انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير الطبريالآيات 81–97

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الإسراء

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:19:01

  1. 1 الآيات 70–98في هذه الصفحة 18:49

التفسير الصوتي لسورة الإسراء كاملًا (5 مقاطع)

وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَٰطِلُ إِنَّ ٱلْبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا ۝٨١ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ۝٨٢

يقول تعالى ذكره: وقل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين الذين كادوا أن يستفزّونك من الأرض لـيخرجوك منها: {جاءَ الـحَقُّ وَزَهَقَ البـاطِلُ}.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى الـحقّ الذي أمر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يُعْلـم الـمشركين أنه قد جاء، والبـاطل الذي أمره أن يعلـمهم أنه قد زَهَق، فقال بعضهم: الـحقّ: هو القرآن فـي هذا الـموضع، والبـاطل: هو الشيطان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَقُلْ جاءَ الـحَقُّ} قال: الـحقّ: القرآن {وَزَهَقَ البـاطِلُ إنَّ البـاطِلَ كانَ زَهُوقاً}.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَقُلْ جاءَ الـحَقُّ} قال: القرآن: {وَزَهَقَ البـاطِلُ} قال: هلك البـاطل وهو الشيطان.

وقال آخرون: بل عُنِـي بـالـحقّ جهاد الـمشركين وبـالبـاطل الشرك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وَقُلْ جاءَ الـحَقُّ} قال: دنا القتال {وَزَهَقَ البـاطِلُ} قال: الشرك وما هم فـيه.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، عن أبـي معمر، عن ابن مسعود، قال: دخـل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البـيت ثلاثُ مئة وستون صنـماً، فجعل يطعنها ويقول: {جاءَ الـحَقُّ وَزَهَقَ البـاطِلُ إنَّ البـاطِلَ كانَ زَهُوقاً}.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: أمر الله تبـارك وتعالـى نبـيه علـيه الصلاة والسلام أن يخبر الـمشركين أن الـحقّ قد جاء، وهو كلّ ما كان لله فـيه رضا وطاعة، وأن البـاطل قد زهق: يقول: وذهب كلّ ما كان لا رضا لله فـيه ولا طاعة مـما هو له معصية وللشيطان طاعة، وذلك أن الـحقّ هو كلّ ما خالف طاعة إبلـيس، وأن البـاطل: هو كلّ ما وافق طاعته، ولـم يخصص الله عزّ ذكره بـالـخبر عن بعض طاعاته، ولا ذهاب بعض معاصيه، بل عمّ الـخبر عن مـجيء جميع الـحقّ، وذهاب جميع البـاطل، وبذلك جاء القرآن والتنزيـل، وعلـى ذلك قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الشرك بـالله، أعنـي علـى إقامة جميع الـحقّ، وإبطال جميع البـاطل.

وأما قوله عزّ وجلّ: {وَزَهَقَ البـاطِلُ} فإن معناه: ذهب البـاطل، من قولهم: زَهَقت نفسه: إذا خرجت وأزهقتها أنا ومن قولهم: أزهق السهم: إذا جاوز الغرض فـاستـمرّ علـى جهته، يقال منه: زهق البـاطل، يزهَق زُهوقاً، وأزهقه الله: أي أذهبه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {إنَّ البـاطِلَ كانَ زَهُوقاً} يقول: ذاهبـاً.

وقوله عزّ وجلّ: {ونُنَزّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُوَ شِفـاءٌ وَرَحْمَةٌ للْـمُؤْمِنِـينَ} يقول تعالـى ذكره: وننزّل علـيك يا مـحمد من القرآن ما هو شفـاء يستشفـى به من الـجهل من الضلالة، ويبصر به من العمى للـمؤمنـين ورحمة لهم دون الكافرين به، لأن الـمؤمنـين يعملون بـما فـيه من فرائض الله، ويحلون حلاله، ويحرّمون حرامه فـيدخـلهم بذلك الـجنة، ويُنـجيهم من عذابه، فهو لهم رحمة ونعمة من الله، أنعم بها علـيهم {وَلا يَزِيدُ الظَّالِـمِينَ إلاَّ خَساراً} يقول: ولا يزيد هذا الذي ننزل علـيك من القرآن الكافرين به إلا خساراً: يقول: إهلاكاً، لأنهم كلـما نزل فـيه أمر من الله بشيء أو نهى عن شيء كفروا به، فلـم يأتـمروا لأمره، ولـم ينتهوا عما نهاهم عنه، فزادهم ذلك خسارا إلـى ما كانوا فـيه قبل ذلك من الـخسار، ورجسا إلـى رجسهم قبلُ، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَنُنَّزِّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُوَ شِفـاءٌ وَرَحْمَةٌ للْـمُؤْمِنِـينَ} إذا سمعه الـمؤمن انتفع به وحفظه ووعاه {وَلا يَزِيدُ الظَّالِـمِينَ} به {إلاَّ خَساراً} أنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، وإن الله جعل هذا القرآن شفـاء ورحمة للمؤمنين.

وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسًا ۝٨٣

يقول تبارك وتعالـى: وإذا أنعمنا علـى الإنسان، فنـجَّيناه من رب ما هو فـيه فـي البحر، وهو ما قد أشرف فـيه علـيه من الهلاك بعصوف الريح علـيه إلـى البرّ، وغير ذلك من نعمنا، أعرض عن ذكرنا، وقد كان بنا مستغيثاً دون كلّ أحد سوانا فـي حال الشدّة التـي كان فـيها {وَنأَي بِجانِبِهِ} يقول: وبعد منا بجانبه، يعنـي بنفسه، كَأَنْ لَـمْ يَدْعُنَا إِلَـيَ ضُرَ مَسَّهُ قبل ذلك، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن مـجاهد، فـي قوله: {وَنأَي بِجانِبِهِ} قال: تبـاعد منا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

والقراءة علـى تصيـير الهمزة فـي نَأَى قبل الألف، وهي اللغة الفصيحة، وبها نقرأ. وكان بعض أهل الـمدينة يقرأ ذلك «وَناء» فـيصير الهمزة بعد الألف، وذلك وإن كان لغة جائزة قد جاءت عن العرب بتقديـمهم فـي نظائر ذلك الهمز فـي موضع هو فـيه مؤخرّ، وتأخيرهموه فـي موضع، هو مقدّم، كما قال الشاعر:

أعلامٌ يِقَلِّلُ رَاءَ رُؤْيافَهْوَ يَهْذِي بِـما رأى فِـي الـمَنامِ

وكما قال آبـار وهي أبآر، فقدموا الهمزة، فلـيس ذلك هو اللغة الـجُودَي، بل الأخرى هي الفصيحة.

وقوله عزّ وجل: {وَإذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوساً} يقول: وإذا مسه الشرّ والشدّة كان قنوطا من الفرج والرَّوْح.

وبنـحو الذي قلنا فـي الـيئوس، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَإذَا مَسَّهُ الشَّرُ كانَ يَئُوساً} يقول: قَنُطا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوساً} يقول: إذا مسه الشرّ أَيِس وقَنِط.

قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا ۝٨٤

يقول عزّ وجلّ لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد للناس: كلكم يعمل علـى شاكلته: علـى ناحيته وطريقته {فَرَبُّكُمْ أعْلَـمُ بِـمَنْ} هو منكم {أهْدَى سَبِـيلاً} يقول: ربكم أعلـم بـمن هو منكم أهدى طريقاً إلـى الـحقّ من غيره. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {قل كُلّ يَعْمَلُ عَلـى شاكِلَتِهِ} يقول: علـى ناحيته.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {عَلـى شاكِلَتِهِ} قال: علـى ناحيته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ علـى شاكِلَتِهِ} قال: علـى طبـيعته علـى حِدَته.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قُلْ كُل يَعْمَلُ عَلـى شاكِلَتِهِ} يقول: علـى ناحيته وعلـى ما ينوي.

وقال آخرون: الشاكلة: الدِّين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {كُلّ يَعْمَلُ علـى شاكِلَتِهِ} قال: علـى دينه، الشاكلة: الدين.

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ۝٨٥

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ويسألك الكفـار بـالله من أهل الكتاب عن الروح ما هي؟ قل لهم: الروح من أمر ربـي، وما أوتـيتـم أنتـم وجميع الناس من العلـم إلا قلـيلاً. وذُكِر أن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فنزلت هذه الآية بـمسألتهم إياه عنها، كانوا قوماً من الـيهود. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنت مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي حرث بـالـمدينة، ومعه عَسِيب يتوكأ علـيه، فمر بقوم من الـيهود، فقال بعضهم: اسألوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، فقام متوكئا علـى عسيبه، فقمت خـلفه، فظننت أنه يوحَى إلـيه، فقال: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّـي وَما أُوتِـيتُـمْ مِنَ العِلْـمِ إلاَّ قَلِـيلاً} فقال بعضهم لبعض: ألـم نقل لكم لا تسألوه.

حدثنا يحيى بن إبراهيـم الـمسعوديّ، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: بـينا أنا أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي حَرَّة بـالـمدينة، إذ مررنا علـى يهود، فقال بعضهم: سَلُوه عن الروح، فقالوا: ما أربكم إلـى أن تسمعوا ما تكرهون، فقاموا إلـيه، فسألوه، فقام فعرفت أنه يوحَى إلـيه، فقمت مكانـي، ثم قرأ: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّـي وَما أُوتِـيُتـمْ مِنَ العِلْـمِ إلاَّ قَلِـيلاً} فقالوا: ألـم ننهكم أن تسألوه.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فأنزل الله تعالـى: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبّـي وَما أُوتِـيُتُـمْ مِنَ العِلْـمِ إلاَّ قَلِـيلاً} فقالوا: أتزعم أنا لـم نؤتَ من العلـم إلا قلـيلا، وقد أوتـينا التوراة، وهي الـحكمة،

{ وَمَنْ يُؤْتَ الـحِكْمَةَ فَقَدْ أُوِتَـيَ خَيْراً كَثِـيراً }. قال: فنزلت: { وَلَوْ أنَّ ما فِـي الأرْضِ من شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَـمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِـماتُ اللّهِ } قال: ما أوتـيتـم من علـم، فنـجاكم الله به من النار، فهو كثـير طيب، وهو فـي علـم الله قلـيـل.

حدثنـي إسماعيـل بن أبـي الـمتوكل، قال: ثنا الأشجعيّ أبو عاصم الـحِمْصيّ، قال: ثنا إسحاق بن عيسى أبو يعقوب، قال: ثنا القاسم بن معن، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: إنـي لـمع النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي حرث بـالـمدينة، إذ أتاه يهوديّ، قال: يا أبـا القاسم، ما الروح؟ فسكت النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عزّ وجلّ: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ ربّـي}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} لقـيت الـيهود نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، فتغَشَّوه وسألوه وقالوا: إن كان نبـياً علـم، فسيعلـم ذلك، فسألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنـين فأنزل الله فـي كتابه ذلك كله {وَيَسْئَلُونَكَ عَن الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّـي وَما أُوتِـيُتـمْ مِنَ العِلْـمِ إلاَّ قَلِـيلاً} يعنـي الـيهود.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} قال: يهود تسأل عنه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} قال: يهود تسأله.

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ...} الآية: وذلك أن الـيهود قالوا للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: أخبرنا ما الروح، وكيف تعذّب الروح التـي فـي الـجسد وإنـما الروح من الله عزّ وجلّ، ولـم يكن نزل علـيه فـيه شيء، فلـم يُحِر إلـيهم شيئا، فأتاه جَبرئيـل علـيه السلام، فقال له: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبّـي وَما أُوتِـيُتـمْ مِنَ العِلْـمِ إلاَّ قَلِـيلاً} فأخبرهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فقالوا له: من جاءك بهذا؟ فقال لهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

جاءنِـي بِهِ جِبْرِيـلُ مِنْ عِنْدِ اللّهِ، فقالوا: والله ما قاله لك إلا عدوّ لنا، فأنزل الله تبـارك اسمه: { قُلْ مَنْ كانَ عَدُوّاً لِـجْبرِيـلَ فإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلـى قَلْبِكَ... }الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم، عن عبد الله، قال: كنت أمشي مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فمررنا بأناس من الـيهود، فقالوا: يا أبـا القاسم ما الرُّوح؟ فأُسْكِت، فرأيت أنه يوحَى إلـيه، قال: فتنـحيت عنه إلـى سُبـاطة، فنزلت علـيه: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ...} الآية، فقالت الـيهود: هكذا نـجده عندنا.

واختلف أهل التأويـل فـي الروح الذي ذُكِر فـي هذا الـموضع ما هي؟ فقال بعضهم: هي جبرئيـل علـيه السلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} قال: هو جبرائيـل، قال قتادة: وكان ابن عبـاس يكتـمه.

وقال آخرون: هي مَلك من الـملائكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروحِ} قال: الروح: مَلك.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي أبو مروان يزيد بن سمرة صاحب قـيسارية، عمن حدثه عن علـيّ بن أبـي طالب، أنه قال فـي قوله: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} قال: هو ملَك من الـملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان منها سبعون ألف لغة يسبح الله عزّ وجلّ بتلك اللغات كلها، يخـلق الله من كلّ تسبـيحة ملَكا يطير مع الـملائكة إلـى يوم القـيامة.

وقد بـيَّنا معنى الرّوح فـي غير هذا الـموضع من كتابناً، بـما أغنى عن إعادته.

وأما قوله: {منْ أمْرِ رَبِّـي} فإنه يعنـي: أنه من الأمر الذي يعلـمه الله عزّ وجلّ دونكم، فلا تعلـمونه ويعلـم ما هو.

وأما قوله: {وَما أُوتِـيتُـمْ مِنَ العِلْـمِ إلاَّ قَلِـيلاً} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي الـمعنـيّ بقوله {وَما أُوتِـيتُـمْ منَ العِلْـمِ إلاَّ قَلِـيلاً} فقال بعضهم: عنى بذلك: الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح وجميع الناس غيرهم، ولكن لـما ضمّ غير الـمخاطب إلـى الـمخاطب، خرج الكلام علـى الـمخاطبة، لأن العرب كذلك تفعل إذا اجتـمع فـي الكلام مخبر عنه غائب ومخاطب، أخرجو الكلام خطابـاً للـجمع. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت بـمكة {وَما أُوتِـيتُـمْ مِنَ العِلْـمِ إلاَّ قَلِـيلاً} فلـما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى الـمدينة أتاه أحبـار يهود، فقالوا: يا مـحمد ألـم يبلغنا أنك تقول {وَما أُوتِـيتُـمْ مِنَ العِلْـمِ إلاَّ قَلِـيلاً} أفعنـيتنا أم قومك؟ قال: «كُلاًّ قَدْ عَنَـيْتُ»، قالوا: فإنك تتلو أنا أوتـينا التوراة وفـيها تبـيان كلّ شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هِيَ فـي عِلْـمِ اللّهِ قَلِـيـلٌ، وَقَدْ آتاكُمْ ما إنْ عَمِلْتُـمْ بِهِ انْتَفَعْتُـمْ، فَأنْزَل الله { وَلَوْ أنَّ ما فِـي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلامٌ... }إلـى قوله { إنَّ اللّهَ سَميعٌ بَصِيرٌ }

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله عزّ وجلّ {وَما أُوتِـيتُـمْ مِنَ العِلْـمِ إلاَّ قَلِـيلاً} قال: يا مـحمد والناس أجمعون.

وقال آخرون: بل عنى بذلك الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح خاصة دون غيرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَما أُوتِـيتُـمْ مِنَ العِلْـمِ إلاَّ قَلِـيلاً} يعنـي: الـيهود.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: خرج الكلام خطابـاً لـمن خوطب به، والـمراد به جميع الـخـلق، لأن علـم كلّ أحد سوى الله، وإن كثر فـي علـم الله قلـيـل. وإنـما معنى الكلام: وما أوتـيتـم أيها الناس من العلـم إلاَّ قلـيلاً من كثـير مـما يعلـم الله.

وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيْنَا وَكِيلًا ۝٨٦

يقول ذكره: ولئن شئنا لنذهبنّ بـالذي آتـيناك من العلـم الذي أوحينا إلـيك من هذا القرآن لنذهبنّ به، فلا تعلـمه، ثم لا تـجد لنفسك بـما نفعل بك من ذلك وكيلاً، يعنـي: قـيِّـماً يقوم لك، فـيـمنعنا من فعل ذلك بك، ولا ناصراً ينصرك، فـيحول بـيننا وبـين ما نريد بك، قال: وكان عبد الله بن مسعود يتأوّل معنى ذهاب الله عزّ وجلّ به رفعه من صدور قارئيه. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد العزيز بن رفـيع، عن بُنْدار، عن معقل، قال: قلت لعبد الله، وذكر أنه يُسرى علـى القرآن: كيف وقد أثبتناه فـي صدورنا ومصاحفنا؟ قال: يُسرى علـيه لـيلاً، فلا يبقـى منه فـي مصحف ولا فـي صدر رجل، ثم قرأ عبد الله: {وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبنَّ بـالَّذِي أوْحَيْنا إلَـيْكَ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن إسحاق بن يحيى، عن الـمسيب بن رافع، عن عبد الله بن مسعود، قال: تطرق الناسَ ريح حمراء من نـحو الشام، فلا يبقـى فـي مصحف رجل ولا قلبه آية. قال رجل: يا أبـا عبد الرحمن، إنـي قد جمعت القرآن، قال: لا يبقـى فـي صدرك منه شيء. ثم قرأ ابن مسعود: {وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبنَّ بـالَّذِي أوْحَيْنا إلَـيْكَ}.

إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُۥ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ۝٨٧

يقول عزّ وجلّ:

{ ولئنْ شِئْنا لنذهبنَّ }يا مـحمد { بـالَّذِي أوْحيْنَا إلـيْكَ } ولكنه لا يشاء ذلك، رحمة من ربك وتفضلاً منه علـيك {إنَّ فضْلهُ كانَ علـيكَ كبـيراً} بـاصطفـائه إياك لرسالته، وإنزاله علـيك كتابه، وسائر نعمه علـيك التـي لا تـحصى.

قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ۝٨٨

يقول جل ثناؤه: قل يا مـحمد للذين قالوا لك: أنا نأتـي بـمثل هذا القرآن: لئن اجتـمعت الإنس والـجنّ علـى أن يأتوا بـمثله، لا يأتون أبداً بـمثله، ولو كان بعضهم لبعض عوناً وظهراً. وذُكِر أن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب قوم من الـيهود جادلوه فـي القرآن، وسألوه أن يأتـيهم بآية غيره شاهدة له علـى نبّوته، لأن مثل هذا القرآن بهم قدرة علـى أن يأتوا به. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: ثنا مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: ثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: أتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم مـحمود بن شحان وعمر بن أصان وبحري بن عمرو، وعزيز بن أبـي عزيز، وسلام بن مِشْكم، فقالوا: أخبرنا يا مـحمد بهذا الذي جئنا به حقّ من عند الله عزّ وجلّ، فإنا لا نراه متناسقا كما تناسق التوراة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أما وَاللّهِ أنَّكُمْ لَتَعْرِفُونَ أنَّهُ مِنْ عِنْدَ اللّهِ تَـجِدُونَهُ مَكْتُوبـاً عِنْدَكُمْ، وَلَوِ اجْتَـمَعَتِ الإنْسُ والـجِنُّ عَلـى أنْ يَأْتُوا بِـمِثْلِهِ ما جاءُوا بِهِ فقال عند ذلك، وهم جميعاً: فِنْـحاص، وعبد الله بن صُورِيا، وكِنانة بن أبـي الـحُقـيق، وأَشِيع، وكعب بن أسد، وسموأل بن زيد، وجبل بن عمرو: يا مـحمد ما يعلِّـمك هذا إنس ولا جان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أما وَاللّهِ إنَّكُمْ لَتَعْلَـمُونَ أنَّهُ مِنْ عِنْدَ اللّهِ تَـجِدُونَهُ مَكْتُوبـاً عِنْدَكمْ فِـي التَّوْرَاةِ والإنـجِيـلِ، فقالوا: يا مـحمد، إن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما شاء، ويقدر منه علـى ما أراد، فأنزل علـينا كتابـاً نقرؤه ونعرفه، وإلاَّ جئناك بـمثل ما يأتـي به، فأنزل الله عزّ وجلّ فـيهم وفـيـما قالوا: {قُلْ لَئِنِ اجْتَـمَعَتِ الإنْسُ والـجِنُّ عَلـى أنْ يَأْتُوا بِـمِثْلِ هَذَا القُرآنِ لا يَأْتُونَ بِـمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله {لَئِنِ اجْتَـمَعَتِ الإنْسُ والـجِنُّ...} إلـى قوله {وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} قال: معيناً، قال: يقول: لو برزت الـجنّ وأعانهم الإنس، فتظاهروا لـم يأتوا بـمثل هذا القرآن. وقوله عزّ وجلّ {لا يَأْتُونَ بِـمِثْلهِ} رفع، وهو جواب لقوله «لئن»، لأن العرب إذا أجابت لئن بلا رفعوا ما بعدها، لأن «لئن» كالـيـمين وجواب الـيـمين بلا مرفوع، وربـما جزم لأن التـي يجاب بها زيدت علـيه لام، كما قال الأعشى:

لَئِنْ مُنِـيتَ بِنا عَنْ غِبِّ مَعْرَكةٍلا تُلْفنا عَنْ دِماءِ القَوْمِ نَنْتَفِلُ

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ۝٨٩

يقول ذكره: ولقد بـيَّنا للناس فـي هذا القرآن من كلّ مثل، احتـجاجاً بذلك كله علـيهم، وتذكيراً لهم، وتنبـيهاً علـى الـحقّ لـيتبعوه ويعملوا به {فَأبى أكْثَرُ النَّاسِ إلاَّ كُفُوراً} يقول: فأبى أكثر الناس إلاَّ جحودا للـحقّ، وإنكاراً لـحجج الله وأدلته.

وَقَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلْأَرْضِ يَنۢبُوعًا ۝٩٠

يقول تعالى ذكره: وقال يا مـحمد، الـمشركون بـالله من قومك لك: لن نصدّقك، حتـى تفجِّر لنا من أرضنا هذه عينا تنبع لنا بـالـماء.

وقوله {يَنْبُوعاً} يفعول من قول القائل: نبع الـماء: إذا ظهر وفـار، ينْبُع ويَنْبَع، وهو ما نبع. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله حتـى {تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً}: أي حتـى تفْجُر لنا من الأرض عيونا: أي ببلدنا هذا.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله {حتـى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً} قال: عيوناً.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {يَنْبُوعاً} قال: عيوناً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله {تَفْجُرَ} فروي عن إبراهيـم النـخعيّ أنه قرأ {حتـى تَفْجُرَ لَنا} خفـيفة وقوله

{ فَتُفَجِّرَ الأنهَارَ خِلاَلَها تَفْجِيراً }بـالتشديد، وكذلك كانت قراء الكوفـيـين يقرءونها، فكأنهم ذهبوا بتـخفـيفهم الأولـى إلـى معنى: حتـى تفجر لنا من الأرض ماء مرّة واحدة. وبتشديدهم الثانـية إلـى أنها تفجر فـي أماكن شتـى، مرّة بعد أخرى، إذا كان ذلك تفجر أنهار لا نهر واحد والتـخفـيف فـي الأولـى والتشديد فـي الثانـية علـى ما ذكرت من قراءة الكوفـيـين أعجب إلـيّ لـما ذكرت من افتراق معنـيـيهما، وإن لـم تكن الأولـى مدفوعة صحتها.

أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلْأَنْهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفْجِيرًا ۝٩١

يقول ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وقال لك يا مـحمد مشركو قومك: لن نصدّقك حتـى تستنبط لنا عيناً من أرضنا، تَدفَّق بـالـماء أو تفور، أو يكون لك بستان، وهو الـجنة، من نـخيـل وعنب، فتفجِّر الأنهار خلالها تفجيراً بأرضنا هذه التـي نـحن بها خلالها، يعنـي: خلال النـخيـل والكروم ويعنـي بقوله: {خِلالها تَفجِيراً} بـينها فـي أصولها تفجيراً بسبب أبنـيتها.

أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ۝٩٢

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {كِسَفـاً} فقرأته عامَّة قرّاء الكوفة والبصرة بسكون السين، بـمعنى: أو تسقط السماء كما زعمت علـينا كِسفـاً، وذلك أن الكِسْف فـي كلام العرب: جمع كِسْفة، وهو جمع الكثـير من العدد للـجنس، كما تـجمع السِّدْرة بسِدْر، والتـمرة بتـمر، فحُكي عن العرب سماعاً: أعطنـي كِسْفة من هذا الثوب: أي قطعة منه، يقال منه: جاءنا بثريد كِسْف: أي قطع خبز. وقد يحتـمل إذا قرىء كذلك «كِسْفـاً» بسكون السين أن يكون مرادا به الـمصدر من كسف. فأما الكِسَفُ بفتـح السين، فإنه جمع ما بـين الثلاث إلـى العشر، يقال: كِسَفة واحدة، وثلاث كِسَف، وكذلك إلـى العشر. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض الكوفـيـين {كِسَفـاً} بفتـح السين بـمعنى: جمع الكِسْفة الواحدة من الثلاث إلـى العشر، يعنـي بذلك قِطَعاً: ما بـين الثلاث إلـى العشر.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب عندي قراءة من قرأه بسكون السين، لأن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، لـم يقصدوا فـي مسألتهم إياه ذلك أن يكون بحدّ معلوم من القطع، إنـما سألوا أن يُسقط علـيهم من السماء قِطَعاً، وبذلك جاء التأويـل أيضاً عن أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {كِسْفـاً} قال: السماء جمعاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

قال ابن جريج: قال عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد، قوله {كمَا زَعَمْتَ عَلَـيْنا كِسَفـا} قال: مرّة واحدة، والتـي فـي الروم

{ ويَجْعَلُهُ كِسَفـاً } قال: قطعاً، قال ابن جريج: كسفـاً لقول الله: { إنْ نَشَأْ نَـخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَـيْهِمْ كِسَفـاً مِنَ السَّماءِ }}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كمَا زَعَمْتَ عَلَـيْنا كِسَفـاً} قال: أي قطعاً.

حدثنا علـيّ، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {كِسَفـاً} يقول: قطعاً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {كِسَفـاً} قال: قطعاً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كمَا زَعَمْتَ عَلَـيْنا كِسَفـاً} يعنـي قِطَعاً.

القول فـي تأويـل قوله: {أوْ تَأْتِـيَ بـاللّهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِـيلاً}

يقول تعالـى ذكره عن قـيـل الـمشركين لنبـيّ الله صلى الله عليه وسلم: أو تأتـي بـالله يا مـحمد والـملائكة قبـيلاً.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى القبـيـل فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: معناه: حتـى يأتـي الله والـملائكة كلَّ قبـيـلة منا قبـيـلة قبـيـلة، فـيعاينونهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَالـمَلائِكَةِ قَبِـيلاً} قال: علـى حدتنا، كلّ قبـيـلة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله {أوْ تَأْتِـي بـاللّهِ وَالـمَلائِكَةِ قَبِـيلاً} قال: قبـائل علـى حدتها كلّ قبـيـلة.

وقال آخرون: معنى ذلك: أوْ تأتـي بـالله والـملائكة عياناً نقابلهم مقابلة، فنعاينهم معاينة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أوْ تَأْتـيَ بـاللّهِ وَالـمَلائِكَةِ قَبِـيلاً} نعاينهم معاينة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج {أوْ تَأْتـيَ بـاللّهِ وَالـمَلائِكَةِ قَبِـيلاً} فنعاينهم.

ووجَّهه بعض أهل العربـية إلـى أنه بـمعنى الكفـيـل من قولهم: هو قَبـيـلُ فلان بـما لفلان علـيه وزعيـمه.

وأشبه الأقوال فـي ذلك بـالصواب، القول الذي قاله قتادة من أنه بـمعنى الـمعاينة، من قولهم: قابلت فلانا مقابلة، وفلان قبـيـل فلان، بـمعنى قبـالته، كما قال الشاعر:

نُصَالِـحُكُمْ حتـى تَبُوءُوا بِـمِثْلِهاكصَرْخَةِ حُبْلَـى يَسَّرَتْها قَبِـيـلُها

يعنـي قابِلَتها. وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب من أهل البصرة يقول: إذا وصفوا بتقدير فعيـل من قولهم قابلت ونـحوها، جعلوا لفظ صفة الاثنـين والـجميع من الـمؤنث والـمذكر علـى لفظ واحد، نـحو قولهم: هذه قبـيـلـي، وهما قبـيـلـي، وهم قبـيـلـي، وهن قبـيـلـي.

أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَٰبًا نَّقْرَؤُهُۥ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا ۝٩٣

يقول تعالى ذكره مخبرا عن الـمشركين الذين ذكرنا أمرهم فـي هذه الآيات: أو يكون لك يا مـحمد بـيت من ذهب وهو الزخرف. كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {أوْ يَكُونَ لَكَ بَـيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ} يقول: بـيت من ذهب.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {مِنْ زُخْرُفٍ} قال: من ذهب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أوْ يَكُونَ لَكَ بَـيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ} والزخرف هنا: الذهب.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {أوْ يَكُونَ لَكَ بَـيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ} قال: من ذهب.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن رجل، عن الـحكم قال: قال مـجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتـى رأيناه فـي قراءة ابن مسعود: «أوْ يَكُونَ لَكَ بَـيْتٌ مِنْ ذَهَبٍ».

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد، قال: لـم أدر ما الزخرف، حتـى سمعنا فـي قراءة عبد الله بن مسعود: «بَـيْتٌ مِنْ ذَهَبٍ».

وقوله {أوْ تَرْقـى فِـي السَّماءِ} يعنـي: أو تصعد فـي درج إلـى السماء وإنـما قـيـل فـي السماء، وإنـما يرقـى إلـيها لا فـيها، لأن القوم قالوا: أو ترقـى فـي سلـم إلـى السماء، فأدخـلت «فـي» فـي الكلام لـيدلّ علـى معنى الكلام، يقال: رَقِـيت فـي السلـم، فأنا أرقَـى رَقـيا ورِقِـيا ورُقـيا، كما قال الشاعر:

أنتَ الَّذِي كَلَّفتَنِـي رَقْـيَ الدَّرْجعَلـى الكلالِ والـمَشِيبِ والعَرْجِ

وقوله: {وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِـيِّكَ} يقول: ولن نصدّقك من أجل رُقِـيك إلـى السماء {حتـى تُنَزِّلَ عَلَـيْنا كِتابـا} منشورا نَقْرَؤُهُ فـيه أمرنا بـاتبـاعك والإيـمان بك، كما:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {كِتابـا نَقْرَؤُهُ} قال: من ربّ العالـمين إلـى فلان، عند كلّ رجل صحيفة تصبح عند رأسه يقرؤها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد بنـحوه، إلاَّ أنه قال: كتابـا نقرؤه من ربّ العالـمين، وقال أيضا: تصبح عند رأسه موضوعة يقرؤها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {حتـى تُنَزِّلَ عَلَـيْنا كِتابـا نَقْرَؤُهُ}: أي كتابـا خاصا نؤمر فـيه بـاتبـاعك.

وقوله: {قُلْ سُبْحانَ رَبّـي} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين من قومك، القائلـين لك هذه الأقوال، تنزيها لله عما يصفونه به، وتعظيـما له من أن يؤتـى به وملائكته، أو يكون لـي سبـيـل إلـى شيء مـما تسألونـيه: {هَلْ كُنْتُ إلاَّ بَشَرا رَسُولاً} يقول: هل أنا إلاَّ عبد من عبـيده من بنـي آدم، فكيف أقدر أن أفعل ما سألتـمونـي من هذه الأمور، وإنـما يقدر علـيها خالقـي وخالقكم، وإنـما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إلـيكم، والذي سألتـمونـي أن أفعله بـيد الله الذي أنا وأنتـم عبـيد له، لا يقدر علـى ذلك غيره.

وهذا الكلام الذي أخبر الله أنه كلَّـم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما ذكر كان من ملإ من قريش اجتـمعوا لـمناظرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومُـحاجَّته، فكلَّـموه بـما أخبر الله عنهم فـي هذه الآيات.

ذكر تسمية الذين ناظروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك منهم

والسبب الذي من أجله ناظروه به

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي شيخ من أهل مصر، قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، أن عتبة وشيبة ابنـي ربـيعة وأبـا سفـيان بن حرب ورجلاً من بنـي عبد الدار وأبـا البختري أخا بنـي أسد، والأسود بن الـمطلب، وزمعة بن الأسود، والولـيد بن الـمغيرة، وأبـا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبـي أمية، وأميَّة بن خـلف، والعاص بن وائل، ونُبَـيها ومُنَبها ابنـي الـحجاج السَّهميـين اجتـمعوا، أو من اجتـمع منهم، بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلـى مـحمد فكلِّـموه وخاصموه حتـى تُعْذِروا فـيه، فبعثوا إلـيه: إن أشراف قومك قد اجتـمعوا إلـيك لـيكلـموك، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا، وهو يظنّ أنه بدا لهم فـي أمره بَدَاء، وكان علـيهم حريصا، يحبّ رشدهم ويعزّ علـيه عَنَتهم، حتـى جلس إلـيهم، فقالوا: يا مـحمد إنا قد بعثنا إلـيك لنُعْذِر فـيك، وإنا والله ما نعلـم رجلاً من العرب أدخـل علـى قومه ما أدخـلت علـى قومك لقد شتـمت الآبـاء، وعِبْت الدين، وسفَّهت الأحلام، وشتـمت الآلهة، وفرّقت الـجماعة، فما بقـي أمر قبـيح إلاَّ وقد جئته فـيـما بـيننا وبـينك، فإن كنت إنـما جئت بهذا الـحديث تطلب مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتـى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنـما تطلب الشرف فـينا سوّدناك علـينا، وإن كنت تريد به مُلكا ملكناك علـينا، وإن كان هذا الذي يأتـيك بـما يأتـيك به رَئِيا تراه قد غلب علـيك وكانوا يسمون التابع من الـجنّ: الرئيّ فربـما كان ذلك، بذلنا أموالنا فـي طلب الطبّ لك حتـى نبرئك منه، أو نُعذِرَ فـيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:ما بِـي ما تَقُولُونَ، ما جِئتُكُمْ بِـمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أطلُبُ أمْوَالَكُمْ، وَلا الشَّرَفَ فِـيكُمْ وَلا الـمُلْكَ عَلَـيْكُمْ، وَلَكِنَّ اللّهَ بَعَثَنِـي إلَـيْكُمْ رَسُولاً، وأنْزَلَ عَلـيَّ كِتابـا، وأمَرَنِـي أنْ أكُونَ لَكُمْ بَشِيرا وَنَذِيرا، فَبَلَّغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبّـي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فإنْ تَقْبَلُوا مِنِّـي ما جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِـي الدُّنْـيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلـيَّ أصْبِرْ لأَمْرِ اللّهِ حتـى يَحْكُمَ اللّهُ بَـيْنـيِ وَبَـيْنَكُمْ أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا مـحمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا علـيك، فقد علـمت أنه لـيس أحد من الناس أضيق بلادا، ولا أقلّ مالاً، ولا أشدّ عيشا منا، فسل ربك الذي بعثك بـما بعثك به، فلـيسيِّرْ عنا هذه الـجبـال التـي قد ضيقت علـينا، ويبسط لنا بلادنا، ولـيفجِّر لنا فـيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، ولـيبعث لنا من مضى من آبـائنا، ولـيكن فـيـمن يبعث لنا منهم قُصَيّ بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول، حقّ هو أم بـاطل؟ فإن صنعت ما سألناك، وصدقوك صدقناك، وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك بـالـحقّ رسولاً، كما تقول. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:ما بِهذَا بُعِثْتُ، إنَّـمَا جِئْتُكُمْ مِنَ اللّهِ بِـمَا بَعَثَنِـي بِهِ، فَقَدْ بَلَّغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلـيكم، فإنْ تَقْبَلُوهُ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِـي الدُّنْـيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلـيَّ أصْبِرْ لأمْرِ اللّهِ حتـى يَحْكُمَ اللّهُ بَـيْنِـي وَبَـيْنَكُمْقالوا: فإن لـم تفعل لنا هذا، فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث ملكا يصدّقك بـما تقول، ويراجعنا عنك، واسأله فلـيجعل لك جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنـيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بـالأسواق، وتلتـمس الـمعاش كما نلتـمسه، حتـى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بِفـاعِلٍ، ما أنا بـالَّذِي يَسألُ رَبَّهُ هذَا، وَما بُعِثْتُ إلَـيْكُمْ بِهذَا، وَلَكِنَّ اللّهَ بَعَثَنِـي بَشِيرا وَنَذِيرا، فإنْ تَقْبَلُوا ما جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِـي الدُّنْـيا والآخِرَةِ، وَإنْ تَرُدُّوهُ عَلـيَّ أصْبِرْ لأَمْرِ اللّهِ حتـى يَحْكُمَ اللّهُ بَـيْنِـي وبَـيْنَكُمْقالوا: فأسقط السماء علـينا كِسَفـا، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلاَّ أن تفعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلكَ إلـى الله إنْ شاءَ فَعَلَ بِكُمْ ذلكَ فقالوا: يا مـحمد، فما علـم ربك أنا سنـجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فـيتقدّم إلـيك، ويعلـمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك أيضاً إذ لم تقبل منا ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلِّـمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله ما نؤمن بـالرحمن أبدا، أعذرنا إلـيك يا مـحمد، أما والله لا نتركك وما بلغت بنا حتـى نهلكك أو تهلكنا، قال قائلهم: نـحن نعبد الـملائكة، وهنّ بنات الله، وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتـى تأتـينا بـالله والـملائكة قبـيلاً. فلـما قالوا ذلك، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وقام معه عبد الله بن أبـي أميَّة بن الـمُغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهو ابن عمته ابن عاتكة ابنة عبد الـمطلب، فقال له: يا مـحمد عرض علـيك قومك ما عرضوا فلـم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا، لـيعرفوا منزلتك من الله فَلـم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تـخوّفهم به من العذاب، فوالله لا أومن لك أبدا، حتـى تتـخذ إلـى السماء سلـما ترقـى فـيه، وأنا أنظر حتـى تأتـيها، وتأتـي معك بنسخة منشورة معك أربعة من الـملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايـم الله لو فعلت ذلك لظننتُ ألاّ أصدّقك، ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى أهله حزينا أسيفـا لـما فـاته مـما كان يطمع فـيه من قومه حين دعوه، ولِـمَا رأى من مبـاعدتهم إياه فلـما قام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو جهل: يا معشر قريش، إن مـحمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتـم آبـائنا، وتسفـيه أحلامنا، وسبّ آلهتنا، وإنـي أعاهد الله لأجلسنّ له غدا بحجر قدر ما أطيق حَمْله، فإذا سجد فـي صلاته فضخت رأسه به.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة مولـى ابن عبـاس، عن ابن عبـاس، بنـحوه، إلاَّ أنه قال: وأبـا سفـيان بن حرب، والنضر بن الـحرث أبناء بنـي عبد الدار، وأبـا البختريّ بن هشام.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن أبـي بشر، عن سعيد، قال: قلت له فـي قوله تعالـى

{ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتـى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعا }قال: قلت له: نزلت فـي عبد الله بن أبـي أمية، قال: قد زعموا ذلك.

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا ۝٩٤

يقول تعالـى ذكره: وما منع يا مـحمد مشركي قومك الإيـمان بـالله، وبـما جئتهم به من الـحقّ {إذْ جاءَهُمُ الهُدَى} يقول: إذ جاءهم البـيان من عند الله بحقـيقة ما تدعوهم وصحة ما جئتهم به، إلاَّ قولهم جهلاً منهم {أبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَسُولاً} فأن الأولـى فـي موضع نصب بوقوع منع علـيها، والثانـية فـي موضع رفع، لأن الفعل لها.

قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَٰٓئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا ۝٩٥

يقول تعالـى ذكره لنبـيه: قل يا مـحمد لهؤلاء الذين أبوا الإيـمان بك وتصديقك فـيـما جئتهم به من عندي، استنكاراً لأن يبعث الله رسولاً من البشر: لو كان أيها الناس فـي الأرض ملائكة يـمشون مطمئنـين، لَنَزَّلْنَا علـيهم من السماء ملَكاً رسولاً، لأن الـملائكة إنـما تراهم أمثالهم من الـملائكة، ومن خصّه الله من بنـي آدم برؤيتها، فأما غيرهم فلا يقدرون علـى رؤيتها فكيف يبعث إلـيهم من الـملائكة الرسل، وهم لا يقدرون علـى رؤيتهم وهم بهيئاتهم التـي خـلقهم الله بها، وإنـما يرسل إلـى البشر الرسول منهم، كما لو كان فـي الأرض ملائكة يـمشون مطمئنـين، ثم أرسلنا إلـيهم رسولاً أرسلناه منهم ملَكاً مثلهم.

قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًا ۝٩٦

يقول تعالـى ذكره لنبـيه: قل يا مـحمد للقائلـين لك: {أبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَسُولاً كَفَـى بـاللّهِ شَهِيداً بَـيْنِـي وَبَـيْنِكُمْ} فإنه نعم الكافـي والـحاكم {إنَّهُ كانَ بِعِبـادِهِ خَبِـيراً} يقول: إن الله بعبـاده ذو خبرة وعلـم بأمورهم وأفعالهم، والـمـحقّ منهم والـمُبطل، والـمهْديّ والضالّ {بَصِيراً} بتدبـيرهم وسياستهم وتصريفهم فـيـما شاء، وكيف شاء وأحبّ، لا يخفـى علـيه شيء من أمورهم، وهو مـجازٍ جميعَهم بـما قدّم عند ورودهم علـيه.

وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَٰهُمْ سَعِيرًا ۝٩٧

يقول تعالـى ذكره: ومن يهد الله يا مـحمد للإيـمان به، ولتصديقك وتصديق ما جئت به من عند ربك، فوفَّقه لذلك، فهو الـمهتد الرشيد الـمصيب الـحقّ، لا من هداه غيره، فإن الهداية بـيده. ومن يضلل يقول: {ومن يضلله} الله عن الـحقّ، فـيخذله عن إصابته، ولـم يوفِّقه للإيـمان بـالله وتصديق رسوله، فلن تـجد لهم يا مـحمد أولـياء ينصرونهم من دون الله، إذا أراد الله عقوبتهم والاستنقاذ منهم. {ونَـحْشُرُهُمْ يَوْمَ القِـيامَةِ عَلـى وُجُوهِهِمْ} يقول: ونـجمعهم بـموقـف القـيامة من بعد تفرّقهم فـي القبور عند قـيام الساعة {علـى وجوههم عُمْياً وَبُكْماً} وهو جمع أبكم، ويعنـي بـالبُكْم: الـخُرْس، كما:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَبُكْماً} قال: الـخرس {وَصُمًّا} وهو جمع أصمّ.

فإن قال قائل: وكيف وصف الله هؤلاء بأنهم يحشرون عمياً وبكماً وصماً، وقد قال

{ ورأى الـمُـجْرِمون النَّارَ فَظَنُّوا أنَّهُمْ مُوَاقِعُوها } فأخبر أنهم يرون، وقال: { إذَا رأتْهُمْ مِنْ مكانٍ بَعيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وزَفِـيراً وإذَا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرّنِـينَ دَعَوْا هُنالكَ ثُبُوراً }فأخبر أنهم يسمعون وينطقون؟ قـيـل: جائز أن يكون ما وصفهم الله به من العَمي والبكم والصمـم يكون صفتهم فـي حال حشرهم إلـى موقـف القـيامة، ثم يجعل لهم أسماع وأبصار ومنطق فـي أحوال أُخر غير حال الـحشر، ويجوز أن يكون ذلك، كما روي عن ابن عبـاس فـي الـخبر الذي:

حدثنـيه علـيّ بن داود، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {ونَـحْشُرُهُمْ يَوْمَ القِـيامَةِ عَلـى وُجُوهِهِمْ عمْياً وَبْكْماً وصُمًّا} ثم قال:

{ ورأى الـمُـجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا }وقال: { سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِـيراً }وقال { دَعَوْا هُنالكَ ثُبُوراً }. أما قوله: {عُمْياً} فلا يرون شيئاً يسرّهم. وقوله: {بُكْماً} لا ينطقون بحجة. وقوله: {صُمًّا} لا يسمعون شيئاً يسرّهم. وقوله: {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّـمُ} يقول جلّ ثناؤه: ومصيرهم إلـى جهنـم، وفـيها مساكنهم، وهم وَقُودها، كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّـمُ} يعنـي إنهم وقودها.

وقوله: {كُلَّـما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً} يعنـي بقوله خبت: لانت وسكنت، كما قال عديّ بن زيد العبـادي فـي وصف مزنة:

وَسْطُهُ كالْـيَرَاعِ أوْ سُرُجِ الـمِـجْـدَلِ حِيناً يَخْبُو وحِيناً يُنِـيرُ

يعنـي بقوله: يخبو السرج: أنها تلـين وتضعف أحياناً، وتقوى وتنـير أخرى، ومنه قول القطامي:

فَـيَخْبو ساعَةً ويَهُبُّ ساعا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل علـى اختلاف منهم فـي العبـارة عن تأويـله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {كُلَّـما خَبَتْ} قال: سكنت.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، {كُلَّـما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً} يقول: كلـما أحرقتهم تسعر بهم حطبـاً، فإذا أحرقتهم فلـم تبق منهم شيئاً صارت جمراً تتوهَّج، فذلك خُبُوُّها، فإذا بدّلوا خـلقاً جديداً عاودتهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن مـجاهد حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس كُلَّـما خَبَتْ قال: خبوّها أنها تَسَعَّر بهم حطبـاً، فإذا أحرقتهم، فلـم يبق منهم شيء صارت جمرا تتوهج، فإذا بُدِّلوا خـلقاً جديداً عاودتهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {كُلَّـما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً} يقول: كلـما احترقت جلودهم بُدّلوا جلودا غيرها، لـيذوقوا العذاب.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {كُلَّـما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً} قال: كلـما لان منها شيء.

حُدثت عن مروان، عن جويبر، عن الضحاك {كُلَّـما خَبَتْ} قال: سكنت. وقوله: {زِدْناهُمْ سَعيراً} يقول: زدنا هؤلاء الكفـار سعيراً، وذلك إسعار النار علـيهم والتهابها فـيهم وتأججها بعد خبوّها، فـي أجسامهم.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ