انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير الطبريالآيات 77–80

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الإسراء

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:19:01

  1. 1 الآيات 70–98في هذه الصفحة 18:49

التفسير الصوتي لسورة الإسراء كاملًا (5 مقاطع)

سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ۝٧٧

يقول تعالـى ذكره: لو أخرجوك لـم يـلبثوا خلافك إلاَّ قلـيلاً، ولأهلكناهم بعذاب من عندنا، سنتنا فـيـمن قد أرسلنا قبلك من رسلنا، فإنا كذلك كنا نفعل بـالأمـم إذا أخرجت رسلها من بـين أظهرهم ونصبت السنة علـى الـخروج من معنى قوله

{ لا يَـلْبَثُونَ خِلافَكَ إلاَّ قَلِـيلاً }لأن معنى ذلك: لعذّبناهم بعد قلـيـل كسنتنا فـي أمـم من أرسلنا قبلك من رسلنا، ولا تـجد لسنتنا تـحويلاً عما جرت به. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَـجِدُ لِسُنَّتِنا تَـحْوِيلاً}: أي سنة الأمـم والرسل كانت قبلك كذلك إذا كذّبوا رسلهم وأخرجوهم، لـم يناظروا أن الله أنزل علـيهم عذابه.

أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ۝٧٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {أقِمِ الصَّلاةَ} يا مـحمد {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}.

واختلف أهل التأويـل فـي الوقت الذي عناه الله بدلوك الشمس، فقال بعضهم: هو وقت غروبها، والصلاة التـي أمر بإقامتها حينئذٍ: صلاة الـمغرب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي واصل بن عبد الأعلـى الأسدي، قال: ثنا ابن فضيـل، عن أبـي إسحاق، يعنـي الشيبـانـي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبـيه، أنه كان مع عبد الله بن مسعود، علـى سطح حين غربت الشمس، فقرأ: {أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلـى غَسَق اللَّـيـل}، حتـى فرغ من الآية، ثم قال: والذي نفسي بـيده إن هذا لَـحِينَ دَلَكَتِ الشمس وأفطر الصائم ووقت الصلاة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، أن أبـا عُبـيدة بن عبد الله كتب إلـيه أن عبد الله بن مسعود كان إذا غربت الشمس صلَّـى الـمغرب، ويفطر عندها إن كان صائماً، ويقسم علـيها يـمينا ما يقسمه علـى شيء من الصلوات بـالله الذي لا إله إلاَّ هو، إن هذه الساعة لـميقات هذه الصلاة، ويقرأ فـيها تفسيرها من كتاب الله {أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكَ الشَّمْسِ إلـى غَسَقِ اللَّـيْـلِ}.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن شعبة، عن عاصم، عن أبـي وائل، عن عبد الله قال: هذا دلوك الشمس، وهذا غسق اللـيـل، وأشار إلـى الـمشرق والـمغرب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، قال: قال ابن عبـاس: دلوك الشمس: غروبها، يقول: دلكت براح.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبـي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله، أنه قال: حين غربت الشمس دلكت، يعنـي براح مكاناً.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، قال: دلوكها: غروبها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قد ذكر لنا أن ابن مسعود كان يصلـيها إذا وجبت وعندها يفطر إذا كان صائماً، ثم يقسم علـيها قسماً لا يقسمه علـى شيء من الصلوات بـالله الذي لا إله إلاَّ هو، إن هذه الساعة لـميقات هذه الصلاة، ثم يقرأ ويصلـيها وتصديقها من كتاب الله: {أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلـى غَسَقِ اللَّـيْـلِ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلـى غَسَقِ اللَّـيْـلِ} قال: كان أبـي يقول: دلوكها: حين تريد الشمس تغرب إلـى أن يغسق اللـيـل، قال: هي الـمغرب حين يغسق اللـيـل، وتَدلُك الشمس للغروب.

حدثنـي سعيد بن الربـيع، قال: ثنا سفـيان بن عيـينة، سمع عمرو بن دينار أبـا عبـيدة بن عبد الله بن مسعود يقول: كان عبد الله بن مسعود يصلـي الـمغرب حين يغرب حاجب الشمس، ويحلف أنه الوقت الذي قال الله {أقِمِ الصَّلاةَ لدُلُوكِ الشَّمْسِ إلـى غَسَقِ اللَّـيْـلِ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم، قال: قال عبد الله حين غربت الشمس: هذا والله الذي لا إله غيره وقت هذه الصلاة. وقال: دلوكها: غروبها.

وقال آخرون: دلوك الشمس: ميـلها للزوال، والصلاة التـي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقامتها عند دلوكها: الظهر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: دلوكها: ميـلها، يعنـي الشمس.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن مغيرة، عن الشعبـيّ، عن ابن عبـاس، قال، فـي قوله {أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْس} قال: دلوكها: زوالها.

حدثنـي موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو أسامة، عن عبد الـحميد بن جعفر، عن نافع، عن ابن عمر، فـي قوله {أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} قال: دلوكها: ميـلها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين بن واقد، عن سيار بن سلامة، عن أبـي برزة الأسلـميّ، قوله {أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} قال: إذا زالت.

حدثنا ابن حميد مرة أخرى، قال: ثنا أبو تـميـلة، قال: ثنا الـحسين بن واقد، قال: ثنا سيار بن سلامة الرياحي، قال: أتـيت أبـا برزة فسأله والدي عن مواقـيت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلـي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا: {أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}.

حدثنـي الـحسين بن علـيّ الصدائي، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا مبـارك، عن الـحسن، قال: قال الله عزّ وجلّ لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم {أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلـى غَسَقِ اللَّـيْـلِ} قال: الظهر دلوكها، إذا زالت عن بطن السماء، وكان لها فـي الأرض فَـيْء.

حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا يونس، عن الـحسن، فـي قوله {أقِمِ الصَّلاةَ لدُلُوكِ الشَّمْسِ} قال: دلوكها: زوالها.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، مثل ذلك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن أشعث، عن جعفر، عن أبـي جعفر فـي {أقِمِ الصَّلاةَ لِدِلُوكِ الشَّمْسِ} قال: لزوال الشمس.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن ابن عبـاس، قال دلوك الشمس: زيغها بعد نصف النهار، يعنـي الظلّ.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: دلوك الشمس، قال: حين تزيغ عن بطن السماء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {أقِمِ الصَّلاةَ لِدِلُوكِ الشَّمْسِ} أي إذا زالت الشمس عن بطن السماء لصلاة الظهر.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} قال: حين تزيغ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد قال: دلوك الشمس: حين تزيغ.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: عنى بقوله {أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}: صلاة الظهر، وذلك أن الدلوك فـي كلام العرب: الـميـل، يقال منه: دلك فلان إلـى كذا: إذا مال إلـيه. ومنه الـخبر الذي روي عن الـحسن أن رجلاً قال له: أيُدالك الرجل امرأته؟ يعنـي بذلك: أيـميـل بها إلـى الـمـماطلة بحقها. ومنه قول الراجز:

هَذَا مَقامُ قَدَميْ رَبـاحِغُدْوَةَ حتـى دَلَكَتْ بِرَاحِ

ويروى: براح بفتـح البـاء، فمن روى ذلك: بِراح، بكسر البـاء، فإنه يعنـي: أنه يضع الناظر كفه علـى حاجبه من شعاعها، لـينظر ما لقـي من غيارها. وهذا تفسير أهل الغريب أبـي عبـيدة والأصمعي وأبـي عمرو الشيبـانـيّ وغيرهم. وقد ذكرت فـي الـخبر الذي رويت عن عبد الله بن مسعود، أنه قال حين غربت الشمس: دلكت براح، يعنـي: براح مكانا، ولست أدري هذا التفسير، أعنـي قوله: براح مكاناً مِنْ كلام من هو مـمن فـي الإسناد، أو من كلام عبد الله، فإن يكن من كلام عبد الله، فلا شكّ أنه كان أعلـم بذلك من أهل الغريب الذين ذكرت قولهم، وأن الصواب فـي ذلك قوله، دون قولهم، وإن لـم يكن من كلام عبد الله، فإن أهل العربـية كانوا أعلـم بذلك منه، ولـما قال أهل الغريب فـي ذلك شاهد من قول العجاج، وهو قوله:

والشَّمْسُ كادَتْ تَكُونُ دَنَفـاأدْفَعُها بـالرَّاحِ كَيْ تَزَ حْلَفـا

فأخبر أنه يدفع شعاعها لـينظر إلـى مغيبها براحه. ومن روى ذلك بفتـح البـاء، فإنه جعله اسماً للشمس وكسر الـحاء لإخراجه إياه علـى تقدير قَطامِ وحَذامِ ورَقاشِ، فإذا كان معنى الدلوك فـي كلام العرب هو الـميـل، فلا شكَ أن الشمس إذا زالت عن كبد السماء، فقد مالت للغروب، وذلك وقت صلاة الظهر، وبذلك ورد الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان فـي إسناد بعضه بعض النظر.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخـلد، قال: ثنـي مـحمد بن جعفر، قال: ثنـي يحيى بن سعيد، قال: ثنـي أبو بكر بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن أبـي مسعود عقبة بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"أتانِـي جَبْرَائِيـلُ عَلَـيْهِ السَّلامُ لِدُولُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زَالَتْ فَصَلَّـى بِـيَ الظُّهْرَ"

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تـميـلة، قال: ثنا الـحسين بن واقد، قال: ثنـي سيار بن سلامة الرياحي، قال: قال أبو بَرزة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلـي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا {أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قـيس، عن ابن أبـي لـيـلـى، عن رجل، عن جابر بن عبد الله، قال: دعوت نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه، فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبـيّ صلى الله عليه وسلم فقال:

اخْرُجْ يا أبـا بَكْرٍ قَدْ دَلَكَتِ الشَّمْسُ"

حدثنـي مـحمد بن عثمان الرازي، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأسود بن قـيس، عن نُبَـيح العَنَزِيّ، عن جابر بن عبد الله، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، نـحو حديث ابن حميد.

فإذا كان صحيحاً ما قلنا بـالذي به استشهدنا، فبـين إذن أن معنى قوله جلّ ثناؤه: {أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلـى غَسَقِ اللَّـيْـلِ} أن صلاة الظهر والعصر بحدودهما مـما أوجب الله علـيك فـيهما لأنهما الصلاتان اللتان فرضهما الله علـى نبـيه من وقت دلوك الشمس إلـى غسق اللـيـل وغسق اللـيـل: هو إقبـاله ودنوّه بظلامه، كما قال الشاعر:

آبَ هَذَا اللَّـيْـلُ إذْ غَسَقَا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل علـى اختلاف منهم فـي الصلاة التـي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقامتها عنده، فقال بعضهم: الصلاة التـي أمر بإقامتها عنده صلاة الـمغرب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {أقِمِ الصَّلاةَ لِدِلُوكِ الشَّمْسِ إلـى غَسَقِ اللَّـيْـلِ} قال: غسق اللـيـل: بدوّ اللـيـل.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، قال: سمعت عكرمة سئل عن هذه الآية: {أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلـى غَسَقِ اللَّـيْـلِ} قال: بدوّ اللـيـل.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: غسق اللـيـل: غروب الشمس.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {غَسَقِ اللَّـيْـلِ}: صلاة الـمغرب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إلـى غَسَقِ اللَّـيْـلِ} بدوّ اللـيـل لصلاة الـمغرب.

وقد ذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

"لا تَزَالُ طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِـي عَلـى الفِطْرَةِ ما صَلَّوْا صَلاةَ الـمَغْرِبِ قَبْلَ أنْ تَبْدُوَ النُّـجومُ"

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {إلـى غَسَقٍ اللَّـيْـلِ} يعنـي ظلام اللـيـل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان أبـي يقول: {غَسَقِ اللَّـيْـلِ}: ظلـمة اللـيـل.

وقال آخرون: هي صلاة العصر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن أشعث، عن جعفر، عن أبـي جعفر {إلـى غَسَقِ اللَّـيْـلِ} قال: صلاة العصر.

وأولـى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: الصلاة التـي أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإقامتها عند غسق الليل، هي صلاة الـمغرب دون غيرها، لأن غسق الليل هو ما وصفنا من إقبال الليل وظلامه، وذلك لا يكون إلا بعد مغيب الشمس. فأما صلاة العصر، فإنها مـما تقام بـين ابتداء دلوك الشمس إلـى غسق الليل، لا عند غسق اللـيـل. وأما قوله: {وقُرآنَ الفَجْرِ} فإن معناه وأقم قرآن الفجر: أي ما تقرأ به صلاة الفجر من القرآن، والقرآن معطوف علـى الصلاة فـي قوله: {أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}.

وكان بعض نـحويـي البصرة يقول: نصب قوله {وَقُرآنَ الفَجْرِ} علـى الإغراء، كأنه قال: وعلـيك قرآن الفجر {إنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً} يقول: إن ما تقرأ به فـي صلاة الفجر من القرآن كان مشهودا، يشهده فـيـما ذكر ملائكة اللـيـل وملائكة النهار. وبـالذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل: وجاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبـيد بن أسبـاط بن مـحمد القرشي، قال: ثنـي أبـي، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن ابن مسعود عن أبـي صالـح، عن أبـي هريرة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي هذه الآية {وقُرآنَ الفَجْرِ إن قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً} قال:

"تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّـيْـلِ وَمَلائِكَةُ النَّهارِ"

حدثنامـحمد بن سهل، قال: ثنا آدم، قال: ثنا لـيث بن سعد وحدثنا مـحمد بن سهل بن عسكر، قال ثنا ابن أبـي مريـم، قال: ثنا اللـيث بن سعد، عن زيادة بن مـحمد، عن مـحمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبـيد، عن أبـي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ اللّهَ يَفْتَـحُ الذّكْرَ فِـي ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقَـينَ مِنَ اللَّـيْـلِ: فِـي السَّاعَةِ الأُولـى مِنْهُنَّ يَنْظُرُ فِـي الكِتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِـيهِ أحدٌ غيرُه فَـيَـمْـحُوا ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ، ثُمَّ يَنْزِلُ فِـي السَّاعَةِ الثَّانِـيَةِ إلـى جَنَّةِ عَدْنٍ، وَهِيَ دَارُهُ الَّتِـي لَـمْ تَرَها عَيْنٌ، وَلا تَـخْطُرُ عَلـى قَلْبِ بَشَرٍ، وَهِيَ مَسْكَنُهُ، وَلا يَسْكُنُ مَعَهُ مِنْ بَنِـي آدَمَ غيرُ ثَلاثَةٍ: النَّبِـيِّـينَ والصّدّيقِـينَ والشُّهَدَاءِ، ثُمَّ يَقولُ: طُوبَى لِـمَنْ دَخَـلَكِ، ثُمَّ يَنْزِلُ فِـي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ إلـى السمَّاءِ الدُّنـيْا بِرُوحِهِ وَمَلائِكَتِهِ فَتَنْتَفِضُ، فَـيَقُولُ: قُومي بَعوْنِـي، ثُمَّ يَطَّلعُ إلـى عِبـادِهِ، فَـيَقُولُ: مَنْ يَسْتَغْفِرُنِـي أغْفِرْ لَهُ، مَنْ يَسْألْنِـي أُعْطِهِ، مَنْ يَدْعُونِـي فَأسْتَـجِيبَ لَهُ حتـى يَطْلُعَ الفَجْرُ، فذلك حين يقول وَقُرآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودا" قال موسى فـي حديثه: شهده الله وملائكة اللـيـل وملائكة النهار. وقال ابن عسكر فـي حديثه: فـيشهده الله وملائكة اللـيـل وملائكة النهار.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، قال: قال أبو عبـيدة بن عبد الله: كان عبد الله يحدّث أن صلاة الفجر عندها يجتـمع الـحرسان من ملائكة الله، ويقرأ هذه الآية: {وَقُرآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وقُرآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً} وقرآن الفجر: صلاة الصبح، كنا نـحدّث أن عندها يجتـمع الـحَرَسان من ملائكة الله حَرَس: اللـيـل وحَرَس النهار.

حدثنا محمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَقُرآنَ الفَجْرِ} صلاة الفجر. وأما قوله: {كانَ مَشْهُوداً} فإنه يقول: ملائكة اللـيـل وملائكة النهار يشهدون تلك الصلاة.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن أبـي عبـيدة، عن عبد الله أنه قال فـي هذه الآية: {وَقُرآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً} قال: تنزل ملائكة النهار وتصعد ملائكة اللـيـل.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيـل، عن ضرار بن عبد الله بن أبـي الهُذيـل، عن أبـي عبـيدة، فـي قوله: {وَقُرآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً} قال: يشهده حرس اللـيـل وحرس النهار من الـملائكة فـي صلاة الفجر.

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيـم، فـي قوله: {وَقُرآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً} قال: كانوا يقولون تـجتـمع ملائكة اللـيـل وملائكة النهار فـي صلاة الفجر فتشهد فـيها جميعا، ثم يصعد هؤلاء ويقـيـم هؤلاء.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {وَقُرآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً} يعنـي صلاة الصبح.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَقرآنَ الفَجْرِ} قال: صلاة الصبح.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {وَقُرآنَ الفَجْرِ} صلاة الصبح {إنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً} قال: تـجتـمع فـي صلاة الفجر ملائكة اللـيـل وملائكة النهار.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {وَقُرآنَ الفَجْرِ} يعنـي صلاة الغداة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وَقُرآنَ الفَجْرِ} قال: صلاة الفجر {إنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً} قال: مشهوداً من الـملائكة فـيـما يذكرون. قال: وكان علـيّ بن أبـي طالب، وأُبـيّ بن كعب يقولان: الصلاة الوسطى التـي حضّ الله علـيها: صلاة الصبح. قال: وذلك أن صلاة الظهر وصلاة العصر: صلاتا النهار، والـمغرب والعشاء: صلاتا اللـيـل، وهي بـينها، وهي صلاة نوم، ما نعمل صلاة يُغفل عنها مثلها.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن الـجريري، عن أبـي الورد بن ثمامة، عن أبـي مـحمد الـحضرمي، قال: ثنا كعب فـي هذا الـمسجد، قال: والذي نفس كعب بـيده، إن هذه الآية {وَقُرآنَ الفَجْر إنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً} إنها لصلاة الفجر إنها لـمشهودة.

حدثنـي الـحسن بن علـيّ بن عبـاس، قال: ثنا بشر بن شعيب، قال: أخبرنـي أبـي، عن الزهري، قال: ثنـي سعيد بن الـمسيب، وأبو سلـمة بن عبد الرحمن، أن أبـا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

تَـجْتَـمِعُ مَلائِكَةُ اللَّـيْـلِ وَمَلائِكَةُ النَّهارِ فِـي صَلاةِ الفَجْرِ"، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتـم {وَقُرآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرآن الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، فـي قوله {وَقُرآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً} قال: صلاة الفجر تـجتـمع فـيها ملائكة اللـيـل وملائكة النهار.

وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ۝٧٩

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم ومن اللـيـل فـاسهر بعد نومة يا مـحمد بـالقرآن، نافلة لك خالصة دون أمتك. والتهجد: التـيقظ والسهر بعد نومة من اللـيـل. وأما الهجود نفسه: فـالنوم، كما قال الشاعر:

ألا طَرَقْتَنا والرّفـاقُ هُجُودُفَبـاتَتْ بِعُلاَّتِ النَّوَالِ تَـجُودُ

وقال الـحُطَيئة:

ألا طَرَقَتْ هِنْدُ الهُنُودِ وُصحْبَتِـيبِحَوْرَانَ حَوَرَانِ الـجُنُودِ هُجُودُ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنا أبـي وشعيب بن اللـيث، عن اللـيث، عن مـجاهد بن يزيد، عن أبـي هلال، عن الأعرج أنه قال: أخبرنـي حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن رجل من الأنصار، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي سفر، فقال: لأنظرنّ كيف يصلـي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استـيقظ، فرفع رأسه إلـى السماء، فتلا أربع آيات من آخر سورة آل عمران

{ إنَّ فِـي خَـلْقٍ السَّمَوَاتِ والأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّـيْـلِ والنَّهارِ }حتـى مرّ بـالأربع، ثم أهوى إلـى القربة، فأخذ سواكا فـاستنّ به، ثم توضأ، ثم صلـى، ثم نام، ثم استـيقظ فصنع كصنعه أوّل مرّة، ويزعمون أنه التهجد الذي أمره الله.

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر وعبد الرحمن، قالا: ثنا سعيد، عن أبـي إسحاق، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن علقمة والأسود أنهما قالا: التهجد بعد نومة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، قال: التهجد: بعد نومة.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: ثنـي أبو إسحاق، عن مـحمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة والأسود، بـمثله.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيـم، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة، قال: التهجد: بعد النوم.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن هشام، عن الـحسن، قال: التهجد: ما كان بعد العشاء الآخرة.

حُدثت عن عبد الله بن صالـح، عن اللـيث، عن جعفر بن ربـيعة، عن الأعرج، عن كثـير بن العبـاس، عن الـحجاج بن عمرو، قال: إنـما التهجد بعد رقدة.

وأما قوله {نافِلَةً لَكَ} فإنه يقول: نفلاً لك عن فرائضك التـي فرضتها علـيك.

واختُلف فـي الـمعنى الذي من أجله خصّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع كون صلاة كلّ مصلّ بعد هجوده، إذا كان قبل هجوده قد كان أدّى فرائضه نافلة نفلاً، إذ كانت غير واجبة علـيه، فقال بعضهم: معنى خصوصه بذلك: هو أنها كانت فريضة علـيه، وهي لغيره تطوّع، وقـيـل له: أقمها نافلة لك: أي فضلاً لك من الفرائض التـي فرضتها علـيك عما فرضت علـى غيرك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَمِنَ اللَّـيْـلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ} يعنـي بـالنافلة أنها للنبـيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، أُمر بقـيام اللـيـل وكُتب علـيه.

وقال آخرون: بل قـيـل ذلك له علـيه الصلاة والسلام لأنه لـم يكن فعله ذلك يكفِّر عنه شيئا من الذنوب، لأن الله تعالـى كان قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخَّر، فكان له نافلة فضل، فأما غيره فهو له كفـارة، ولـيس هو له نافلة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد، قال: النافلة للنبـيّ صلى الله عليه وسلم خاصة من أجل أنه قد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخَّر، فما عمل من عمل سوى الـمكتوبة، فهو نافلة من أجل أنه لا يعمل ذلك فـي كفـارة الذنوب، فهي نوافل وزيادة، والناس يعملون ما سوى الـمكتوبة لذنوبهم فـي كفـارتها، فلـيست للناس نوافل.

وأولـى القولـين بـالصواب فـي ذلك، القول الذي ذكرنا عن ابن عبـاس، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله تعالـى قد خصه بـما فرض علـيه من قـيام اللـيـل، دون سائر أمته. فأما ما ذكر عن مـجاهد فـي ذلك، فقول لا معنى له، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما ذُكِر عنه أكثر ما كان استغفـارا لذنوبه بعد نزول قول الله عزّ وجلّ علـيه

{ لِـيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأخَّرَ } وذلك أن هذه السورة أنزلت علـيه بعد مُنْصَرِفَه من الـحديبـية، وأنزل علـيه { إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالفَتْـحُ }عام قبض. وقـيـل له فـيها { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوَّابـا }فكان يُعدُّ له صلى الله عليه وسلم فـي الـمـجلس الواحد استغفـار مئة مرّة، ومعلوم أن الله لـم يأمره أن يستغفر إلا لـما يغفر له بـاستغفـاره ذلك، فبـين إذن وجه فساد ما قاله مـجاهد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن الأعمش، عن شمر، عن عطية، عن شهر، عن أبـي أُمامة، قال: إنـما كانت النافلة للنبـيّ صلى الله عليه وسلم خاصة.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {نافِلَةً لَكَ} قال: تطوّعا وفضيـلة لك.

وقوله: {عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاما مَـحْمودا} وعسى من الله واجبة، وإنـما وجه قول أهل العلـم: عسى من الله واجبة، لعلـم الـمؤمنـين أن الله لا يدع أن يفعل بعبـاده ما أطمعهم فـيه من الـجزاء علـى أعمالهم والعوض علـى طاعتهم إياه لـيس من صفته الغرور، ولا شكّ أنه قد أطمع من قال ذلك له فـي نفعه، إذا هو تعاهده ولزمه، فإن لزم الـمقول له ذلك وتعاهده ثم لـم ينفعه، ولا سبب يحول بـينه وبـين نفعه إياه مع الأطماع الذي تقدم منه لصاحبه علـى تعاهده إياه ولزومه، فإنه لصاحبه غارّ بـما كان من إخلافه إياه فـيـما كان أطمعه فـيه بقوله الذي قال له. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير جائز أن يكون جلّ ثناؤه من صفته الغرور لعبـاده صحّ ووجب أن كلّ ما أطمعهم فـيه من طمع علـى طاعته، أو علـى فعل من الأفعال، أو أمر أو نهى أمرهم به، أو نهاهم عنه، فإنه موف لهم به، وإنهم منه كالعدة التـي لا يخـلف الوفـاء بها، قالوا: عسى ولعلّ من الله واجبة.

وتأويـل الكلام: أقم الصلاة الـمفروضة يا مـحمد فـي هذه الأوقات التـي أمرتك بإقامتها فـيها، ومن اللـيـل فتهجد فرضا فرضته علـيك، لعلّ ربك أن يبعثك يوم القـيامة مقاما تقوم فـيه مـحمودا تـحمده، وتغبط فـيه.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك الـمقام الـمـحمود، فقال أكثر أهل العلـم: ذلك هو الـمقام الذي هو يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القـيامة للشفـاعة للناس لـيريحهم ربهم من عظيـم ما هم فـيه من شدّة ذلك الـيوم. ذكر من قال ذلك:

حدثنامـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن صلة بن زُفَر، عن حُذيفة، قال: يجمع الناس فـي صعيد واحد، فـيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حُفـاة عراة كما خُـلقوا، قـياما لا تكلَّـم نفس إلا بإذنه، ينادَى: يا مـحمد، فيقول:

لبيك وسعديك والـخير فـي يديك، والشرّ لـيس إلـيك، والـمهديّ من هَدَيت، عبدك بـين يديك، وبك وإلـيك، لا ملـجأ ولا منـجا منك إلا إلـيك، تبـاركت وتعالـيت، سبحانك ربّ البـيت" فهذا الـمقام الـمـحمود الذي ذكره الله تعالـى.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، عن صلة بن زُفر، عن حُذيفة، قال: يُجْمع الناس فـي صعيد واحد. فلا تَكَلَّـم نفس، فأوّل ما يدعو مـحمد النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فـيقوم مـحمد النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فـيقول: «لبـيك»، ثم ذكر مثله.

حدثنا سلـيـمان بن عمرو بن خالد الرقـي، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن رشدين بن كريب، عن أبـيه عن ابن عبـاس، قوله: {عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاما مَـحْمودا} قال: الـمقام الـمـحمود: مقام الشفـاعة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن سلـمة بن كهيـل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله فـي قصة ذكرها، قال: ثم يؤمر بـالصراط فـيضرب علـى جسر جهنـم، فـيـمرّ الناس بقدر أعمالهم يـمرّ أوّلهم كالبرق، وكمرّ الريح، وكمرّ الطير، وكأسرع البهائم، ثم كذلك حتـى يـمرّ الرجل سعيا، ثم مشيا، حتـى يجيء آخرهم يتلبَّط علـى بطنه، فـيقول: ربّ لـما أبطأت بـي، فـيقول: إنـي لـم أبطأ بك، إنـما أبطأ بك عملك، قال: ثم يأذن الله فـي الشفـاعة، فـيكون أوّل شافع يوم القـيامة جبرئيـل علـيه السلام، روح القُدس، ثم إبراهيـم خـلـيـل الرحمن، ثم موسى، أو عيسى، قال أبو الزعراء: لا أدري أيهما قال قال: ثم يقوم نبـيكم علـيه الصلاة والسلام رابعا، فلا يشفع أحد بعده فـيـما يشفع فـيه، وهو الـمقام الـمـحمود الذي ذكر الله {عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاما مَـحْمودا}.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن عوف، عن الـحسن فـي قول الله تعالـى {وَمِنَ اللَّـيْـلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسَى أنْ يَبْعَثَك رَبُّكَ مَقاما مَـحْمُودا} قال: الـمقام الـمـحمود: مقام الشفـاعة يوم القـيامة.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى: وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تعالـى: {مَقاما مَـحْمُودا} قال: شفـاعة مـحمد يوم القـيامة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبـي عثمان، عن سلـيـمان، قال: هو الشفـاعة، يشفعه الله فـي أمته، فهو الـمقام الـمـحمود.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاما مَـحْمُودا}، وقد ذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم خُيِّر بـين أن يكون نبـيا عبدا، أو ملكا نبـيا، فأومأ إلـيه جبرئيـل علـيه السلام: أن تَوَاضَعْ، فـاختار نبـيّ الله أن يكون عبدا نبـيا، فأُعْطِي به نبـيّ الله ثنتـين: إنه أوّل من تنشقّ عنه الأرض، وأوّل شافع. وكان أهل العلـم يَرَوْن أنه الـمقام الـمـحمود الذي قال الله تبـارك وتعالـى {عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاما مَـحْمُودا} شفـاعة يوم القـيامة.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {مَقاما مَـحْمُودا} قال: هي الشفـاعة، يشفِّعه الله فـي أمته.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمر والثوريّ، عن أبـي إسحاق، عن صلة بن زُفَر، قال: سمعت حُذيفة يقول فـي قوله: {عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاما مَـحْمُودا} قال: يجمع الله الناس فـي صعيد واحد حيث يُسمعهم الداعي، فَـيْنَفُذُهم البصرُ حُفـاة عُراة، كما خُـلِقوا سكوتا لا تكلَّـم نفس إلا بإذنه، قال: فـينادَى مـحمد، فـيقول: لَبَّـيك وسَعْديك، والـخيرُ فـي يديك، والشرّ لـيس إلـيك، والـمهديّ من هَدَيْت، وعبدُك بـين يديك، ولك وإلـيك، لا مْلـجَأَ ولا منـجَى منك إلا إلـيك، تبـاركت وتعالـيت، سبحانك ربّ البـيت، قال: فذلك الـمقامُ الـمـحمودُ الذي ذكر الله {عَسَى أنْ يْبَعَثَكَ رَبُّكَ مَقامَا} مَـحْمُودا.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن أبـي إسحاق، عن صلة بن زُفَر، قال حُذيفة: يجمع الله الناس فـي صعيد واحد، حيث يَنْفُذُهم البصر، ويُسْمعهم الداعي، حُفـاة عُراة كما خُـلقوا أوّل مرّة، ثم يقوم النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـيقول: «لبـيك وسعديك»، ثم ذكر نـحوه، إلا أنه قال: هو الـمقام الـمـحمود.

وقال آخرون: بل ذلك الـمقام الـمـحمود الذي وعد الله نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يبعثه إياه، هو أن يقاعده معه علـى عرشه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبـاد بن يعقوب الأسدي، قال: ثنا ابن فضيـل، عن لـيث، عن مـجاهد، فـي قوله: {عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاما مَـحْمُودا} قال: يُجْلسه معه علـى عرشه.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب ما صحّ به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك ما:

حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن داود بن يزيد، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاما مَـحْمودا} سُئل عنها، قال: «هِيَ الشَّفـاعَةُ».

حدثنا علـيّ بن حرب، قال: ثنا مَكِّيّ بن إبراهيـم، قال: ثنا داود بن يزيد الأَوْدِيّ، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي قوله: {عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاما مَـحْمُودا} قال:

هو الـمقام الذي أشفع فـيه لأمتـي

حدثنا أبو عُتبة الـحِمْصِيّ أحمد بن الفَرَج، قال: ثنا بقـية بن الولـيد، عن الزُّبـيديّ، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

يُحشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِـيامَةِ، فَأكُونُ أنا وأُمَّتِـي علـى تَلَ، فَـيَكْسُونِـي رَبّـي حُلَّةً خَضْراءَ، ثُمَّ يُؤْذَنَ لِـي، فأقُولُ ما شاءَ اللّهُ أنْ أقُولَ، فَذَلِكَ الـمَقامُ الـمَـحْمُودُ

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنا شعيب بن اللـيث، قال: ثنـي اللـيث، عن عبـيد الله بن أبـي جعفر، أنه قال: سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ الشَّمْسَ لَتَدْنُو حتـى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَـيْنَـما هُمْ كَذلِكَ اسْتَغاثُوا بآدَمَ عَلَـيْهِ السَّلامُ، فَـيَقُولُ: لَسْتُ صَاحِبَ ذلكَ، ثُمَّ بِـمُوسَى عَلَـيْهِ السَّلامُ، فَـيَقُولُ كَذلكَ ثُمَّ بِـمُـحَمَّدٍ فَـيَشْفَعُ بـينَ الـخَـلْقِ فَـيَـمْشِي حتـى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الـجَنَّةِ، فَـيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللّهُ مَقاما مَـحْمُودا

حدثني أبو زيد عمر بن شَبَّة، قال: ثنا موسى بن إسماعيـل، قال: ثنا سعيد بن زيد، عن علـيّ بن الـحكم، قال: ثنـي عثمان، عن إبراهيـم، عن الأسود وعلقمة، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [حن]

إنّـي لأَقُومُ الـمَقامَ الـمَـحْمُودَ[/حن] فقال رجل: يا رسول الله، وما ذلك الـمقام الـمـحمود؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذَاكَ إذَا جِيءَ بِكُمْ حُفـاةً عُرَاةً غُرْلاً فَـيَكُونُ أوَّلَ مَنْ يُكْسَى إبْراهِيـمُ عَلَـيْهِ السَّلامُ، فَـيُؤْتَـى برِيطَتْـينِ بَـيْضَاوَيْنِ، فَـيَـلْبَسُهُما، ثُمَّ يَقْعُدُ مُسْتَقْبِلَ العَرْشِ، ثُمَّ أوَتـى بكِسْوتَـي فألْبَسُها، فَأقُومُ عَنْ يَـمِينِهِ مَقاما لا يَقُومُهُ غَيرِي يَغْبِطُنِـي فِـيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، ثُمَّ يُفْتَـحُ نَهْرٌ مِنَ الكَوْثَرِ إلـى الـحَوْضِ

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، عن علـيّ بن الـحسين، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

إذَا كانَ يَوْمَ القِـيامَةِ مَدَّ اللّهُ الأرْضُ مَدَّ الأدِيـمِ حتـى لا يَكُونَ لِبَشِرٍ مِنَ النَّاسِ إلاَّ مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ، قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: فَأكُونُ أوَّلَ مَنْ يُدْعَى وَجَبْرَئِيـلُ عَنْ يَـمِينِ الرَّحْمَنِ، واللّهِ ما رآهُ قَبْلَها، فَأقُولُ: أيّ ربّ إنَّ هَذَا أخْبَرَنِـي أنَّكَ أرْسَلْتَهُ إلـيَّ، فَـيَقُولُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقَ، ثُمَّ أشْفَعُ، قال: فَهُوَ الـمَقامُ الـمَـحْمُودُ

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن علـيّ بن الـحسين، قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

إذَا كانَ يَوْمُ القِـيامَةِ، فذكر نـحوه، وزاد فـيه:ثُمَّ أشْفَعُ فَأقُولُ: يا ربّ عِبـادُكَ عَبَدُوكَ فـي أطْرافِ الأرْضِ، وَهُوَ الـمَقامُ الـمَـحْمُودُ

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا إبراهيـم بن طهمان، عن آدم، عن علـيّ، قال: سمعت ابن عمر يقول:

إن الناس يحشرون يوم القـيامة، فـيجيء مع كلّ نبـيّ أمته، ثم يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي آخر الأمـم هو وأمته، فـيرقـى هو وأمته علـى كَوم فوق الناس، فـيقول: يا فلان اشفع، ويا فلان اشفع، ويا فلان اشفع، فما زال يردّها بعضهم علـى بعض يرجع ذلك إلـيه، وهو الـمقام الـمـحمود الذي وعده الله إياه

حدثنا مـحمد بن عوف، قال: ثنا حَيْوة وربـيع، قالا: ثنا مـحمد بن حرب، عن الزبـيديّ، عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِـيامَةِ فَأكُونُ أنا وأمَّتِـي علـى تَلّ، فَـيَكْسُونِـي رَبّـي عَزَّ وَجَلَّ حُلَّةً خَضْرَاءَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لـيَ فأقُولُ ما شاءَ اللّهُ أنْ أقُولَ، فذلكَ المَقامُ المَحْمُودُ

وهذا وإن كان هو الصحيح من

القول فـي تأويـل قوله {عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاما مَـحْمُودا} لـما ذكرنا من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين، فإن ما قاله مـجاهد من أن الله يُقعد مـحمدا صلى الله عليه وسلم علـى عرشه، قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك. فأما من جهة النظر، فإن جميع من ينتـحل الإسلام إنـما اختلفوا فـي معنى ذلك علـى أوجه ثلاثة: فقالت فرقة منهم: الله عزّ وجلّ بـائن من خـلقه كان قبل خـلقه الأشياء، ثم خـلق الأشياء فلـم يـماسَّها، وهو كما لـم يزل، غير أن الأشياء التـي خـلقها، إذ لـم يكن هو لها مـماسا، وجب أن يكون لها مبـاينا، إذ لا فعال للأشياء إلا وهو مـماسّ للأجسام أو مبـاين لها. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله عزّ وجلّ فـاعل الأشياء، ولـم يجز فـي قولهم: إنه يوصف بأنه مـماسّ للأشياء، وجب بزعمهم أنه لها مبـاين، فعلـى مذهب هؤلاء سواء أقعد مـحمدا صلى الله عليه وسلم علـى عرشه، أو علـى الأرض إذ كان من قولهم إن بـينونته من عرشه، وبـينونته من أرضه بـمعنى واحد فـي أنه بـائن منهما كلـيهما، غير مـماسّ لواحد منهما.

وقالت فرقة أخرى: كان الله تعالـى ذكره قبل خـلقه الأشياء، لا شيء يـماسه، ولا شيء يبـاينه، ثم خـلق الأشياء فأقامها بقدرته، وهو كما لـم يزل قبل الأشياء خـلقه لا شيء يـماسه ولا شيء يبـاينه، فعلـى قول هؤلاء أيضا سواء أقعد مـحمدا صلى الله عليه وسلم علـى عرشه، أو علـى أرضه، إذ كان سواء علـى قولهم عرشه وأرضه فـي أنه لا مـماس ولا مبـاين لهذا، كما أنه لا مـماس ولا مبـاين لهذه.

وقالت فرقة أخرى: كان الله عزّ ذكره قبل خـلقه الأشياء لا شيء يـماسه، ولا شيء يبـاينه، ثم أحدث الأشياء وخـلقها، فخـلق لنفسه عرشا استوى علـيه جالسا، وصار له مـماسا، كما أنه قد كان قبل خـلقه الأشياء لا شيء يرزقه رزقا، ولا شيء يحرمه ذلك، ثم خـلق الأشياء فرزق هذا وحرم هذا، وأعطى هذا، ومنع هذا، قالوا: فكذلك كان قبل خـلقه الأشياء يـماسه ولا يبـاينه، وخـلق الأشياء فماس العرش بجلوسه علـيه دون سائر خـلقه، فهو مـماس ما شاء من خـلقه، ومبـاين ما شاء منه، فعلـى مذهب هؤلاء أيضا سواء أقعد مـحمدا علـى عرشه، أو أقعده علـى منبر من نور، إذ كان من قولهم: إن جلوس الربّ علـى عرشه، لـيس بجلوس يشغل جميع العرش، ولا فـي إقعاد مـحمد صلى الله عليه وسلم موجبـا له صفة الربوبـية، ولا مخرجه من صفة العبودية لربه، كما أن مبـاينة مـحمد صلى الله عليه وسلم ما كان مبـاينا له من الأشياء غير موجبة له صفة الربوبـية، ولا مخرجته من صفة العبودية لربه من أجل أنه موصوف بأنه له مبـاين، كما أن الله عزّ وجلّ موصوف علـى قول قائل هذه الـمقالة بأنه مبـاين لها، هو مبـاين له. قالوا: فإذا كان معنى مبـاين ومبـاين لا يوجب لـمـحمد صلى الله عليه وسلم الـخروج من صفة العبودة والدخول فـي معنى الربوبـية، فكذلك لا يوجب له ذلك قعوده علـى عرش الرحمن، فقد تبـين إذا بـما قُلنا أنه غير مـحال فـي قول أحد مـمن ينتـحل الإسلام ما قاله مـجاهد من أن الله تبـارك وتعالـى يُقْعِد مـحمدا علـى عرشه.

فإن قال قائل: فإنا لا ننكر إقعادا الله مـحمدا علـى عرشه، وإنـما ننكر إقعاده.

حدثنـي عبـاس بن عبد العظيـم، قال: ثنا يحيى بن كثـير، عن الـجَريريّ، عن سيف السَّدُوسيّ، عن عبد الله بن سلام، قال: إن مـحمدا صلى الله عليه وسلم يوم القـيامة علـى كرسيّ الربّ بـين يدي الربّ تبـارك وتعالـى، وإنـما ينكر إقعاده إياه معه. قـيـل: أفجائز عندك أن يقعده علـيه لا معه. فإن أجاز ذلك صار إلـى الإقرار بأنه إما معه، أو إلـى أنه يقعده، والله للعرش مبـاين، أو لا مـماسّ ولا مبـاين، وبأيّ ذلك قال كان منه دخولاً فـي بعض ما كان ينكره وإن قال ذلك غير جائز كان منه خروجا من قول جميع الفرق التـي حكينا قولهم، وذلك فراق لقول جميع من ينتـحل الإسلام، إذ كان لا قول فـي ذلك إلا الأقوال الثلاثة التـي حكيناها، وغير مـحال فـي قول منها ما قال مـجاهد فـي ذلك.

وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَٰنًا نَّصِيرًا ۝٨٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه: وقل يا مـحمد يا ربّ أدخـلنـي مدخـل صدق.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى مُدْخـل الصدق الذي أمره الله نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يرغب إلـيه فـي أن يدخـله إياه، وفـي مخرج الصدق الذي أمره أن يرغب إلـيه فـي أن يخرجه إياه، فقال بعضهم: عَنَى بـمُدْخـل الصِّدق: مُدْخـل رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمدينة، حين هاجر إلـيها، ومُخْرج الصدق: مُخْرجه من مكة، حين خرج منها مهاجرا إلـى الـمدينة.ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن قابوس بن أبـي ظَبْـيان، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـمكة، ثم أمر بـالهجرة، فأنزل الله تبـارك وتعالـى اسمه {وَقُلْ رَبّ أدْخِـلْنِـي مُدْخَـلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِـي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لـي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً}.

حدثنا مـحمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، عن عوف عن الـحسن، فـي قول الله: {أدْخِـلْنِـي مُدْخَـلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِـي مُخْرَجَ صِدْقٍ} قال: كفـار أهل مكة لـما ائتـمروا برسول الله صلى الله عليه وسلم لـيقتلوه، أو يطردوه، أو يُوثِقوه، وأراد الله قتال أهل مكة، فأمره أن يخرج إلـى الـمدينة، فهو الذي قال الله {أدْخِـلْنِـي مُدْخَـلَ صِدْقِ}.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة {مُدْخَـلَ صِدْقٍ} قال: الـمدينة {وَمُخْرَجَ صِدْقٍ} قال: مكة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَقُلْ رَبّ أدْخِـلْنِـي مُدْخَـلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِـي مُخْرَجَ صِدْقٍ} أخرجه الله من مكة إلـى الهجرة بـالـمدينة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَقُلْ رَبّ أدْخِـلْنِـي مُدْخَـلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِـي مُخْرَجَ صِدْقٍ} قال: الـمدينة حين هاجر إلـيها، ومخرج صدق: مكة حين خرج منها مخرج صدق، قال ذلك حين خرج مهاجرا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقل ربّ أمتنـي إماتة صِدْق، وأخرجنـي بعد الـمـمات من قبري يوم القـيامة مُخْرَج صدق. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {وَقُلْ رَبّ أدْخِـلْنِـي مُدْخَـلَ صِدْقٍ...} الآية، قال: يعنـي بـالإدخال: الـموت، والإخراج: الـحياة بعد الـمـمات.

وقال آخرون: بل عَنَى بذلك: أدخـلنـي فـي أمرك الذي أرسلتنـي من النبوّة مُدْخَـل صدق، وأخرجنـي منه مُخْرَج صدق. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {أدْخِـلْنِـي مُدْخَـلَ صِدْقٍ} قال: فـيـما أرسلتنـي به من أمرك {وأخْرِجْنِـي مُخْرَجَ صِدْقٍ} قال كذلك أيضا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، بنـحوه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: {أدخـلنـي مدخـل صدق}: الـجنة، وأخرجنـي {مخرج صدق}: من مكة إلـى الـمدينة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال الـحسن: {أدْخِـلْنِـي مُدْخَـلَ صِدْقٍ الـجنة ومُخْرَجَ صِدْقٍ} من مكة إلـى الـمدينة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أدخلني فـي الإسلام مُدْخـل صدق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سهل بن موسى الرازي، قال: ثنا ابن نـمير، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح فـي قوله: {رَبّ أدْخِـلْنِـي مُدْخَـلَ صِدْقٍ} قال: أدخـلنـي فـي الإسلام مدخـل صدق {وأخْرِجْنِـي} منه {مُخْرَجَ صِدْقٍ}.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أدخـلنـي مكة آمنا، وأخرجنـي منها آمنا. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك قال فـي قوله: {رَبّ أدْخِـلْنِـي مُدْخَـلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِـي مُخْرَجَ صِدْقٍ} يعنـي مكة، دخـل فـيها آمنا، وخرج منها آمنا.

وأشبه هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك، قول من قال: معنى ذلك: وأدخـلنـي الـمدينة مُدْخـل صدق، وأخرجنـي من مكة مُخْرج صدق.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بتأويـل الآية، لأن ذلك عقـيب قوله:

{ وَإنْ كادُوا لَـيَسْتَفِزُّونَكَ مِن الأرْضِ لِـيُخْرِجُوكَ مِنْها وإذاً لا يَـلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إلاَّ قَلِـيلاً }. وقد دللنا فـيـما مضى، علـى أنه عنى بذلك أهل مكة فإذ كان ذلك عقـيب خبر الله عما كان الـمشركون أرادوا من استفزازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لـيخرجوه عن مكة، كان بـيِّنا، إذ كان الله قد أخرجه منها، أن قوله: {وَقُلْ رَبّ أدْخِـلْنِـي مُدْخَـلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِـي مُخْرَجَ صِدْقٍ} أمر منه له بـالرغبة إلـيه فـي أن يخرجه من البلدة التـي هم الـمشركون بإخراجه منها مخرج صدق، وأن يدخـله البلدة التـي نقله الله إلـيها مدخـل صدق.

وقوله: {وَاجْعَلْ لِـي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: واجعل لـي ملكاً ناصراً ينصرنـي علـى من ناوأنـي، وعِزّا أقـيـم به دينك، وأدفع به عنه من أراده بسوء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، عن عوف، عن الـحسن، فـي قول الله عزّ وجلّ: {وَاجْعَلْ لِـي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً} يُوعِده لَـيَنْزِعَنَّ مُلك فـارس، وعزّ فـارس، ولـيجعلنه له، وعزّ الرّوم، ومُلك الروم، ولـيجعلنه له.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {وَاجْعَلْ لِـي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً} وإن نبـيّ الله علـم أن لا طاقةَ له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطاناً نصيراً لكتاب الله عزّ وجلّ، ولـحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، وإن السلطان رحمة من الله جعلها بـين أظهر عبـاده، لولا ذلك لأغار بعضهم علـى بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم.

وقال آخرون: بل عُنِـي بذلك حجة بـينة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ {سُلْطاناً نَصِيراً} قال: حجة بـينة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: ذلك أمر من الله تعالـى نبـيه بـالرغبة إلـيه فـي أن يؤتـيه سلطاناً نصيراً له علـى من بغاه وكاده، وحاول منعه من إقامته فرائض الله فـي نفسه وعبـاده.

وإنـما قلت ذلك أولـى بـالصواب، لأن ذلك عقـيب خبر الله عما كان الـمشركون هموا به من إخراجه من مكة، فأعلـمه عزّ وجلّ أنهم لو فعلوا ذلك عوجلوا بـالعذاب عن قريب، ثم أمره بـالرغبة إلـيه فـي إخراجه من بـين أظهرهم إخراج صدق يحاوله علـيهم، ويدخـله بلدة غيرها، بـمدخـل صدق يحاوله علـيهم ولأهلها فـي دخولها إلـيها، وأن يجعل له سلطاناً نصيراً علـى أهل البلدة التـي أخرجه أهلها منها، وعلـى كلّ من كان لهم شبـيها، وإذا أوتـي ذلك، فقد أوتـي لا شكّ حجة بـينة.

وأما قوله: {نَصِيراً} فإن ابن زيد كان يقول فـيه، نـحو قولنا الذي قلنا فـيه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَاجْعَلَ لِـي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً} قال: ينصرنـي، وقد قال الله لـموسى

{ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بأخِيكَ وَنـجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إلَـيكُما بآياتنا }هذا مقدّم ومؤخَّر، إنـما هو سلطان بآياتنا فلا يصلون إلـيكما.
الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ