انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير الطبريالآيات 2–7

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الإسراء

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:19:01

  1. 1 الآيات 1–22في هذه الصفحة 17:55

التفسير الصوتي لسورة الإسراء كاملًا (5 مقاطع)

وَءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَجَعَلْنَٰهُ هُدًى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِى وَكِيلًا ۝٢

يقول تعالـى ذكره: سبحان الذي أسرى بعبده لـيلاً وآتى موسى الكتاب، وردّ الكلام إلـى {وآتَـيْنا} وقد ابتدأ بقوله أسرى لـما قد ذكرنا قبل فـيـما مضى من فعل العرب فـي نظائر ذلك من ابتداء الـخبر بـالـخبر عن الغائب، ثم الرجوع إلـى الـخطاب وأشبـاهه. وعنى بـالكتاب الذي أوتـى موسى: التوراة. {وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِـي إسْرَائِيـلَ} يقول: وجعلنا الكتاب الذي هو التوراة بـياناً للـحقّ، ودلـيلاً لهم علـى مـحجة الصواب فـيـما افترض علـيهم، وأمرهم به، ونهاهم عنه.

وقوله: {ألاَّ تَتَّـخِذُوا مِنْ دُونِـي وَكِيلاً} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والكوفة {ألاَّ تَتَّـخِذُوا } بـالتاء بـمعنى: وآتـينا موسى الكتاب بأن لا تتـخذوا يا بنـي إسرائيـل {مِنْ دُونِـي وَكيِلاً}. وقرأ ذلك بعض قرّاء البصرة: «ألاَّ يَتَّـخِذُوا» بـالـياء علـى الـخبر عن بنـي إسرائيـل، بـمعنى: وجعلناه هدى لبنـي إسرائيـل، ألا يتَّـخذ بنو إسرائيـل، من دونـي وكيلاً، وهما قراءتان صحيحتا الـمعنى، متفقتان غير مختلفتـين، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب، غير أنـي أوثر القراءة بـالتاء، لأنها أشهر فـي القراءة وأشدّ استفـاضة فـيهم من القراءة بـالـياء. ومعنى الكلام: وآتـينا موسى الكتاب هدى لبنـي إسرائيـل ألا تتـخذوا حفـيظا لكم سواي. وقد بـينا معنى الوكيـل فـيـما مضى. وكان مـجاهد يقول: معناه فـي هذا الـموضع: الشريك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {ألاَّ تَتَّـخِذُوا مِنْ دُونِـي وَكِيلاً} قال: شريكاً.

وكأن مـجاهداً جعل إقامة من أقام شيئاً سوى الله مقامه شريكاً منه له، ووكيلاً للذي أقامه مقام الله. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل هذه الآية، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وآتَـيْنا مُوسَى الكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِـي إسْرَائِيـلَ} جعله الله لهم هدى، يخرجهم من الظلـمات إلـى النور، وجعله رحمة لهم.

ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُۥ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ۝٣

يقول تعالـى ذكره: سبحان الذي أسرى بعبده لـيلاً من الـمسجد الـحرام إلـى الـمسجد الأقصى، وآتـينا موسى الكتاب هدى لبنـي إسرائيـل ذريَّة من حملنا مع نوح. وعنى بـالذرية: جميع من احتـجّ علـيه جلّ ثناؤه بهذا القرآن من أجناس الأمـم، عربهم وعجمهم من بنـي إسرائيـل وغيرهم، وذلك أنّ كلّ من علـى الأرض من بنـي آدم، فهم من ذرية من حمله الله مع نوح فـي السفـينة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ} والناس كلهم ذرّية من أنـجى الله فـي تلك السفـينة وذُكر لنا أنه ما نـجا فـيها يومئذٍ غير نوح وثلاثة بنـين له، وامرأته وثلاث نسوة، وهم: سام، وحام، ويافث فأما سام: فأبو العرب وأما حام: فأبو الـحبش وأما يافث: فأبو الروم.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {ذَرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ} قال: بنوه ثلاثة ونساؤهم، ونوح وامرأته.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، قال: قال مـجاهد: بنوه ونساؤهم ونوح، ولـم تكن امرأته.

وقد بـيَّنا هذا فـي غير هذا الـموضع فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.

وقوله: {إنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً} يعنـي بقوله تعالـى ذكره: «إنه» إن نوحاً، والهاء من ذكر نوح، كان عبداً شكوراً لله علـى نعمه.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي سماه الله من أجله شكورا، فقال بعضهم: سماه الله بذلك لأنه كان يحمد الله علـى طعامه إذا طعمه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: ثنا سفـيان، عن التـيـمي، عن أبـي عثمان، عن سلـمان، قال: كان نوح إذا لبس ثوبـاً أو أكل طعاماً حمد الله، فسمِّي عبداً شكوراً.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفـيان، عن أبـي حصين، عن عبد الله بن سنان، عن سعيد بن مسعود بـمثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن أبـي حصين، عن عبد الله بن سنان، عن سعيد بن مسعود قال: ما لبس نوح جديداً قطّ، ولا أكل طعاماً قطّ إلا حمد الله فلذلك قال الله: عَبْداً شَكُوراً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: ثنـي سفـيان الثوري، قال: ثنـي أيوب، عن أبـي عثمان النهدي، عن سلـمان، قال: إنـما سمى نوح عبداً شكوراً أنه كان إذا لبس ثوبـاً حمد الله، وإذا أكل طعاماً حمد الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ} من بنـي إسرائيـل وغيرهم {إنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً} قال: إنه لـم يجدّد ثوبـاً قطّ إلا حمد الله، ولـم يبل ثوبـاً قطّ إلا حمد الله، وإذا شرب شربة حمد الله، قال: الـحمد لله الذي سقانـيها علـى شهوة ولذّة وصحة، ولـيس فـي تفسيرها، وإذا شرب شربة قال هذا، ولكن بلغنـي ذا.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو فضالة، عن النضر بن شفـي، عن عمران بن سلـيـم، قال: إنـما سمّى نوح عبداً شكوراً أنه كان إذا أكل الطعام قال: الـحمد لله الذي أطعمنـي، ولو شاء أجاعنـي وإذا شرب قال: الـحمد لله الذي سقانـي، ولو شاء أظمأنـي وإذا لبس ثوبـا قال: الـحمد لله الذي كسانـي، ولو شاء أعرانـي وإذا لبس نعلاً قال: الـحمد لله الذي حذانـي، ولو شاء أحفـانـي وإذا قضى حاجة قال: الـحمد لله الذي أخرج عنـي أذاه، ولو شاء حبسه. وقال آخرون فـي ذلك بـما.

حدثنـي به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي عبد الـجبـار بن عمر أن ابن أبـي مريـم حدّثه، قال: إنـما سمى الله نوحاً عبداً شكوراً، أنه كان إذا خرج البراز منه قال: الـحمد لله الذي سوّغنـيك طيبـاً، وأخرج عنـي أذاك، وأبقـى منفعتك. وقال آخرون فـي ذلك بـما:

حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله لنوح {إنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً} ذكر لنا أنه لـم يستـجد ثوبـاً قطّ إلا حمد الله، وكان يأمر إذا استـجدّ الرجل ثوبـاً أن يقول: الـحمد لله الذي كسانـي ما أتـجمَّل به، وأواري به عورتـي.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {إنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً} قال: كان إذا لبس ثوبـاً قال: الـحمد لله، وإذا أخـلقه قال: الـحمد لله.

وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ فِى ٱلْكِتَٰبِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ۝٤ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُو۟لِى بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا۟ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ۝٥

وقد بـيَّنا فـيـما مضى قبل أن معنى القضاء: الفراغ من الشيء، ثم يستعمل فـي كلّ مفروغ منه، فتأويـل الكلام فـي هذا الـموضع: وفرغ ربك إلـى بنـي إسرائيـل فـيـما أنزل من كتابه علـى موسى صلوات الله وسلامه علـيه بإعلامه إياهم، وإخبـاره لهم {لَتُفْسِدُنَّ فِـي الأرْضِ مَرَّتَـيْنِ} يقول: لتعصنّ الله يا معشر بنـي إسرائيـل ولتـخالفنّ أمره فـي بلاده مرّتـين {وَلَتَعْلُنَّ عَلُوًّا كَبِـيراً} يقول: ولتستكبرنّ علـى الله بـاجترائكم علـيه استكبـاراً شديداً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله: {وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائيِـلَ} قال: أعلـمناهم.

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ} يقُول: أعلـمناهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: وقضينا علـى بنـي إسرائيـل فـي أمّ الكتاب، وسابق علـمه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، {وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ} قال: هو قضاء قضى علـيهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سيعد، عن قتادة، قوله: {وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ} قضاء قضاه علـى القوم كما تسمعون.

وقال آخرون: معنى ذلك: أخبرنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ فِـي الكِتابِ} قال: أخبرنا بنـي إسرائيـل.

وكلّ هذه الأقوال تعود معانـيها إلـى ما قلت فـي معنى قوله: {وَقَضَيْنا} وإن كان الذي اخترنا من التأويـل فـيه أشبه بـالصواب لإجماع القرّاء علـى قراءة قوله {لَتُفْسِدُنَّ} بـالتاء دون الـياء، ولو كان معنى الكلام: وقضينا علـيهم فـي الكتاب، لكانت القراءة بـالـياء أولـى منها بـالتاء، ولكن معناه لـما كان أعلـمناهم وأخبرناهم، وقلنا لهم، كانت التاء أشبه وأولـى للـمخاطبة. وكان فساد بنـي إسرائيـل فـي الأرض الـمرّة الأولـى ما:

حدثنـي به هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـي خبر ذكره عن أبـي صالـح، وعن أبـي مالك، عن ابن عبـاس، وعن مرّة، عن عبد الله أن الله عهد إلـى بنـي إسرائيـل فـي التوراة {لَتُفْسِدُنَّ فِـي الأرْضِ مَرَّتَـيْنِ} فكان أوّل الفسادين: قتل زكريا، فبعث الله علـيهم ملك النبط، وكان يُدعى ضحابـين فبعث الـجنود، وكانت أساورته من أهل فـارس، فهم أولو بأس شديد، فتـحصنت بنو إسرائيـل، وخرج فـيهم بختنصر يتـيـماً مسكيناً، إنـما خرج يستطعم، وتلطف حتـى دخـل الـمدينة فأتـى مـجالسهم، فسمعهم يقولون: لو يعلـم عدوّنا ما قُذف فـي قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصرحين سمع ذلك منهم، واشتدّ القـيام علـى الـجيش، فرجعوا، وذلك قول الله: {فإذَا جاء وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَـيْكُمْ عبـادا لنَا أُولـى بَأْسٍ شَدِيدٍ، فَجاسُوا خِلالَ الدّيارِ وكانَ وَعْداً مَفْعولاً} ثم إن بنـي إسرائيـل تـجهَّزوا، فغزوا النبط، فأصابوا منهم واستنقذوا ما فـي أيديهم، فذلك قول الله

{ ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَـيْهِمْ وأمْدَدْناكُمْ بأمْوَالٍ وَبَنِـينَ، وَجَعَلْناكُمْ أكْثَرَ نَفِـيراً } يقول: عدداً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان إفسادهم الذي يفسدون فـي الأرض مرّتـين: قتل زكريا ويحيى بن زكريا، سلط الله علـيهم سابور ذا الأكتاف ملكاً من ملوك فـارس، من قتل زكريا، وسلَّط علـيهم بختنصر من قتل يحيى.

حدثنا عصام بن رواد بن الـجراح، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا سفـيان بن سعيد الثوري، قال: ثنا منصور بن الـمعتـمر، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حُذيفة بن الـيـمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ بَنِـي إسْرَائِيـلَ لَـمَّا اعْتَدَوْا وَعَلَوْا، وَقَتَلُوا الأنْبِـياءَ، بَعَثَ اللّهُ عَلَـيْهِمْ مَلِكَ فـارِسَ بُخْتَنَصَّر، وكانَ اللّهُ مَلَّكَهُ سَبْعَ مئَةِ سَنةٍ، فَسارَ إلَـيْهِمْ حتـى دَخَـلَ بَـيْتَ الـمَقْدِسِ فَحاصَرَهَا وَفَتَـحَها، وَقَتَلَ عَلـي دَمِ زَكَرِيَّا سَبْعِينَ ألْفـاً، ثُمَّ سَبِـي أهْلَها وَبَنِـي الأَنْبِـياءِ، وَسَلَبَ حُلـيَّ بَـيْتِ الـمَقْدِسِ، وَاسْتَـخْرَجَ مِنْها سَبْعِينَ ألْفـاً وَمِئَةَ ألْفِ عَجَلَةٍ مِنْ حُلِـيَ حتـى أوْرَدَهُ بـابِلَقال حُذيفة: فقلت: يا رسول الله لقد كان بـيت الـمقدس عظيـماً عند الله؟ قال:أجَلْ بَناهُ سُلَـيْـمانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ ذَهَبٍ وَدُرّ وَياقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ، وكانَ بَلاطُهُ بَلاطَةً مِنْ ذَهَبٍ وَبَلاطَةً مِنْ فَضَّةٍ، وعُمُدُهُ ذَهَبـا، أعْطاهُ اللّهُ ذلكَ، وسَخَّرَ لَهُ الشَّياطينَ يَأْتُونَهُ بِهِذِهِ الأشْياءِ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَسارَ بُخْتَنَصَّر بهذهِ الأشيْاءِ حتـى نَزَلَ بِها بـابِلَ، فَأقامَ بَنُوا إسْرَائيـلَ فِـي يَدَيِهِ مِئَةَ سَنَةٍ تُعَذّبُهُمُ الـمَـجُوسُ وأبْناءُ الـمَـجُوسِ، فِـيهِمُ الأنْبِـياءُ وأبْناءُ الأنْبِـياءِ ثُمَّ إنَّ اللّهَ رَحِمَهُمْ، فأوْحَى إلـى مَلِكِ مِنْ مُلُوكِ فـارِسَ يُقالُ لُهُ كُورَسُ، وكانَ مُؤْمِنا، أنْ سِرْ بَقايَا بَنِـي إسْرَائِيـلَ حتـى تَسْتَنْقِذَهُمْ، فَسارَ كُورَسُ بِبَنـي إسْرَائِيـل وحُلـيِّ بَـيْتِ الـمَقْدِسِ حتـى رَدَّهُ إلَـيْهِ، فَأقامَ بَنُوا إسْرَائِيـلَ مُطِيعينَ لِلّهِ مِئَةَ سَنَةِ، ثُمَّ إنَّهُمْ عادُوا فِـي الـمَعاصِي، فَسَلَّطَ اللّهُ عَلَـيْهِمْ ابْطِيانْـحُوسَ، فَغَزَا بأْبْناءِ مَنْ غَزَا مَعَ بُخْتَنَصَّر، فَغَزَا بَنِـي إسْرَائِيـلَ حتـى أتاهُمْ بَـيْتَ الـمَقْدِسِ، فَسَبـي أهْلَها، وأحْرَقَ بَـيْتَ الـمَقْدِسِ، وَقالَ لَهُمْ: يا بَنِـي إسْرَائِيـلَ إنْ عُدْتُـمْ فِـي الـمَعاصِي عُدْنا عَلَـيْكُمْ بـالسِّبـاءِ، فَعادُوا فِـي الـمَعاصِي، فَسَيَّرَ اللّهُ عَلَـيْهِمُ السِّبـاءَ الثَّالِثَ مَلِكَ رُومِيَّةَ، يُقالُ لَهُ قاقِسُ بْنُ إسْبـايُوس، فَغَزَاهُمْ فِـي البَرّ والبَحْرِ، فَسَبـاهُمْ وَسَبَى حُلِـيّ بَـيْتِ الـمَقْدِسِ، وأحْرَقَ بَـيْتَ الـمَقْدِسِ بـالنِّـيرانِ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:هذَا مِنْ صَنْعَةِ حُلِـيّ بَـيْتِ الـمَقْذِسِ، ويَرُدُّهُ الـمَهْدِيُّ إلـى بَـيْتِ الـمَقْدِسِ، وَهُوَ ألْفُ سَفِـينَةٍ وسَبْعُ مِئَةٍ سَفِـينَةٍ، يُرْسَى بِها عَلـى يافـا حتـى تُنْقَلَ إلـى بَـيْتِ الـمَقْذِسِ، وبِها يَجْمَعُ اللّهُ الأوَّلِـينَ والآخِرِينَ

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، قال: كان مـما أنزل الله علـى موسى فـي خبره عن بنـي إسرائيـل، وفـي أحداثهم ما هم فـاعلون بعده، فقال: {وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ فِـي الكتابِ لَتُفْسِدُّنَّ فِـي الأرْضِ مَرَّتَـيْنِ، وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِـيراً}... إلـى قوله:

{ وَجَعَلْنا جَهَنَّـمَ للْكافرِينَ حَصِيراً }فكانت بنو إسرائيـل، وفـيهم الأحداث والذنوب، وكان الله فـي ذلك متـجاوزاً عنهم، متعطفـاً علـيهم مـحسناً إلـيهم، فكان مـما أُنزل بهم فـي ذنوبهم ما كان قدَّم إلـيهم فـي الـخبر علـى لسان موسى مـما أنزل بهم فـي ذنوبهم. فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع، أن ملكا منهم كان يُدعي صديقة، وكان الله إذا ملَّك الـملِك علـيهم، بعث نبـيا يسدّده ويرشده، ويكون فـيـما بـينه وبـين الله، ويحدث إلـيه فـي أمرهم، لا ينزل علـيهم الكتب، إنـما يؤمرون بـاتبـاع التوراة والأحكام التـي فـيها، وينهونهم عن الـمعصية، ويدعونهم إلـى ما تركوا من الطاعة فلـما ملك ذلك الـملك، بعث الله معه شعياء ابن أمُصيا، وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى وشعياء الذي بشَّر بعيسى ومـحمد، فملك ذلك الـملك بنـي إسرائيـل وبـيت الـمقدس زماناً فلـما انقضى ملكه عظمت فـيهم الأحداث، وشعياء معه، بعث الله علـيهم سنجاريب ملك بـابل، ومعه ستّ مئة ألف راية، فأقبل سائراً حتـى نزل نـحو بـيت الـمقدس، والـملك مريض فـي ساقه قرحة، فجاء النبـيّ شعياء، فقال له: يا ملك بنـي إسرائيـل إن سنـجاريب ملك بـابل، قد نزل بك هو وجنوده ستّ مئة ألف راية، وقد هابهم الناس وفرَقوا منهم، فكبر ذلك علـى الـملك، فقال: يا نبـيّ الله هل أتاك وحي من الله فـيـما حدث، فتـخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنـحاريب وجنوده؟ فقال له النبـيّ علـيه السلام: لـم يأتنـي وحي أحدث إلـيّ فـي شأنك. فبـيناهم علـى ذلك، أوحى الله إلـى شعياء النبـيّ: أن ائت ملك بنـي إسرائيـل، فمره أن يوصي وصيته، ويستـخـلف علـى ملكه من شاء من أهل بـيته. فأتـى النبـيّ شيعاء ملك بني إسرائيـل صديقة، فقال له: إن ربك قد أوحى إلـيّ أن آمرك أن توصي وصيتك، وتستـخـلف من شئت علـى مُلكك من أهل بـيتك، فإنك ميت فلـما قال ذلك شعياء لصديقة، أقبل علـى القبلة، فصلـى وسبح ودعا وبكى، فقال وهو يبكي ويتضرّع إلـى الله بقلب مخـلص وتوكل وصبر وصدق وظنّ صادق. اللهمّ ربّ الأربـاب، وإله الآلهة، قدُّوس الـمتقدسين، يا رحمن يا رحيـم، الـمترحم الرؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، اذكرنـي بعملـي وفعلـي وحُسن قضائي علـى بنـي إسرائيـل وذلك كله كان منك، فأنت أعلـم به من نفسي سرّي وعلانـيتـي لك وإن الرحمن استـجاب له، وكان عبداً صالـحاً، فأوحى الله إلـى شعياء أن يخبر صديقة الـملك أن ربه قد استـجاب له وقبل منه ورحمه، وقد رأى بكاءه، وقد أخَّر أجله خمس عشرة سنة، وأنـجاه من عدوّه سنـحاريب ملك بـابل وجنوده، فأتـى شعياء النبـيّ إلـى ذلك الـملك فأخبره بذلك، فلـما قال له ذلك ذهب عنه الوجع، وانقطع عنه الشرّ والـحزن، وخرّ ساجداً وقال: يا إلهي وإله آبـائي، لك سجدت وسبَّحت وكرمت وعظمت، أنت الذي تعطي الـمُلك من تشاء، وتنزعه مـمن تشاء، وتعزّ من تشاء، وتذلّ من تشاء، عالـم الغيب والشهادة، أنت الأوّل والآخر، والظاهر والبـاطن، وأنت ترحم وتستـجيب دعوة الـمضطرّين، أنت الذي أحببت دعوتـي ورحمت تضرّعي فلـما رفع رأسه، أوحى الله إلـى شعياء إن قل للـملك صديقة فـيأمر عبداً من عبـيده بـالتـينة، فـيأتـيه بـماء التـين فـيجعله علـى قرحته فـيشفـى، ويصبح وقد برأ، ففعل ذلك فشفـي. وقال الـملك لشعياء النبـيّ: سل ربك أن يجعل لنا علـما بـما هو صانع بعدوّنا هذا. قال: فقال الله لشعياء النبـيّ: قل له: إنـي قد كفـيتك عدوّك، وأنـجيتك منه، وإنهم سيصبحون موتـى كلهم إلاَّ سنـحاريب وخمسة من كتابه فلـما أصبحوا جاءهم صارخ ينبئهم، فصرخ علـى بـاب الـمدينة: يا ملك بنـي إسرائيـل، إن الله قد كفـاك عدوّك فـاخرج، فإن سنـحاريب ومن معه قد هلكوا فلـما خرج الـملك التـمس سنـحاريب، فلـم يُوجد فـي الـموتـى، فبعث الـملك فـي طلبه، فأدركه الطلب فـي مغارة وخمسة من كتابه، أحدهم بختنصر، فجعلوهم فـي الـجوامع، ثم أتوا بهم ملك بنـي إسرائيـل فلـما رآهم خرّ ساجدا من حين طلعت الشمس حتـى كانت العصر، ثم قال لسنـحاريب: كيف ترى فعل ربنا بكم؟ ألـم يقتلكم بحوله وقوّته، ونـحن وأنتـم غافلون؟ فقال سنـحاريب له: قد أتانـي خبر ربكم، ونصره إياكم، ورحمته التـي رحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي، فلـم أطع مرشدا، ولـم يـلقنـي فـي الشقوة إلاَّ قلة عقلـي، ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم، ولكن الشقوة غلبت علـيّ وعلـى من معي، فقال ملك بنـي إسرائيـل: الـحمد لله ربّ العزّة الذي كفـاناكم بـما شاء، إن ربنا لـم يُبقك ومن معك لكرامة بك علـيه، ولكنه إنـما أبقاك ومن معك لـما هو شرّ لك، لتزدادوا شقوة فـي الدنـيا، وعذابـا فـي الآخرة، ولتـخبروا من وراءكم بـما لقـيتـم من فعل ربنا، ولتنذروا من بعدكم، ولولا ذلك ما أبقاكم، فلدمُك ودم من معك أهون علـى الله من دم قراد لو قتلته. ثم إن ملك بنـي إسرائيـل أمر أمير حرسه، فقذف فـي رقابهم الـجوامع، وطاف بهم سبعين يوما حول بـيت الـمقدس إيـلـيا، وكان يرزقهم فـي كلّ يوم خبزتـين من شعير لكل رجل منهم، فقال سنـحاريب لـملك بنـي إسرائيـل: القتل خير مـما يفعل بنا، فـافعل ما أمرت فنقل بهم الـملك إلـى سجن القتل، فأوحى الله إلـى شعياء النبـيّ أن قل لـملك بنـي إسرائيـل يرسل سنـحاريب ومن معه لـينذروا من وراءهم، ولـيكرمهم ويحملهم حتـى يبلغوا بلادهم فبلَّغ النبـيّ شعياء الـملك ذلك، ففعل، فخرج سنـحاريب ومن معه حتـى قدموا بـابل فلـما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده، فقال له كهَّانه وسحرته: يا ملك بـابل قد كنا نقصّ علـيك خبر ربهم وخبر نبـيهم، ووحى الله إلـى نبـيهم، فلـم تطعنا، وهي أمَّة لا يستطيعها أحد مع ربهم، فكان أمر سنـحاريب مـما خوّفوا، ثم كفـاهم الله تذكرة وعبرة، ثم لبث سنـحاريب بعد ذلك سبع سنـين، ثم مات.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما مات سنـحاريب استـخـلف بختنصر ابن ابنه علـى ما كان علـيه جدّه يعمل بعمله، ويقضي بقضائه، فلبث سبع عشرة سنة. ثم قبض الله ملك بنـي إسرائيـل صديقة فمرج أمر بنـي إسرائيـل وتنافسوا الـمُلك، حتـى قتل بعضهم بعضاً علـيه، ونبـيهم شعياء معهم لا يذعنون إلـيه، ولا يقبلون منه فلـما فعلوا ذلك، قال الله فـيـما بلغنا لشعياء: قم فـي قومك أُوحِ علـى لسانك فلـما قام النبـيّ أنطق الله لسانه بـالوحي فقال: يا سماء استـمعي، ويا أرض أنصتـي، فإن الله يريد أن يقصّ شأن بنـي إسرائيـل الذين ربـاهم بنعمته، واصطفـاهم لنفسه، وخصَّهم بكرامته، وفضَّلهم علـى عبـاده، وفضلهم بـالكرامة، وهم كالغنـم الضائعة التـي لا راعي لها، فآوى شاردتها، وجمع ضالتها، وجبر كسيرها، وداوى مريضها، وأسمن مهزولها، وحفظ سمينها فلـما فعل ذلك بطرت، فتناطحت كبـاشها فقتل بعضها بعضا، حتـى لـم يبق منها عظم صحيح يجبر إلـيه آخر كسير، فويـل لهذه الأمة الـخاطئة، وويـل لهؤلاء القوم الـخاطئين الذين لا يدرون أين جاءهم الـحين. إن البعير ربـما يذكر وطنه فـينتابه، وإن الـحمار ربـما يذكر الآريّ الذي شبع علـيه فـيراجعه، وإن الثور ربـما يذكر الـمرج الذي سمن فـيه فـينتابه، وإن هؤلاء القوم لا يدرون من حيث جاءهم الـحين، وهم أولو الألبـاب والعقول، لـيسوا ببقر ولا حمير وإنـي ضارب لهم مثلاً فلـيسمعوه: قل لهم: كيف ترون فـي أرض كانت خواء زمانا، خربة مواتا لا عمران فـيها، وكان لها ربّ حكيـم قويّ، فأقبل علـيها بـالعمارة، وكره أن تـخرب أرضه وهو قويّ، أو يقال ضيع وهو حكيـم، فأحاط علـيها جداراً، وشيَّد فـيها قصراً، وأنبط فـيها نهراً، وصف فـيها غراسا من الزيتون والرمان والنـخيـل والأعناب، وألوان الثمار كلها، وولـى ذلك واستـحفظه قـيـما ذا رأي وهمّة، حفـيظا قويا أمينا، وتأنى طلعها وانتظرها فلـما أطلعت جاء طلعها خروبـاً، قالوا: بئست الأرض هذه، نرى أن يهدم جدرانها وقصرها، ويدفن نهرها، ويقبض قـيِّـمها، ويحرق غراسها حتـى تصير كما كانت أوّل مرّة، خربة مواتاً لا عمران فـيها. قال الله لهم: فإن الـجدار ذمتـي، وإن القصر شريعتـي، وإن النهر كتابـي، وإن القَـيِّـمَ نبِـيـي، وإن الغراس هم، وإن الـخروب الذي أطلع الغراس أعمالهم الـخبـيثة، وإنـي قد قضيت علـيهم قضاءهم علـى أنفسهم، وإنه مَثلٌ ضربه الله لهم يتقرّبون إلـيّ بذبح البقر والغنـم، ولـيس ينالنـي اللـحم ولا آكله، ويدّعون أن يتقرّبوا بـالتقوى والكفّ عن ذبح الأنفس التـي حرمتها، فأيديهم مخضوبة منها، وثـيابهم متزملة بدمائها، يشيدون لـي البـيوت مساجد، ويطهرون أجوافها، وينـجسون قلوبهم وأجسامهم ويدنسونها، ويزوّقون لـي البـيوت والـمساجد ويزينونها، ويخرّبون عقولهم وأحلامهم ويفسدونها، فأيّ حاجة لـي إلـى تشيـيد البـيوت ولـيست أسكنها، وأيّ حاجة إلـى تزويق الـمساجد ولست أدخـلها، إنـما أمرت برفعها لأذكر فـيها وأسبح فـيها، ولتكون معلـماً لـمن أراد أن يصلـي فـيها، يقولون: لو كان الله يقدر علـى أن يجمع ألفتنا لـجمعها، ولو كان الله يقدر علـى أن يفقِّه قلوبنا لأفقهها، فـاعمد إلـى عودين يابسين، ثم ائت بهما ناديهما فـي أجمع ما يكونون، فقل للعودين: إن الله يأمركما أن تكونا عوداً واحداً فلـما قال لهما ذلك، اختلطا فصارا واحداً، فقال الله: قل لهم: إنـي قدرت علـى ألفة العيدان الـيابسة وعلـى أن أولِّف بـينها، فكيف لا أقدر علـى أن أجمع ألفتهم إن شئت، أم كيف لا أقدر علـى أن أفقِّه قلوبهم، وأنا الذي صوّرتها يقولون: صمنا فلـم يرفع صيامنا، وصلَّـينا فلـم تنوّر صلاتنا، وتصدّقنا فلـم تزكّ صدقاتنا، ودعونا بـمثل حنـين الـحمام، وبكينا بـمثل عواء الذئب، فـي كلّ ذلك لا نسمع، ولا يُستـجاب لنا قال الله: فسلهم ما الذي يـمنعنـي أن أستـجيب لهم، ألست أسمع السامعين، وأبصر الناظرين، وأقرب الـمـجيبـين، وأرحم الراحمين؟ ألأنّ ذات يدي قلت كيف ويداي مبسوطتان بـالـخير، أنفق كيف أشاء، ومفـاتـيح الـخزائن عندي لا يفتـحها ولا يغلقها غيري ألا وإن رحمتـي وسعت كلّ شيء، إنـما يتراحم الـمتراحمون بفضلها أو لأن البخـل يعترينـي أو لست أكرم الأكرمين والفتاح بـالـخيرات، أجود من أعطى، وأكرم من سُئل لو أنّ هؤلاء القوم نظروا لأنفسهم بـالـحكمة التـي نوّرت فـي قلوبهم فنبذوها، واشتروا بها الدنـيا، إذاً لأبصروا من حيث أتوا، وإذاً لأيقنوا أن أنفسهم هي أعدى العداة لهم، فكيف أرفع صيامهم وهم يـلبسونه بقول الزور، ويتقوّون علـيه بطعمة الـحرام؟ وكيف أنوّر صلاتهم، وقلوبهم صاغية إلـى من يحاربنـي ويحادّنـي، وينتهك مـحارمي؟ أم كيف تزكو عندي صدقاتهم وهم يتصدّقون بأموال غيرهم؟ وإنـما أوجر علـيها أهلها الـمغصوبـين أم كيف أستـجيب لهم دعاءهم وإنـما هو قول بألسنتهم والفعل من ذلك بعيد؟ وإنـما أستـجيب للداعي اللـين، وإنـما أسمع من قول الـمستضعف الـمسكين، وإن من علامة رضاي رضا الـمساكين فلو رحموا الـمساكين، وقرّبوا الضعفـاء، وأنصفوا الـمظلوم، ونصروا الـمغصوب، وعدلوا للغائب، وأدّوا إلـى الأرملة والـيتـيـم والـمسكين، وكلّ ذي حقّ حقه، ثم لو كان ينبغي أن أكلـم البشر إذاً لكلـمتهم، وإذاً لكنت نور أبصارهم، وسمع آذانهم، ومعقول قلوبهم، وإذن لدعمت أركانهم، فكنت قوّة أيديهم وأرجلهم، وإذاً لثبَّت ألسنتهم وعقولهم. يقولون لـمَّا سمعوا كلامي، وبلغتهم رسالاتي بأنها أقاويـل منقولة، وأحاديث متوارثة، وتآلـيف مـما تؤلف السحرة والكهنة، وزعموا أنهم لو شاءوا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا، وأن يطلعوا علـى الغيب بـما توحي إلـيهم الشياطين اطلعوا، وكلهم يستـخفـى بـالذي يقول ويسرّ، وهم يعلـمون أنـي أعلـم غيب السموات والأرض، وأعلـم ما يبدون وما يكتـمون وإنـي قد قضيت يوم خـلقت السموات والأرض قضاء أثبته علـى نفسي، وجعلت دونه أجلاً مؤجلاً، لا بدّ أنه واقع، فإن صدقوا بـما ينتحلون من علـم الغيب، فلـيخبروك متـى أنفذه، أو فـي أيّ زمان يكون، وإن كانوا يقدرون علـى أن يأتوا بـما يشاءون، فلـيأتوا بـمثل القُدرة التـي بها أمضيت، فإنـي مظهره علـى الدين كله ولو كره الـمشركون، وإن كانوا يقدرون علـى أن يقولوا ما يشاءون فلـيؤلِّفوا مثل الـحكمة التـي أدبر بها أمر ذلك القضاء إن كانوا صادقـين، فإنـي قد قضيت يوم خـلقت السموات والأرض أن أجعل النبوّة فـي الأُجراء، وأن أحوّل الـملك فـي الرعاء، والعزّ فـي الأذلاء، والقوّة فـي الضعفـاء، والغنى فـي الفقراء، والثروة فـي الأقلاء، والـمدائن فـي الفلوات، والآجام فـي الـمفـاوز، والبردى فـي الغيطان، والعلـم فـي الـجهلة، والـحكم فـي الأميـين، فسلهم متـى هذا، ومن القائم بهذا، وعلـى يد من أسنه، ومن أعوان هذه الأمر وأنصاره إن كانوا يعلـمون فإنـي بـاعث لذلك نبـياً أمِّياً، لـيس أعمى من عميان، ولا ضالاً من ضالِّـين، ولـيس بفظّ ولا غلـيظ، ولا صخَّاب فـي الأسواق، ولا متزين بـالفُحش، ولا قوّال للـخنا، أسدده لكل جميـل، أهب له كلّ خـلق كريـم، أجعل السكينة لبـاسه، والبرّ شعاره، والتقوى ضميره، والـحكمة معقوله، والصدق والوفـاء طبـيعته، والعفو والعرف خـلقه والعدل والـمعروف سيرته، والـحقّ شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملَّته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلـم به بعد الـجهالة، وأرفع به بعد الـخمالة، وأشهر به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلَّة، وأغنـي به بعد العيـلة، وأجمع به بعد الفُرقة، وأؤلِّف به قلوبـا مختلفة، وأهواء مشتتة، وأمـما متفرّقة، وأجعل أمته خير أمَّة أُخرجت للناس، تأمر بـالـمعروف، وتنهى عن الـمنكر، توحيداً لـي، وإيـماناً وإخلاصاً بـي، يصلون لـي قـياماً وقعوداً، وركوعاً وسجوداً، يُقاتلون فـي سبـيـلـي صفوفـاً وزحوفـاً، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء رضوانـي، ألهمهم التكبـير والتوحيد، والتسبـيح والـحمد والـمدحة، والتـمـجيد لـي فـي مساجدهم ومـجالسهم ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم، يكبرون ويهلِّلون، ويقدّسون علـى رؤوس الأسواق، ويطهرون لـي الوجوه والأطراف، ويعقدون الثـياب فـي الأنصاف، قربـانهم دماؤهم، وأناجيـلهم صدورهم، رهبـان بـاللـيـل، لـيوث بـالنهار، ذلك فضلـي أوتـيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيـم. فلـما فرغ نبـيهم شعياء إلـيهم من مقالته، عدواً علـيه فـيـما بلغنـي لـيقتلوه، فهرب منهم، فلقـيته شجرة، فـانفلقت فدخـل فـيها، وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها، فوضعوا الـمنشار فـي وسطها فنشروها حتـى قطعوها، وقطعوه فـي وسطها.

قال أبو جعفر: فعلـى القول الذي ذكرنا عن ابن عبـاس من رواية السديّ، وقول ابن زيد، كان إفساد بنـي إسرائيـل فـي الأرض الـمرّة الأولـى قتلهم زكريا نبـيّ الله، مع ما كان سلف منهم قبل ذلك وبعده، إلـى أن بعث الله علـيهم من أحلّ علـى يده بهم نقمته من معاصي الله، وعتوّهم علـى ربهم. وأما علـى قول ابن إسحاق الذي روينا عنه، فكان إفسادهم الـمرّة الأولـى ما وصف من قتلهم شعياء بن أمصيا نبـيّ الله. وذكر ابن إسحاق أن بعض أهل العلـم أخبره أن زكريا مات موتاً ولـم يُقتل، وأن الـمقتول إنـما هو شعياء، وأن بختنصر هو الذي سُلِّط علـى بنـي إسرائيـل فـي الـمرّة الأولـى بعد قتلهم شعياء. حدثنا بذلك ابن حميد، عن سلـمة عنه.

وأما إفسادهم فـي الأرض الـمرّة الآخرة، فلا اختلاف بـين أهل العلـم أنه كان قتلهم يحيى بن زكريا. وقد اختلفوا فـي الذي سلَّطه الله علـيهم منتقما به منهم عند ذلك، وأنا ذاكر اختلافهم فـي ذلك إن شاء الله.

وأما قوله: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِـيراً} فقد ذكرنا قول من قال: يعنـي به: استكبـارهم علـى الله بـالـجراءة علـيه، وخلافهم أمره. وكان مـجاهد يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِـيراً} قال: ولتعلنّ الناس علوًّا كبـيراً.

حدثنا الـحارث، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وأما قوله: {فإذَا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما} يعنـي: فإذا جاء وعد أولـى الـمرّتـين اللتـين يفسدون بهما فـي الأرض كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فإذَا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما} قال: إذا جاء وعد أولـى تـينك الـمرّتـين اللتـين قضينا إلـى بنـي إسرائيـل {لَتُفْسِدُنَّ فِـي الأرْضِ مَرَّتَـيْنِ}.

وقوله: {بَعَثْنا عَلَـيْكُمْ عِبـاداً لَنا أُولـي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدّيارِ}، وكانَ وَعْدا مَفْعُولاً يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {بَعَثْنا عَلَـيْكُمْ } وجَّهنا إلـيكم، وأرسلنا علـيكم {عِبـاداً لَنا أُولـي بَأْسٍ شَدِيدٍ} يقول: ذوي بطش فـي الـحروب شديد. وقوله: {فَجاسُوا خِلالَ الدّيارِ، وكانَ وَعداً مَفْعُولاً} يقول: فتردّدوا بـين الدور والـمساكن، وذهبوا وجاءوا. يقال فـيه: جاس القوم بـين الديار وجاسوا بـمعنى واحد، وجست أنا أجوس جوسا وجوسانا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، رُوي الـخبر عن ابن عبـاس:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {فَجاسُوا خِلالَ الدّيارِ} قال: مشوا.

وكان بعض أهل الـمعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: معنى جاسوا: قتلوا، ويستشهد لقوله ذلك ببـيت حسان:

وَمِنَّا الَّذِي لاقـى بسَيْفِ مُـحَمَّدٍفَجاسَ بِهِ الأعْدَاءَ عُرْضَ العَساكِرِ

وجائز أن يكون معناه: فجاسوا خلال الديار، فقتلوهم ذاهبـين وجائين، فـيصحّ التأويلان جميعاً. ويعنـي بقوله: {وكانَ وَعْداً مَفْعُولاً} وكان جوس القوم الذين نبعث علـيهم خلال ديارهم وعداً من الله لهم مفعولاً ذلك لا مـحالة، لأنه لا يخـلف الـميعاد.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي الذين عنى الله بقوله: {أُولـي بَأْسٍ شَدِيدٍ} فـيـما كان من فعلهم فـي الـمرّة الأولـى فـي بنـي إسرائيـل حين بعثوا علـيهم، ومن الذين بعث علـيهم فـي الـمرّة الآخرة، وما كان من صنعهم بهم، فقال بعضهم: كان الذي بعث الله علـيهم فـي الـمرّة الأولـى جالوت، وهو من أهل الـجزيرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنا أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {فَإذَا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَـيْكُمْ عِبـاداً لَنا أُولـي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدّيارِ}، وكانَ وَعْداً مَفْعُولاً قال: بعث الله علـيهم جالوت، فجاس خلال ديارهم، وضرب علـيهم الـخراج والذلّ، فسألوا الله أن يبعث لهم ملكا يُقاتلون فـي سبـيـل الله، فبعث الله طالوت، فقاتلوا جالوت، فنصر الله بنـي إسرائيـل، وقُتل جالوت بـيدي داود، ورجع الله إلـى بنـي إسرائيـل ملكهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإذَا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَـيْكُمْ عِبـاداً لَنا أُولـي بَأْسٍ شَدِيدٍ، فجاسُوا خِلالَ الدّيارِ، وكانَ وَعْداً مَفْعُولاً} قضاء قضى الله علـى القوم كما تسمعون، فبعث علـيهم فـي الأولـى جالوت الـجزري، فسبى وقتل، وجاسوا خلال الديار كما قال الله، ثم رجع القوم علـى دخن فـيهم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: أما الـمرّة الأولـى فسلَّط الله علـيهم جالوت، حتـى بعث طالوت ومعه داود، فقتله داود.

وقال آخرون: بل بعث علـيهم فـي الـمرّة الأولـى سنـحاريب، وقد ذكرنا بعض قائلـي ذلك فـيـما مضى ونذكر ما حضرنا ذكره مـمن لـم نذكره قبل.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي الـمعلـى، قال: سمعت سعيد بن جبـير، يقول فـي قوله: {بَعَثْنا عَلَـيْكُمْ عِبـاداً لَنا أُولـي بَأْسٍ شَدِيدٍ} قال: بعث الله تبـارك وتعالـى علـيهم فـي الـمرّة الأولـى سنـحاريب من أهل أثور ونـينوى فسألت سعيداً عنها، فزعم أنها الـموصل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج عن ابن جريج، قال: ثنـي يعلـى بن مسلـم بن سعيد بن جبـير، أنه سمعه يقول: كان رجل من بنـي إسرائيـل يقرأ، حتـى إذا بلغ {بَعَثْنا عَلَـيْكُمْ عِبـاداً لَنا أُولـي بَأْسٍ شَدِيدٍ} بكى وفـاضت عيناه، وطبق الـمصحف، فقال ذلك ما شاء الله من الزمان، ثم قال: أي ربّ أرنِـي هذا الرجل الذي جعلت هلاك بنـي إسرائيـل علـى يديه، فأُري فـي الـمنام مسكيناً ببـابل، يقال له بختنصر، فـانطلق بـمال وأعبد له، وكان رجلاً موسراً، فقـيـل له أين تريد؟ قال: أريد التـجارة، حتـى نزل دارا ببـابل، فـاستكراها لـيس فـيها أحد غيره، فجعل يدعو الـمساكين ويـلطف بهم حتـى لـم يبق أحد، فقال: هل بقـي مسكين غيركم؟ قالوا: نعم، مسكين بفجّ آل فلان مريض يقال له بختنصر، فقال لغلـمته: انطلقوا، حتـى أتاه، فقال: ما اسمك؟ قال: بختنصر، فقال لغلـمته: احتـملوه، فنقله إلـيه ومرّضه حتـى برأ، فكساه وأعطاه نفقة، ثم آذن الإسرائيـلـي بـالرحيـل، فبكى بختنصر، فقال الإسرائيـلـي: ما يبكيك؟ قال: أبكي أنك فعلت بـي ما فعلت، ولا أجد شيئاً أجزيك، قال: بلـى شيئاً يسيراً، إن ملكت أطعتنـي فجعل الآخر يتبعه ويقول: تستهزىء بـي؟ ولا يـمنعه أن يعطيه ما سأله، إلاَّ أنه يرى أنه يستهزىء به، فبكى الإسرائيـلـي وقال: ولقد علـمت ما يـمنعك أن تعطينـي ما سألتك، إلاَّ أن الله يريد أن ينفذ ما قد قضاه وكتب فـي كتابه وضرب الدهر من ضربه فقال صيحوراً، وهو ملك فـارس ببـابل: لو أنا بعثنا طلـيعة إلـى الشام قالوا: وما ضرّك لو فعلت؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان، فبعث رجلاً وأعطاه مئة ألف، وخرج بختنصر فـي مطبخه، لا يخرج إلاَّ لـيأكل فـي مطبخه فلـما قدم الشام ورأى صاحب الطلـيعة أكثر أرض الله فرساً ورجلاً جلداً، كبر ذلك فـي روعه، فلـم يسأل، قال: فجعل بختنصر يجلس مـجالس أهل الشام فـيقول: ما يـمنعكم أن تغزوا بـابل، فلو غزوتـموه ما دون بـيت مالها شيء، قالوا: لا نُـحسن القتال، قال: فلو أنكم غزوتـم، قالوا: إنا لا نـحسن القتال ولا نقاتل حتـى أنفذ مـجالس أهل الشام، ثم رجعوا فأخبر الطلـيعة ملكهم بـما رأى، وجعل بختنصر يقول لفوارس الـملك: لو دعانـي الـملك لأخبرته غير ما أخبره فلان فرُفع ذلك إلـيه، فدعاه فأخبره الـخبر وقال: إن فلانا لـما رأى أكثر أرض الله فرساً ورجلاً جلداً، كبر ذلك فـي روعه ولـم يسألهم عن شيء، وإنـي لـم أدع مـجلساً بـالشام إلاَّ جالست أهله، فقلت لهم كذا وكذا، وقالوا لـي كذا وكذا، الذي ذكر سعيد بن جبـير أنه قال لهم، قال الطلـيعة لبختنصر: إنك صحبتي لك مئة ألف وتنزع عما قلت، قال: لو أعطيتنـي بـيت مال بابل ما نزعت، ضرب الدهر من ضربه فقال الملك: لو بعثنا جريدة خيـل إلـى الشام، فإن وجدوا مساغاً ساغوا، وإلاَّ انثنوا ما قدروا علـيه، قالوا: ما ضرّك لو فعلت؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان، قال: بل الرجل الذي أخبرنـي ما أخبرنـي، فدعا بختنصر وأرسله، وانتـخب معه أربعة آلاف من فرسانهم، فـانطلقوا فجاسوا خلال الديار، فسبوا ما شاء الله ولـم يخربوا ولـم يقتلوا. ورمى في جنازة صحورا قالوا: استـخـلفوا رجلاً، قالوا: علـى رسلكم حتـى تأتـي أصحابكم فإنهم فرسانكم، لن ينقضوا علـيكم شيئاً، أمهلوا فأمهلوا حتـى جاء بختنصر بـالسبـي وما معه، فقسمه فـي الناس، فقالوا: ما رأينا أحدا أحق بـالـملك من هذا، فملَّكوه.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي سلـيـمان ابن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن الـمسيب يقول: ظهر بختنصر علـى الشام، فخرّب بـيت الـمقدس وقتلهم، ثم أتـى دمشق، فوجد بها دماً يغلـي علـى كبـا: أي كناسة، فسألهم ما هذا الدم؟ قالوا: أدركنا آبـاءنا علـى هذا وكلـما ظهر علـيه الكبـا ظهر، قال: فقتل علـى ذلك الدم سبعين ألفـاً من الـمسلـمين وغيرهم، فسكن.

وقال آخرون: يعنـي بذلك قوما من أهل فـارس، قالوا: ولـم يكن فـي الـمرّة الأولـى قتال. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فإذَا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَـيْكُمْ عِبـاداً لَنا أُولـي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خلالَ الدّيارِ} قال: من جاءهم من فـارس يتـجسسون أخبـارهم، ويسمعون حديثهم، معهم بختنصر، فوعى أحاديثهم من بـين أصحابه، ثم رجعت فـارس ولـم يكن قتال، ونُصرت علـيهم بنو إسرائيـل، فهذا وعد الأولـى.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {بَعَثْنَا عَلَـيْكُمْ عِبـاداً لَنا أُولـي بَأْسٍ شَدِيدٍ} جند جاءهم من فـارس يتـجسسون أخبـارهم، ثم ذكر نـحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد فإذَا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَـيْكُمْ عِبـاداً لَنا أُولـي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال: ذلك أي من جاءهم من فـارس، ثم ذكر نـحوه.

ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَٰكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ۝٦

يقول تعالـى ذكره: ثم أدلناكم يا بنـي إسرائيـل علـى هؤلاء القوم الذين وصفهم جلّ ثناؤه أنه يبعثهم علـيهم، وكانت تلك الإدالة والكرّة لهم علـيهم، فـيـما ذكر السديّ فـي خبره أن بنـي إسرائيـل غزوهم، وأصابوا منهم، واستنقذوا ما فـي أيديهم منهم. وفـي قول آخرين: إطلاق الـملك الذي غزاهم ما فـي يديه من أسراهم، وردّ ما كان أصاب من أموالهم علـيهم من غير قتال. وفـي قول ابن عبـاس الذي رواه عطية عنه هي إدالة الله إياهم من عدوّهم جالوت حتـى قتلوه، وقد ذكرنا كلّ ذلك بأسانـيده فـيـما مضى {وأمْدَدْناكُمْ بأمْوَالٍ وَبَنِـينَ} يقول: وزدنا فـيـما أعطيناكم من الأموال والبنـين.

وقوله: {وَجَعَلْناكُمْ أكْثَرَ نَفِـيراً} يقول: وصيرناكم أكثر عدَدَ نافرٍ منهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وَجَعَلْناكُمْ أكْثَرَ نَفِـيراً}: أي عدداً، وذلك فـي زمن داود.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَجَعَلْناكُمْ أكْثَرَ نَفِـيراً} يقول: عدداً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَـيْهِمْ } لبنـي إسرائيـل، بعد أن كانت الهزيـمة، وانصرف الآخرون عنهم {فجَعَلْناكُمْ أكْثَرَ نَفِـيراً} قال: جعلناكم بعد هذا أكثر عدداً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور عن معمر، عن قتادة {ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَـيْهِمْ} ثم رددت الكرّة لبنـي إسرائيـل.

حدثنـي مـحمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفـيان، فـي قوله: {وأمْدَدْناكُمْ بأمْوَال وبَنِـينَ} قال: أربعة آلاف.

إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ لِيَسُـۥٓـُٔوا۟ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا۟ مَا عَلَوْا۟ تَتْبِيرًا ۝٧

يقول تعالـى ذكره لبنـي إسرائيـل فـيـما قضى إلـيهم فـي التوراة:{إنْ أحْسَنْتُـمْ} يا بنـي إسرائيـل، فأطعتـم الله وأصلـحتـم أمركم، ولزمتـم أمره ونهيه {أحْسنْتُـمْ} وفعلتـم ما فعلتـم من ذلك {لأَنْفُسِكُمْ} لأنَّكم إنـما تنفعون بفعلكم ما تفعلون من ذلك أنفسكم فـي الدنـيا والآخرة. أما فـي الدنـيا فإن الله يدفع عنكم من بغاكم سوءاً، وينـمي لكم أموالكم، ويزيدكم إلـى قوّتكم قوّة. وأما فـي الآخرة فإن الله تعالـى يثـيبكم به جنانه {وإنْ أسأْتُـمْ} يقول: وإن عصيتـم الله وركبتـم ما نهاكم عنه حينئذٍ، فإلـى أنفسكم تسيئون، لأنكم تسخطون بذلك علـى أنفسكم ربكم، فـيسلط علـيكم فـي الدنـيا عدوّكم، ويـمكِّن منكم من بغاكم سوءا، ويخـلدكم فـي الآخرة فـي العذاب الـمهين. وقال جلّ ثناؤه {وَإنْ أسأْتُـمْ فلها} والـمعنى: فإلـيها كما قال

{ بأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها }والـمعنى: أوحى إلـيها.

وقوله: {فإذَا جاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ} يقول: فإذا جاء وعد الـمرّة الآخرة من مرّتـي إفسادكم يا بنـي إسرائيـل فـي الأرض {لِـيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} يقول: لـيسوء مـجيء ذلك الوعد للـمرّة الآخرة وجوهكم فـيقبِّحها.

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله {لِـيْسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} فقرأ ذلك عامَّة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة {لِـيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} بـمعنى: لـيسوء العبـاد أولو البأس الشديد الذين يبعثهم الله علـيكم وجوهكم، واستشهد قارئوا ذلك لصحة قراءتهم كذلك بقوله {وَلِـيَدْخُـلُوا الـمَسْجِدَ} وقالوا: ذلك خبر عن الـجميع فكذلك الواجب أن يكون قوله {لِـيَسُوءُوا}. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة: «لِـيَسُوءَ وُجُوهَكُمْ» علـى التوحيد وبـالـياء. وقد يحتـمل ذلك وجهين من التأويـل أحدهما ما قد ذكرت، والآخر منهما: لـيسوء الله وجوهكم. فمن وجَّه تأويـل ذلك إلـى لـيسوء مـجيء الوعد وجوهَكم، جعل جواب قوله «فإذا» مـحذوفـاً، وقد استغنـي بـما ظهر عنه، وذلك الـمـحذوف «جاء»، فـيكون الكلام تأويـله: فإذا جاء وعد الآخرة لـيسوء وجوهكم جاء. ومن وجَّهَ تأويـله إلـى: لـيسوء الله وجوهكم، كان أيضا فـي الكلام مـحذوف، قد استغنـي هنا عنه بـما قد ظهر منه، غير أن ذلك الـمـحذوف سوى «جاء»، فـيكون معنى الكلام حينئذٍ: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم لـيسوء الله وجوهكم، فـيكون الـمضمر بعثناهم، وذلك جواب «إذا» حينئذٍ. وقرأ ذلك بعض أهل العربـية من الكوفـيـين: «لِنَسُوءَ وُجُوهَكُمْ» علـى وجه الـخبر من الله تبـارك وتعالـى اسمه عن نفسه.

وكان مـجيء وعد الـمرّة الآخرة عند قتلهم يحيى. ذكر الرواية بذلك، والـخبر عما جاءهم من عند الله حينئذٍ كما:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـي الـحديث الذي ذكرنا إسناده قبل أن رجلاً من بنـي إسرائيـل رأى فـي النوم أن خراب بـيت الـمقدس وهلاك بنـي إسرائيـل علـى يدي غلام يتـيـم ابن أرملة من أهل بـابل، يدعى بختنصر، وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم، فأقبل فسأل عنه حتـى نزل علـى أمه وهو يحتطب، فلـما جاء وعلـى رأسه حزمة من حطب ألقاها، ثم قعد فـي جانب البـيت فضمه، ثم أعطاه ثلاثة دراهم، فقال: اشتر لنا بها طعاماً وشرابـاً، فـاشترى بدرهم لـحماً وبدرهم خبزاً وبدرهم خمراً، فأكلوا وشربوا حتـى إذا كان الـيوم الثانـي فعل به ذلك، حتـى إذا كان الـيوم الثالث فعل ذلك، ثم قال له: إنـي أُحبّ أن تكتب لـي أماناً إن أنت ملكت يوماً من الدهر، فقال: أتسخر بـي؟ فقال: إنـي لا أسخر بك، ولكن ما علـيك أن تتـخذ بها عندي يدا، فكلـمته أمه، فقالت: وما علـيك إن كان ذلك وإلاَّ لـم ينقصك شيئاً، فكتب له أماناً، فقال له: أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بـينـي وبـينك، فـاجعل لـي آية تعرفنـي بها قال: ترفع صحيفتك علـى قصبة أعرفك بها، فكساه وأعطاه. ثم إن ملك بنـي إسرائيـل كان يكرم يحيى بن زكريا، ويدنـي مـجلسه، ويستشيره فـي أمره، ولا يقطع أمراً دونه، وأنه هوى أن يتزوّج ابنة امرأة له، فسأل يحيى عن ذلك، فنهاه عن نكاحها وقال: لست أرضاها لك، فبلغ ذلك أمها فحقدت علـى يحيى حين نهاه أن يتزوّج ابنتها، فعمدت أمّ الـجارية حين جلس الـملك علـى شرابه، فألبستها ثـيابـاً رقاقاً حمراً، وطيَّبتها وألبستها من الـحُلـيّ، وقـيـل: إنها ألبستها فوق ذلك كساء أسود، وأرسلتها إلـى الـملك، وأمرتها أن تسقـيه، وأن تعرض له نفسها، فإن أرادها علـى نفسها أبت علـيه حتـى يعطيها ما سألته، فإذا أعطاها ذلك سألته أن يأتـي برأس يحيى بن زكريا فـي طست، ففعلت، فجعلت تسقـيه وتعرض له نفسها فلـما أخذ فـيه الشراب أرادها علـى نفسها، فقالت: لا أفعل حتـى تعطينـي ما أسألك، فقال: ما الذي تسألـينـي؟ قالت: أسألك أن تبعث إلـى يحيى بن زكريا، فأوتَـى برأسه فـي هذا الطست، فقال: ويحك سلـينـي غير هذا، فقالت له: ما أريد أن أسألك إلاَّ هذا. قال: فلـما ألَّـحت علـيه بعث إلـيه، فأتـى برأسه، والرأس يتكلـم حتـى وضع بـين يديه وهو يقول: لا يحلّ لك ذلك فلـما أصبح إذا دمه يغلـي، فأمر بتراب فألقـى علـيه، فرقـى الدم فوق التراب يغلـي، فألقـى علـيه التراب أيضا، فـارتفع الدم فوقه فلـم يزل يـلقـي علـيه التراب حتـى بلغ سور الـمدينة وهو يغلـى وبلغ صيحابـين، فثار فـي الناس، وأراد أن يبعث علـيهم جيشاً، ويؤمِّر علـيهم رجلاً، فأتاه بختنصر وكلَّـمه وقال: إن الذي كنت أرسلته تلك الـمرّة ضعيف، وإنـي قد دخـلت الـمدينة وسمعت كلام أهلها، فـابعثنـي، فبعثه، فسار بختنصر حتـى إذا بلغوا ذلك الـمكان تـحصنوا منه فـي مدائنهم، فلـم يطقهم، فلـما اشتدّ علـيهم الـمقام وجاع أصحابه، أرادوا الرجوع، فخرجت إلـيهم عجوز من عجائز بنـي إسرائيـل فقالت: أين أمير الـجند؟ فأتـى بها إلـيه، فقالت له: إنه بلغنـي أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتـح هذه الـمدينة، قال: نعم، قد طال مقامي، وجاع أصحابـي، فلست أستطيع الـمقام فوق الذي كان منـي، فقالت: أرأيتك إن فتـحت لك الـمدينة أتعطينـي ما سألتك، وتقتل من أمرتك بقتله، وتكفّ إذا أمرتك أن تكفّ؟ قال: نعم، قالت: إذا أصبحت فـاقسم جندك أربعة أربـاع، ثم أقم علـى كلّ زاوية ربعاً، ثم ارفعوا بأيديكم إلـى السماء فنادوا: إنا نستفتـحك يا ألله بدم يحيى بن زكريا، فإنها سوف تسَّاقط ففعلوا، فتساقطت الـمدينة، ودخـلوا من جوانبها، فقالت له: اقتل علـى هذا الدم حتـى يسكن، وانطلقت به إلـى دم يحيى وهو علـى تراب كثـير، فقتل علـيه حتـى سكن سبعين ألفـا وامرأة فلـما سكن الدم قالت له: كفّ يدك، فإن الله تبـارك وتعالـى إذا قتل نبـيّ لـم يرض، حتـى يقتل من قتله، ومن رضي قتله، وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته، فكفّ عنه وعن أهل بـيته، وخرّب بـيت الـمقدس، وأمر به أن تطرح فـيه الـجيف، وقال: من طرح فـيه جيفة فله جزيته تلك السنة، وأعانه علـى خرابه الروم من أجل أن بنـي إسرائيـل قتلوا يحيى، فلـما خرّبه بختنصر ذهب معه بوجوه بنـي إسرائيـل وأشرافهم، وذهب بدانـيال وعلـياً وعزارياً وميشائيـل، هؤلاء كلهم من أولاد الأنبـياء وذهب معه برأس جالوت فلـما قدم أرض بـابل وجد صحابـين قد مات، فملك مكانه، وكان أكرم الناس علـيه دانـيال وأصحابه، فحسدهم الـمـجوس علـى ذلك، فوشوا بهم إلـيه وقالوا: إن دانـيال وأصحابه لا يعبدون إلهك، ولا يأكلون من ذبـيحتك، فدعاهم فسألهم، فقالوا: أجل إن لنا ربـاً نعبده، ولسنا نأكل من ذبـيحتكم، فأمر بخدّ فخدّ لهم، فألقوا فـيه وهم ستة، وألقـى معهم سبعا ضارياً لـيأكلهم، فقال: انطلقوا فلنأكل ولنشرب، فذهبوا فأكلوا وشربوا، ثم راحوا فوجدوهم جلوساً والسبع مفترش ذراعيه بـينهم، ولـم يخدش منهم أحداً، ولـم ينكأه شيئاً، ووجدوا معهم رجلاً، فعدّوهم فوجدوهم سبعة، فقالوا: ما بـال هذا السابع إنـما كانوا ستة؟ فخرج إلـيهم السابع، وكان ملَكا من الـملائكة، فلطمه لطمة فصار فـي الوحش، فكان فـيهم سبع سنـين، لا يراه وحشيّ إلاَّ أتاه حتـى ينكحه، يقتصّ منه ما كان يصنع بـالرجال ثم إنه رجع ورد الله علـيه مُلكه، فكانوا أكرم خـلق الله علـيه. ثم إن الـمـجوس وَشَوا به ثانـية، فألقوا أسداً فـي بئر قد ضَرِي، فكانوا يـلقون إلـيه الصخرة فـيأخذها، فألقوا إلـيه دانـيال، فقام الأسد فـي جانب، وقام دانـيال فـي جانب لا يـمسه، فأخرجوه، وقد كان قبل ذلك خدّ لهم خدّا، فأوقد فـيه ناراً، حتـى إذا أججها قذفهم فـيها، فأطفأها الله علـيهم ولـم ينلهم منها شيء. ثم إن بختنصر رأى بعد ذلك فـي منامه صنـماً رأسه من ذهب، وعنقه من شَبَه، وصدره من حديد، وبطنه أخلاط ذهب وفضة وقوارير، ورجلاه من فخار فبـينا هو قائم ينظر، إذ جاءت صخرة من السماء من قِبَل القبلة، فكسرت الصنـم فجعلته هشيـماً، فـاستـيقظ فزعاً وأُنسيها، فدعا السحرة والكهنة، فسألهم، فقال: أخبرونـي عما رأيت فقالوا له: لا، بل أنت أخبرنا ما رأيت فنعبره لك. قال: لا أدري، قالوا له: فهؤلاء الفتـية الذين تكرمهم، فـادعهم فـاسألهم، فإن هم لـم يخبروك بـما رأيت فما تصنع بهم؟ قال: أقتلهم فأرسل إلـى دانـيال وأصحابه، فدعاهم، فقال لهم: أخبرونـي ماذا رأيت؟ فقال له دانـيال: بل أنت أخبرنا ما رأيت فنعبره لك قال: لا أدري قد نسيتها فقال له دانـيال: كيف نعلـم رؤيا لـم تـخبرنا بها؟ فأمر البوّاب أن يقتلهم، فقال دانـيال للبوّاب: إن الـملك إنـما أمر بقتلنا من أجل رؤياه، فأخِّرنا ثلاثة أيام، فإن نـحن أخبرنا الـملك برؤياه وإلا فـاضرب أعناقنا فأجَّلهم فدعوا الله فلـما كان الـيوم الثالث أبصر كل رجل منهم رؤيا بختنصر علـى حدة، فأتوا البوّاب فأخبروه، فدخـل علـى الـملك فأخبره، فقال: أدخـلهم علـيّ وكان بختنصر لا يعرف من رؤياه شيئاً، إلا شيئاً يذكرونه، فقالوا له: أنت رأيت كذا وكذا، فقصوها علـيه، فقال: صدقتـم قالوا: نـحن نعبرها لك. أما الصنـم الذي رأيت رأسه من ذهب، فإنه ملك حسن مثل الذهب، وكان قد ملك الأرض كلها وأما العنق من الشَّبَه، فهو ملك ابنك بعدك، يـملك فـيكون ملكه حسناً، ولا يكون مثل الذهب وأما صدره الذي من حديد فهو ملك أهل فـارس، يـملكون بعدك ابنك، فـيكون ملكهم شديداً مثل الـحديد وأما بطنه الأخلاط، فإنه يذهب ملك أهل فـارس، ويتنازع الناس الـملك فـي كلّ قرية، حتـى يكون الـملك يـملك الـيوم والـيومين، والشهر والشهرين، ثم يُقتل، فلا يكون للناس قوام علـى ذلك، كما لـم يكن للصنـم قوام علـى رجلـين من فخار فبـينـما هم كذلك، إذ بعث الله تعالـى نبـياً من أرض العرب، فأظهره علـى بقـية مُلك أهل فـارس، وبقـية مُلك ابنك وملكك، فدمره وأهلكه حتـى لا يبقـى منه شيء، كما جاءت الصخرة فهدمت الصنـم فعطف علـيهم بختنصر فأحبهم. ثم إن الـمـجوس وشوا بدانـيال، فقالوا: إن دانـيال إذا شرب الـخمر لـم يـملك نفسه أن يبول، وكان ذلك فـيهم عاراً، فجعل لهم بختنصر طعاماً، فأكلوا وشربوا، وقال للبوّاب: انظر أوّل من يخرج علـيك يبول، فـاضربه بـالطبرزين، وإن قال: أنا بختنصر، فقل: كذبت، بختنصر أمرنـي. فحبس الله عن دانـيال البول، وكان أوّل من قام من القوم يريد البول بختنصر، فقام مدلاً، وكان ذلك لـيلاً، يسحب ثـيابه فلـما رآه البوّاب شدّ علـيه، فقال: أنا بختنصر، فقال: كذبت، بختنصر أمرنـي أن أقتل أوّل من يخرج، فضربه فقتله.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي الـمعلـى، قال: سمعت سعيد بن جبـير، قال: بعث الله علـيهم فـي الـمرّة الأولـى سنجاريب. قال: فردّ الله لهم الكرّة علـيهم، كما قال قال: ثم عصوا ربهم وعادوا لـما نهوا عنه، فبعث علـيهم فـي الـمرّة الآخرة بختنصر، فقتل الـمقاتلة، وسبى الذرّية، وأخذ ما وجد من الأموال، ودخـلوا بـيت الـمقدس، كما قال الله عزّ وجلّ: {وَلِـيَدْخُـلُوا الـمَسْجدَ كمَا دَخَـلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وَلـيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِـيراً} دخـلوه فتبَّروه وخرّبوه وألقوا فـيه ما استطاعوا من العذرة والـحيض والـجيف والقذر، فقال الله {عَسَى رَبُّكُمْ أنْ يَرْحَمَكُمْ وَإنْ عُدْتُـمْ عُدْنا} فرحمهم فردّ إلـيهم ملكهم وخـلص من كان فـي أيديهم من ذرّية بنـي إسرائيـل، وقال لهم: إن عدتـم عدنا. فقال أبو الـمعلـى، ولا أعلـم ذلك، إلاَّ من هذا الـحديث، ولـم يَعِدهم الرجعة إلـى ملكهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فإذَا جاء وَعْدُ الآخرَةِ لـيَسُوءُوا وُجوهَكمْ} قال: بعث الله ملك فـارس ببـابل جيشاً، وأمر علـيهم بختنصر، فأتوا بنـي إسرائيـل، فدمروهم، فكانت هذه الآخرة ووعدها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: ثنـي يعلـى بن مسلـم، عن سعيد بن جبـير، قال: لـما ضرب لبختنصر الـملك بجرانه، قال: ثلاثة فمن استأخر منكم بعدها فلـيـمش إلـى خشبته، فغزا الشام، فذلك حين قتل وأخرب بـيت الـمقدس، ونزع حلـيته، فجعلها آنـية لـيشرب فـيها الـخمور، وخواناً يأكل علـيه الـخنازير، وحمل التوراة معه، ثم ألقاها فـي النار، وقدم فـيـما قدم به مئة وصيف منهم دانـيال وعزرياً وحنانـياً ومشائيـل، فقال لإنسان: أصلـح لـي أجسام هؤلاء لعلـي أختار منهم أربعة يخدموننـي، فقال دانـيال لأصحابه: إنـما نصروا علـيكم بـما غيرتـم من دين آبـائكم، لا تأكلوا لـحم الـخنزير، ولا تشربوا الـخمر، فقالوا للذي يصلـح أجسامهم: هل لك أن تطعمنا طعاماً، هو أهون علـيك فـي الـمؤونة مـما تطعم أصحابنا، فإن لـم نسمن قبلهم رأيت رأيك، قال: ماذا؟ قال: خبز الشعير والكرّاث، ففعل فسمنوا قبل أصحابهم، فأخذهم بختنصر يخدمونه فبـينـما هم كذلك، إذ رأى بختنصر رؤيا، فجلس فنسيها فعاد فرقد فرآها، فقام فنسيها، ثم عاد فرقد فرآها، فخرج إلـى الـحجرة، فنسيها فلـما أصبح دعا العلـماء والكهَّان، فقال: أخبرونـي بـما رأيت البـارحة، وأوّلوا لـي رؤياي، وإلا فلـيـمش كل رجل منكم إلـى خشبته، موعدكم ثالثة. فقالوا: هذا لو أخبرنا برؤياه وذكر كلاما لـم أحفظه، قال: وجعل دانـيال كلـما مرّ به أحد من قرابته يقول: لو دعانـي الـملك لأخبرته برؤياه، ولأوّلتها له، قال: فجعلوا يقولون: ما أحمق هذا الغلام الإسرائيـلـي إلـى أن مرّ به كهل، فقال له ذلك، فرجع إلـيه فأخبره، فدعاه فقال: ماذا رأيت؟ قال: رأيت تـمثالاً، قال: إيه، قال: ورأسه من ذهب، قال: إيه، قال: وعنقه من فضة، قال: إيه، قال: وصدره من حديد، قال: إيه، قال: وبطنه من صُفر، قال: إيه، قال: ورجلاه من آنُك، قال: إيه، قال: وقدماه من فخار، قال: هذا الذي رأيت؟ قال: إيه، قال: فجاءت حصاة فوقعت فـي رأسه، ثم فـي عنقه، ثم فـي صدره، ثم فـي بطنه، ثم فـي رجلـيه، ثم فـي قدميه، قال: فأهلكته. قال: فما هذا؟ قال: أما الذهب فإنه ملكك، وأما الفضة فملك ابنك من بعدك، ثم ملك ابن ابنك، قال: وأما الفخار فملك النساء، فكساه جبة ترثون، وسوَّره وطاف به فـي القرية، وأجاز خاتـمه فلـما رأت ذلك فـارس، قالوا: ما الأمر إلا أمر هذا الإسرائيـلـي، فقالوا: ائتوه من نـحو الفتـية الثلاثة، ولا تذكروا له دانـيال، فإنه لا يصدقكم علـيه، فأتوه، فقالوا: إن هؤلاء الفتـية الثلاثة لـيسوا علـى دينك، وآية ذلك أنك إن قرّبت إلـيهم لـحم الـخنزير والـخمر لـم يأكلوا ولـم يشربوا فأمر بحطب كثـير فوضع، ثم أرقاهم علـيه، ثم أوقد فـيه ناراً، ثم خرج من آخر اللـيـل يبول، فإذا هم يتـحدّثون، وإذا معهم رابع يروح علـيهم يصلـي، قال: من هذا يا دانـيال؟ قال: هذا جبريـل، إنك ظلـمتهم، قال: ظلـمتهم مُرْ بهم ينزلوا فأمر بهم فنزلوا، قال: ومسخ الله تعالـى بختنصر من الدوابّ كلها، فجعل من كلّ صنف من الدوابّ رأسه رأس سبع من السبـاع الأسد، ومن الطير النسر، وملك ابنه فرأى كفـا خرجت بـين لوحين، ثم كتبت سطرين، فدعا الكهان والعلـماء فلـم يجدوا لهم فـي ذلك علـما، فقالت له أمه: إنك لو أعدت إلـى دانـيال منزلته التـي كانت له من أبـيك أخبرك، وكان قد جفـاه، فدعاه، فقال: إنـي معيد إلـيك منزلتك من أبـي، فأخبرنـي ما هذان السطران؟ قال: أما أن تعيد إلـيّ منزلتـي من أبـيك، فلا حاجة لـي بها، وأما هذان السطران فإنك تقتل اللـيـلة، فأخرج من فـي القصر أجمعين، وأمر بقـفله، فأقـفلت الأبواب علـيه، وأدخـل معه آمنَ أهل القرية فـي نفسه معه سيف، فقال: من جاءك من خـلق الله فـاقتله، وإن قال أنا فلان وبعث الله علـيه البطن، فجعل يـمشي حتـى كان شطر اللـيـل، فرقد ورقد صاحبه ثم نبهه البطن، فذهب يـمشي والآخر نائم، فرجع فـاستـيقظ به، فقال له: أنا فلان، فضربه بـالسيف فقتله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنْ أحْسَنْتُـمْ أحْسَنْتُـمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإنْ أسأْتُـمْ فَلَها فإذا جاءَ وَعْدُ الآخِرَة}ِ آخر العقوبتـين {لِـيَسُوءُوا وُجوهَكمْ وَلِـيَدْخُـلُوا الـمَسْجدَ كمَا دَخَـلُوهُ أوَّل مَرَّةٍ} كما دخـله عدوّهم قبل ذلك {وَلـيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِـيراً} فبعث الله علـيهم فـي الآخرة بختنصر الـمـجوسي البـابلـي، أبغض خـلق الله إلـيه، فسبـا وقتل وخرّب بـيت الـمقدس، وسامهم سوء العذاب.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: {فإذَا جاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ} من الـمرتـين {لِـيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} قال: لـيقبحوا وجوهكم {وَلـيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِـيراً} قال: يدمِّروا ما علوا تدميراً، قال: هو بختنصر، بعثه الله علـيهم فـي الـمرّة الآخرة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: فلـما أفسدوا بعث الله علـيهم فـي الـمرّة الآخرة بختنصر، فخرّب الـمساجد وتبَّرما علوا تتبـيراً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، قال: فـيـما بلغنـي، استـخـلف الله علـى بنـي إسرائيـل بعد ذلك، يعنـي بعد قتلهم شعياء رجلاً منهم يقال له: ناشة بن آموص، فبعث الله الـخضر نبـيا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما قد بلغنـي يقول:

إنَّـمَا سُمّيَ الـخَضِرُ خَضِراً، لأنَهُ جَلَسَ عَلـى فَرْوَةٍ بَـيْضَاءَ، فَقامَ عَنْها وَهيَ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ قال: واسم الـخضر فـيـما كان وهب بن منبه يزعم عن بنـي إسرائيـل: أرمياً بن حلفـيا، وكان من سبط هارون بن عمران.

حدثنـي مـحمد بن سهل بن عسكر، ومـحمد بن عبد الـملك بن زنـجويه، قالا: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنا ابن عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه. وحدثنا ابن حميد قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق عمن لايتهم، عن وهب بن منبه الـيـمانـي، واللفظ لـحديث ابن حميد أنه كان يقول: قال الله تبـارك وتعالـى لإرميا حين بعثه نبـياً إلـى بنـي إسرائيـل: يا إرميا من قبل أن أخـلقك اخترتك، ومن قبل أن أصوّرك فـي بطن أمك قدَّستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهَّرتك، ومن قبل أن تبلغ السعي نبأتك، ومن قبل أن تبلغ الأشدّ اخترتك، ولأمر عظيـم اختبأتك فبعث الله إرمياً إلـى ذلك الـملك من بنـي إسرائيـل يسدّده ويرشده، ويأتـيه بـالـخبر من الله فـيـما بـينه وبـين الله قال: ثم عظمت الأحداث فـي بنـي إسرائيـل، وركبوا الـمعاصي، واستـحلُّوا الـمـحارم، ونَسوا ما كان الله تعالـى صنع بهم، وما نـجاهم من عدوّهم سنـجاريب وجنوده. فأوحى الله تعالـى إلـى إرمياء: أن ائت قومك من بنـي إسرائيـل، واقصص علـيهم ما آمرك به، وذكِّرهم نعمتـي علـيهم، وعرّفهم أحداثهم، فقال إرمياء: إنـي ضعيف إن لـم تقوّنـي، وعاجز إن لـم تبلِّغنـي، ومخطىء إن لـم تسدّدنـي، ومخذول إن لـم تنصرنـي، وذلـيـل إن لـم تعزَّنـي. قال: الله تبـارك وتعالـى: أوَ لـم تعلـم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتـي، وأن القلوب كلها والألسنة بـيدي، أقلبها كيف شئت، فتطيعنـي، وإنـي أنا الله الذي لا شيء مثلـي، قامت السموات والأرض وما فـيهنّ بكلـمتـي، وأنا كلَّـمت البحار، ففهمت قولـي، وأمرتها فعقلت أمري، وحدَدت علـيها بـالبطحاء فلا تَعدَّي حدّي، تأتـي بأمواج كالـجبـال، حتـى إذا بلغت حدّي ألبستها مذلَّة طاعتـي خوفـاً واعترافـاً لأمري إنـي معك، ولن يصل إلـيك شيء معي، وإن بعثتك إلـى خـلق عظيـم من خـلقـي، لتبلغهم رسالاتـي، ولتستـحق بذلك مثل أجر من تبعك منهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، وإن تقصِّر عنها فلك مثل وزر من تركب فـي عماه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً انطلق إلـى قومك فقل: إن الله ذكر لكم صلاح آبـائكم، فحمله ذلك علـى أن يستتـيبكم يا معشر الأبناء، وسلهم كيف وجد آبـاؤهم مغبَّة طاعتـي، وكيف وجدوا هم مغبَّة معصيتـي، وهل علـموا أن أحدا قبلهم أطاعنـي فشقـي بطاعتـي، أو عصانـي فسعد بـمعصيتـي، فإن الدّوابّ مـما تذكر أوطانها الصالـحة، فتنتابها، وإن هؤلاء القوم قد رتعوا فـي مروج الهَلَكة. أما أحبـارهم ورهبـانهم فـاتـخذوا عبـادي خوَلاً لـيعبدوهم دونـي وتـحكَّموا فـيهم بغير كتابـي حتـى أجهلوهم أمري، وأنسوهم ذكري، وغروهم منـي. أما أمراؤهم وقاداتهم فبطروا نعمتـي، وأمنوا مكري، ونبذوا كتابـي، ونسوا عهدي، وغيروا سنتـي، فـادّان لهم عبـادي بـالطاعة التـي لا تنبغي إلا لـي، فهم يطيعونهم فـي معصيتـي، ويتابعونهم علـى البدع التـي يبتدعون فـي دينـي جراءة علـيّ وغرّة وفِرْية علـيّ وعلـى رسلـي، فسبحان جلالـي وعلوّ مكانـي، وعظم شأنـي، فهل ينبغي لبشر أن يُطاع فـي معصيتـي، وهل ينبغي لـي أن أخـلق عبـاداً أجعلهم أربـابـاً من دونـي. وأما قرّاؤهم وفقهاؤهم فـيتعبدون فـي الـمساجد، ويتزيَّنون بعمارتها لغيري، لطلب الدنـيا بـالدين، ويتفقَّهون فـيها لغير العلـم، ويتعلَّـمون فـيها لغير العمل. وأما أولاد الأنبـياء، فمكثرون مقهورون مغيِّرون، يخوضون مع الـخائضين، ويتـمنَّون علـيّ مثل نُصرة آبـائهم والكرامة التـي أكرمتهم بها، ويزعمون أن لا أحدَ أولـى بذلك منهم منـي بغير صدق ولا تفكر ولا تدبُّر، ولا يذكرون كيف كان صبر آبـائهم لـي، وكيف كان جِدّهم فـي أمري حين غير الـمغيِّرون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم، فصبروا وصَدَقوا حتـى عزّ أمري، وظهر دينـي، فتأنَّـيت بهؤلاء القوم لعلهم يستـجيبون، فأطْوَلت لهم، وصفحت عنهم، لعلهم يرجعون، فأكثرت ومددت لهم فـي العمر لعلهم يتذكرون، فأعذرت فـي كل ذلك، أمطر علـيهم السماء، وأنبت لهم الأرض، وألبسهم العافـية وأظهرهم علـى العدوّ فلا يزدادون إلا طغياناً وبُعداً منـي، فحتـى متـى هذا؟ أبـي يتـمرّسون أم إياي يخادعون؟ وإنـي أحلف بعزّتـي لأقـيضنّ لهم فتنة يتـحيرُ فـيها الـحلـيـم، ويضلّ فـيها رأي ذي الرأي، وحكمة الـحكيـم، ثم لأسلطنّ علـيهم جبـاراً قاسياً عاتـياً، ألبسه الهيبة، وأنتزع من صدره الرأفة والرحمة والبـيان، يتبعه عدد وسواد مثل سواد اللـيـل الـمظلـم، له عساكر مثل قطع السحاب، ومراكب أمثال العجاج، كأن خفـيق راياته طيران النسور، وأن حملة فُرسانه كوبر العقبـان. ثم أوحى الله إلـى إرميا: إنـي مهلك بنـي إسرائيـل بـيافث، ويافث أهل بـابل، وهم من ولد يافث بن نوح. ثم لـما سمع إرمياً وحي ربه صاح وبكى وشقّ ثـيابه، ونبذَ الرماد علـى رأسه وقال: ملعون يوم ولدت فـيه، ويوم لقـيت التوراة، ومن شرّ أيامي يوم ولدت فـيه، فما أُبقـيت آخر الأنبـياء إلا لـما هو أشرّ علـيّ لو أراد بـي خيراً ما جعلنـي آخر الأنبـياء من بنـي إسرائيـل، فمن أجلـي تصيبهم الشِّقوة والهلاك فلـما سمع الله تضرّع الـخضر وبكاءه، وكيف يقول، ناداه: يا إرميا أشقّ ذلك علـيك فـيـما أوحيت لك؟ قال: نعم يا ربّ أهلكْنـي قبل أن أرى فـي بنـي إسرائيـل ما لا أسرّ به فقال الله: وعزّتـي العزيزة لا أهلك بـيت الـمقدس وبنـي إسرائيـل حتـى يكون الأمر من قِبَلك فـي ذلك ففرح عند ذلك إرميا لـما قال له ربه، وطابت نفسه، وقال: لا، والذي بعث موسى وأنبـياءه بـالـحقّ لا آمر ربـي بهلاك بنـي إسرائيـل أبدا ثم أتـى ملك بنـي إسرائيـل فأخبره ما أوحى الله إلـيه فـاستبشر وفرح وقال: إن يعذّبنا ربنا فبذنوب كثـيرة قدّمناها لأنفسنا، وإن عفـا عنا فبقدرته. ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنـين لـم يزدادوا إلا معصية وتـمادياً فـي الشرّ، وذلك حين اقترب هلاكهم فقلّ الوحي حين لـم يكونوا يتذكرون الآخرة، وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنـيا وشأُنها، فقال لهم ملكهم: يا بنـي إسرائيـل، انتهوا عما أنتـم علـيه قبل أن يـمسكم بأس الله، وقبل أن يُبعث علـيكم قوم لا رحمة لهم بكم، وإن ربكم قريب التوبة، مبسوط الـيدين بـالـخير، رحيـم بـمن تاب إلـيه. فأبَوا علـيه أن ينزِعوا عن شيء مـما هم علـيه وإن الله قد ألقـى فـي قلب بختنصر بن سور زاذان بن سنـجاريب بن دارياس بن نـمرود بن فـالـخ بن عابر بن نـمرود صاحب إبراهيـم الذي حاجَّه فـي ربه، أن يسير إلـى بـيت الـمقدس، ثم يفعل فـيه ما كان جدّه سنـحاريب أراد أن يفعل، فخرج فـي ستّ مئة ألف راية يريد أهل بـيت الـمقدس فلـما فصل سائرا أتـى ملك بنـي إسرائيـل الـخبر أن بختنصر قد أقبل هو وجنوده يريدكم، فأرسل الـملك إلـى إرميا، فجاءه فقال: يا إرميا أين ما زعمت لنا أن ربك أوحى إلـيك أن لا يهلك أهل بـيت الـمقدس، حتـى يكون منك الأمر فـي ذلك؟ فقال إرميا للـملك: إن ربـي لايخـلف الـميعاد، وأنا به وائق. فلـما اقترب الأجل ودنا انقطاع ملكهم وعزم الله علـى هلاكهم، بعث الله مَلَكا من عنده، فقال له: اذهب إلـى إرميا فـاسَتْفتِه، وأمَرَه الذي يُستفتَـى فـيه فأقبل إلـى إرمياء، وكان قد تـمثَّل له رجلاً من بنـي إسرائيـل، فقال له إرميا: من أنت؟ قال: رجل من بنـي إسرائيـل أستفتـيك فـي بعض أمري فأذن له، فقال له الـمَلَك: يا نبـيّ الله أتـيتك أستفتـيك فـي أهل رحمي، وصلت أرحامهم بـما أمرنـي الله به، لـم آت إلـيهم إلا حسنا، ولـم آلُهم كرامة، فلا تزيدهم كرامتـي إياهم إلا إسخاطاً لـي، فأفتنـي فـيهم يا نبـيّ الله فقال له: أحسن فـيـما بـينك وبـين الله، وصل ما أمرك الله أن تصل، وأبشر بخير وانصرف عنه. فمكث أياما، ثم أقبل إلـيه فـي صورة ذلك الذي جاءه، فقعد بـين يديه، فقال له إرميا: من أنت؟ قال: أنا الرجل الذي أتـيتك أستفتـيك فـي شأن أهلـي، فقال له نبـيّ الله: أَوَ ما ظهرت لك أخلاقهم بعد، ولـم تر منهم الذي تـحبّ؟ فقال: يا نبـيّ الله، والذي بعثك بـالـحقّ ما أعلـم كرامة يأتـيها أحد من الناس لأهل رحمه إلا قد أتـيتها إلـيهم وأفضل من ذلك، فقال النبـيّ: ارجع إلـى أهلك فأحسن إلـيهم، أسأل الله الذي يصلـح عبـاده الصالـحين أن يصلـح ذات بـينكم، وأن يجمعكم علـى مرضاته، ويجنبكم سخطه فقال الـمَلك من عنده، فلبث أياما وقد نزل بختنصر وجنوده حول بـيت الـمقدس، ومعه خلائق من قومه كأمثال الـجراد، ففزع منهم بنو إسرائيـل فزعاً شديداً، وشق ذلك علـى ملك بنـي إسرائيـل، فدعا إرميا، فقال: يا نبـيّ الله أين ما وعدك الله؟ فقال: إنـي بربـي واثق. ثم إن الـملك أقبل إلـى إرميا وهو قاعد علـى جدار بـيت الـمقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده، فقعد بـين يديه فقال له إرميا: من أنت؟ قال: أنا الذي كنت أتـيتك فـي شأن أهلـي مرّتـين، فقال له النبـيّ: أَوَ لَـم يأنِ لهم أن يـمتنعوا من الذي هم فـيه مقـيـمون علـيه؟ فقال له الـملك: يا نبـيّ الله، كلّ شيء كان يصيبنـي منهم قبل الـيوم كنت أصبر علـيه، وأعلـم أن مأربهم فـي ذلك سخطي فلـما أتـيتهم الـيوم رأيتهم فـي عمل لا يرضي الله ولا يحبه الله عزّ وجلّ. فقال له نبـيّ الله: علـى أيّ عمل رأيتهم؟ قال: يا نبـيّ الله رأيتهم علـى عمل عظيـم من سخط الله، فلو كانوا علـى مثل ما كانوا علـيه قبل الـيوم لـم يشتدّ علـيهم غضبـي، وصبرت لهم ورجوتهم، ولكن غضبت الـيوم لله ولك، فأتـيتك لأخبرك خبرهم، وإنـي أسألك بـالله الذي بعثك بـالـحقّ إلا ما دعوت علـيهم ربك أن يهلكهم فقال إرميا: يا مالك السموات والأرض، إن كانوا علـى حقّ وصواب فأبقهم، وإن كانوا علـى سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم. فما خرجت الكلـمة مِن فـي إرميا حتـى أرسل الله صاعقة من السماء فـي بـيت الـمقدس، فـالتهب مكان القربـان، وخسف بسبعة أبواب من أبوابها فلـما رأى ذلك إرميا صاح وشقّ ثـيابه، ونبذ الرماد علـى رأسه وقال: يا ملك السموات والأرض بـيدك ملكوت كلّ شيء وأنت أرحم الراحمين أين ميعادك الذي وعدتنـي؟ فنودي إرميا: إنهم لـم يصبهم الذي أصابهم إلا بفتـياك التـي أفتـيت بها رسولنا فـاستـيقن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنها فتـياه التـي أفتـى بها ثلاث مرّات، وأنه رسول ربه. ثم إن إرميا طار حتـى خالط الوحش، ودخـل بختنصر وجنوده بـيت الـمقدس، فوطىء الشام، وقتل بنـي إسرائيـل حتـى أفناهم، وخرّب بـيت الـمقدس، أمر جنوده أن يـملأ كلّ رجل منهم ترسه ترابـا ثم يقذفه فـي بـيت الـمقدس، فقذفوا فـيه التراب حتـى ملأوه، ثم انصرف راجعاً إلـى أرض بـابل، واحتـمل معه سبـايا بنـي إسرائيـل، وأمرهم أن يجمعوا من كان فـي بـيت الـمقدس كلهم، فـاجتـمع عنده كلّ صغير وكبـير من بنـي إسرائيـل، فـاختار منهم سبعين ألف صبـيّ فلـما خرجت غنائم جنده، وأراد أن يقسمها فـيهم، قالت له الـملوك الذين كانوا معه: أيها الـملك لك غنائمنا كلها، واقسم بـيننا هؤلاء الصبـيان الذين اخترتهم من بنـي إسرائيـل، ففعل، وأصاب كلّ رجل منهم أربعة أغلـمة، وكان من أولئك الغلـمان دانـيال وحنانـيا وعزاريا وميشائيـل وسبعة آلاف من أهل بـيت داود، وأحد عشر ألفـاً من سبط يوسف بن يعقوب، وأخيه بنـيامين، وثمانـية آلاف من سبط أسر بن يعقوب، وأربعة عشر ألفـاً من سبط بـالون بن يعقوب ونفثالـي بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط روبـيـل ولاوي ابنـي يعقوب. ومن بقـى من بنـي إسرائيـل، وجعلهم بختنصر ثلاث فرق، فثلثا أَقَرّ بـالشام، وثلثا سبى، وثلثاً قتل وذهب بآنـية بـيت الـمقدس حتـى أقدمها بـابل، وذهب بـالصبـيان السبعين الألف حتـى أقدمهم بـابل، فكانت هذه الوقعة الأولـى التـي أنزل الله ببنـي إسرائيـل بـاحداثهم وظلـمهم. فلـما ولَّـي بختنصر عنهم راجعاً إلـى بـابل بـمن معه من سبـايا بنـي إسرائيـل، أقبل أرميا علـى حمار له معه عصير ثم ذكر قصته حين أماته الله مئة عام، ثم بعثه، ثم خبر رؤيا بختنصر وأمر دانـيال، وهلاك بختنصر، ورجوع من بقـي من بنـي إسرائيـل فـي أيدي أصحاب بختنصر بعد هلاكه إلـى الشام، وعمارة بـيت الـمقدس، وأَمْرَ عُزيرَ وكيف ردّ الله علـيه التوراة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة عن ابن إسحاق، قال:

حدثنـي مـحمد بن سهل بن عسكر، ومـحمد بن عبد الـملك بن زنـجويه، قالا: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنا ابن عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه. وحدثنا ابن حميد قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق عمن لايتهم، عن وهب بن منبه الـيـمانـي، واللفظ لـحديث ابن حميد أنه كان يقول: قال الله تبـارك وتعالـى لإرميا حين بعثه نبـيا إلـى بنـي إسرائيـل: يا إرميا من قبل أن أخـلقك اخترتك، ومن قبل أن أصوّرك فـي بطن أمك قدَّستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهَّرتك، ومن قبل أن تبلغ السعي نبأتك، ومن قبل أن تبلغ الأشدّ اخترتك، ولأمر عظيـم اختبأتك فبعث الله إرميا إلـى ذلك الـملك من بنـي إسرائيـل يسدّده ويرشده، ويأتـيه بـالـخبر من الله فـيـما بـينه وبـين الله قال: ثم عظمت الأحداث فـي بنـي إسرائيـل، وركبوا الـمعاصي، واستـحلُّوا الـمـحارم، ونَسوا ما كان الله تعالـى صنع بهم، وما نـجاهم من عدوّهم سنـجاريب وجنوده. فأوحى الله تعالـى إلـى إرمياء: أن ائت قومك من بنـي إسرائيـل، واقصص علـيهم ما آمرك به، وذكِّرهم نعمتـي علـيهم، وعرّفهم أحداثهم، فقال إرمياء: إنـي ضعيف إن لـم تقوّنـي، وعاجز إن لـم تبلِّغنـي، ومخطىء إن لـم تسدّدنـي، ومخذول إن لـم تنصرنـي، وذلـيـل إن لـم تعزَّنـي. قال: الله تبـارك وتعالـى: أوَ لـم تعلـم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتـي، وأن القلوب كلها والألسنة بـيدي، أقلبها كيف شئت، فتطيعنـي، وإنـي أنا الله الذي لا شيء مثلـي، قامت السموات والأرض وما فـيهنّ بكلـمتـي، وأنا كلَّـمت البحار، ففهمت قولـي، وأمرتها فعقلت أمري، وحدَدت علـيها بـالبطحاء فلا تَعدَّي حدّي، تأتـي بأمواج كالـجبـال، حتـى إذا بلغت حدّي ألبستها مذلَّة طاعتـي خوفـا واعترافـا لأمري إنـي معك، ولن يصل إلـيك شيء معي، وإن بعثتك إلـى خـلق عظيـم من خـلقـي، لتبلغهم رسالاتـي، ولتستـحق بذلك مثل أجر من تبعك منهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، وإن تقصِّر عنها فلك مثل وزر من تركب فـي عماه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً انطلق إلـى قومك فقل: إن الله ذكر لكم صلاح آبـائكم، فحمله ذلك علـى أن يستتـيبكم يا معشر الأبناء، وسلهم كيف وجد آبـاؤهم مغبَّة طاعتـي، وكيف وجدوا هم مغبَّة معصيتـي، وهل علـموا أن أحدا قبلهم أطاعنـي فشقـي بطاعتـي، أو عصانـي فسعد بـمعصيتـي، فإن الدّوابّ مـما تذكر أوطانها الصالـحة، فتنتابها، وإن هؤلاء القوم قد رتعوا فـي مروج الهَلَكة. أما أحبـارهم ورهبـانهم فـاتـخذوا عبـادي خوَلاً لـيعبدوهم دونـي وتـحكَّموا فـيهم بغير كتابـي حتـى أجهلوهم أمري، وأنسوهم ذكري، وغروهم منـي. أما أمراؤهم وقاداتهم فبطروا نعمتـي، وأمنوا مكري، ونبذوا كتابـي، ونسوا عهدي، وغيروا سنتـي، فـادّان لهم عبـادي بـالطاعة التـي لا تنبغي إلا لـي، فهم يطيعونهم فـي معصيتـي، ويتابعونهم علـى البدع التـي يبتدعون فـي دينـي جراءة علـيّ وغرّة وفِرْية علـيّ وعلـى رسلـي، فسبحان جلالـي وعلوّ مكانـي، وعظم شأنـي، فهل ينبغي لبشر أن يُطاع فـي معصيتـي، وهل ينبغي لـي أن أخـلق عبـاداً أجعلهم أربـابـاً من دونـي. وأما قرّاؤهم وفقهاؤهم فـيتعبدون فـي الـمساجد، ويتزيَّنون بعمارتها لغيري، لطلب الدنـيا بـالدين، ويتفقَّهون فـيها لغير العلـم، ويتعلَّـمون فـيها لغير العمل. وأما أولاد الأنبـياء، فمكثرون مقهورون مغيِّرون، يخوضون مع الـخائضين، ويتـمنَّون علـيّ مثل نُصرة آبـائهم والكرامة التـي أكرمتهم بها، ويزعمون أن لا أحدَ أولـى بذلك منهم منـي بغير صدق ولا تفكر ولا تدبُّر، ولا يذكرون كيف كان صبر آبـائهم لـي، وكيف كان جِدّهم فـي أمري حين غير الـمغيِّرون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم، فصبروا وصَدَقوا حتـى عزّ أمري، وظهر دينـي، فتأنَّـيت بهؤلاء القوم لعلهم يستـجيبون، فأطْوَلت لهم، وصفحت عنهم، لعلهم يرجعون، فأكثرت ومددت لهم فـي العمر لعلهم يتذكرون، فأعذرت فـي كل ذلك، أمطر علـيهم السماء، وأنبت لهم الأرض، وألبسهم العافـية وأظهرهم علـى العدوّ فلا يزدادون إلا طغياناً وبُعداً منـي، فحتـى متـى هذا؟ أبـي يتـمرّسون أم إياي يخادعون؟ وإنـي أحلف بعزّتـي لأقـيضنّ لهم فتنة يتـحيرُ فـيها الـحلـيـم، ويضلّ فـيها رأي ذي الرأي، وحكمة الـحكيـم، ثم لأسلطنّ علـيهم جبـاراً قاسياً عاتـياً، ألبسه الهيبة، وأنتزع من صدره الرأفة والرحمة والبـيان، يتبعه عدد وسواد مثل سواد اللـيـل الـمظلـم، له عساكر مثل قطع السحاب، ومراكب أمثال العجاج، كأن خفـيق راياته طيران النسور، وأن حملة فُرسانه كوبر العقبـان. ثم أوحى الله إلـى إرميا: إنـي مهلك بنـي إسرائيـل بـيافث، ويافث أهل بـابل، وهم من ولد يافث بن نوح. ثم لـما سمع إرميا وحي ربه صاح وبكى وشقّ ثـيابه، ونبذَ الرماد علـى رأسه وقال: ملعون يوم ولدت فـيه، ويوم لقـيت التوراة، ومن شرّ أيامي يوم ولدت فـيه، فما أُبقـيت آخر الأنبـياء إلا لـما هو أشرّ علـيّ لو أراد بـي خيراً ما جعلنـي آخر الأنبـياء من بنـي إسرائيـل، فمن أجلـي تصيبهم الشِّقوة والهلاك فلـما سمع الله تضرّع الـخضر وبكاءه، وكيف يقول، ناداه: يا إرميا أشقّ ذلك علـيك فـيـما أوحيت لك؟ قال: نعم يا ربّ أهلكْنـي قبل أن أرى فـي بنـي إسرائيـل ما لا أسرّ به فقال الله: وعزّتـي العزيزة لا أهلك بـيت الـمقدس وبنـي إسرائيـل حتـى يكون الأمر من قِبَلك فـي ذلك ففرح عند ذلك إرميا لـما قال له ربه، وطابت نفسه، وقال: لا، والذي بعث موسى وأنبـياءه بـالـحقّ لا آمر ربـي بهلاك بنـي إسرائيـل أبدا ثم أتـى ملك بنـي إسرائيـل فأخبره ما أوحى الله إلـيه فـاستبشر وفرح وقال: إن يعذّبنا ربنا فبذنوب كثـيرة قدّمناها لأنفسنا، وإن عفـا عنا فبقدرته. ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنـين لـم يزدادوا إلا معصية وتـمادياً فـي الشرّ، وذلك حين اقترب هلاكهم فقلّ الوحي حين لـم يكونوا يتذكرون الآخرة، وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنـيا وشأُنها، فقال لهم ملكهم: يا بنـي إسرائيـل، انتهوا عما أنتـم علـيه قبل أن يـمسكم بأس الله، وقبل أن يُبعث علـيكم قوم لا رحمة لهم بكم، وإن ربكم قريب التوبة، مبسوط الـيدين بـالـخير، رحيـم بـمن تاب إلـيه. فأبَوا علـيه أن ينزِعوا عن شيء مـما هم علـيه وإن الله قد ألقـى فـي قلب بختنصر بن سور زاذان بن سنـجاريب بن دارياس بن نـمرود بن فـالـخ بن عابر بن نـمرود صاحب إبراهيـم الذي حاجَّه فـي ربه، أن يسير إلـى بـيت الـمقدس، ثم يفعل فـيه ما كان جدّه سنـحاريب أراد أن يفعل، فخرج فـي ستّ مئة ألف راية يريد أهل بـيت الـمقدس فلـما فصل سائراً أتـى ملك بنـي إسرائيـل الـخبر أن بختنصر قد أقبل هو وجنوده يريدكم، فأرسل الـملك إلـى إرميا، فجاءه فقال: يا إرميا أين ما زعمت لنا أن ربك أوحى إلـيك أن لا يهلك أهل بـيت الـمقدس، حتـى يكون منك الأمر فـي ذلك؟ فقال إرميا للـملك: إن ربـي لايخـلف الـميعاد، وأنا به وائق. فلـما اقترب الأجل ودنا انقطاع ملكهم وعزم الله علـى هلاكهم، بعث الله مَلَكا من عنده، فقال له: اذهب إلـى إرميا فـاسَتْفتِه، وأمَرَه الذي يُستفتَـى فـيه فأقبل إلـى إرمياء، وكان قد تـمثَّل له رجلاً من بنـي إسرائيـل، فقال له إرميا: من أنت؟ قال: رجل من بنـي إسرائيـل أستفتـيك فـي بعض أمري فأذن له، فقال له الـمَلَك: يا نبـيّ الله أتـيتك أستفتـيك فـي أهل رحمي، وصلت أرحامهم بـما أمرنـي الله به، لـم آت إلـيهم إلا حسناً، ولـم آلُهم كرامة، فلا تزيدهم كرامتـي إياهم إلا إسخاطا لـي، فأفتنـي فـيهم يا نبـيّ الله فقال له: أحسن فـيـما بـينك وبـين الله، وصل ما أمرك الله أن تصل، وأبشر بخير وانصرف عنه. فمكث أياما، ثم أقبل إلـيه فـي صورة ذلك الذي جاءه، فقعد بـين يديه، فقال له إرميا: من أنت؟ قال: أنا الرجل الذي أتـيتك أستفتـيك فـي شأن أهلـي، فقال له نبـيّ الله: أَوَ ما ظهرت لك أخلاقهم بعد، ولـم تر منهم الذي تـحبّ؟ فقال: يا نبـيّ الله، والذي بعثك بـالـحقّ ما أعلـم كرامة يأتـيها أحد من الناس لأهل رحمه إلا قد أتـيتها إلـيهم وأفضل من ذلك، فقال النبـيّ: ارجع إلـى أهلك فأحسن إلـيهم، أسأل الله الذي يصلـح عبـاده الصالـحين أن يصلـح ذات بـينكم، وأن يجمعكم علـى مرضاته، ويجنبكم سخطه فقال الـمَلك من عنده، فلبث أياما وقد نزل بختنصر وجنوده حول بـيت الـمقدس، ومعه خلائق من قومه كأمثال الـجراد، ففزع منهم بنو إسرائيـل فزعاً شديداً، وشق ذلك علـى ملك بنـي إسرائيـل، فدعا إرميا، فقال: يا نبـيّ الله أين ما وعدك الله؟ فقال: إنـي بربـي واثق. ثم إن الـملك أقبل إلـى إرميا وهو قاعد علـى جدار بـيت الـمقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده، فقعد بـين يديه فقال له إرميا: من أنت؟ قال: أنا الذي كنت أتـيتك فـي شأن أهلـي مرّتـين، فقال له النبـيّ: أَوَ لَـم يأنِ لهم أن يـمتنعوا من الذي هم فـيه مقـيـمون علـيه؟ فقال له الـملك: يا نبـيّ الله، كلّ شيء كان يصيبنـي منهم قبل الـيوم كنت أصبر علـيه، وأعلـم أن مأربهم فـي ذلك سخطي فلـما أتـيتهم الـيوم رأيتهم فـي عمل لا يرضي الله ولا يحبه الله عزّ وجلّ. فقال له نبـيّ الله: علـى أيّ عمل رأيتهم؟ قال: يا نبـيّ الله رأيتهم علـى عمل عظيـم من سخط الله، فلو كانوا علـى مثل ما كانوا علـيه قبل الـيوم لـم يشتدّ علـيهم غضبـي، وصبرت لهم ورجوتهم، ولكن غضبت الـيوم لله ولك، فأتـيتك لأخبرك خبرهم، وإنـي أسألك بـالله الذي بعثك بـالـحقّ إلا ما دعوت علـيهم ربك أن يهلكهم فقال إرميا: يا مالك السموات والأرض، إن كانوا علـى حقّ وصواب فأبقهم، وإن كانوا علـى سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم. فما خرجت الكلـمة مِن فـي إرميا حتـى أرسل الله صاعقة من السماء فـي بـيت الـمقدس، فـالتهب مكان القربـان، وخسف بسبعة أبواب من أبوابها فلـما رأى ذلك إرميا صاح وشقّ ثـيابه، ونبذ الرماد علـى رأسه وقال: يا ملك السموات والأرض بـيدك ملكوت كلّ شيء وأنت أرحم الراحمين أين ميعادك الذي وعدتنـي؟ فنودي إرميا: إنهم لـم يصبهم الذي أصابهم إلا بفتـياك التـي أفتـيت بها رسولنا فـاستـيقن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنها فتـياه التـي أفتـى بها ثلاث مرّات، وأنه رسول ربه. ثم إن إرميا طار حتـى خالط الوحش، ودخـل بختنصر وجنوده بـيت الـمقدس، فوطىء الشام، وقتل بنـي إسرائيـل حتـى أفناهم، وخرّب بـيت الـمقدس، أمر جنوده أن يـملأ كلّ رجل منهم ترسه ترابـاً ثم يقذفه فـي بـيت الـمقدس، فقذفوا فـيه التراب حتـى ملأوه، ثم انصرف راجعاً إلـى أرض بـابل، واحتـمل معه سبـايا بنـي إسرائيـل، وأمرهم أن يجمعوا من كان فـي بـيت الـمقدس كلهم، فـاجتـمع عنده كلّ صغير وكبـير من بنـي إسرائيـل، فـاختار منهم سبعين ألف صبـيّ فلـما خرجت غنائم جنده، وأراد أن يقسمها فـيهم، قالت له الـملوك الذين كانوا معه: أيها الـملك لك غنائمنا كلها، واقسم بـيننا هؤلاء الصبـيان الذين اخترتهم من بنـي إسرائيـل، ففعل، وأصاب كلّ رجل منهم أربعة أغلـمة، وكان من أولئك الغلـمان دانـيال وحنانـيا وعزاريا وميشائيـل وسبعة آلاف من أهل بـيت داود، وأحد عشر ألفـاً من سبط يوسف بن يعقوب، وأخيه بنـيامين، وثمانـية آلاف من سبط أسر بن يعقوب، وأربعة عشر ألفـاً من سبط بـالون بن يعقوب ونفثالـي بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط روبـيـل ولاوي ابنـي يعقوب. ومن بقـى من بنـي إسرائيـل، وجعلهم بختنصر ثلاث فرق، فثلثا أَقَرّ بـالشام، وثلثا سبى، وثلثاً قتل وذهب بآنـية بـيت الـمقدس حتـى أقدمها بـابل، وذهب بـالصبـيان السبعين الألف حتـى أقدمهم بـابل، فكانت هذه الوقعة الأولـى التـي أنزل الله ببنـي إسرائيـل بـاحداثهم وظلـمهم. فلـما ولَّـي بختنصر عنهم راجعاً إلـى بـابل بـمن معه من سبـايا بنـي إسرائيـل، أقبل أرميا علـى حمار له معه عصير ثم ذكر قصته حين أماته الله مئة عام، ثم بعثه، ثم خبر رؤيا بختنصر وأمر دانـيال، وهلاك بختنصر، ورجوع من بقـي من بنـي إسرائيـل فـي أيدي أصحاب بختنصر بعد هلاكه إلـى الشام، وعمارة بـيت الـمقدس، وأَمْرَ عُزيرَ وكيف ردّ الله علـيه التوراة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة عن ابن إسحاق، قال: ثم عمدت بنو إسرائيـل بعد ذلك يحُدِثون الأحداث، يعنـي بعد مهلك عُزيرَ، ويعود الله علـيهم، ويبعث فـيهم الرسل، ففريقا يكذّبون، وفريقاً يقتلون، حتـى كان آخر من بعث الله فـيهم من أنبـيائهم زكريا ويحيى بن زكريا وعيسى ابن مريـم، وكانوا من بـيت آل داود.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، عن عمر بن عبد الله بن عروة، عن عبد الله بن الزبـير أنه قال، وهو يحدّث عن قتل يحيى بن زكريا قال: ما قُتل يحيى بن زكريا إلا بسبب امرأة بغيّ من بغايا بنـي إسرائيـل كان فـيهم ملك، وكان يحيى بن زكريا تـحت يدي ذلك الـملك، فهمَّت ابنة ذلك الـملك بأبـيها، فقالت: لو أنـي تزوّجت بأبـي فـاجتـمع لـي سلطانه دون النساء، فقالت له: يا أبتِ تزوّجنـي ودعته إلـى نفسها، فقال لها: يا بنـية إن يحيى بن زكريا لا يحل لنا هذا، فقالت: من لـي بـيحيى بن زكريا؟ ضيَّق علـيّ، وحال بـينـي وبـين أن أتزوّج بأبـي، فأغلِبَ علـى مُلكه ودنـياه دون النساء قال: فأمرت اللعابـين ومـحلت بذلك لأجل قتل يحيى بن زكريا، فقالت: ادخـلوا علـيه فـالعبوا، حتـى إذا فرغتـم فإنه سيُحَكمكم، فقولوا: دم يحيى بن زكريا، ولا تقبلوا غيره. وكان اسم الـملك رواد، واسم ابنته البغيّ، وكان الـملك فـيهم إذا حدّث فكذب، أو وعد فأخـلف، خـلع فـاستُبدل به غيرهُ فلـما ألعبوه وكثر عجبه منهم، قال: سلونـي أعطكم، فقالوا له: نسألك دم يحيى بن زكريا أعطنا إياه قال: ويحكم سلونـي غير هذا فقالوا: لا نسألك شيئاً غيره. فخاف علـى ملكه إن هو أخـلفهم أن يُسْتـحَلّ بذلك خَـلْعه، فبعث إلـى يحيى بن زكريا وهو جالس فـي مـحرابه يصلـي، فذبحوه فـي طست ثم حزّوا رأسه، فـاحتـمله رجل فـي يده والدم يحمل فـي الطَّسْت معه. قال: فطلع برأسه يحمله حتـى وقـف به علـى الـملك، ورأسه يقول فـي يدي الذي يحمله لا يحلّ لك ذلك فقال رجل من بنـي إسرائيـل: أيها الـملك لو أنك وهبت لـي هذا الدم؟ فقال: وما تصنع به؟ قال: أطهر منه الأرض، فإنه كان قد ضيقها علـينا، فقال: أعطوه هذا الدم، فأخذه فجعله فـي قلة، ثم عمد به إلـى بـيت فـي الـمذبح، فوضع القلة فـيه، ثم أغلق علـيه، ففـار فـي القُلَّة حتـى خرج منها من تـحت البـاب من البـيت الذي هو فـيه فلـما رأى الرجل ذلك، فَظع به، فأخرجه فجعله فـي فلاة من الأرض، فجعل يفور وعظمت فـيهم الأحداث. ومنهم من يقول: أقرّ مكانه فـي القربـان ولـم يحوّل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: قال ابن إسحاق: فلـما رفع الله عيسى من بـين أظهرهم وقتلوا يحيى بن زكريا (وبعض الناس يقول: وقتلوا زكريا)، ابتعث الله علـيهم ملكا من ملوك بـابل يقال له خردوس، فسار إلـيه بأهل بـابل حتـى دخـل علـيهم الشام فلـما ظهر علـيهم أمر رأسا من رؤوس جنده يدعى نبور زاذان صاحب القتل، فقال له: إنـي قد كنت حلفت بإلهي لئن أظهرنا علـى أهل بـيت الـمقدس لأقتلنهم حتـى تسيـل دماؤهم فـي وسط عسكري، إلا أن لا أجد أحداً أقتله فأمر أن يقتلهم حتـى يبلغ ذلك منهم نبور زاذان، فدخـل بـيت الـمقدس، فقال فـي البقعة التـي كانوا يقربون فـيها قربـانهم، فوجد فـيها دما يغلـي، فسألهم فقال: يا بنـي إسرائيـل، ما شأن هذا الدم الذي يغلـي، أخبرونـي خبره ولا تكتـمونـي شيئاً من أمره؟ فقالوا: هذا دم قربـان كان لنا كنا قرّبناه فلـم يُتَقبَّل منا، فلذلك هو يغلـي كما تراه ولقد قرّبنا منذ ثمان مئة سنة القربـان فتقبِّل منا إلا هذا القربـان قال: ما صَدَقْتـمونـي الـخبر قالوا له: لو كان كأوّل زماننا لقُبل منا، ولكنه قد انقطع منا الـمُلك والنبوّة والوحي، فلذلك لـم يُتقبل منا فذبح منهم نبور زاذان علـى ذلك الدم سبع مئة وسبعين روحاً من رؤوسهم، فلـم يهدأ فأمر بسبع مئة غلام من غلـمانهم فذبحوا علـى الدم فلـم يهدأ فأمر بسبعة آلاف من شيعهم وأزواجهم، فذبحهم علـى الدم فلـم يبرد ولـم يهدأ فلـما رأى نبور زاذان أن الدم لا يهدأ قال لهم: ويْـلكم يا بنـي إسرائيـل، أصدقونـي واصبروا علـى أمر ربكم فقد طال ما ملكتـم فـي الأرض تفعلون فـيها ما شئتـم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار، لا أنثى ولا ذكرا إلا قتلته فلـما رأوا الـجهد وشدّة القتل صدقوه الـخبر، فقالوا له: إن هذا دم نبـيّ منا كان ينهانا عن أمور كثـيرة من سخط الله، فلو أطعناه فـيها لكان أرشد لنا، وكان يخبرنا بأمركم، فلـم نصدّقه، فقتلناه، فهذا دمه فقال لهم نبور زاذان: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكريا، فقال: الآنَ صَدَقْتـمونـي بـمثل هذا ينتقم ربكم منكم فلـما رأى نبور زاذان أنهم صدقوه خرّ ساجداً وقال لـمن حوله: غلقوا الأبواب، أبواب الـمدينة، وأخرجوا من كان ههنا من جيش خردوس. وخلافـي بنـي إسرائيـل ثم قال: يا يحيى بن زكريا، قد علـم ربـي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك، وما قُتل منهم من أجلك، فـاهدأ بإذن الله قبل أن لا أبقـي من قومك أحداً فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله، ورفع نبور زاذان عنهم القتل وقال: آمنت بـما آمنت به بنو إسرائيـل، وصدّقت وأيقنت أنه لا ربّ غيره، ولو كان معه آخر لـم يصلـح، ولو كان له شريك لـم تستـمسك السموات والأرض، ولو كان له ولد لـم يصلـح، فتبـارك وتقدّس، وتسبح وتكبر وتعظم، ملك الـملوك الذي له ملك السموات السبع والأرض وما فـيهنّ، وما بـينهما، وهو علـى كل شيء قدير، فله الـحلـم والعلـم والعزّة والـجبروت، وهو الذي بسط الأرض وألقـى فـيها رواسي لئلا تزول، فكذلك ينبغي لربـي أن يكون ويكون مُلكه. فأوحى الله إلـى رأس من رؤوس بقـية الأنبـياء أن نبور زاذان حَبُور صدوق والـحبور بـالعبرانـية: حديث الإيـمان. وإن نبور زاذان قال لبنـي إسرائيـل: يا بنـي إسرائيـل، إن عدوّ الله خردوس أمرنـي أن أقتل منكم حتـى تسيـل دماؤكم وسط عسكره، وإنـي لست أستطيع أن أعصيه. قالوا له: افعل ما أُمرت به. فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الـخيـل والبغال والـحمير والبقر والغنـم والإبل، فذبحها حتـى سال الدم فـي العسكر، وأمر بـالقتلـى الذين كانوا قبل ذلك، فطُرحوا علـى ما قُتل من مواشيهم حتـى كانوا فوقهم، فلـم يظنّ خردوس إلا أن ما كان فـي الـخندق من بنـي إسرائيـل. فلـما بلغ الدم عسكره، أرسل إلـى نبور زاذان أن ارفع عنهم، فقد بلغتنـي دماؤهم، وقد انتقمت منهم بـما فعلوا. ثم انصرف عنهم إلـى أرض بـابل، وقد أفنى بنـي إسرائيـل أو كاد، وهي الوقعة الآخرة التـي أنزل الله ببنـي إسرائيـل. يقول الله عزّ ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم:

{ وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ فِـي الكِتابِ لتَفْسِدُنَّ فِـي الأرْضِ مَرَّتَـيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِـيراً فإذَا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَـيْكمْ عِبـاداً لَنا أُولـي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدّيارِ وكانَ وَعْداً مَفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَـيْهِمْ وأمْدَدْناكُمْ بأمْوَالٍ وَبَنِـينَ وَجَعَلْناكُمْ أكْثَرَ نَفِـيراً إنْ أحْسَنْتُـمْ أحْسَنْتُـمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإنْ أسأْتُـمْ فَلَها فإذَا جاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لـيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِـيَدْخُـلُوا الـمَسْجدَ كمَا دَخَـلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِـيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبـيراً عَسَى رَبُّكُمْ أنْ يَرْحَمَكُمْ وَإنْ عُدْتُـمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّـمَ للكافرِينَ حَصِيراً }وعسى من الله حقّ، فكانت الوقعة الأولـى: بختنصرَ وجنوده، ثم ردّ الله لكم الكرّة علـيهم، وكانت الوقعة الآخرة خردوس وجنوده، وهي كانت أعظم الوقعتـين، فـيها كان خراب بلادهم، وقتل رجالهم، وسبى ذراريهم ونسائهم. يقول الله تبـارك وتعالـى: {وَلـيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِـيراً} ثم عاد الله علـيهم، فأكثر عددهم، ونشرهم فـي بلادهم، ثم بَدّلوا وأحدثوا الأحداث، واستبدلوا بكتابهم غيره، وركبوا الـمعاصي، واستـحلوا الـمـحارم وضيَّعوا الـحدود.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن أبـي عَتَّاب رجل من تغلب كان نصرانـياً عمراً من دهره، ثم أسلـم بعد، فقرأ القرآن، وفقه فـي الدين، وكان فـيـما ذكر أنه كان نصرانـياً أربعين سنة، ثم عُمِّر فـي الإسلام أربعين سنة. قال: كان آخر أنبـياء بنـي إسرائيـل نبـيا بعثه الله إلـيهم، فقال لهم: يا بنـي إسرائيـل إن الله يقول لكم: إنـي قد سلبت أصواتكم، وأبغضتكم بكثرة أحداثكم فهَمُّوا به لـيقتلوه، فقال الله تبـارك وتعالـى له: ائتهم واضرب لـي ولهم مثلاً، فقل لهم: إن الله تبـارك وتعالـى يقول لكم: اقضوا بـينـي وبـين كرمي ألـم أختر له البلاد، وطيبت له الـمَدَرة، وحظرته بـالسياج، وعرشته السويق والشوك والسياج والعَوْسَج، وأحطته بردائي، ومنعته من العالـم وفضَّلته، فلقـينـي بـالشوك والـجذوع، وكل شجرة لا تؤكل؟ ما لهذا اخترت البلدة، ولا طيَّبت الـمَدَرة، ولا حَظَرته بـالسِّياج، ولا عَرَشتْه السويق، ولا حُطْته بردائي، ولا منعته من العالـم فضلتكم وأتـمـمت علـيكم نعمتـي، ثم استقبلتـمونـي بكلّ ما أكره من معصيتـي وخلاف أمري لَـمَهْ إن الـحمار لـيعرف مذوده لَـمَهْ إن البقرة لتعرف سيدها وقد حلفت بعزتـي العزيزة، وبذراعي الشديد لآخذنّ ردائي، ولأمرجنّ الـحائط، ولأجعلنكم تـحت أرجل العالـم. قال: فوثبوا علـى نبـيهم فقتلوه، فضرب الله علـيهم الذلّ، ونزع منهم الـملك، فلـيسوا فـي أمة من الأمـم إلا وعلـيهم ذلّ وصغار وجزية يؤدّونها، والـملك فـي غيرهم من الناس، فلن يزالوا كذلك أبداً، ما كانوا علـى ما هم علـيه.

قال: قال: فهذا ما انتهى إلـينا من جماع أحاديث بنـي إسرائيـل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فإذَا جاءَ وَعْدُ الآخِرَة لِـيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِـيَدْخُـلُوا الـمَسْجِدَ كمَا دَخَـلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وَلِـيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِـيراً} قال: كانت الآخرة أشدّ من الأولـى بكثـير، قال: لأن الأولـى كانت هزيـمة فقط، والآخرة كان التدمير، وأحرق بختنصر التوراة حتـى لـم يبق منها حرف واحد، وخرب الـمسجد.

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: بعث عيسى ابن مريـم يحيى بن زكريا، فـي اثنـي عشر من الـحواريـين يعلِّـمون الناس. قال: فكان فـيـما نهاهم عنه، نكاح ابنة الأخ. قال: وكانت لـملكهم ابنة أخ تعجبه يريد أن يتزوّجها، وكانت لها كل يوم حاجة يقضيها فلـما بلغ ذلك أمها قالت لها: إذا دخـلت علـى الـملك فسألك حاجتك، فقولـي: حاجتـي أن تذبح لـي يحيى بن زكريا فلـما دخـلت علـيه سألها حاجتها، فقالت: حاجتـي أن تذبح يحيى بن زكريا، فقال: سلـي غير هذا فقالت: ما أسألك إلا هذا قال: فلـما أبت علـيه دعا يحيى ودعا بطست فذبحه، فبدرت قطرة من دمه علـى الأرض، فلـم تزل تغلـي حتـى بعث الله بختنصر علـيهم، فجاءته عجوز من بنـي إسرائيـل، فدلَّته علـى ذلك الدم. قال: فألقـى الله فـي نفسه أن يقتل علـى ذلك الدم منهم حتـى يسكن، فقتل سبعين ألفـاً منهم من سنّ واحد فسكن.

وقوله: {وَلِـيَدْخُـلُوا الـمَسْجِدَ كمَا دَخَـلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ} يقول: ولـيدخـل عدوّكم الذي أبعثه علـيكم مسجد بـيت الـمقدس قهرا منهم لكم وغلبة، كما دخـلوه أوّل مرّة حين أفسدتـم الفساد الأوّل فـي الأرض.

وأما قوله: {وَلِـيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِـيراً} فإنه يقول: ولـيدمِّروا ما غلبوا علـيه من بلادكم تدميرا. يقال منه: دمَّرت البلد: إذا خرّبته وأهلكت أهله. وَتَبَر تَبْراً وَتَبـاراً، وتَبَّرْتُه أتبِّرُه تتبـيراً. ومنه قول الله تعالـى ذكره

{ وَلا تَزِدِ الظَّالِـمِينَ إلاَّ تَبَـارا }يعنـي: هلاكا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {وَلِـيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِـيراً} قال: تدميراً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَلِـيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِـيراً} قال: يدمروا ما علوا تدميراً.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ