انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير الطبريالآيات 45–60

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الإسراء

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:19:01

  1. 1 الآيات 23–49في هذه الصفحة 16:55
  2. 2 الآيات 50–69في هذه الصفحة 15:55

التفسير الصوتي لسورة الإسراء كاملًا (5 مقاطع)

وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا ۝٤٥

يقول تعالـى ذكره: وإذا قرأت يا مـحمد القرآن علـى هؤلاء الـمشركين الذين لا يصدّقون بـالبعث، ولا يقرّون بـالثواب والعقاب، جعلنا بـينك وبـينهم حجابـاً، يحجب قلوبهم عن أن يفهموا ما تقرؤه علـيهم، فـينتفعوا به، عقوبة منا لهم علـى كفرهم. والـحجاب ههنا: هو الساتر، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذَا قَرأتَ القُرآنَ جَعَلْنا بَـيْنَكَ وبـينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـالآخرة حِجابـاً مَسْتُوراً} الـحجاب الـمستور أكنة علـى قلوبهم أن يفقهوه وأن ينتفعوا به، أطاعوا الشيطان فـاستـحوذ علـيهم.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {حِجابـاً مَسْتُوراً} قال: هي الأكنة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَإذَا قَرأتَ القُرآنَ جَعَلْنا بَـيْنَكَ وبـينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـالآخِرَةِ حِجابـاً مَسْتُوراً} قال: قال أُبـيّ: لا يفقهونه، وقرأ

{ قُلُوبُهُمْ فِـي أكِنَّةٍ وفِـي آذَانِهِمْ وَقْرٌ } فهم لا يخـلص ذلك إلـيهم.

وكان بعض نـحويـيِّ أهل البصرة يقول: معنى قوله {حِجابـاً مَسْتُوراً} حِجابـاً ساتراً، ولكنه أخرج وهو فـاعل فـي لفظ الـمفعول، كما يقال: إنك مشئوم علـينا وميـمون، وإنـما هو شائم ويامن، لأنه من شأمهم ويـمنهم. قال: والـحجاب ههنا: هو الساتر. وقال: مستوراً. وكان غيره من أهل العربـية يقول: معنى ذلك: حجابـاً مستوراً عن العبـاد فلا يرونه.

وهذا القول الثانـي أظهر بـمعنى الكلام أن يكون الـمستور هو الـحجاب، فـيكون معناه: أن لله ستراً عن أبصار الناس فلا تدركه أبصارهم، وإن كان للقول الأوّل وجه مفهوم.

وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُورًا ۝٤٦

يقول تعالى ذكره: وجعلنا علـى قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بـالآخرة عند قراءتك علـيهم القرآن أكنة وهي جمع كِنان، وذلك ما يتغشَّاها من خِذلان الله إياهم عن فهم ما يُتلـى علـيهم {وفِـي آذانِهمْ وَقْرا} يقول: وجعلنا فـي آذانهم وقراً عن سماعه، وصمـماً. والوَقر بـالفتـح فـي الأذن: الثقل. والوِقر بـالكسر: الـحِمْل. وقوله: {وَإذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فـي القُرْآنِ وَحْدَهُ} يقول: وإذا قلت: لا إله إلا الله فـي القرآن وأنت تتلوه {وَلَّوْا علـى أدْبـارِهِمْ نُفُوراً} يقول: انفضوا، فذهبوا عنك نفوراً من قولك استكبـاراً له واستعظاماً من أن يوحِّد الله تعالـى. وبـما قلنا فـي ذلك، قال بعض أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِـي القُرآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا} وإن الـمسلـمين لـما قالوا: لا إله إلا الله، أنكر ذلك الـمشركون وكبرت علـيهم، فصافها إبلـيس وجنوده، فأبى الله إلا أن يـمضيها وينصرها ويفلـجها ويظهرها علـى من ناوأها، إنها كلـمة من خاصم بها فلـج، ومن قاتل بها نُصِر، إنـما يعرفها أهل هذه الـجزيرة من الـمسلـمين، التـي يقطعها الراكب فـي لـيال قلائل ويسير الدهر فـي فِئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرّون بها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَإذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِـي القُرآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا علـى أدْبـارِهِمْ نُفُوراً} قال: بغضا لـما تكلـم به لئلا يسمعوه، كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم فـي آذانهم لئلا يسمعوا ما يأمرهم به من الاستغفـار والتوبة، ويستغشُون ثـيابهم، قال: يـلتفون بثـيابهم، ويجعلون أصابعهم فـي آذانهم لئلا يسمعوا ولا يُنظر إلـيهم.

وقال آخرون: إنـما عُنِـي بقوله {وَلَّوْا علـى أدْبـارِهِمْ نُفُوراً} الشياطين، وإنها تهرب من قراءة القرآن، وذكر الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحسين بن مـحمد الذارع، قال: ثنا روح بن الـمسيب أبو رجاء الكلبـي، قال: ثنا عمرو بن مالك، عن أبـي الـجوزاء، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَإذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِـي القُرآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلـى أدْبـارِهِمْ نُفُوراً} هم الشياطين.

والقول الذي قلنا فـي ذلك أشبه بـما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل، وذلك أن الله تعالـى أتبع ذلك قوله

{ وَإذَا قَرأتَ القُرآنَ جَعَلْنا بَـيْنَكَ وبـينَ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بـالآخِرِةِ حِجابـاً مَسْتُوراً } فأن يكون ذلك خبراً عنهم أولـى إذ كان بخبرهم متصلاً من أن يكون خبراً عمن لـم يجز له ذكر. وأما النفور، فإنها جمع نافر، كما القعود جمع قاعد، والـجلوس جمع جالس وجائز أن يكون مصدراً أخرج من غير لفظه، إذ كان قوله {وَلَّوْا} بـمعنى: نفروا، فـيكون معنى الكلام: نفروا نفورا، كما قال امرؤ القـيس:

وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةٌ أيَّ إذْلالِ

إذا كان رُضْت بـمعنى: أذللت، فأخرج الإذلال من معناه، لا من لفظه.

نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ۝٤٧

يقول تعالـى ذكره: نـحن أعلـم يا مـحمد بـما يستـمع به هؤلاء الذين لا يؤمنون بـالآخرة من مشركي قومك، إذ يستـمعون إلـيك وأنت تقرأ كتاب الله {وَإذْ هُمْ نَـجْوَى}. وكان بعض أهل العربـية من أهل البصرة يقول: النـجوى: فعلهم، فجعلهم هم النـجوى، كما يقول: هم قوم رضا، وإنـما رضا: فعلهم. وقوله {إذْ يَقُولُ الظَّالِـمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً} يقول: حين يقول الـمشركون بـالله ما تتبعون إلا رجلاً مسحوراً. وعنى فـيـما ذُكِر بـالنـجوى: الذين تشاوروا فـي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي دار النَّدوة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {إذْ يَسْتَـمِعُونَ إلَـيْكَ} قال: هي مثل قـيـل الولـيد بن الـمُغيرة ومن معه فـي دار الندوة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة. قوله: {إذْ يَسْتَـمِعُونَ إلَـيْكَ وَإذْ هُمْ نَـجْوَى إذْ يَقُولُ الظَّالِـمُونَ}... الآية، ونـجواهم أن زعموا أنه مـجنون. وأنه ساحر، وقالوا: أساطِيرُ الأوَّلِـينَ.

وكان بعض أهل العربـية من أهل البصرة يذهب بقوله {إنْ تَتَّبِعُونَ إلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً} إلـى معنى: ما تتبعون إلا رجلاً له سَحْر: أي له رثة، والعرب تسمي الرئة سَحْراً، والـمسحَّر من قولهم للرجل إذا جبن: قد انتفخ سَحْره، وكذلك يقال لكل ما أكَلَ أو شرب من آدميّ وغيره: مَسحور ومُسَحَّر، كما قال لبـيد:

فإنْ تَسأَلَـينا فِـيـم نَـحْنُ فإنَّناعَصَافِـيرُ مِنْ هَذَا الأنامِ الـمُسَحَّر

وقال آخرون:

ونُسْحَرُ بـالطعام وبـالشراب

أي نغذّي بهما. فكأن معناه عنده كان: إن تتبعون إلا رجلاً له رئة، يأكل الطعام، ويشرب الشراب، لا مَلَكاً لا حاجة به إلـى الطعام والشراب، والذي قال من ذلك غير بعيد من الصواب.

ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ۝٤٨

يقول تعالـى ذكره: انظر يا مـحمد بعين قلبك فـاعتبر كيف مثَّلوا لك الأمثال، وشبهوا لك الأشبـاه، بقولهم: هو مسحور، وهو شاعر، وهو مـجنون {فَضَلُّوا} يقول: فجاروا عن قصد السبـيـل بقـيـلهم ما قالوا {فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِـيلاً} يقول: فلا يهتدون لطريق الـحقّ لضلالهم عنه وبُعدهم منه، وأن الله قد خذلهم عن إصابته، فهم لا يقدرون علـى الـمَخْرَج مـما هم فـيه من كفرهم بتوفقُّهم إلـى الإيـمان به، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِـيلاً} قال: مخرجا، الولـيد بن الـمغيرة وأصحابه أيضاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِـيلاً} مخرجا الولـيد بن الـمغيرة وأصحابه.

وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمًا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ۝٤٩

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل هؤلاء الذين لا يؤمنون بـالآخرة من مشركي قريش، وقالوا بعنتهم: {أئِذَا كُنَّا عِظاماً} لـم نتـحطم ولـم نتكسَّر بعد مـماتنا وبلانا {وَرُفـاتاً} يعنـي ترابـاً فـي قبورنا، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، يقول الله: {رُفـاتاً} قال: ترابـاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: وَقالُوا {أئذَا كُنَّا عِظاماً وَرُفـاتاً} يقول: غُبـاراً، ولا واحد للرُّفـات، وهو بـمنزلة الدُّقاق والـحُطَام، يقال منه: رُفِتَ يُرْفَت رَفْتاً فهو مرفوت: إذا صُيِّر كالـحُطام والرُّضاض.

وقوله: {أئِنَّا لَـمَبْعُوثُونَ خَـلْقاً جَدِيداً} قالوا، إنكاراً منهم للبعث بعد الـموت: إنا لـمبعوثون بعد مصيرنا فـي القبور عظاما غير منـحطمة، ورفـاتا منـحطمة، وقد بَلِـينا فصرنا فـيها ترابـاً، خـلقا مُنْشَأ كما كنا قبل الـمـمات جديدا، نعاد كما بدئنا؟ فأجابهم جلّ جلاله يعرّفهم قُدرته علـى بعثه إياهم بعد مـماتهم، وإنشائه لهم كما كانوا قبل بِلاهُم خـلقاً جديداً، علـى أيّ حال كانوا من الأحوال، عظاماً أو رُفـاتاً، أو حجارة أو حديداً، أو غير ذلك مـما يعظُم عندهم أن يحدث مثله خَـلقْاً أمثالَهم أحياء، قل يا مـحمد: كونوا حجارة أو حديداً، أو خـلقاً مـما يكبر فـي صدوركم.

قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ۝٥٠ أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًا ۝٥١

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد للـمكذّبـين بـالبعث بعد الـمـمات من قومك القائلـين

{ أئِذَا كُنَّا عِظاماً وَرُفـاتاً أئِنَّا لَـمَبْعُوثُونَ خَـلْقاً جَدِيداً }: كونوا إن عجبتـم من إنشاء الله إياكم، وإعادته أجسامكم، خـلقاً جديداً بعد بِلاكم فـي التراب، ومصيركم رُفـاتاً، وأنكرتـم ذلك من قُدرته حجارة أو حديداً، أو خـلقاً مـما يكبر فـي صدوركم إن قدرتـم علـى ذلك، فإنـي أحيـيكم وأبعثكم خـلقاً جديداً بعد مصيركم كذلك كما بدأتكم أوّل مرّة.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنىّ بقوله {أوْ خَـلْقاً مِـمَّا يَكْبُرُ فِـي صُدُورِكُمْ} فقال بعضهم: عُنِـي به الـموت، وأريد به: أو كونوا الـموت، فإنكم إن كنتـموه أمتُّكم ثم بعثتكم بعد ذلك يوم البعث. ذكر من قال ذلك:

حدثنا زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبـيه، عن عطية، عن ابن عمر {أوْ خَـلْقاً مِـمَّا يَكْبُرُ فِـي صُدُورِكُمْ} قال: الـموت، قال: لو كنتـم موتـى لأحيـيتكم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {أوْ خَـلْقاً مِـمَّا يَكْبُرُ فِـي صُدُورِكُمْ} يعنـي الـموت. يقول: إن كنتـم الـموت أحيـيتكم.

حدثنـي مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـي، قال: ثنا أبو مالك الـجنبـي، قال: ثنا ابن أبـي خالد، عن أبـي صالـح فـي قوله {أوْ خَـلْقاً مِـمَّا يَكْبُرُ فِـي صُدُورِكُمْ} قال: الـموت.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا سلـيـمان أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، فـي قوله: {أوْ خَـلْقاً مِـمَّا يَكْبُرُ فِـي صُدُورِكُمْ} قال: الـموت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال سعيد بن جبـير، فـي قوله: {أوْ خَـلْقاً مِـمَّا يَكْبُرُ فِـي صُدُورِكُمْ} كونوا الـموت إن استطعتـم، فإن الـموت سيـموت قال: ولـيس شيء أكبر فـي نفس ابن آدم من الـموت.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: بلغنـي، عن سعيد بن جبـير، قال: هو الـموت.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: «يجاء بـالـموت يوم القـيامة كأنه كبش أملـح حتـى يُجعل بـين الـجنة والنار، فـينادى مناد يُسمِع أهلَ الـجنة وأهل النار، فـيقول: هذا الـموت قد جئنا به ونـحن مهلكوه، فأيقنوا يا أهل الـجنة وأهل النار أن الـموت قد هلك».

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {أوْ خَـلْقاً مِـمَّا يَكْبُرُ فِـي صُدُورِكُمْ} يعنـي الـموت، يقول: لو كنتـم الـموت لأمتكم.

وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إن الله يجيء بـالـموت يوم القـيامة، وقد صار أهل الـجنة وأهل النار إلـى منازلهم، كأنه كبش أملـح، فـيقـف بـين الـجنة والنار، فـينادي أهل الـجنة وأهل النار هذا الـموت، ونـحن ذابحوه، فأيقنوا بـالـخـلود.

وقال آخرون: عنى بذلك السماء والأرض والـجبـال. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {أوْ خَـلْقاً مِـمَّا يَكْبُرُ فِـي صُدُورِكُمْ} قال: السماء والأرض والـجبـال.

وقال آخرون: بل أريد بذلك: كونوا ما شئتـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيداً أوْ خَـلْقاً مِـمَّا يَكْبُرُ فِـي صُدُورِكُمْ} قال: ما شئتـم فكونوا، فسيعيدكم الله كما كنتم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أوْ حَدِيداً أوْ خَـلْقاً مِـمَّا يَكْبُرُ فِـي صُدُورِكُمْ} قال: من خـلق الله، فإن الله يـميتكم ثم يبعثكم يوم القـيامة خـلقاً جديداً.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره قال: {أوْ خَـلْقاً مـمَّا يَكْبُرُ فِـي صُدُورِكُمْ}، وجائز أن يكون عنى به الـموت، لأنه عظيـم فـي صدور بنـي آدم وجائز أن يكون أراد به السماء والأرض وجائز أن يكون أراد به غير ذلك، ولا بـيان فـي ذلك أبـين مـما بـين جلَّ ثناؤه، وهو كلّ ما كبر فـي صدور بنـي آدم من خـلقه، لأنه لـم يخصص منه شيئاً دون شيء.

وأما قوله: {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا} فإنه يقول: فسيقول لك يا مـحمد هؤلاء الذين لا يؤمنون بـالآخرة {مَنْ يُعِيدُنا} خـلقاً جديداً، إن كنا حجارة أو حديداً أو خـلقاً مـما يكبر فـي صدورنا، فقل لهم: يعيدكم {الَّذِي فَطَرَكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ} يقول: يعيدكم كما كنتـم قبل أن تصيروا حجارة أو حديدا إنسا أحياء، الذي خـلقكم إنسا من غير شيء أوّل مرّة، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ} أي خـلقكم {فَسَيُنْغَضُونَ إلَـيْكَ رُؤوسَهُمْ} يقول: فإنك إذا قلت لهم ذلك، فسيهزُّون إلـيك رءوسهم برفع وخفض وكذلك النَّغْض فـي كلام العرب، إنـما هو حركة بـارتفـاع ثم انـخفـاض، أو انـخفـاض ثم ارتفـاع، ولذلك سمي الظلـيـم نَغْضاً، لأنه إذا عجل الـمشي ارتفع وانـخفض، وحرّك رأسه، كما قال الشاعر:

أسكّ نَغْضاً لا يَنِـي مُسْتَهْدِجاً

ويقال: نَغَضَت سنه: إذا تـحرّكت وارتفعت من أصلها ومنه قول الراجز:

ونَغَضَتْ مِنْ هَرِمٍ أسْنانُها

وقول الآخر:

لـمَّا رأتْنِـي أنْغَضَتْ لـيَ الرأسا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَسَيُنْغِضُونَ إلَـيْكَ رُؤوسَهُمْ} أي يحرّكون رءوسهم تكذيبـاً واستهزاء.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {فَسَيُنْغِضُونَ إلَـيْكَ رُءُوُسَهُمْ} قال: يحرّكون رءوسهم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {فَسَيُنْغِضُونَ إلَـيْكَ رُءُوسَهُمْ} يقول: سيحركونها إلـيك استهزاء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الـخراسانـيّ، عن ابن عبـاس {فسَيُنْغِضُونَ إلَـيْكَ رُءُوسَهُمْ} قال: يحرّكون رءوسهم يستهزءون ويقولون متـى هو.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فسَيُنْغِضُونَ إلَـيْكَ رُءُوسَهُمْ} يقول: يهزؤون.

وقوله: {وَيَقُولُونَ مَتـى هُوَ} يقول جلّ ثناؤه: ويقولون متـى البعث، وفـي أيّ حال ووقت يعيدنا خـلقاً جديداً، كما كنا أوّل مرّة؟ قال الله عزّ وجلّ لنبـيه: قل لهم يا مـحمد إذ قالوا لك: متـى هو، متـى هذا البعث الذي تعدنا؟: عسى أن يكون قريبـاً وإنـما معناه: هو قريب، لأن عسى من الله واجب، ولذلك قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

بُعِثْتُ أنا والسَّاعَةُ كَهاتَـيْن، وأشار بـالسَّبـابة والوُسطَى، لأن الله تعالـى كان قد أعلـمه أنه قريب مـجيب.

يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۝٥٢ وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ كَانَ لِلْإِنسَٰنِ عَدُوًّا مُّبِينًا ۝٥٣

يقول تعالـى ذكره: قل عسى أن يكون بعثكم أيها الـمشركون قريبـاً، ذلك يوم يدعوكم ربكم بـالـخروج من قبوركم إلـى موقـف القـيامة، {فتستـجيبون بحمده}.

اختلف أهل التأويـل فـي معنى قوله:{ فتَسْتَـجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } فقال بعضهم: فتستـجيبون بأمره. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنـي عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَـجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} يقول: بأمره.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج {فَتَسْتَـجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} قال: بأمره.

وقال آخرون: معنى ذلك: فتستـجيبون بـمعرفته وطاعته. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَـجِيبُونَ بِحَمْدِهِ}: أي بـمعرفته وطاعته.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: معناه: فتستـجيبون لله من قبوركم بقدرته، ودعائه إياكم. ولله الـحمد فـي كلّ حال، كما يقول القائل: فعلت ذلك الفعل بحمد الله، يعنـي: لله الـحمد عن كلّ ما فعلته، وكما قال الشاعر:

فإنّـي بِحَمْد الله لا ثَوْبَ فـاجِرٍلَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ

بـمعنى: فإنـي والـحمد لله لا ثوب فـاجر لبست.

وقوله: {وَتَظُنُّونَ إنْ لَبثْتُـمْ إلاَّ قَلِـيلاً} يقول: وتـحسِبون عند موافـاتكم القـيامة من هول ما تعاينون فـيها ما لبثتـم فـي الأرض إلا قلـيلاً، كما قال جلّ ثناؤه

{ قالَ كَمْ لَبِثْتُـمْ فِـي الأرْض عَدَدَ سِنِـينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فـاسألِ العادّينَ }. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُـمْ إلاَّ قَلِـيلاً}: أي فـي الدنـيا، تـحاقرت الدنـيا فـي أنفسهم وقلَّت، حين عاينوا يوم القـيامة.

وقوله: {وَقُلْ لِعِبـادِي يَقُولُوا التـي هِيَ أحْسَنُ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وقل يا مـحمد لعبـادي يقل بعضهم لبعض التـي هي أحسن من الـمـحاورة والـمخاطبة. كما:

حدثنا خلاد بن أسلـم، قال: ثنا النضر، قال: أخبرنا الـمبـارك، عن الـحسن فـي هذه الآية {وَقُلْ لِعِبـادِي يَقُولُوا التـي هِيَ أحْسَنُ} قال: التـي هي أحسن، لا يقول له مثل قوله يقول له: يرحمك الله يغفر الله لك.

وقوله: {إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَـيْنَهُمْ} يقول: إن الشيطان يسوء مـحاورة بعضهم بعضاً ينزغ بـينهم، يقول: يفسد بـينهم، يهيج بـينهم الشرّ {إنَّ الشَّيْطانَ كانَ للإنْسانِ عَدُوّاً مُبِـيناً} يقول: إن الشيطان كان لآدم وذرّيته عدوّاً، قد أبـان لهم عداوته بـما أظهر لآدم من الـحسد، وغروره إياه حتـى أخرجه من الـجنة.

رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ۝٥٤

يقول تعالـى ذكره لهؤلاء الـمشركين من قريش الذين قالوا

{ أئِذَا كُنَّا عِظاماً وَرُفـاتاً أئِنَّا لَـمَبْعُوثُونَ خَـلْقاً جَدِيداً }: {رَبُّكُمْ} أيها القوم {أعْلَـمُ بِكُمْ إنْ يَشأْ يَرْحَمُكُمْ} فـيتوب علـيكم برحمته، حتـى تنـيبوا عما أنتـم علـيه من الكفر به وبـالـيوم الآخر {وَإنْ يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ} بأن يخذلكم عن الإيـمان، فتـموتوا علـى شرككم، فـيعذّبكم يوم القـيامة بكفركم به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن عبد الـملك بن جريج قوله: {رَبُّكُمْ أعْلَـمُ بِكُمْ إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} قال: فتؤمنوا {أوْ إنْ يَشأْ يُعَذّبْكُمْ} فتـموتوا علـى الشرك كما أنتـم.

وقوله: {وَما أرْسَلْناكَ عَلَـيْهِمْ وَكِيلاً} يقول لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك يا مـحمد علـى من أرسلناك إلـيه لتدعوه إلـى طاعتنا ربـاً ولا رقـيبـاً، إنـما أرسلناك إلـيهم لتبلغهم رسالاتنا، وبأيدينا صرفهم وتدبـيرهم، فإن شئنا رحمناهم، وإن شئنا عذّبناهم.

وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا ۝٥٥

يقول تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم: وربك يا مـحمد أعلـم بـمن فـي السموات والأرض وما يصلـحهم فإنه هو خالقهم ورازقهم ومدبرهم، وهو أعلـم بـمن هو أهل للتوبة والرحمة، ومن هو أهل للعذاب، أهدى للـحقّ من سبق له منـي الرحمة والسعادة، وأُضلّ من سبق له منـي الشقاء والـخذلان، يقول: فلا يكبرنّ ذلك علـيك، فإن ذلك من فعلـي بهم لتفضيـلـي بعض النبـيـين علـى بعض، بإرسال بعضهم إلـى بعض الـخـلق، وبعضهم إلـى الـجميع، ورفعي بعضهم علـى بعض درجات. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَرَبُّكَ أعْلَـمُ بِـمَنْ فـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِـيِّـينَ عَلـى بَعْضٍ} اتـخذ الله إبراهيـم خـلـيلاً، وكلَّـم موسى تكلـيـماً، وجعل الله عيسى كمثل آدم خـلقه من تراب، ثم قال له كن فـيكون، وهو عبد الله ورسوله، من كلـمة الله وروحه، وآتـى سلـيـمان مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، وآتـى داود زبوراً، كنا نـحدّث دعاء عُلِّـمه داود، تـحميد وتـمـجيد، لـيس فـيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود، وغفر لـمـحمد ما تقدّم من ذنبه وما تأخَّر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج {وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْض النَّبِـيِّـينَ عَلـى بَعْضٍ} قال: كلـم الله موسى، وأرسل مـحمداً إلـى الناس كافَّة.

قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ۝٥٦

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لـمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خـلقه: ادعو أيها القوم الذين زعمتـم أنهم أربـاب وآلهة من دونه عند ضرّ ينزل بكم، فـانظروا هل يقدرون علـى دفع ذلك عنكم، أو تـحويـله عنكم إلـى غيركم، فتدعوهم آلهة، فإنهم لا يقدرون علـى ذلك، ولا يـملكونه، وإنـما يـملكه ويقدر علـيه خالقكم وخالقهم. وقـيـل: إن الذين أمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول، كانوا يعبدون الـملائكة وعُزيراً والـمسيح، وبعضهم كانوا يعبدون نفراً من الـجنّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِين زَعَمْتُـمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَـمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرّ عَنْكُمْ وَلا تَـحْوِيلاً} قال: كان أهل الشرك يقولون: نعبد الـملائكة وعُزَيراً، وهم الذين يدعون، يعنـي الـملائكة والـمسيح وعُزيراً.

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ۝٥٧

يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء الـمشركون أربـابـاً {يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَة} يقول: يبتغي الـمدعوّون أربـابـاً إلـى ربهم القُربة والزُّلفة، لأنهم أهل إيـمان به، والـمشركون بـالله يعبدونهم من دون الله {أيُّهُمْ أقْرَبُ} أيهم بصالـح أعماله واجتهاده فـي عبـادته أقرب عنده زلفة {وَيَرْجُونَ} بأفعالهم تلك {رَحْمَتَهُ وَيخافُونَ} بخلافهم أمره {عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ} يا مـحمد {كانَ مَـحْذوراً} متقـي. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل، غير أنهم اختلفوا فـي الـمدعويّن، فقال بعضهم: هم نفر من الـجنّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن عبد الله، فـي قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ} قال: كان ناس من الإنس يعبدون قوما من الـجنّ، فأسلـم الـجن وبقـي الإنس علـى كفرهم، فأنزل الله تعالـى {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ} يعنـي الـجنّ.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو النعمان الـحكم بن عبد الله العجلـي، قال: ثنا شعبة، عن سلـيـمان، عن إبراهيـم، عن أبـي معمر، قال: قال عبد الله فـي هذه الآية {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسيـلَةَ أيُّهُمْ أقْرَبُ} قال: قَبـيـل من الـجنّ كانوا يعبدون فأسلـموا.

حدثنـي عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي الـحسين، عن قتادة، عن معبد بن عبد الله الزَّمَّانـي، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود، فـي قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ} قال: نزلت فـي نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الـجنّ، فأسلـم الـجنـيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فأنزلت {الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهُمُ الوَسيـلَةَ أيُّهُمْ أقْرَبُ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عمه عبد الله بن مسعود، قال: نزلت هذه الآية فـي نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الـجنّ، فأسلـم الـجنـيون والنفر من العرب لا يشعرون بذلك.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ} قوم عبدوا الـجنّ، فأسلـم أولئك الـجنّ، فقال الله تعالـى ذكره: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ}.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن أبـي معمر، عن عبد الله {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ} قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفراً من الـجنّ، فأسلـم النفر من الـجنّ، واستـمسك الإنس بعبـادتهم، فقال {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ}.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن الأعمش، عن إبراهيـم عن أبـي معمر، قال: قال عبد الله: كان ناس يعبدون نفراً من الـجنّ، فأسلـم أولئك الـجنـيون، وثبتت الإنس علـى عبـادتهم، فقال الله تبـارك وتعالـى: {أوَلِئكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ}.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ أيُّهُمْ أقْرَبُ} قال كان أناس من أهل الـجاهلـية يعبدون نفراً من الـجنّ فلـما بعث النبـيّ صلى الله عليه وسلم أسلـموا جميعاً، فكانوا يبتغون أيهم أقرب.

وقال آخرون: بل هم الـملائكة.

حدثنـي الـحسين بن علـيّ الصدائي، قال: ثنا يحيى بن السكن، قال: أخبرنا أبو العوّام، قال: أخبرنا قتادة، عن عبد الله بن معبد الزِّمَّانـي، عن عبد الله بن مسعود، قال: كان قبـائل من العرب يعبدون صنفـا من الـملائكة يقال لهم الـجنّ، ويقولون: هم بنات الله، فأنزل الله عزّ وجلّ {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ} معشر العرب {يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ} قال: الذين يدعون الـملائكة تبتغي إلـى ربها الوسيـلة {أيُّهُمْ أقْرَبُ وَيَرْجُون رَحْمَتَهُ} حتـى بلغ {إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كانَ مَـحْذُوراً} قال: وهؤلاء الذين عبدوا الـملائكة من الـمشركين.

وقال آخرون: بل هم عزير وعيسى، وأمه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يحيى بن جعفر، قال: أخبرنا يحيى بن السكن، قال: أخبرنا شعبة، عن إسماعيـل السديّ، عن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ} قال: عيسى وأمه وعُزير.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا أبو النعمان الـحكم بن عبد الله العجلـي، قال: ثنا شعبة، عن إسماعيـل السدي، عن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، قال: عيسى ابن مريـم وأمه وعُزير فـي هذه الآية {أولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ} قال: عيسى ابن مريـم وعُزير والـملائكة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم، قال: كان ابن عبـاس يقول فـي قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ} قال: هو عُزير والـمسيح والشمس والقمر.

وأولـى الأقوال بتأويـل هذه الآية قول عبد الله بن مسعود الذي رويناه، عن أبـي معمر عنه، وذلك أن الله تعالـى ذكره أخبر عن الذين يدعوهم الـمشركون آلهة أنهم يبتغون إلـى ربهم الوسيـلة فـي عهد النبـيّ صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن عُزيراً لـم يكن موجوداً علـى عهد نبـينا علـيه الصلاة والسلام، فـيبتغي إلـى ربه الوسيـلة وأن عيسى قد كان رُفع، وإنـما يبتغي إلـى ربه الوسيـلة من كان موجوداً حياً يعمل بطاعة الله، ويتقرّب إلـيه بـالصالـح من الأعمال. فأما من كان لا سبـيـل له إلـى العمل، فبـم يبتغي إلـى ربه الوسيـلة. فإذ كان لا معنى لهذا القول، فلا قول فـي ذلك إلا قول من قال ما اخترنا فـيه من التأويـل، أو قول من قال: هم الـملائكة، وهما قولان يحتـملهما ظاهر التنزيـل. وأما الوسيـلة، فقد بـيَّنا أنها القربة والزلفة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: الوسيـلة: القربة.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: الوسيـلة، قال: القربة والزلفـى.

وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَٰبِ مَسْطُورًا ۝٥٨

يقول تعالـى ذكره: وما من قرية من القرى إلا نـحن مهلكوا أهلها بـالفناء، فمبـيدوهم استئصالاً قبل يوم القـيامة، أو معذّبوها، إما ببلاء من قتل بـالسيف، أو غير ذلك من صنوف العذاب عذابـاً شديداً. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله عزّ وجلّ: {وَإنَ مِنْ قَرْيَةٍ إلاَّ نَـحْن مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِـيامَة} فمبـيدوها {أوْ معذّبُوها} بـالقتل والبلاء، قال: كل قرية فـي الأرض سيصيبها بعض هذا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، بنـحوه، إلا أنه قال: سيصيبها هذا أو بعضه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلاَّ نَـحْن مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِـيامَةِ أوْ مُعَذّبوها} قضاء من الله كما تسمعون لـيس منه بدّ، إما أن يهلكها بـموت وإما أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره، وكذّبوا رسله.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَإنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلاَّ نَـحْنُ مُهْلِكُوها} قال: مبـيدوها.

حدثنا القاسم، قال: ثنـي الـحسين، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال: إذا ظهر الزنا والربـا فـي أهل قرية أذن الله فـي هلاكها.

وقوله: {كانَ ذلكَ فِـي الكِتابِ مَسْطُوراً} يعنـي فـي الكتاب الذي كتب فـيه كلّ ما هو كائن، وذلك اللوح الـمـحفوظ. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {كانَ ذلكَ فِـي الكِتابِ مَسْطُوراً} قال: فـي أمّ الكتاب، وقرأ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَق ويعنـي بقوله{ مَسْطُوراً} مكتوبـاً مبـيناً ومنه قول العجاج:

واعْلَـمْ بأنَّ ذَا الـجَلالِ قَدْ قَدَرْفـي الكُتُبِ الأُولـى التـي كان سَطَرْأمْرَكَ هَذَا فـاحْتَفِظْ فِـيهِ النَّهَرْ

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْـَٔايَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا۟ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْـَٔايَٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ۝٥٩

يقول تعالـى ذكره: وما منعنا يا مـحمد أن نرسل بـالآيات التـي سألها قومك، إلا أن كان من قبلهم من الأمـم الـمكذّبة، سألوا ذلك مثل سؤالهم فلـما أتاهم ما سألوا منه كذّبوا رسلهم، فلـم يصدّقوا مع مـجيء الآيات، فعوجلوا فلـم نرسل إلـى قومك بـالآيات، لأنَّا لو أرسلنا بها إلـيها، فكذّبوا بها، سلكنا فـي تعجيـل العذاب لهم مسلك الأمـم قبلها. وبـالذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن أياس، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: سأل أهل مكة النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفـا ذهبـاً، وأن ينـحي عنهم الـجبـال، فـيزرعوا، فقـيـل له: إن شئت أن نستأنـي بهم لعلنا نـجتنـي منهم، وإن شئت أن نؤتـيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم، قال: «بل تستأنـي بهم»، فأنزل الله: {وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بـالآياتِ إلاَّ أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَـيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً}.

حدثنـي إسحاق بن وهب، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا مسعود بن عبـاد، عن مالك بن دينار، عن الـحسن فـي قول الله تعالـى {وَما مَنَعَنَا أنْ نُرْسِلَ بـالآياتِ إلاَّ أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ} قال: رحمة لكم أيتها الأمة، إنا لو أرسلنا بـالآيات فكذّبتـم بها، أصابكم ما أصاب من قبلكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبـير، قال: قال الـمشركون لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: يا مـحمد إنك تزعم أنه كان قبلك أنبـياء، فمنهم من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيـي الـموتـى، فإن سرّك أن نؤمن بك ونصدّقك، فـادع ربك أن يكون لنا الصفـا ذهبـا، فأوحى الله إلـيه: إنـي قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لـم يؤمنوا نزل العذاب، فإنه لـيس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن تستأنـي قومك استأنـيت بها، قال: «يا ربّ أستأنـي».

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بـالآياتِ إلاَّ أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ} قال: قال أهل مكة لنبـيّ الله صلى الله عليه وسلم: إن كان ما تقول حقا، ويسرّك أن نؤمن، فحوّل لنا الصفـا ذهبـاً، فأتاه جبرئيـل علـيه السلام، فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لـم يؤمنوا لـم يناظروا، وإن شئت استأنـيت بقومك، قال: «بَلِ أسْتَأْنِـي بقَومْي» فأنزل الله:

{ وآتَـيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَـمُوا بِها } وأنزل الله عزّ وجلّ { ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهُمْ يُؤْمِنُونَ }

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، أنهم سألوا أن يحوّل الصفـا ذهبـا، قال الله: {وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بـالآياتِ إلاَّ أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ} قال ابن جريج: لـم يأت قرية بآية فـيكذّبوا بها إلا عذّبوا، فلو جعلت لهم الصفـا ذهبـاً ثم لـم يؤمنوا عذّبوا. و«أن» الأولـى التـي مع مَنَعَنا، فـي موضع نصب بوقوع منعنا علـيها، وأن الثانـية رفع، لأن معنى الكلام: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأوّلـين من الأمـم، فـالفعل لأن الثانـية.

وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِىٓ أَرَيْنَٰكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَٰنًا كَبِيرًا ۝٦٠

وهذا حضّ من الله تعالـى ذكره نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم، علـى تبلـيغ رسالته، وإعلام منه أنه قد تقدّم منه إلـيه القول بأنه سيـمنعه من كلّ من بغاه سوءاً وهلاكاً، يقول جلّ ثناؤه: واذكر يا مـحمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط بـالناس قدرة، فهم فـي قبضته لا يقدرون علـى الـخروج من مشيئته، ونـحن مانعوك منهم، فلا تتهيَّب منهم أحدا، وامض لـما أمرناك به من تبلـيغ رسالتنا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن أبـي رجاء، قال: سمعت الـحسن يقول: أحاط بـالناس، عصمك من الناس.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو بكر الهُذلـي، عن الـحسن {وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بـالنَّاسِ} قال: يقول: أحطت لك بـالعرب أن لا يقتلوك، فعرف أنه لا يُقتل.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {أحاطَ بـالنَّاسِ} قال: فهم فـي قبضته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبـير قوله {أحاطَ بـالنَّاسِ} قال: منعك من الناس. قال معمر، قال قتادة، مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله {وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّك أحاطَ بـالنَّاسِ} قال: منعك من الناس.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بـالنَّاسِ} أي منعك من الناس حتـى تبلِّغ رسالة ربك.

وقوله: {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ} اختلف أهل التأويـل فـي ذلك، فقال بعضهم: هو رؤيا عين، وهي ما رأى النبـيّ صلى الله عليه وسلم لـما أُسري به من مكة إلـى بـيت الـمقدس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيـل، قال: ثنا ابن عيـينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عبـاس فـي قوله {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ} قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم لـيـلة أُسري به، ولـيست برؤيا منام.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سفـيان بن عيـينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، سُئِل عن قوله {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فتْنَةً للنَّاسِ} قال: هي رؤيا عين رآها النبـيّ صلى الله عليه وسلم لـيـلة أُسري به.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، بنـحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن فرات القزاز، عن سعيد بن جبـير {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ} قال: كان ذلك لـيـلة أُسري به إلـى بـيت الـمقدس، فرأى ما رأى فكذّبه الـمشركون حين أخبرهم.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، في قوله {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ} قال: أسري به عشاء إلـى بـيت الـمقدس، فصلـى فـيه، وأراه الله ما أراه من الآيات، ثم أصبح بـمكة، فأخبرهم أنه أُسري به إلـى بـيت الـمقدس، فقالوا له: يا مـحمد ما شأنك، أمسيت فـيه، ثم أصبحت فـينا تـخبرنا أنك أتـيت بـيت الـمقدس، فعجبوا من ذلك حتـى ارتدّ بعضهم عن الإسلام.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الـحسن، فـي قوله {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أريْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ} قال: قال كفـار أهل مكة: ألـيس من كذب ابن أبـي كبشة أنه يزعم أنه سار مسيرة شهرين فـي لـيـلة.

حدثنـي أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبـي مالك فـي هذه الآية {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ} قال: مسيره إلـى بـيت الـمقدس.

حدثنـي أبو السائب ويعقوب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن الـحسن بن عبد الله، عن أبـي الضحى، عن مسروق فـي قوله {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ} قال: حين أُسري به.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ} قال: لـيـلة أُسري به.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فتْنَةً للنَّاس} قال: الرؤيا التـي أريناك فـي بـيت الـمقدس حين أُسري به، فكانت تلك فتنة الكافر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ} يقول: أراه الله من الآيات والعبر فـي مسيره إلـى بـيت الـمقدس.

ذُكر لنا أن ناسا ارتدّوا بعد إسلامهم حين حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمسيره، أنكروا ذلك وكذّبوا له، وعجبوا منه، وقالوا: تـحدّثنا أنك سرت مسيرة شهرين فـي لـيـلة واحدة.

حدثنـي محمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ} قال: هو ما أُري فـي بـيت الـمقدس لـيـلة أُسري به.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ} قال: أراه الله من الآيات فـي طريق بـيت الـمقدس حين أُسري به، نزلت فريضة الصلاة لـيـلة أُسري به قبل أن يهاجر بسنة وتسع سنـين من العشر التـي مكثها بـمكة، ثم رجع من لـيـلته، فقالت قريش: تعشى فـينا وأصبح فـينا، ثم زعم أنه جاء الشام فـي لـيـلة ثم رجع، وايـم الله إن الـحدأة لتـجيئها شهرين: شهراً مقبلة، وشهراً مُدبرة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتـي أرَيْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ} قال: هذا حين أُسري به إلـى بـيت الـمقدس، افتتن فـيها ناس، فقالوا: يذهب إلـى بـيت الـمقدس ويرجع فـي لـيـلة وقال:

لَـمَّا أتانـي جَبْرائيـلُ عَلَـيْهِ السَّلامُ بـالبُرَاقِ لِـيَحْمِلَنـي عَلَـيْها صَرَّتْ بأذُنَـيْها، وَانْقَبَض بَعْضُها إلـى بَعْضٍ، فَنَظَرَ إلَـيْها جَبْرائيـلُ، فقالَ: وَالَّذِي بَعَثَنِـي بـالـحَقّ منْ عِنْدِهِ ما رَكِبَكَ أحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ خَيْرٌ مِنْهُ، قالَ: فَصرَّتْ بأُذُنَـيْها وَارْفَضَّتْ عَرَقاً حتـى سالَ ما تَـحْتَها، وكانَ مُنْتَهَى خَطْوها عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفهافلـما أتاهم بذلك، قالوا: ما كان مـحمد لـينتهي حتـى يأتـي بكذبة تـخرج من أقطارها، فأتوا أبـا بكر رضي الله عنه، فقالوا: هذا صاحبك يقول كذا وكذا، فقال: وقد قال ذلك؟ قالوا: نعم، فقال: إن كان قد قال ذلك فقد صدق، فقالوا: تصدّقه إن قال ذهب إلـى بـيت الـمقدس ورجع فـي لـيـلة؟ فقال أبو بكر: إي، نزع الله عقولكم، أصدّقه بخبر السماء، والسماء أبعد من بـيت الـمقدس، ولا أصدّقه بخبر بـيت الـمقدس؟ قالوا للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: إنا قد جئنا بـيت الـمقدس فصفه لنا، فلـما قالوا ذلك، رفعه الله تبـارك وتعالـى ومثله بـين عينـيه، فجعل يقول: «هو كذا، وفـيه كذا»، فقال بعضهم: وأبـيكم إن أخطأ منه حرفـا، فقالوا: هذا رجل ساحر.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ} يعنـي لـيـلة أُسري به إلـى بـيت الـمقدس، ثم رجع من لـيـلته، فكانت فتنة لهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله {الرُّؤيا التـي أرَيْناكَ} قال: حين أُسري بـمـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، بنـحوه.

وقال آخرون: هي رؤياه التـي رأى أنه يدخـل مكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ} قال: يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُري أنه دخـل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذٍ بـالـمدينة، فعجَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلـى مكة قبل الأجل، فردّه الـمشركون، فقالت أناس: قد ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان حدثنا أنه سيدخـلها، فكانت رجعته فتنتهم.

وقال آخرون مـمن قال: هي رؤيا منام: إنـما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى فـي منامه قوما يعلون منبره. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن مـحمد بن الـحسن بن زبـالة، قال: ثنا عبد الـمهيـمن بن عبـاس بن سهل بن سعد، قال: ثنـي أبـي، عن جدّي، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـي فلان ينزون علـى منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استـجمع ضاحكا حتـى مات. قال: وأنزل الله عزّ وجلّ فـي ذلك {وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ}... الآية.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: عنى به رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى من الآيات والعبر فـي طريقه إلـى بـيت الـمقدس، وبـيت الـمقدس لـيـلة أُسري به، وقد ذكرنا بعض ذلك فـي أوّل هذه السورة.

وإنـما قُلنا ذلك أولـى بـالصواب، لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى أن هذه الآية إنـما نزلت فـي ذلك، وإياه عنى الله عزّ وجلّ بها، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: وما جعلنا رؤياك التـي أريناك لـيـلة أسرينا بك من مكة إلـى بـيت الـمقدس، إلاَّ فتنة للناس: يقول: إلا بَلاء للناس الذين ارتدّوا عن الإسلام، لـمَّا أُخبروا بـالرؤيا التـي رآها علـيه الصلاة والسلام، وللـمشركين من أهل مكة الذين ازدادوا بسماعهم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم تـمادياً فـي غيهم، وكفراً إلـى كفرهم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ}.

وأما قوله: {والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـيها، فقال بعضهم: هي شجرة الزَّقُّوم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيـل، قال: ثنا أبو عبـيدة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عبـاس {والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ} قال: شجرة الزَّقوم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ} قال: هي شجرة الزقوم. قال أبو جهل: أيخوّفنـي ابن أبـي كبشة بشجرة الزَّقوم، ثم دعا بتـمر وزُبد، فجعل يقول: زقمنـي، فأنزل الله تعالـى

{ طَلْعُها كأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِين }وأنزل {ونُـخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلاَّ طُغْياناً كَبِـيراً}.

حدثنـي أبو السائب ويعقوب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن الـحسن بن عبـيد الله، عن أبـي الضحى، عن مسروق {والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ} قال: شجرة الزَّقوم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الـحسن بن عبـيد الله، عن أبـي الضحى، عن مسروق، مثله.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، فـي قوله {والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ} فإن قريشاً كانوا يأكلون التـمر والزبد، ويقولون: تزقموا هذا الزقوم. قال أبو رجاء: فحدثنـي عبد القدّوس، عن الـحسن، قال: فوصفها الله لهم فـي الصافـات.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الـحسن، قال: قال أبو جهل وكفـار أهل مكة: ألـيس من كذب ابن أبـي كبَشة أنه يوعدكم بنار تـحترق فـيها الـحجارة، ويزعم أنه ينبت فـيها شجرة؟ {والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ} قال: هي شجرة الزَّقوم.

حدثنـي عن عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبـي مالك فـي هذه الآية {والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ} قال: شجرة الزقوم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيـم، عن حصين، عن أبـي مالك، قال فـي قوله {والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ} قال: هي شجرة الزقوم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، عن رجل يقال له بدر، عن عكرمة، قال: شجرة الزقوم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيـل، عن فرات القزّار، قال: سُئل سعيد بن جبـير عن الشجرة الـملعونة، قال: شجرة الزقوم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيـم، عن عبد الـملك العَزْرميّ، عن سعيد بن جبـير {وَالشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ} قال: شجرة الزقوم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم، بـمثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنـي الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ} قال: الزقوم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن أبـي الـمَـحجل، عن أبـي معشر، عن إبراهيـم، أنه كان يحلف ما يستثنـي، أن الشجرة الـملعونة: شجرة الزقوم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن فُرات القزاز، قال: سألت سعيد بن جبـير، عن الشجرة الـملعونة فـي القرآن، قال: شجرة الزَّقوم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن عمرو، عن عكرمة عن ابن عبـاس، قال: هي الزقوم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ ونُـخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلاَّ طُغْياناً كَبِـيراً} وهي شجرة الزقوم، خوّف الله بها عبـاده، فـافتتنوا بذلك، حتـى قال قائلهم أبو جهل بن هشام: زعم صاحبكم هذا أن فـي النار شجرة، والنار تأكل الشجر، وإنا والله ما نعلـم الزقوم إلاَّ التـمر والزبد، فتزقموا، فأنزل الله تبـارك وتعالـى حين عجبوا أن يكون فـي النار شجرة:

{ إِنَّها شَجَرَةٌ تـخْرُجُ فـي أصْلِ الـجَحِيـمِ طَلْعُها كأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ }، إنـي خـلقتها من النار، وعذّبت بها من شئت من عبـادي.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ} قال: الزقوم وذلك أن الـمشركين قالوا: يخبرنا هذا أن فـي النار شجرة، والنار تأكل الشجر حتـى لا تدع منه شيئا، وذلك فتنة.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ} قال: شجرة الزقوم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ} الزقوم التـي سألوا الله أن يـملأ بـيوتهم منها. وقال: هي الصَّرَفـان بـالزبد تتزقمه، والصرفـان: صنف من التـمر. قال: وقال أبو جهل: هي الصرفـان بـالزبد، وافتتنوا بها.

وقال آخرون: هي الكَشُوث. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مـحمد بن إسماعيـل بن أبـي فديك، عن ابن أبـي ذئب، عن مولـى بنـي هاشم حدثه، أن عبد الله بن الـحارث بن نوفل، أرسله إلـى ابن عبـاس، يسأله عن الشجرة الـملعونة فـي القرآن؟ قال: هي هذه الشجرة التـي تلوي علـى الشجرة، وتـجعل فـي الـماء، يعنـي الكشوثـي.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب عندنا قول من قال: عنى بها شجرة الزقوم، لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى ذلك. ونصبت الشجرة الـملعونة عطفـاً بها علـى الرؤيا. فتأويـل الكلام إذن: وما جعلنا الرؤيا التـي أريناك، والشجرة الـملعونة فـي القرآن إلاَّ فتنة للناس، فكانت فتنتهم فـي الرؤيا ما ذكرت من ارتداد من ارتدّ، وتـمادِي أهل الشرك فـي شركهم، حين أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بـما أراه الله فـي مسيره إلـى بـيت الـمقدس لـيـلة أُسريَ به. وكانت فتنتهم فـي الشجرة الـملعونة ما ذكرنا من قول أبـي جهل والـمشركين معه: يخبرنا مـحمد أن فـي النار شجرة نابتة، والنار تأكل الشجر فكيف تنبت فـيها؟

وقوله: {ونُـخَوّفُهُمْ فَمَا يَزيدُهُمْ إلاَّ طُغْياناً كَبِـيراً} يقول: ونـخوّف هؤلاء الـمشركين بـما نتوعدهم من العقوبـات والنكال، فما يزيدهم تـخويفنا إلاَّ طغياناً كبـيراً، يقول: إلاَّ تـماديا وغياً كبـيراً فـي كفرهم وذلك أنهم لـما خُوّفوا بـالنار التـي طعامهم فـيها الزقوم دعوا بـالتـمر والزبد، وقالوا: تزقموا من هذا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك وقد تقدّم ذكر بعض من قال ذلك، ونذكر بعض من بقـي:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال قال ابن جريج {وَالشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ} قال: طلعها كأنه رءوس الشياطين، والشياطين ملعونون. قال {والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ} لـما ذكرها زادهم افتتاناً وطغياناً، قال الله تبـارك وتعالـى، {ونـخوِّفُهُم فَمَا يَزِيدُهُمْ إلاَّ طُغْياناً كَبِـيراً}.القول في تأويل قوله تعالى:

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ