كما تقول نزلت بزيد. وقيل: يجوز أن يكون المعنى وبالحق قدرنا أن ينزل، وكذلك نزل.

وَقُرْءَانًا فَرَقْنَٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَٰهُ تَنزِيلًا ۝١٠٦

قوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} مذهب سيبويه أن «قرآناً» منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر. وقرأ جمهور الناس «فَرَقناه» بتخفيف الراء، ومعناه بيناه وأوضحناه، وفرقنا فيه بين الحق والباطل؛ قاله الحسن. وقال ابن عباس: فصلناه. وقرأ ابن عباس وعليّ وابن مسعود وأبيّ بن كعب وقتادة وأبو رجاء والشعبيّ «فرّقناه» بالتشديد، أي أنزلناه شيئاً بعد شيء لا جملةً واحدة؛ إلا أن في قراءة ابن مسعود وأُبَيّ «فرقناه عليك».

واختلف في كم نزل القرآن من المدّة؛ فقيل: في خمس وعشرين سنة. ابن عباس: في ثلاث وعشرين. أنس: في عشرين. وهذا بحسب الخلاف في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف أنه نزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة. وقد مضى هذا في «البقرة». {عَلَىٰ مُكْثٍ} أي تطاوُل في المدّة شيئاً بعد شيء. ويتناسق هذا القرآن على قراءة ابن مسعود، أي أنزلناه آية آية وسورةً سورة. وأمّا على القول الأول فيكون «على مكث» أي على ترسّل في التلاوة وترتيل؛ قاله مجاهد وابن عباس وابن جريج. فيعطي القارىء القراءة حقّها من ترتيلها وتحسينها وتطييبها بالصوت الحسن ما أمكن من غير تلحين ولا تطريب مؤد إلى تغيير لفظ القرآن بزيادة أو نقصان فإن ذلك حرام على ما تقدم أوّل الكتاب. وأجمع القراء على ضم الميم من «مكث» إلا ابن محيصن فإنه قرأ «مكث» بفتح الميم. ويقال. مَكْث ومُكْث ومِكْث؛ ثلاث لغات. قال مالك: «على مُكْث» على تثبّت وترسّلٍ.

قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} مبالغة وتأكيد بالمصدر للمعنى المتقدم، أي أنزلناه نَجْماً بعد نجم؛ ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا.

قُلْ ءَامِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوْ لَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِۦٓ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ۝١٠٧

قوله تعالى: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ} يعني القرآن. وهذا من الله عز وجل على وجه التبكيت لهم والتهديد لا على وجه التخيير. {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ} أي من قبل نزول القرآن وخروج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهم مؤمنو أهل الكتاب؛ في قول ابن جريج وغيره. قال ابن جريج: معنى {إذا يتلى عليهم} كتابهم. وقيل القرآن. {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} وقيل: هم قوم من ولد إسماعيل تمسّكوا بدينهم إلى أن بعث الله تعالى النبيّ عليه السلام، منهم زيد بن عمرو بن نُفيل وورقة بن نَوْفل. وعلى هذا ليس يريد أوتوا الكتاب بل يريد أوتوا علم الدِّين. وقال الحسن: الذين أوتوا العلم أمةُ محمد صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: إنهم ناس من اليهود؛ وهو أظهر لقوله «مِنْ قَبْله». {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} يعني القرآن في قول مجاهد. كانوا إذا سمعوا ما أنزل الله تعالى من القرآن سجدوا وقالوا: «سبحان ربّنا إن كان وعد ربّنا لمفعولاً». وقيل: كانوا إذا تلَوْا كتابهم وما أنزل عليه من القرآن خشعوا وسجدوا وسبحوا، وقالوا: هذا هو المذكور في التوراة، وهذه صفته، ووعد الله به واقع لا محالة، وجنحوا إلى الإسلام؛ فنزلت الآية فيهم. وقالت فرقة: المراد بالذين أوتوا العلم من قبله محمدٌ صلى الله عليه وسلم، والضمير في «قَبْله» عائد على القرآن حسب الضمير في قوله «قل آمنوا به». وقيل: الضميران لمحمد صلى الله عليه وسلم، واستأنف ذكر القرآن في قوله: «إذا يتلى عليهم».

وَيَقُولُونَ سُبْحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ۝١٠٨

دليل على جواز التسبيح في السجود. وفي صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في سجوده وركوعه «سبحانك اللهمّ ربَّنا وبحمدك اللّهمّ ٱغفر لي»

وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۝١٠٩

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ} هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم. وحقّ لكل من توسّم بالعلم وحصّل منه شيئاً أن يجري إلى هذه المرتبة، فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل. وفي مسند الدّارميّ أبي محمد عن التَّيْميّ قال: من أوتيَ من العلم ما لم يبكّه لخليق ألا يكون أوتي علماً؛ لأن الله تعالى نعت العلماء، ثم تلا هذه الآية. ذكره الطبري أيضاً. والأذقان جمع ذقن، وهو مجتمع اللِّحيين. وقال الحسن: الأذقان عبارة عن اللِّحَى؛ أي يضعونها على الأرض في حال السجود، وهو غاية التواضع. واللام بمعنى على؛ تقول سقط لِفِيه أي على فيه. وقال ابن عباس: «ويخرون للأذقان سُجّداً» أي للوجوه، وإنما خص الأذقان بالذكر لأن الذقن أقرب شيء من وجه الإنسان. قال ابن خُوَيْز منداد: ولا يجوز السجود على الذقن؛ لأن الذقن ها هنا عبارة عن الوجه، وقد يعبّر بالشيء عما جاوره وببعضه عن جميعه؛ فيقال: خر لوجهه ساجداً وإن كان لم يسجد على خدّه ولا عينه. ألا ترى إلى قوله:

فخــرّ صَرِيعـاً لليديـن ولِلفَـم

فإنما أراد: خر صريعاً على وجهه ويديه.

الثانية: قوله تعالى: {يَبْكُونَ} دليل على جواز البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى، أو على معصيته في دين الله، وأن ذلك لا يقطعها ولا يضرها. ذكر ابن المبارك عن حماد بن سلمة عن ثابت البُنَانيّ عن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشَّخِّير عن أبيه قال: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزِيز كأزير المِرْجل من البكاء. وفي كتاب أبي داود: وفي صدره أزير كأزير الرحى من البكاء.

الثالثة: واختلف الفقهاء في الأنين؛ فقال مالك: الأنين لا يقطع الصلاة للمريض، وأكرهه للصحيح؛ وبه قال الثوري. وروى ابن الحكم عن مالك: التنحنحُ والأنين والنفخ لا يقطع الصلاة، وقال ابن القاسم: يقطع. وقال الشافعيّ: إن كان له حروف تُسمع وتُفهم يقطع الصلاة. وقال أبو حنيفة: إن كان من خوف الله لم يقطع، وإن كان من وجع قطع. وروي عن أبي يوسف أن صلاته في ذلك كلّه تامةٌ؛ لأنه لا يخلو مريض ولا ضعيف من أنين.

الرابعة: قوله تعالى: {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} تقدّم القول في الخشوع في «البقرة» ويأتي.

قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا۟ ٱلرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ۝١١٠

قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} سبب نزول هذه الآية:

أن المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو «يا ألله يا رحمن» فقالوا: كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين؛ قاله ابن عباس. وقال مكحول: تهجّد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال في دعائه: «يا رحمن يا رحيم» فسمعه رجل من المشركين، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمن، فقال ذلك السامع: ما بال محمد يدعو رحمان اليمامة. فنزلت الآية مبيِّنة أنهما اسمان لمسمّى واحد؛ فإن دعوتموه بالله فهو ذاك، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذاك. وقيل: كانوا يكتبون في صدر الكتب: باسمك اللهم؛ فنزلت {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال المشركون: هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن؛ فنزلت الآية. وقيل: إن اليهود قالت: ما لنا لا نسمع في القرآن اسما هو في التوراة كثير. يعنون الرحمن؛ فنزلت الآية. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «أيًّا مَنْ تدعوا فله الأسماء الحسنى» أي التي تقتضي أفضل الأوصاف وأشرف المعاني. وحسنُ الأسماء إنما يتوجه بتحسين الشرع؛ لإطلاقها والنصّ عليها. وانضاف إلى ذلك أنها تقتضي معاني حساناً شريفة، وهي بتوقيف لا يصح وضع اسم الله بنظر إلا بتوقيف من القرآن أو الحديث أو الإجماع. حسبما بيناه في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى).

قوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} فيه مسألتان:

الأولى: اختلفوا في سبب نزولها على خمسة أقوال:

الأول: ما روى ابن عباس في قوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مُتَوارٍ بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سَبُّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به؛ فقال الله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} فيسمع المشركون قراءتك. «ولا تخافت بها» عن أصحابك. أسمعهم القرآن ولاتجهر ذلك الجهر. {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} قال: يقول بين الجهر والمخافتة؛ أخرجه البخاريّ ومسلم والترمذي وغيرهم. واللفظ لمسلم. والمخافتة: خفض الصوت والسكون؛ يقال للميت إذا بَرَد: خفت. قال الشاعر:

لم يبق إلا نَفَس خافتومُقْلَةٌ إنسانها باهت رَثَى لها الشامت مما بهايا وَيْحَ من يَرْثي له الشّامت

الثاني: ما رواه مسلم أيضاً عن عائشة في قوله عز وجل: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} قالت: أنزل هذا في الدعاء.

الثالث: قال ابن سيرين: كان الأعراب يجهرون بتشهّدهم فنزلت الآية في ذلك.

قلت: وعلى هذا فتكون الآية متضمنة لإخفاء التشهد، وقد قال ابن مسعود: من السنّة أن تخفي التشهد؛ ذكره ابن المنذر.

الرابع: ما روي عن ابن سيرين أيضاً أن أبا بكر رضي الله عنه كان يُسِر قراءته، وكان عمر يجهر بها، فقيل لهما في ذلك؛ فقال أبو بكر: إنما أناجي ربي، وهو يعلم حاجتي إليه. وقال عمر: أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوَسْنان؛ فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر: ارفع قليلاً، وقيل لعمر اخفض أنت قليلاً؛ ذكره الطبري وغيره.

الخامس: ما روي عن ابن عباس أيضاً أن معناها ولا تجهر بصلاة النهار، ولا تخافت بصلاة الليل؛ ذكره يحيى بن سلام والزهراويّ. فتضمنت أحكام الجهر والإسرار بالقراءة في النوافل والفرائض، فأما النوافل فالمصلي مخيّر في الجهر والسر في الليل والنهار، وكذلك روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل الأمرين جميعاً. وأما الفرائض فحكمها في القراءة معلوم ليلاً ونهاراً.

وقول سادس: قال الحسن: يقول الله لا ترائي بصلاتك تحسّنها في العلانية ولا تسيئها في السر. وقال ابن عباس: لا تصلّ مرائياً للناس ولا تدعها مخافة الناس.

الثانية: عبّر تعالى بالصلاة هنا عن القراءة كما عبر بالقراءة عن الصلاة في قوله: {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر؛ لأن الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود فهي من جملة أجزائها؛ فعبر بالجزء عن الجملة وبالجملة عن الجزء على عادة العرب في المجاز وهو كثير؛ ومنه الحديث الصحيح:

قسمت الصلاة بيني وبين عبديأي قراءة الفاتحة على ما تقدّم.
الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ